تقديرات

قصف أبو الظهور يكشف حدود الصدام التركي–الإسرائيلي في سوريا


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


دخل التنافس التركي–الإسرائيلي في سوريا مرحلة أكثر حساسية بعد الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري شمال غربي البلاد في 18 أغسطس/آب 2026، والتي جاءت بعد ساعات من زيارة وفد تركي للموقع لمتابعة أعمال إعادة تأهيله.

وبحسب مسؤولين سوريين، استهدفت ثماني غارات المدرج ومرافق تخزين داخل المطار، وألحقت أضرارًا مادية من دون تسجيل قتلى. وربطت إسرائيل العملية بما قالت إنه احتمال لنشر قوات تركية في الموقع، معتبرة أن وجودًا عسكريًا تركيًا في أبو الظهور قد يغيّر «الوضع الأمني القائم» في سوريا.

لكن دمشق نفت وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية أو تمركز عسكري تركي دائم في المطار. وقال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن ضباطًا أتراكًا زاروا الموقع في إطار التعاون والتدريب، وإن القاعدة كان يجري تأهيلها أساسًا لصالح سلاح الجو السوري.

وهنا تكمن أهمية أبو الظهور: القضية لا تتعلق بالمطار  وحده، بل بمن يملك حق تحديد شكل البنية العسكرية لسوريا الجديدة.

لماذا أبو الظهور؟

يقع المطار في محافظة إدلب، قرب نقطة التقاء أرياف إدلب وحلب وحماة، وعلى مسافة تقارب 70 كيلومترًا من الحدود التركية. وكان الجيش السوري يستخدمه سابقًا لتشغيل طائرات MiG-21 وMiG-23  وL-39، قبل أن يخرج عمليًا من الخدمة خلال سنوات الحرب.

وسقط المطار  بيد فصائل المعارضة وجبهة النصرة في سبتمبر/أيلول 2015 بعد حصار طويل، قبل أن تستعيده قوات النظام السابق في يناير/كانون الثاني 2018 بدعم روسي.

ولسنوات بقيت أجزاء كبيرة من بنيته متضررة أو معطلة. لكن أعمال التأهيل خلال 2026 أعادت إليه قيمة مختلفة؛ فإعادة تشغيله يمكن أن تتيح مركزًا للتدريب أو الانتشار أو الدفاع الجوي ودعم إعادة بناء القوات السورية في منطقة قريبة من تركيا.

ولهذا لا تنظر إسرائيل إلى الموقع من زاوية موقعه الجغرافي فقط، بل من زاوية القدرات التي يمكن أن تُنشر فيه والجهة التي ستساعد على تشغيلها.

ما الذي تخشاه إسرائيل؟

منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024، أصبحت تركيا أحد أبرز الداعمين للحكومة السورية الجديدة، وتوسّع التعاون العسكري بين أنقرة ودمشق ليشمل التدريب والاستشارات والمعدات والمساهمة في إعادة بناء الجيش السوري.

بالنسبة لإسرائيل، يمكن لانتشار قوات تركية أو منظومات رادار  ودفاع جوي داخل قاعدة سورية متقدمة أن يفرض قيودًا جديدة على حرية تحرك سلاح الجو الإسرائيلي فوق سوريا. ولهذا أصبح التنافس يتجاوز مسألة الوجود التركي المباشر إلى سؤال أكبر يتعلق بمدى قدرة سوريا على إعادة بناء جيشها ومجالها الجوي تحت المظلة التركية.  وتشير  فايننشال تايمز إلى أن أنقرة تشارك في جهود إعادة بناء القدرات الدفاعية السورية، بما في ذلك أنظمة رادار  ودفاع جوي، وهو ما يزيد حساسية الملف بالنسبة إلى إسرائيل.
 ولهذا يمكن قراءة قصف أبو الظهور باعتباره ضربة لمنع تشكل قدرة مستقبلية قبل اكتمالها، وليس ردًا على تهديد قائم بالفعل داخل القاعدة.

وقد شدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على رفض بلاده وجودًا عسكريًا تركيًا في سوريا، في إشارة إلى أن توسع الحضور العسكري التركي بدأ يدخل بصورة أكثر وضوحًا ضمن ما تعتبره تل أبيب خطوطًا حمراء.

في الجنوب أيضًا… إسرائيل ترسم مجالها الأمني

تزامن قصف أبو الظهور مع تطور آخر في جنوب سوريا.

ففي 19 أغسطس/آب، أجرى رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير جولة ميدانية مع قادة عسكريين في الجنوب، وأكد أن إسرائيل لن تسمح بتمركز قوات تعتبرها معادية قرب حدودها، مشيرًا إلى إقامة «منطقة أمنية وحزام فاصل».

ومنذ سقوط الأسد، وسعت إسرائيل وجودها في المنطقة العازلة ومواقع داخل الأراضي السورية، في مسار تقول إنه يستهدف منع ظهور تهديدات جديدة، بينما تعتبره دمشق انتهاكًا لسيادتها.

وهكذا تتشكل معادلتان إسرائيليتان متوازيتان: جنوبًا، تريد تل أبيب مجالًا أمنيًا منخفض التهديد وخاضعًا لقيود عسكرية؛ وفي الوسط والشمال، تحاول منع تشكل بنية عسكرية سورية مدعومة من تركيا يمكن أن تقيد حرية حركتها.

نقطة الاحتكاك الأخطر

حتى الآن، لا يبدو أن أنقرة أو تل أبيب تريدان حربًا مباشرة؛ فتركيا عضو في الناتو  وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، فيما تملك إسرائيل تفوقًا جويًا واستخباراتيًا واسعًا ودعمًا عسكريًا أمريكيًا، لذلك ستكون تكلفة المواجهة المباشرة مرتفعة على الطرفين وعلى واشنطن.
 لكن المشكلة أن هامش الاحتكاك أصبح أضيق.
 فإذا أرسلت تركيا قوات أو أنظمة دفاع جوي إلى قاعدة تعتبرها إسرائيل خطًا أحمر، ثم استهدفت إسرائيل القاعدة في وجود عسكريين أتراك، فقد تجد أنقرة نفسها أمام ضغط يدفعها للرد. عندها يمكن لضربة إسرائيلية محدودة أن تؤدي إلى رد تركي، ثم ضربة إسرائيلية مضادة، وهو السيناريو الذي تحاول واشنطن منع حدوثه عبر آلية فض الاشتباك.
 ويكشف قصف أبو الظهور، بالتزامن مع جولة زامير  في جنوب سوريا، عن انتقال إسرائيل من سياسة التعامل مع التهديدات القائمة إلى سياسة منع تشكل ميزان قوة جديد قبل ظهوره. وهذه العقيدة تمنح تل أبيب هامشًا واسعًا للضرب الاستباقي، لكنها تزيد في الوقت نفسه احتمال الاصطدام بقوة إقليمية لا تشبه الفصائل المسلحة أو القوات السورية الضعيفة التي اعتادت إسرائيل مواجهتها.
يمكن الرجوع إلى الدراسة التي نشرناها في المعهد المصري بعنوان: من التنافس إلى الاحتكاك: تركيا وإسرائيل في بيئة أمنية متغيرة بين سوريا وشرق المتوسط والتي ناقشنا فيها التحول الذي طرأ على العلاقة التركية–الإسرائيلية في أعقاب عدد من المتغيرات الرئيسية التي حدثت على مدار الأعوام الثلاثة الماضية؛ مثل حرب غزة التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسقوط نظام بشار الأسد، والحرب الإسرائيلية–الإيرانية، وما رافق هذه التطورات من إعادة تشكيل لموازين القوة والنفوذ في سوريا وشرق المتوسط. وانطلقت الدراسة من أن التوتر بين أنقرة وتل أبيب لم يعد مجرد خلاف سياسي أو دبلوماسي مرتبط بغزة أو بالخطاب المتبادل، بل تحول تدريجيًا ليكون تنافسًا استراتيجيًا بنيويًا متعدد الساحات، يتعلق بشكل النظام الإقليمي المقبل، وحدود النفوذ، وترتيبات الأمن والطاقة والممرات البحرية والبرية.

سوريا بين مشروعين أمنيين

في جوهر الأزمة يوجد خلاف أعمق من مطار أبو الظهور.

تركيا ترى أن الاستقرار السوري يحتاج إلى دولة مركزية أكثر قدرة، وجيش قادر على ضبط الحدود والشمال والشرق والجنوب، ومنع عودة الجماعات المسلحة والفراغات الأمنية.

أما إسرائيل فتنظر بحذر إلى إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، خصوصًا إذا تمت بمساعدة تركية، وتريد ضمان ألا تظهر في سوريا منظومات عسكرية أو دفاعات جوية تقلص تفوقها أو تحد من عملياتها.

وبالتالي يصبح السؤال الحقيقي:

هل تستطيع دمشق إعادة بناء جيشها ومؤسساتها العسكرية بدعم من حلفائها، أم تستطيع إسرائيل فرض خطوط حمراء بالقوة على نوع القدرات والقواعد التي يمكن لسوريا امتلاكها؟

أبو الظهور أصبح أول اختبار كبير لهذا السؤال.

أول اقتراب حقيقي من احتكاك تركي–إسرائيلي؟

زيارة الوفد التركي للقاعدة قبل ساعات من الغارة رفعت مستوى الخطورة؛ إذ لم يعد الأمر يتعلق فقط باستهداف إسرائيل منشأة سورية.

لو بقي أفراد أتراك داخل الموقع وقت القصف، كان من الممكن أن تتحول العملية إلى حادث بين قوتين إقليميتين كبيرتين.

والمشكلة أن هذا السيناريو قابل للتكرار. فإذا نشرت تركيا مستقبلًا مستشارين أو معدات أو منظومات دفاع جوي في قاعدة تعتبرها إسرائيل خطًا أحمر، ثم استهدفتها تل أبيب، قد تجد أنقرة نفسها تحت ضغط للرد.

عندها يمكن أن يبدأ التصعيد بضربة محدودة، ثم رد محدود، ثم رد مضاد، من دون أن يكون أي من الطرفين قد اتخذ أصلًا قرارًا بخوض حرب شاملة.

واشنطن تحاول منع الانفجار

ولهذا برز التحرك الأمريكي بعد قصف أبو الظهور.

قال المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك إن واشنطن تعمل على تطوير آلية أكثر وضوحًا لمنع الاحتكاك وتبادل المعلومات بين تركيا وإسرائيل وسوريا، بهدف منع سوء تقدير ميداني يقود إلى تصعيد غير مقصود.

وتضاربت التقارير حول مستوى الإخطار الأمريكي المسبق بالعملية الإسرائيلية، لكن الواضح أن واشنطن تنظر بقلق إلى أي احتكاك قد يجمع تركيا وإسرائيل مباشرة داخل ساحة عسكرية واحدة.

فالولايات المتحدة لا تريد خسارة تركيا، العضو في الناتو، ولا تريد في الوقت نفسه تعريض أمن إسرائيل أو علاقاتها معها للخطر. ولذلك يصبح هدفها الأساسي إدارة التنافس ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة.

الخلاصة: من قاعدة مهجورة إلى خط أحمر جديد

حتى وقت قريب، كان أبو الظهور مجرد قاعدة سورية متضررة خرجت من الخدمة خلال الحرب.

اليوم أصبح رمزًا لسؤال أكبر بكثير.

فالضربة الإسرائيلية أظهرت استعداد تل أبيب للوصول إلى شمال سوريا، وليس فقط إلى الجنوب أو المواقع المرتبطة سابقًا بالنفوذ الإيراني، إذا اعتبرت أن تغيرًا عسكريًا جديدًا يهدد حرية عملها.

وفي المقابل، فإن استمرار تركيا في تدريب الجيش السوري والمساهمة في إعادة بناء قدراته يعني أن المعضلة نفسها قد تتكرر في قواعد ومطارات ومواقع دفاع جوي أخرى.

لذلك لا تكمن أهمية أبو الظهور في عدد الطائرات التي يستطيع تشغيلها، وإنما في أنه كشف حدود مشروعين متناقضين لسوريا الجديدة.

تركيا تريد دولة سورية تستعيد تدريجيًا قدرتها العسكرية وسيادتها، بينما تريد إسرائيل بيئة سورية لا تستطيع أن تتحول مجددًا إلى قوة عسكرية تقيد حركتها.

وبين المشروعين أصبحت سوريا واحدة من أخطر نقاط التماس بين أنقرة وتل أبيب.

حتى الآن لا يبدو أن أيًا من الطرفين يريد حربًا مباشرة. لكن قصف أبو الظهور أظهر أن غياب قرار الحرب لا يعني غياب خطرها؛ فكلما اقترب الحضور التركي من المواقع التي تعتبرها إسرائيل حساسة، أصبح سوء التقدير أو الحادث الميداني قادرًا على دفع العلاقة من المنافسة إلى الاحتكاك.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى