تقديرات

ما وراء احتجاجات صربيا: سقوط مظلة نوفي ساد وشبكة النفوذ الإماراتي في البلقان


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


لم تعد الأزمة السياسية التي تعصف بصربيا مجرد موجة احتجاجات طلابية، مرتبطة بالتحركات الاحتجاجية المتنامية حول العالم ممن يطلق عليهم الجيل زد، اندلعت عقب كارثة إنشائية، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة حول طبيعة النظام السياسي، وشبكات المصالح التي تشكلت خلال أكثر من عقد من حكم الرئيس ألكسندر فوتشيتش، ودور الاستثمارات الخارجية في ترسيخ نموذج يقوم على الصفقات الكبرى والسلطة المركزية وضعف الرقابة المؤسسية.

وفيما يركز الخطاب العام على النفوذين الصيني والروسي وعلاقة بلغراد المعقدة بالاتحاد الأوروبي، تكشف قراءة أوسع للمشهد عن حضور خارجي آخر قلما يحظى بالاهتمام، يتمثل في النفوذ الإماراتي الممتد من صربيا إلى الجبل الأسود، والذي لعب محمد دحلان دورًا مبكرًا في بناء شبكاته السياسية والاقتصادية.

كارثة نوفي ساد تتحول إلى انتفاضة سياسية

بدأت الأزمة في الأول من نوفمبر 2024، عندما انهارت مظلة خرسانية ضخمة في محطة القطارات بمدينة نوفي ساد، بعد خضوعها لأعمال تجديد ضمن مشروع تطوير خط السكك الحديدية السريع بين بلغراد وبودابست. وأسفرت الكارثة عن مقتل 16 شخصًا، لتتحول سريعًا إلى رمز لما يصفه المحتجون بالفساد وسوء الإدارة وغياب الشفافية في المشروعات الحكومية الكبرى.

لم يقتصر الغضب على المسؤولية الفنية عن الانهيار، بل امتد إلى الطريقة التي مُنحت بها العقود، وضعف الرقابة على الشركات والمقاولين، واختفاء أو تأخر نشر الوثائق المرتبطة بأعمال الترميم. وكان المشروع جزءًا من الشراكة الصربية مع الصين ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، ونُفذ من خلال اتفاقات حكومية قللت مساحة التدقيق العام والمنافسة التقليدية.

ومع اتساع الاحتجاجات، انتقلت الحركة من المطالبة بكشف وثائق المحطة ومحاسبة المسؤولين إلى توجيه انتقادات مباشرة لنظام فوتشيتش. وانضم إلى الطلاب أساتذة ومزارعون وموظفون ومواطنون من مدن وبلدات مختلفة، بينما تحولت المسيرات الطويلة نحو بلغراد ونوفي ساد إلى وسيلة للتواصل مع المجتمعات المحلية وكسر احتكار وسائل الإعلام الموالية للحكومة للرواية السياسية.

واعتمدت الحركة الطلابية تنظيمًا أفقيًا بلا قيادة مركزية، إذ اتُخذت القرارات من خلال اجتماعات طلابية مفتوحة. وقد صعّب هذا النموذج على السلطة احتواء الاحتجاجات عبر التفاوض مع زعيم بعينه أو استيعابه سياسيًا. وطالب المحتجون بنشر جميع وثائق محطة نوفي ساد، وملاحقة المعتدين على الطلاب، وإسقاط الاتهامات عن الموقوفين، وزيادة مخصصات التعليم العالي، قبل أن تتطور مطالبهم لاحقًا إلى إجراء انتخابات مبكرة وإنهاء حكم فوتشيتش.

وتخللت الاحتجاجات مواجهات مع الشرطة واعتقالات وحملات إعلامية اتهمت الطلاب بتنفيذ أجندات خارجية. كما أشار الفيديو إلى مزاعم استخدام جهاز صوتي لتفريق تظاهرة حاشدة في بلغراد، إلا أن هذه المزاعم ظلت موضع خلاف ولم تُحسم بأدلة علنية قاطعة.

استقالة أم إعادة تموضع؟

أمام استمرار الاحتجاجات نحو 18 شهرًا، أعلن فوتشيتش في 27 يونيو 2026 أنه سيستقيل خلال أسابيع، ممهدًا الطريق أمام انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة. لكنه لم يكن قد غادر منصبه فعليًا حتى مطلع يوليو، بل واصل ممارسة مهامه وأعلن أن الانتخابات العامة ستجرى خلال ثلاثة أو أربعة أشهر.

ولهذا لم يتعامل المحتجون مع الإعلان باعتباره انتصارًا نهائيًا. فالنظام السياسي الصربي برلماني في الأصل، ويملك رئيس الوزراء صلاحيات تنفيذية واسعة، بينما تنتهي الولاية الرئاسية الثانية والأخيرة لفوتشيتش في عام 2027. ويثير ذلك احتمال أن تكون الاستقالة مناورة تسمح له بالانتقال مجددًا إلى رئاسة الحكومة، مع الاحتفاظ بقيادة الحزب التقدمي الصربي ومفاصل الإعلام والمؤسسات.

ويشبه هذا السيناريو حركة «التبييت» في لعبة الشطرنج: يترك فوتشيتش موقع الرئاسة الذي أصبحت فرص استمراره فيه محدودة دستوريًا، لكنه ينتقل إلى موقع آخر يمكنه من خلاله المحافظة على السيطرة الفعلية. وقد لمح فوتشيتش بالفعل إلى احتمال العودة إلى منصب رئيس الوزراء، ما عزز شكوك الشارع بأن التغيير قد يقتصر على شكل السلطة لا بنيتها.

ومن هنا استمرت التظاهرات بعد إعلان الاستقالة، إذ يخشى المحتجون أن تُستخدم الانتخابات المبكرة لإعادة إنتاج النظام في لحظة ما زال فيها الحزب الحاكم يمتلك تفوقًا تنظيميًا وإعلاميًا، وقبل أن تتمكن الحركة الطلابية من التحول إلى بديل انتخابي متماسك.

الحلقة الغائبة: الإمارات في الاقتصاد السياسي الصربي

تركز أغلب التحليلات على العلاقات الصربية مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، لكنها لا تتناول كثيرًا شبكة العلاقات العميقة بين صربيا والإمارات، رغم أهميتها في فهم نموذج الحكم الذي يحتج عليه الطلاب.

بدأ التحول الكبير في العلاقات بين بلغراد وأبوظبي مطلع العقد الماضي، عندما انتقلت الإمارات من موقفها المنتقد لصربيا خلال حروب البلقان إلى بناء شراكة مباشرة مع قيادة فوتشيتش. وقامت العلاقة على مستوى مرتفع من التواصل الشخصي بين فوتشيتش والشيخ محمد بن زايد، إلى جانب وسطاء وشخصيات محلية سهلت إبرام الصفقات.

وتشير دراسة صادرة عن مشروع   «PeaceRep» إلى أن محمد دحلان أدى دورًا مهمًا في التمهيد للعلاقات الإماراتية مع صربيا، بعدما شارك قبل ذلك في بناء قنوات التواصل مع جمهورية الجبل الأسود (مونتينيغرو). كما حصل دحلان على الجنسيتين الصربية والمونتينيغرية، ما جعله أحد أبرز الوسطاء العابرين بين أبوظبي ونخب غرب البلقان.

ولا يعني ذلك أن دحلان يدير اليوم جميع العلاقات الإماراتية في المنطقة بصورة مباشرة، إذ أصبحت هذه العلاقات أكثر مؤسسية، وتشارك فيها الرئاسات والوزارات والصناديق السيادية والشركات الكبرى. لكن دوره كان أساسيًا بوصفه بوابة مبكرة جمعت بين الدبلوماسية الشخصية والاستثمار والعلاقات مع القيادات المحلية.

من واجهة بلغراد إلى الشراكة الاقتصادية

تحولت صربيا خلال السنوات الماضية إلى أهم شريك إماراتي في غرب البلقان. وامتد التعاون إلى العقارات والطيران والزراعة والمصارف والطاقة والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.

ويعد مشروع «واجهة بلغراد المائية»، الذي تطوره شركة «إيغل هيلز» الإماراتية على ضفاف نهر سافا، أبرز تعبير عن هذه العلاقة. فقد قُدم المشروع باعتباره خطة لتحديث العاصمة وجذب الاستثمارات، لكنه أثار احتجاجات وانتقادات بسبب أسلوب التفاوض المغلق، ومنح المشروع ترتيبات قانونية خاصة، وضعف المنافسة والرقابة العامة.

تكمن أهمية المشروع سياسيًا في أنه لا يمثل مجرد استثمار عقاري، بل يجسد نموذجًا تتولى فيه القيادة السياسية المركزية التفاوض مباشرة مع مستثمر خارجي كبير، ثم تعيد تشكيل القوانين والإجراءات لتسريع التنفيذ. وهو النموذج نفسه الذي يراه المحتجون وراء تفاقم مخاطر المشروعات العامة: قرارات سريعة من الأعلى، وعقود محدودة الشفافية، ومؤسسات رقابية ضعيفة.

وتطورت العلاقة إلى مستوى رسمي أعمق مع دخول اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين صربيا والإمارات حيز التنفيذ في يونيو 2025. وتهدف الاتفاقية إلى توسيع التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية، وتمنح نسبة كبيرة من السلع المتبادلة إعفاءات جمركية. كما تصف الإمارات صربيا بأنها بوابة إلى أسواق البلقان وأوروبا الشرقية.

وفي المجال العسكري، أصبحت صربيا شريكًا مهمًا لأبوظبي في الصناعات الدفاعية والأسلحة والطائرات المسيّرة. كما دخلت الشركات الإماراتية قطاعات الزراعة والطيران والبنوك، ما جعل الحضور الإماراتي جزءًا من البنية الاقتصادية الصربية، وليس مجرد مجموعة مشروعات منفصلة.

الجبل الأسود: البوابة البحرية إلى البلقان

قبل صربيا، كانت جمهورية الجبل الأسود إحدى أولى ساحات التحرك الإماراتي في غرب البلقان. ففي أواخر عام 2008 بدأت لقاءات بين الرئيس السابق ميلو جوكانوفيتش ومسؤولين من أبوظبي، وكان دحلان حاضرًا في بعض هذه الاتصالات، وفق دراسة «PeaceRep».

تبع ذلك دخول استثمارات إماراتية إلى قطاعات العقارات والسياحة والموانئ والزراعة، ومن بينها مشروعات في بودغوريتسا والاستحواذ على «بورتو مونتينيغرو»، إلى جانب تمويلات قدمها صندوق أبوظبي للتنمية. وجعل الموقع المطل على البحر الأدرياتيكي وصغر الاقتصاد واقتراب البلاد من الاتحاد الأوروبي الجبل الأسود بوابة جذابة للوصول إلى المنطقة.

وتجدد الجدل في عام 2025 بعد إبرام اتفاق واسع بين حكومة الجبل الأسود والإمارات للتعاون في السياحة والتطوير العقاري، ارتبط بمقترحات لتطوير منطقة «فيليكا بلاجا» الساحلية. وأثارت طريقة التفاوض وحجم المشروعات المحتملة احتجاجات محلية وتحفظات بيئية وقانونية.

وحذرت منظمة الشفافية الدولية من أن الاتفاق يسمح بإعفاء بعض العقود المرتبطة بالمستثمرين الإماراتيين من قوانين المشتريات العامة والمناقصات والمنافسة، وهو ما قد يفتح المجال أمام المحاباة وإساءة استخدام الأموال العامة ويؤثر في مسار انضمام الجبل الأسود إلى الاتحاد الأوروبي.

هل صربيا والجبل الأسود ذراعان للإمارات؟

من المبالغة وصف الدولتين بأنهما تابعتان بالكامل للإمارات؛ فصربيا تتبع سياسة موازنة معقدة بين أبوظبي وبكين وموسكو وبروكسل وواشنطن، وتستخدم كل شراكة لتعزيز قدرتها على المناورة. كما أن جمهورية الجبل الأسود عضو في حلف شمال الأطلسي ومرشح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولا تخضع سياساتها الخارجية لإملاءات إماراتية مباشرة.

لكن يمكن وصف البلدين بأنهما منصتان متقدمتان للنفوذ الإماراتي في غرب البلقان؛ فصربيا تؤدي دور المنصة الصناعية والدفاعية واللوجستية، بينما يمثل الجبل الأسود منصة عقارية وسياحية وبحرية على الأدرياتيكي.

ولا يأتي هذا النفوذ أساسًا من قواعد عسكرية أو تحالفات أيديولوجية، بل من رأس المال والعلاقات الشخصية والقدرة على إبرام صفقات سريعة مع دوائر الحكم العليا. وتجد هذه الآلية بيئة ملائمة في أنظمة تتميز بتركيز القرار وضعف المؤسسات الرقابية والحاجة إلى التمويل الخارجي. وتخلص دراسة «PeaceRep» إلى أن تداخل المصالح الاقتصادية مع العلاقات الشخصية والنخب المحلية يمثل السمة الأساسية للحضور الإماراتي في المنطقة.

علاقة غير مباشرة بالاحتجاجات

لا توجد أدلة تربط الإمارات مباشرة بانهيار محطة نوفي ساد أو بالمشروع الصيني الذي جرت أعمال الترميم في إطاره. كما لا توجد مؤشرات موثقة على تدخل إماراتي مباشر لقمع الاحتجاجات أو توجيه القرارات المتعلقة باستقالة فوتشيتش.

لكن العلاقة تظهر على مستوى أعمق:  نموذج الحكم والاقتصاد السياسي. فالاحتجاجات الصربية تستهدف منظومة تقوم، وفق منتقديها، على العقود الحكومية الغامضة، وتهميش الرقابة البرلمانية، ومنح الأفضلية للمستثمرين المرتبطين بالقيادة، واستخدام المشروعات الضخمة لتسويق صورة النجاح السياسي.

وفي هذا السياق، لا يكون الحضور الإماراتي سببًا مباشرًا للأزمة، لكنه يمثل أحد أبرز المستفيدين من هذا النموذج، إلى جانب الصين ومستثمرين وشركاء آخرين. كما أن مشروع «واجهة بلغراد» يوضح كيف يمكن للتحالف بين رأس المال الخارجي والسلطة المركزية أن يتحول من أداة للتنمية إلى موضوع للانقسام السياسي عندما تغيب الشفافية والمشاركة العامة.

صراع على مستقبل الدولة

تكشف الأزمة أن معركة صربيا المقبلة لن تدور فقط حول بقاء فوتشيتش في الرئاسة أو انتقاله إلى رئاسة الوزراء، بل حول قدرة الحركة الطلابية على تفكيك النظام الذي بناه، وإعادة الاعتبار للمؤسسات والمساءلة والشفافية.

كما أن نتائجها ستتجاوز حدود صربيا. فإذا نجحت الاحتجاجات في فرض قواعد أكثر صرامة على العقود والاستثمارات، فقد يتغير نموذج التعامل مع الأموال الصينية والإماراتية وغيرها في غرب البلقان. أما إذا تمكن فوتشيتش من إعادة إنتاج سلطته عبر انتخابات مبكرة أو منصب جديد، فستبقى الشبكة القائمة بين القيادة السياسية ورأس المال الخارجي قادرة على العمل، حتى لو تغيرت الأسماء والمناصب.

وبذلك، لا تبدو استقالة فوتشيتش المعلنة نهاية للأزمة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، يتقاطع فيها غضب جيل جديد من الفساد مع صراع دولي صامت على النفوذ في البلقان، حيث تتحرك الإمارات والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، كلُ بأدوات مختلفة، بينما يحاول شباب الصرب استعادة حقهم في تحديد شكل دولتهم ومستقبلها.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى