تقديرات

من الأمن إلى الاقتصاد.. أنقرة ترسم شراكة طويلة الأمد مع دمشق


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


لا تتعامل تركيا مع علاقتها الجديدة بسوريا بوصفها ترتيبات مؤقتة فرضها سقوط نظام بشار الأسد، بل تعمل على تحويلها إلى شراكة مؤسساتية تمتد لعقود. هذا هو المعنى الأبرز الذي حملته تصريحات هامة للسفير التركي في دمشق نوح يلماز، حين تحدث عن طموح أنقرة لبناء «أقوى إطار للعلاقات في المنطقة على مدى الخمسين عامًا المقبلة»، في وقت تتوسع فيه الروابط بين البلدين من التدريب العسكري والأمن الحدودي إلى التجارة والصناعة والنقل والتعليم.

يلماز قال في مقابلة هامة مع «سوريا الآن» إن البعثة التركية في دمشق أصبحت، من حيث عدد الدبلوماسيين، أكبر بعثات بلاده في الخارج، وهو مؤشر على حجم الملفات التي بدأت أنقرة تديرها داخل سوريا بعد ديسمبر/كانون الأول 2024. كما ربط مستقبل العلاقة بإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، مؤكدًا استعداد تركيا لتلبية احتياجات الجيش السوري في التدريب والتجهيز والدعم اللوجستي.

هذه التصريحات لا تأتي منفصلة عن خطوات سبقتها خلال الأشهر الماضية. فقد أصبحت تركيا طرفًا مباشرًا في إعادة تأهيل القوات المسلحة السورية، وشارك جنود سوريون للمرة الأولى خارج بلادهم في مناورات EFES-2026  التي استضافتها تركيا بمشاركة قوات من عشرات الدول. وأكدت وزارة الدفاع التركية أن مشاركة الجيش السوري جاءت ضمن دعم عملية إعادة هيكلته، وأن برامج التدريب ستستمر.

وفي يوليو/تموز انتقل التعاون إلى المستوى البحري عندما زار قائد القوات البحرية التركية اللاذقية على متن فرقاطة عسكرية، وأعلنت وزارة الدفاع التركية أن الزيارة تناولت التعاون العسكري وإعادة هيكلة القوات المسلحة السورية.

تتبلور بذلك علاقة تختلف عن الحضور العسكري التركي الذي عرفته سوريا خلال سنوات الحرب. فالهدف المعلن الآن ليس إدارة مناطق نفوذ منفصلة عن دمشق، وإنما ربط المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية بالدولة المركزية، مع احتفاظ أنقرة بدور أساسي في تدريبها وإعادة بنائها.

وهذا التحول يفسر العبارة التي تكررها القيادة التركية منذ سقوط النظام السابق: «أمن سوريا من أمن تركيا». فالحدود المشتركة التي تتجاوز 900 كيلومتر جعلت سوريا طوال العقد الماضي مصدرًا مباشرًا لمشكلات أمنية تركية، من الهجرة غير النظامية والتهريب والمخدرات إلى نشاط الجماعات المسلحة. ويقول يلماز إن الجزء الأكبر من هذه التهديدات تراجع أو اختفى مع عودة مؤسسات الدولة السورية إلى مناطق أوسع من البلاد.

لكن ملفًا واحدًا ما يزال يحدد إلى حد كبير المسار الأمني للعلاقة: قوات سوريا الديمقراطية.

أنقرة لا تخفي موقفها. فهي تريد إنهاء البنية العسكرية المستقلة لـ«قسد» وPKK/YPG في سوريا والعراق، وتدعم عملية إدماج القوات الموجودة في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة. وفي الرابع من أغسطس/آب استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع قائد «قسد» مظلوم عبدي في دمشق لمتابعة تنفيذ اتفاق الاندماج، لكن العملية ما تزال تتحرك ببطء.

بالنسبة إلى تركيا، لا يتعلق الملف فقط بتهديد عسكري على حدودها. نجاح دمشق في استعادة السيطرة المؤسسية على الشمال الشرقي يعني إعادة المعابر والموارد والطاقة والأمن الحدودي إلى سلطة الدولة، ويتيح لأنقرة الانتقال من سياسة «تأمين الحدود» بواسطة الوجود العسكري المباشر إلى علاقة أمنية مع حكومة سورية قادرة على ضبط الجانب المقابل منها.

لهذا تبدو قضية «قسد» الاختبار الأول للشراكة التي يتحدث عنها يلماز. فكلما تقدمت عملية الاندماج، أصبح فتح الحدود وإعادة النقل والتجارة بين البلدين أكثر سهولة، بينما سيؤدي تعثرها إلى إبقاء قسم مهم من الحدود خارج النموذج الجديد الذي تعمل أنقرة ودمشق على إنشائه.

اقتصاد يعيد وصل جانبي الحدود

إذا كان الأمن هو نقطة البداية، فإن الاقتصاد هو المجال الذي تريد تركيا من خلاله تثبيت العلاقة على المدى الطويل.

بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 3.7 مليارات دولار في 2025، وتضع الحكومتان هدفًا معلنًا برفعه إلى عشرة مليارات دولار. وفي يوليو/تموز أكد وزير التجارة التركي عمر بولاط أن الرقم لم يعد مجرد تصور تركي، بل هدف اتفق عليه الرئيسان رجب طيب أردوغان وأحمد الشرع.

وتشير أرقام النصف الأول من 2026 إلى استمرار النمو؛ إذ بلغت صادرات تركيا إلى سوريا نحو 1.28 مليار دولار، بارتفاع 26.4% عن الفترة نفسها من العام السابق. وتصدرت الدقيق ومنتجات الحبوب والإسمنت والطاقة قائمة الصادرات، وهي قطاعات مرتبطة مباشرة بمرحلة إعادة الإعمار.

لكن الخطة التركية لا تقوم على زيادة الصادرات وحدها. ما يجري بحثه أوسع: اتفاق تجارة حرة، ومناطق صناعية مشتركة، ومناطق تجارة حرة، وربط الإنتاج السوري بسلاسل التوريد التركية.

وفي أبريل/نيسان عقد البلدان أول اجتماع للجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة «JETCO»، وجرى خلاله بحث إعادة العمل باتفاقية التجارة الحرة وآليات رفع التبادل إلى خمسة مليارات دولار ثم عشرة مليارات. ووصف وزير التجارة التركي الاتفاقات بأنها خريطة طريق لـ«التكامل الاقتصادي وإعادة الإعمار».

وهنا تظهر مصلحة تركية تتجاوز السوق السورية نفسها.

فالقطاع الصناعي في جنوب تركيا، وخصوصًا غازي عنتاب وكيليس وهاتاي، يمتلك بنية تصديرية ضخمة على الحدود، بينما تحتاج سوريا إلى مصانع ورؤوس أموال ومعدات وشبكات تصدير. وسبق للسفير يلماز أن وصف تركيا بأنها «بوابة سوريا إلى أوروبا والأسواق العالمية»، مقابل اعتبار سوريا ممرًا تركيًا باتجاه الأردن والخليج.

بالفعل، أصبح الممر البري تركيا–سوريا–الأردن–السعودية يعمل بصورة منتظمة منذ أبريل/نيسان 2026، ما أعاد لسوريا وظيفة فقدتها خلال الحرب: أن تكون طريق عبور بين الأناضول والخليج.

وهذه النقطة قد تكون أكثر أهمية من رقم عشرة مليارات دولار نفسه. فإذا أصبحت الطرق السورية جزءًا مستقرًا من تجارة تركيا مع الأردن والسعودية والخليج، فلن تعود العلاقات الاقتصادية بين أنقرة ودمشق قائمة فقط على الصادرات الثنائية، بل ستصبح سوريا جزءًا من شبكة النقل الإقليمية التركية.

المعابر تتحول من حدود أمنية إلى بوابات تجارية

ترافق هذا التوجه مع إعادة تشغيل حركة النقل المباشر. ففي أغسطس/آب 2025 استؤنف النقل البري المباشر بين البلدين بعد توقف استمر 13 عامًا، لتنتهي تدريجيًا آلية نقل البضائع من شاحنة إلى أخرى على الحدود التي كانت ترفع الكلفة وتطيل زمن الرحلة.

وتعمل أنقرة ودمشق الآن على فتح مزيد من المعابر. وفي يوليو أعلن وزير التجارة التركي أن البلدين يعملان خصوصًا على إعادة تشغيل معبر نصيبين–القامشلي، فيما قال يلماز إن الهدف هو فتح المعابر تدريجيًا على امتداد الحدود خلال الأشهر المقبلة مع تحسن الوضع الأمني.

بالتوازي، يجري تطوير مشروع المنطقة الحرة والميناء الجاف في إدلب. وتصف السلطات السورية المشروع بأنه مركز للصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية، مع إعفاءات ضريبية وجمركية وإمكان التخزين وإعادة التصدير. والغاية المعلنة هي بناء سلسلة إنتاج وإمداد مشتركة بين الاقتصادين السوري والتركي، لا مجرد معبر للبضائع.

إذا نُفذت هذه المشاريع، فإن الحدود التي كانت طوال سنوات واحدة من أكثر حدود المنطقة عسكرة ستتحول تدريجيًا إلى شريط اقتصادي، يمتد فيه التصنيع والتخزين والنقل من حلب وإدلب إلى غازي عنتاب وكيليس، ويتصل جنوبًا بالأردن والخليج.

نفوذ تركي ينتقل إلى المؤسسات

ولا يقف التوسع التركي عند الجيش والتجارة.

يلماز أعلن أيضًا عن اتفاق في مجال التعليم يسمح بفتح مدارس تركية دولية في دمشق ومحيطها، مع استمرار المؤسسات التعليمية الموجودة في الشمال ضمن التشريعات السورية، كما تحدث عن ترتيبات تعمل عليها وزارتا الخارجية والداخلية في تركيا لتسهيل دخول السوريين الذين عادوا إلى بلادهم ثم يرغبون في زيارة تركيا.

مجتمعة، تكشف هذه الخطوات عن انتقال العلاقة من مرحلة التعاون السياسي بين حكومتين إلى تشابك مؤسساتي يشمل الجيش والجمارك والنقل والصناعة والتعليم وحركة الأشخاص.

وهذا ما يجعل الحديث التركي عن «خمسين عامًا» أكثر من تعبير دبلوماسي. أنقرة تحاول بناء مصالح يصعب فصلها لاحقًا: جيش سوري يتدرب معها، اقتصاد يرتبط بمصانعها وأسواقها، طرق سورية تخدم تجارتها مع الخليج، ومعابر حدودية تتحول إلى مراكز إنتاج ونقل.

لكن هذه العلاقة تحمل في الوقت نفسه تحديًا بالنسبة إلى دمشق. فحاجة سوريا الهائلة إلى إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها تمنح تركيا قدرة استثنائية على الحركة، فيما سيكون على الحكومة السورية المحافظة على التوازن بين الاستفادة من الجار الذي يمتلك أطول حدود معها وبين عدم تحويل إعادة الإعمار إلى اعتماد اقتصادي وأمني أحادي.

وهذه المسألة تصبح أكثر حساسية لأن سوريا لا تتحرك في فراغ. السعودية وقطر والإمارات والولايات المتحدة ودول أوروبية تسعى بدورها إلى بناء علاقات اقتصادية وسياسية مع دمشق، بينما يبقى موقع تركيا مختلفًا بسبب الجغرافيا والتداخل السكاني وشبكات التجارة والوجود العسكري الذي تشكل خلال سنوات الحرب.

لذلك فإن المشروع الذي تعرضه أنقرة ليس تحالفًا سياسيًا عابرًا، بل محاولة لإعادة تحديد وظيفة سوريا داخل الإقليم: دولة مستقرة على الحدود الجنوبية لتركيا، ذات جيش مركزي لا يسمح بوجود قوة كردية مستقلة، واقتصاد مندمج في شبكة الإنتاج التركية، وممر بري يصل الأناضول بالعالم العربي والخليج.

وفي المقابل، تحصل دمشق على منفذ واسع إلى الأسواق ورأس المال والبنية الصناعية التركية، وعلى شريك قادر على المساهمة بسرعة في التدريب العسكري والنقل وإعادة الإعمار.

ويبقى نجاح هذه الصيغة مرتبطًا بملفات لم تحسم بعد، في مقدمتها استكمال دمج «قسد»، وفتح كامل المعابر، وإقرار اتفاق التجارة الحرة، وبناء المناطق الصناعية، إضافة إلى قدرة الدولة السورية على تثبيت مؤسساتها وسيادتها في جميع أنحاء البلاد.

لكن الاتجاه أصبح واضحًا: تركيا لا تبني علاقتها الحالية مع دمشق على إدارة مرحلة ما بعد الأسد فقط، بل على تصور لسوريا بوصفها شريكًا استراتيجيًا طويل الأجل. وما كان خلال سنوات الحرب حدودًا للفصل والعمليات العسكرية، تريد أنقرة ودمشق تحويله الآن إلى مساحة مشتركة للأمن والتجارة والنقل والإنتاج.


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى