من يملك قرار الذكاء الاصطناعي وما موقعه من استراتيجية القوة؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
لم يعد الجدل الأميركي حول الذكاء الاصطناعي يدور فقط حول مخاطره التقنية أو تأثيره في سوق العمل، بما أثاره مؤخرًا عدد من كبار مطوري الذكاء الإصطناعي أنفسهم، بل انتقل إلى مستوى أعمق يتعلق بموقع هذه التكنولوجيا داخل منظومة القوة الأميركية نفسها. فالاتفاق الذي وقعه الرئيس دونالد ترامب مع عدد من كبار قادة شركات التكنولوجيا لإجراء مراجعات داخلية وخارجية على أنظمة الذكاء الاصطناعي لتلافي المخاطر المحتملة المتمثلة في خروج الذكاء الإصطناعي عن نطاق السيطرة، جاء في الوقت ذاته الذي تؤكد فيه إدارته أنها لا تريد إبطاء تطوير هذه التكنولوجيا، بل تسعى إلى توسيع استخدامها وتعزيز التفوق الأميركي فيها. ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية: واشنطن تريد تنظيم ممارسات الذكاء الاصطناعي لتلافي مخاطره، خاصة في ظل الضغوط الشعبية الكبيرة لفرض ذلك، لكنها لا تريد أن يكون التنظيم على حساب موقعها في السباق العالمي، خصوصاً أمام الصين.
اتفاق البيت الأبيض.. رقابة من دون إبطاء السباق
الاتفاق الذي خرج من البيت الأبيض أوجد للمرة الأولى إطاراً أكثر وضوحاً للمراجعة، من خلال ضوابط داخل الشركات، ومدققين خارجيين مستقلين، ولجان على مستوى مجالس الإدارة تراجع أداء الأنظمة ومدى التزامها بمعايير السلامة. لكن هذه الإجراءات بقيت طوعية، مع حديث عن إمكانية تحويلها لاحقاً إلى تشريعات ملزمة. لذلك فإن الاتفاق لا يمثل انقلاباً في السياسة الأميركية بقدر ما يمثل محاولة لبناء طبقة من الرقابة فوق صناعة لا تزال الإدارة نفسها تدفع باتجاه توسيعها. ومن هنا يظهر التناقض؛ فترامب أعلن بوضوح أنه لا يريد وضع قيود تحول دون نمو الذكاء الاصطناعي، وقدم هذا النمو باعتباره جزءاً من معركة اقتصادية وتكنولوجية مع الصين لا يمكن للولايات المتحدة أن تخسرها.
هذا التناقض هو نفسه الذي يحذر منه عدد من كبار الباحثين في المجال. جيفري هينتون، أحد أبرز العلماء الذين مهدت أبحاثهم للثورة الحالية في التعلم العميق، يرى أن المعايير الطوعية التي تُلزم بها الشركات نفسها لم تعد كافية، وأن الشركات تحتاج إلى رقابة حكومية ومراجعات مستقلة. وقد أيد فكرة السماح لجهات خارجية بالتحقق من سلامة النماذج، مشيراً إلى أن اكتشاف بعض السلوكيات الخطرة اعتمد في مراحل سابقة على موظفين ومبلغين من داخل الشركات نفسها. ويقدم هينتون مقارنة لافتة حين يرفض تصوير التنظيم باعتباره “مكابح” تعرقل الابتكار، ويرى أنه أقرب إلى مقود يحدد اتجاه سيارة شديدة السرعة؛ فالخطر ليس في التسارع وحده، وإنما في أن يحدث التسارع قبل امتلاك القدرة الفعلية على توجيه التكنولوجيا والتحكم بمسارها.
معضلة الصين.. الجميع يخشى المخاطر ولا أحد يريد التراجع
غير أن المشكلة لا تتعلق بالشركات الأميركية وحدها؛ فالولايات المتحدة لا تطور الذكاء الاصطناعي داخل سوق معزول، وإنما داخل منافسة استراتيجية مع الصين، الأمر الذي يجعل أي محاولة للإبطاء أكثر تعقيداً. إحدى المواد التي رجعنا إليها، والتي تستعرض أطروحة المؤرخ الاقتصادي هارولد جيمس، تضع المنافسة الأميركية الصينية في إطار أوسع من سباق تكنولوجي تقليدي؛ فالطرفان ينظران إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة يمكن أن تغير موازين القوة الاقتصادية والدولية، لا مجرد صناعة جديدة ذات عوائد مرتفعة. ومن هنا يتحول السباق تدريجياً إلى معادلة صفرية: إذا أبطأت واشنطن بينما واصلت بكين التطوير فإنها تخشى خسارة التفوق، وإذا أبطأت بكين بينما استمرت الولايات المتحدة فإنها تواجه الخطر نفسه.
هذه المعادلة تفسر لماذا لم ينجح التحذير من المخاطر حتى الآن في إنتاج توافق دولي حقيقي على إبطاء السباق. فهناك مصالح مشتركة يمكن أن تجمع واشنطن وبكين، مثل منع استخدام الذكاء الاصطناعي في تصنيع أسلحة بيولوجية أو شن هجمات إلكترونية واسعة، أو منع أنظمة فائقة الذكاء من الخروج عن السيطرة. لكن المصالح تتباعد عندما يرتبط الأمر بالتفوق العسكري والسياسي والاستخباراتي. وهذا ما أشار إليه هينتون حين رأى أن التعاون بين القوى الكبرى ممكن عندما تتطابق المصالح، لكنه يصبح أكثر صعوبة عندما تدخل التكنولوجيا في صلب المنافسة بينها. وبذلك تصبح المعضلة الحقيقية أن الدول قد تتفق نظرياً على أن بعض المخاطر تستحق الاحتواء، لكنها تظل غير مستعدة لمنح خصومها أفضلية من خلال التباطؤ من جانب واحد.
من وادي السيليكون إلى البنتاجون
ويتضح هذا التداخل أكثر عند الانتقال من النقاش المدني إلى المجال العسكري. فمشروع “ميريديان” الذي تعمل عليه وزارة الدفاع الأميركية لا ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة دعم إضافية للجيوش، بل كجزء من إعادة تعريف الحرب نفسها خلال العقود المقبلة. المشروع يركز على المسيرات، والأنظمة المستقلة، والروبوتات، والفضاء، والحرب السيبرانية، وتحليل البيانات واتخاذ القرار بسرعة تفوق قدرة الهياكل العسكرية التقليدية. أهمية المشروع لا تكمن فقط في التقنيات التي يدرسها، بل أيضاً في إشراك شخصيات من قطاع التكنولوجيا، وفي مقدمتها إيلون ماسك وبالمر لاكي، في نقاش يتصل مباشرة بمستقبل القوة العسكرية الأميركية.
هذا التحول يكشف تغيراً في العلاقة بين الدولة وشركات التكنولوجيا. ففي النموذج التقليدي، كانت المؤسسة العسكرية تحدد احتياجاتها ثم تتعاقد مع الشركات لتطوير المعدات المطلوبة. أما اليوم، فإن شركات التكنولوجيا نفسها أصبحت تمتلك تقنيات وقدرات قد تغير طريقة تعريف السلاح والتهديد قبل أن تضع المؤسسة العسكرية تصوراً كاملاً لاستخدامها. وهكذا لم تعد شركات وادي السيليكون تعمل كمجرد موردين للمؤسسة العسكرية، بل أصبحت شريكاً في التفكير في طبيعة الحرب المقبلة. ومن هنا يصبح الفصل بين الدولة التي يفترض أن تنظم هذه الشركات، وبين الدولة التي تعتمد على تقنياتها، ولا تريد الحد من إبداعاتها، أكثر صعوبة.
التغيرات في مفهوم التفوق العسكري – القوة العسكرية لم تعد تقاس بحجم الترسانة وحده
الحروب الأخيرة قدمت بدورها مؤشرات مبكرة على هذا التحول. فالمسيرات الرخيصة أصبحت قادرة على تهديد منصات عسكرية مرتفعة الثمن، والهجمات السيبرانية باتت قادرة على تعطيل شبكات الاتصالات والبنية التحتية من دون الحاجة إلى استخدام القوة التقليدية، فيما تحولت الأقمار الصناعية وشبكات البيانات إلى جزء أساسي من إدارة المعركة. ولذلك لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى اختفاء الدبابة أو الطائرة أو الصاروخ، لكنه سيغير القيمة العملياتية لهذه الأدوات. السلاح التقليدي سيبقى مهماً، لكن فاعليته ستعتمد أكثر على اندماجه داخل شبكة أوسع من الاستطلاع الفضائي والخوارزميات والاتصالات والمسيرات والأنظمة المستقلة.
وبذلك يتغير أيضاً مفهوم التفوق العسكري. فعدد الجنود والدبابات والطائرات لن يفقد أهميته، لكنه لن يكون كافياً وحده لحساب ميزان القوة. القدرة الحاسوبية، وسرعة الخوارزميات، والرقائق المتقدمة، والاتصالات الفضائية، والأنظمة غير المأهولة، ستصبح عناصر موازية للترسانة التقليدية. وقد لا يكون الجيش الأقوى هو صاحب العدد الأكبر من المنصات، بل الجيش القادر على جمع المعلومات وتحليلها وتوزيع المهام واتخاذ القرار في وقت أقصر من خصمه.
من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تطويره لنفسه
غير أن الخطر الذي يشغل بعض الباحثين يتجاوز استخدام الإنسان للذكاء الاصطناعي في الحرب أو الهجمات الإلكترونية. فالمستوى الأكثر حساسية يتعلق باحتمال انتقال الأنظمة من مجرد تنفيذ التعليمات إلى المساهمة في تطوير قدراتها الذاتية وقدرات الأنظمة التي ستأتي بعدها. هنا يظهر مفهوم “التحسين الذاتي التكراري”، الذي يقوم على فرضية أن وصول الذكاء الاصطناعي إلى مستوى يستطيع فيه أداء جزء كبير من عمل الباحثين في المجال قد يؤدي إلى تسريع عملية التطوير نفسها.
ليوبولد أشينبرينر، الباحث السابق في OpenAI، بنى جزءاً من تحليله على هذا الاحتمال، معتبراً أن استخدام أعداد ضخمة من الباحثين الاصطناعيين الذين يعملون بالتوازي وعلى مدار الساعة قد يضغط سنوات من العمل البحثي في مدد أقصر بكثير. وفي هذا السيناريو لا تكمن القفزة الأساسية في أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فقط، بل في أن يصبح مشاركاً في العملية التي تنتج الجيل الأكثر تقدماً منه، وهو ما قد يرفع سرعة التطور بصورة يصعب على البشر متابعتها.
هذه التقديرات لا تمثل إجماعاً علمياً، كما أن الجداول الزمنية التي تتحدث عن الوصول إلى ذكاء عام أو فائق خلال سنوات قليلة تبقى موضع خلاف واسع. لكن أهميتها لا تأتي فقط من احتمال تحققها، بل من أنها بدأت تؤثر بالفعل في طريقة تفكير الباحثين وصناع القرار. مقابلات مع مهندسين وباحثين داخل قطاع الذكاء الاصطناعي تشير إلى أن التحسين الذاتي أصبح من أبرز المخاوف المطروحة داخل الصناعة، خصوصاً إذا وصلت الأنظمة إلى مرحلة تصبح فيها وتيرة تطوير قدراتها أسرع من قدرة الإنسان على متابعتها وفهمها والتدخل فيها.
فقدان السيطرة قد يحدث تدريجياً
وتطرح هذه المسألة مفهوماً مختلفاً لفقدان السيطرة. ففي التصور الشعبي، يرتبط الخطر عادة بآلة تتمرد على الإنسان أو ترفض تنفيذ أوامره. لكن فقدان السيطرة قد يكون أكثر تدرجاً وأقل وضوحاً. فإذا أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أفضل من البشر في إدارة بعض الوظائف المعقدة، فقد يبدأ الإنسان باستخدامها كمساعد، ثم يعتمد على توصياتها، قبل أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها دوره مجرد الموافقة على قرارات لا يستطيع فهم تفاصيلها بالكامل، إلى أن يتم تجاوزه أصلًا في موضوع الموافقة.
السيناريو الافتراضي الوارد في إحدى المواد المرجعية المرفقة يقدم هذه الفكرة بوضوح؛ إذ يتحول المستخدم تدريجياً من شخص يوجه النظام إلى شخص يوافق على مقترحاته لأنه أصبح أكثر قدرة منه على صياغة الحلول. والمغزى هنا ليس اعتبار السيناريو تنبؤاً بما سيحدث، بل الانتباه إلى أن فقدان السيطرة لا يحتاج بالضرورة إلى “تمرد” تقني، وإنما قد يبدأ من الاعتماد المتزايد على نظام يقدم نتائج أفضل إلى درجة يصبح معها رفض توصياته قراراً أصعب من قبولها.
ومن هنا تأتي أيضاً شكوك هينتون في أن “زر الإيقاف” يمكن أن يكون حلاً كافياً على المدى الطويل. فالمشكلة لا تتعلق فقط بالقدرة التقنية على إيقاف النظام، وإنما بالاعتماد المتزايد عليه وبقدرته المحتملة على التأثير في البشر أنفسهم. وإذا أصبحت الأنظمة أكثر قدرة على الإقناع والتخطيط، فإن وجود زر للإيقاف لا يعني بالضرورة أن من يملكه سيستخدمه في الوقت المناسب. وهذا يعيد النقاش من المستوى التقني إلى مستوى سياسي ومؤسساتي يتعلق بمن يملك القرار فعلاً، وكيف يمكن اتخاذ قرار إيقاف نظام أصبحت مؤسسات كاملة تعتمد عليه.
ترمب وشركات التكنولوجيا.. تنظيم أم شراكة؟
في هذا السياق، لا يبدو ترمب طرفاً يسعى إلى مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي، كما أنه ليس مجرد ممثل لمصالحها. الأقرب أن إدارته تحاول دمج هذه الشركات داخل استراتيجية القوة الأميركية، مع بناء آليات رقابية تمنع أسوأ السيناريوهات من دون إضعاف قدرتها على المنافسة. فالولايات المتحدة تحتاج إلى الشركات نفسها التي يفترض أن تنظمها؛ تحتاج نماذجها في الاقتصاد، وبنيتها الحاسوبية في البحث، وتقنياتها في الدفاع، وخبراتها في المنافسة مع الصين.
ولذلك فإن العلاقة بين الدولة وهذه الشركات تتحول تدريجياً من علاقة منظم وخاضع للتنظيم إلى علاقة شراكة مشوبة بعدم الثقة. الدولة تحتاج الشركات كي تحافظ على تفوقها، والشركات تحتاج الدولة للحصول على الطاقة والبنية التحتية والعقود والحماية السياسية والأسواق. لكن الطرفين يدركان أيضاً أن ترك القوة تتراكم لدى الطرف الآخر من دون ضوابط قد يخلق مشكلة جديدة في توزيع النفوذ داخل الولايات المتحدة نفسها.
وهذا ربما يفسر طبيعة الاتفاق الأخير أكثر من تفسيره باعتباره محاولة لتقييد الشركات. فالبيت الأبيض لا يريد تفكيك القوة التي بنتها هذه الشركات، بل يريد أن تصبح هذه القوة قابلة للمراجعة والإشراف، وفي الوقت نفسه تكون متطورة باستمرار ومتاحة للاستخدام ضمن مشروع أوسع للحفاظ على التفوق الأميركي.
الذكاء الاصطناعي كرهان اقتصادي
الاقتصاد يزيد هذه العلاقة تعقيداً. فالرهان الأميركي على الذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بالتفوق العسكري، بل أيضاً بإمكانية تحقيق قفزة كبيرة في الإنتاجية. التحليل الذي تنقله إحدى المواد المرفقة عن هارولد جيمس يذهب إلى أن واشنطن ترى في الذكاء الاصطناعي فرصة لزيادة الإنتاجية ودفع الاقتصاد إلى معدلات نمو أعلى، والتغلب على المشكلات الإقتصادية المتمثلة في ارتفاع حجم الديون وتزايد أسعار الفوائد المتعلقة بسدادها. بينما على الجانب الأخر تراهن الصين بدورها على الأتمتة والروبوتات لتعويض آثار شيخوخة السكان وتراجع أعداد العمال التي نشأت كأثر جانبي طويل المدى لسياسة الطفل الواحد التي بدأ تبنيها في نهاية السبعينيات، وترتب عليها أثارا ديمغرافية كارثية يصعب تجاوزها. وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى القوتين أداة لمعالجة مشكلات داخلية بقدر ما هو أداة للتفوق على الخارج.
وهذا البعد يفسر بدوره شدة المنافسة. فالولايات المتحدة لا تراهن فقط على إنشاء شركات جديدة ذات قيم سوقية مرتفعة، وإنما على أن تتحول هذه التكنولوجيا إلى محرك إنتاجية يعيد تشكيل قطاعات الصناعة والخدمات والدفاع والبحث العلمي. أما الصين فتواجه تحدياً مختلفاً، يتعلق بتراجع عدد السكان في سن العمل وارتفاع نسبة كبار السن، ما يجعل الأتمتة خياراً اقتصادياً واستراتيجياً في الوقت نفسه.
وعود “عصر الوفرة”.. لكن من يملكها؟
إيلون ماسك يذهب في هذا الاتجاه إلى أبعد مدى، حين يتحدث عن اقتصاد يمكن أن تنتج فيه الروبوتات والأنظمة الذكية كميات من السلع والخدمات تتجاوز احتياجات البشر، ما قد يؤدي وفق تصوره إلى “عصر وفرة” تتراجع فيه مركزية العمل والمال. لكن هذا التصور يترك سؤالاً سياسياً واقتصادياً مفتوحاً: حتى إذا نجحت التكنولوجيا في إنتاج وفرة غير مسبوقة، فمن يملك وسائل إنتاج هذه الوفرة؟ ومن يسيطر على مراكز البيانات والرقائق والنماذج والروبوتات والعملية الإنتاجية برمتها؟
فالتقدم التكنولوجي لا يؤدي تلقائياً إلى توزيع متوازن للثروة، بل قد ينتج في المقابل تركيزاً غير مسبوق للقوة الاقتصادية داخل عدد محدود من الشركات والدول. والمشكلة لا تكمن فقط في الشكل النهائي الذي قد يصل إليه الاقتصاد، بل في المرحلة الانتقالية نفسها. فإذا جرى استبدال أعداد كبيرة من الوظائف بوتيرة أسرع من قدرة الأنظمة الاقتصادية والسياسية على ابتكار بدائل للدخل والعمل، فإن المكاسب الإنتاجية قد تترافق مع اضطرابات اجتماعية وسياسية واسعة قبل الوصول إلى أي نموذج من “الوفرة”.
الذكاء الاصطناعي يتحول إلى بنية للقوة
لهذا فإن القاسم المشترك بين اجتماع ترامب مع شركات التكنولوجيا، ومشروع ميريديان، والسباق الأميركي الصيني، والتحذيرات من الذكاء الفائق، هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع اقتصادي مستقل. إنه يتحول إلى بنية أساسية للقوة: قوة اقتصادية وعسكرية ومعلوماتية وسياسية. وكلما ازدادت أهميته، ازدادت رغبة الحكومات في مراقبته، لكنها في الوقت نفسه تصبح أكثر اعتماداً عليه وأقل قدرة على القبول بإبطائه.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر في السياسة الأميركية الحالية. واشنطن تخشى أن تتطور الأنظمة بوتيرة تفوق قدرتها على السيطرة عليها، كما أنها تواجه ضغوطًا شعبية كبيرة للإبطاء من إنشاء مراكز البيانات وتطور الذكاء الإصطناعي، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن يؤدي إبطاء التطوير إلى منح الصين فرصة لتجاوزها. لذلك فإنها تحاول السير في اتجاهين متعاكسين: بناء المزيد من أدوات الرقابة، مع الحفاظ على أعلى سرعة ممكنة في السباق. وحتى الآن، لا يبدو أن الاتفاقات الطوعية أو لجان التدقيق قد حلت هذه المعضلة، لأنها تنظم طريقة إدارة المخاطر داخل السباق أكثر مما تعيد النظر في منطق السباق نفسه.
قيود سلاسل الإمداد وقرارات توفير الموارد والبنية الأساسية
يعتمد تطوير نماذج الذكاء الإصطناعي المتقدمة على مراكز ضخمة للبيانات، تحتاج أراضي مناسبة، ومصدر موثوق لتوفير كمية كبيرة من الطاقة، وبنية أساسية لخطوط نقل الطاقة والبيانات، فضلًا عن توفير إمكانيات كبيرة للتبريد. الإتجاهات الحديثة في الولايات المتحدة وأوروبا والصين تشير إلى إنشاء المراكز في مواقع بعيدة نسبيًا عن المدن، لتلافي إحتجاجات السكان المتنامية على وجود المراكز بالقرب من المراكز السكانية، فضلًا عن محاولة أن تكون المراكز أقرب ما يمكن من مراكز انتاج الطاقة، أو في أماكن باردة لتقليل احتياجات التبريد الصناعي، وذلك لتقليل التكلفة بأكبر قدر ممكن. تحتاج المراكز أيضًا إلى رقائق الذكاء الإصطناعي، ومواد مختلفة من النحاس والسيليكون والألومنيوم والمعادن النادرة وغيرها.
كل هذه الاحتياجات تجعل صناعة الذكاء الإصطناعي مثل أي صناعة أخرى، تعتمد على سلاسل إمداد، وتتنافس مع باقي الأنشطة الإقتصادية على مواقع البناء ومصادر الطاقة والاستثمارات العامة في البنية الأساسية، وليست مجرد برمجة على الحاسوب. يرتبط كل ذلك بالتالي بقرارات سياسية وتجاذبات حزبية وممارسة النفوذ على أجهزة السلطة والبرلمانات، وهو ما يشكل بعدًا إضافيًا لتعقيد العلاقة بين الصناعة والسلطة يضاف إلى الأبعاد السابقة.
هل يتحول سباق الذكاء الاصطناعي إلى فقاعة مالية؟
لكن الرهان الاقتصادي على الذكاء الاصطناعي يحمل وجهاً آخر لا يتعلق بقدرته على رفع الإنتاجية، وإنما بحجم الأموال التي تضخ فيه قبل أن تتضح قدرته الفعلية على تحقيق العوائد المنتظرة. وفي هذا السياق، حذر المستثمر الأميركي الشهير الملياردير راي داليو من أن الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي تحمل ملامح “فقاعة كلاسيكية”، معتبراً أن السوق لم يصل بعد بالضرورة إلى لحظة الانفجار، لكنه يقترب منها مع اتساع الفجوة بين حجم الاستثمارات والتقييمات من جهة، والعوائد الاقتصادية التي يفترض أن تبررها من جهة أخرى.
ويتركز جانب من المخاوف في أن شركات التكنولوجيا الكبرى لا تنفق فقط عشرات أو مئات المليارات من السيولة المتراكمة لديها، بل تتجه بصورة متزايدة إلى تمويل بناء مراكز البيانات والبنية الحاسوبية من خلال الإقتراض والدَيْن. وتشير التقديرات إلى أن الإستثمارات المتعلقة بالذكاء الإصطناعي هذا العام قد تتجاوز 2 تريليون دولار. لذلك فإن هذا التحول يصبح أكثر حساسية في بيئة ترتفع فيها عوائد السندات وتزداد فيها كلفة الاقتراض، لأن نجاح الرهان يتطلب عندها أن تحقق استثمارات الذكاء الاصطناعي عوائد مرتفعة بما يكفي لتغطية تكلفة رأس المال، لا أن تحقق نمواً تقنياً فقط.
ويضاف إلى ذلك أن جزءاً كبيراً من مكاسب الأسواق الأميركية تركز خلال الفترة الأخيرة في عدد محدود من شركات التكنولوجيا المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي وصلت فيه المؤشرات الرئيسية للبورصة إلى مستويات قياسية. هذا التركّز يعني أن أي إعادة تقييم مفاجئة لتوقعات أرباح هذه الشركات لن تبقى بالضرورة محصورة داخل قطاع التكنولوجيا، بل يمكن أن تنتقل إلى المؤشرات والأسواق الأوسع بسبب الوزن الكبير لهذه الشركات داخلها.
كما يلفت داليو إلى عامل آخر يتعلق بالفارق بين الثروة المسجلة على الورق والسيولة الفعلية. فارتفاع تقييمات الشركات والأسهم يخلق مكاسب ورقية ضخمة غير محققة على أرض الواقع، لكن الضرائب أو حاجة المستثمرين إلى السيولة قد تدفع جزءاً منهم إلى تحويل هذه المكاسب إلى أموال حقيقية من خلال البيع. وإذا تزامنت هذه الضغوط مع ارتفاع تكاليف التمويل أو تراجع الثقة في قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على تحقيق العوائد المتوقعة، فقد يتحول التصحيح الطبيعي إلى موجة بيع أوسع.
هذا الاحتمال يضيف تناقضاً جديداً إلى الرهان الأميركي. فالذكاء الاصطناعي يُطرح من جهة باعتباره التكنولوجيا القادرة على زيادة الإنتاجية ودفع الاقتصاد إلى معدلات نمو أعلى، لكنه يحتاج في المقابل إلى استثمارات هائلة في الرقائق والطاقة ومراكز البيانات قبل أن تتحقق هذه العوائد. وإذا سبقت التقييمات المالية قدرة التكنولوجيا على إنتاج أرباح حقيقية، فقد تتحول الأداة التي تراهن عليها واشنطن لتعزيز الاقتصاد إلى مصدر اضطراب مالي.
وبذلك لا يعود السؤال الاقتصادي مقتصراً على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيخلق نمواً كبيراً، بل على توقيت هذا النمو مقارنة بسرعة تدفق الأموال إليه. فإذا تحققت طفرة الإنتاجية قبل أن تتراجع ثقة الأسواق، يمكن أن تبدو الاستثمارات الحالية مبررة. أما إذا تأخرت العوائد بينما استمرت الديون والتقييمات في الارتفاع، فإن السباق على الذكاء الاصطناعي قد يواجه أزمة لا تأتي من فشل التكنولوجيا نفسها، بل من أن الأسواق راهنت على نجاحها بأسرع مما تستطيع التكنولوجيا تحويله إلى أرباح.
خلاصة تحليلية
تشير مجمل التطورات إلى أن الولايات المتحدة لا تتجه نحو كبح الذكاء الاصطناعي بقدر ما تعمل على إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والشركات التي تملكه؛ فالهدف ليس وقف التوسع، وإنما ضمان أن يبقى التطور داخل منظومة يمكن لواشنطن مراقبتها والاستفادة منها في الوقت نفسه. ولذلك فإن الاتفاق مع شركات التكنولوجيا لا يبدو بداية مواجهة بين البيت الأبيض ووادي السيليكون، بل محاولة لترتيب شراكة جديدة يكون فيها القطاع الخاص منتجاً للقوة التكنولوجية، بينما تسعى الدولة إلى الاحتفاظ بحق الإشراف والتدخل.
لكن هذه الصيغة تحمل تناقضاً بنيوياً. فكلما زادت أهمية الذكاء الاصطناعي للاقتصاد والجيش والتنافس مع الصين، أصبحت قدرة الدولة على فرض قيود حقيقية على الشركات أكثر صعوبة. وفي المقابل، كلما زادت قدرات النماذج واستقلاليتها، ازدادت حاجة الدولة إلى رقابة أقوى. وبين المسارين تتشكل علاقة اعتماد متبادل قد تجعل من الصعب تحديد الطرف الذي يملك اليد العليا فعلاً.
كما أن نقل الذكاء الاصطناعي إلى المجال العسكري يرفع مستوى الرهان بصورة أكبر. فحين تصبح الخوارزميات جزءاً من الاستطلاع وتحديد الأهداف والحرب السيبرانية والأنظمة المستقلة، لم تعد القضية تتعلق بتنظيم منتج استهلاكي أو حماية الوظائف فقط، بل بموقع التكنولوجيا داخل الأمن القومي نفسه. وهذا يجعل التباطؤ أكثر صعوبة، لأن أي قيد داخلي سيُقاس مباشرة بمدى تأثيره في ميزان المنافسة مع الصين وروسيا والقوى الأخرى.
وعليه، فإن السؤال الأساسي ليس ما إذا كان ترمب يقف مع شركات التكنولوجيا أو ضدها، بل أي نموذج من السيطرة يحاول بناءه حولها. المؤشرات الحالية توحي بأنه لا يريد تحجيم قوتها، بل إدخالها بصورة أعمق في بنية الدولة الأميركية، مع إبقاء أدوات المراقبة قريبة منها. وهذا يعني أن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول سرعة تطور الذكاء الاصطناعي، وإنما حول الجهة التي ستملك حق تحديد حدوده: الشركات التي تطوره، أم الحكومات التي تعتمد عليه، أم منظومة جديدة تتداخل فيها مصالح الطرفين إلى درجة يصعب معها الفصل بين من ينظم ومن يخضع للتنظيم.
تزداد أهمية هذا الموضوع في ظل تنامي نفوذ أباطرة التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي حول العالم، وخاصة في الولايات المتحدة، مثل بيتر ثيل، وأليس كارب، وإيلون ماسك، وغيرهم. هذا التنامي جاء بالأساس نتيجة عاملين متداخلين: الأول هو ما تمثله التكنولوجيا الأن ، وخاصة الذكاء الإصطناعي، من تداخل هائل في كافة أنشطة الحياة، العامة منها والخاصة، والدور الذي تؤديه في تشكيل المستقبل، والثاني يتمثل في الثروة الهائلة التي أمكن توليدها من هذه الأعمال.
إلا أن هذا النفوذ لم يعد فقط تكنولوجيًا أو اقتصاديًا، بل وسياسيًا أيضًا في ظل تداخل هؤلاء في التأثير على قرارات السلطة السياسية (والذي تنامى كثيرًا أثناء الولاية الثانية لترامب)، وفي ظل الحديث عن انفاق لوبيات أباطرة الذكاء الإصطناعي لمبالغ طائلة ضد أي مرشح للكونجرس يتبنى أجندة وضع قيود على تطوير الذكاء الإصطناعي.
نفوذ أباطرة الذكاء الإصطناعي قد يدفع أيضًا لما يطلق عليه البعض بنموذج “دولة المراقبة”، الذي يقلص الحريات الشخصية للأفراد في المجتمع ويضعهم على الدوام تحت الرقابة اللصيقة. والأخطر من ذلك هو حديث بعضهم (مثل بيتر ثيل) عن عصر ما بعد الدولة، وأنه قد أن الأوان لإدارة المجتمعات كما تدار الشركات، وأن الذكاء الإصطناعي يمكن أن يساهم في تحقيق كفاءة أفضل للعمل مما يقلص الحاجة للكثير من الوظائف، أو أنه بدلًا من التنافس مع الصين مما يُخرج تطور الذكاء الإصطناعي عن السيطرة، فربما من الأفضل السعي نحو “حكومة عالمية واحدة” تستطيع ضبط هذه الأمور، وغير ذلك من التصورات، التي قد تأخذ في بعض الأحيان شكل يقارب العقيدة الدينية، مما يدفع بعض المحللين للحديث عن أجندات خفية لهؤلاء الأشخاص للسيطرة على العالم وتوجيهه، وتطور أشكال من “الفاشية التكنولوجية“، ومشاريع “إعادة الضبط العالمي“، وغير ذلك.
في النهاية، قد لا تكون المعضلة الأخطر أن يفلت الذكاء الاصطناعي فجأة من سيطرة الإنسان، بل أن يصبح جزءاً أساسياً من الاقتصاد والحرب والإدارة إلى درجة تجعل التراجع عنه شبه مستحيل. عندها لن يكون السؤال: هل نستطيع إيقافه؟ بل: هل ما زالت لدينا مصلحة في إيقافه عندما يصبح جزءاً من القوة التي تقوم عليها الدولة نفسها، أو قوة أولئك الذين يريدون فرض السيطرة على العالم؟ (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر)
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




