أسيا وافريقياتقارير

موسكو توسّع نفوذها في أفريقيا عبر “البيوت الروسية”.. من الدبلوماسية الثقافية إلى تجنيد المقاتلين

تكشف معلومات استخباراتية أوكرانية عن وجه جديد من وجوه التمدد الروسي في أفريقيا، حيث لم تعد موسكو تكتفي بالحضور العسكري المباشر أو تقديم الدعم الأمني للمجالس العسكرية الحاكمة، بل تستخدم شبكة واسعة من المراكز الثقافية المعروفة باسم البيوت الروسيةلتعزيز نفوذها السياسي والأيديولوجي، واستقطاب الشباب الأفارقة عبر وعود الدراسة والعمل، قبل أن يجد بعضهم نفسه في جبهات الحرب الأوكرانية أو داخل مصانع تدعم آلة الحرب الروسية.

وبحسب المعطيات المتداولة، تعمل هذه المراكز أو يجري افتتاحها في ما لا يقل عن 22 دولة أفريقية، ضمن استراتيجية روسية تهدف إلى ترسيخ النفوذ في القارة، خاصة في الدول التي شهدت انقلابات عسكرية أو تراجعاً في العلاقات مع الغرب. وتخطط موسكو لتوسيع هذه الشبكة عبر مراكز جديدة في دول مثل نيجيريا والسنغال وليبيريا وسيراليون وتوغو ومالي وموزمبيق وساو تومي وبرينسيبي.

وتتولى وكالة روسو ترودنيتشيستفو، وهي الوكالة الفيدرالية الروسية للتعاون الخارجي، إدارة هذا النشاط بالتعاون مع مؤسسات جديدة أُنشئت لتوسيع الحضور الروسي في الخارج، تحت شعارات ثقافية وتعليمية ودبلوماسية. لكن الاتهامات الموجهة لهذه الشبكة تشير إلى أنها تتجاوز العمل الثقافي التقليدي، لتتحول إلى أداة نفوذ سياسي وتجنيد غير مباشر.

واجهة ثقافية ورسائل سياسية

تقدّم “البيوت الروسية” نفسها بوصفها مراكز ثقافية تهدف إلى تعليم اللغة الروسية، وتعريف الشباب الأفارقة بالثقافة الروسية، وتوفير فرص للدراسة والعمل في روسيا. وتنظم هذه المراكز عروضاً لأفلام روسية وسوفييتية، وفعاليات ثقافية وتعليمية، ولقاءات تروّج لصورة إيجابية عن روسيا باعتبارها شريكاً مناهضاً للاستعمار الغربي.

لكن خلف هذه الصورة الناعمة، تتحدث تقارير عن دور أعمق لهذه المراكز في بناء قاعدة اجتماعية وسياسية موالية لموسكو داخل أفريقيا. فالشباب الذين يترددون على هذه المراكز يتلقون خطاباً يربط روسيا بفكرة التحرر من الهيمنة الغربية، ويقدّمها كحليف للجنوب العالمي، في وقت تسعى فيه موسكو إلى تعويض عزلتها الدولية بعد حرب أوكرانيا بتوسيع تحالفاتها في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

وتقول الاستخبارات الأوكرانية إن هذه المراكز تمثل جزءاً من “حرب على العقول”، هدفها إنتاج جيل أفريقي أكثر تقبلاً للرواية الروسية، وأكثر استعداداً للتعاون مع مؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.

من وعود الدراسة إلى جبهات القتال

الخطر الأكبر، وفق الاتهامات الأوكرانية، يتمثل في استخدام هذه الشبكات لاستقطاب شباب أفارقة بوعود العمل أو الدراسة أو التدريب، قبل أن يُدفع بعضهم إلى توقيع عقود مع الجيش الروسي أو شركات مرتبطة به. وتفيد تقارير بأن بعض هؤلاء الشباب اكتشفوا لاحقاً أنهم أُرسلوا إلى جبهات القتال في أوكرانيا، أو إلى مصانع الطائرات المسيّرة داخل روسيا.

وتشير المعلومات إلى أن روسيا كثفت منذ عام 2024 حملات تجنيد الأجانب، خصوصاً من الدول الأفريقية، عبر منصات إلكترونية وشبكات وسطاء وواجهات تبدو مدنية أو تعليمية. وفي بعض الحالات، كان الشباب يعتقدون أنهم متجهون إلى وظائف أو برامج تدريب، قبل أن يجدوا أنفسهم في مواقع خطرة بعيدة عن بلدانهم.

وتقول وزارة الخارجية الأوكرانية إن آلاف المواطنين من دول أفريقية شاركوا في القتال إلى جانب روسيا، وإن وتيرة التجنيد تسارعت خلال العامين الأخيرين. كما تشير تقارير إلى أن بعض المجندين الأفارقة يُستخدمون في مهام عالية الخطورة، حيث يُنظر إليهم كقوة بشرية رخيصة وقابلة للاستبدال.

مصانع المسيّرات واستهداف الشابات

لا يقتصر الأمر على جبهات القتال. فبعض الشباب، وخاصة الشابات، يتم استقطابهم للعمل في منشآت صناعية داخل روسيا، بينها مصانع مرتبطة بإنتاج الطائرات المسيّرة. وتبرز في هذا السياق منطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة في تتارستان، وهي من أبرز المواقع الصناعية المعروفة بإنتاج طائرات مسيّرة تستخدمها روسيا في حربها ضد أوكرانيا.

وتكشف تقارير أن حملات التجنيد باتت تستهدف بشكل خاص شابات أفريقيات، خصوصاً من نيجيريا، عبر وعود بفرص عمل مجزية أو تدريب مهني. لكن الواقع، بحسب هذه التقارير، قد يكون مختلفاً تماماً، إذ يجد بعضهن أنفسهن في بيئة عمل شديدة الانضباط داخل مجمعات صناعية مرتبطة بالمجهود الحربي الروسي.

وهذا يوضح أن استراتيجية موسكو لا تقوم فقط على تجنيد مقاتلين، بل على تأمين سلسلة أوسع من الموارد البشرية التي تحتاجها الحرب، سواء في الجبهات أو في المصانع أو في الدعاية السياسية.

فاغنر و”أفريقيا كوربس”: الذراع العسكرية خلف الواجهة الثقافية

تتداخل “البيوت الروسية” في بعض الدول مع نفوذ مجموعة فاغنر، التي أعيدت هيكلتها لاحقاً تحت اسم أفريقيا كوربس بعد مقتل مؤسسها يفغيني بريغوجين. وقد أقر مسؤولون روس سابقون بأن عناصر مرتبطة بهذه المجموعة شاركوا في تأسيس مراكز روسية في دول مثل مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى.

وفي بانغي، عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى، تشير تقارير إلى أن إدارة “البيت الروسي” ترتبط بشخصيات قريبة من فاغنر، وأن المركز لا يعمل فقط كمؤسسة ثقافية، بل كقاعدة نفوذ ولوجستيات مرتبطة بالمصالح الروسية، بما في ذلك الموارد الطبيعية مثل الذهب والألماس والأخشاب.

ويأتي هذا التوسع في ظل صعود مجالس عسكرية موالية لموسكو في غرب أفريقيا، خصوصاً في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث تراجع النفوذ الفرنسي والغربي، وحلت روسيا محل الشركاء التقليديين بوصفها مزوداً للسلاح والحماية الأمنية والدعم السياسي.

النيجر ومالي وبوركينا فاسو: بيئة مناسبة للنفوذ الروسي

تزامن انتشار “البيوت الروسية” مع تحولات سياسية كبيرة في منطقة الساحل. ففي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، برزت أنظمة عسكرية تبنت خطاباً مناهضاً لفرنسا والغرب، وفتحت الباب أمام تعاون أوسع مع روسيا. وقد استثمرت موسكو هذا المناخ لتقديم نفسها كحليف يحترم السيادة الوطنية ولا يفرض شروطاً سياسية كما يفعل الغرب.

لكن هذا الحضور الروسي لا يقتصر على الخطاب الدبلوماسي. ففي هذه الدول، أصبحت فاغنر أو “أفريقيا كوربس” جزءاً من المشهد الأمني، وسط اتهامات متكررة بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين. كما أن المراكز الثقافية الروسية تعمل في بيئة مشحونة بالانقلابات، والتنافس الدولي، وصعود الخطاب الشعبوي المناهض للاستعمار.

وبذلك، تتحول “البيوت الروسية” إلى جزء من منظومة نفوذ أوسع تجمع بين السلاح والدعاية والتعليم والاقتصاد والموارد الطبيعية.

روسيا وميزانية الدعاية الخارجية

رغم العقوبات الأوروبية المفروضة على وكالة روسوترودنيتشيستفو بسبب دورها في نشر معلومات مضللة مرتبطة بغزو أوكرانيا، واصلت موسكو توسيع حضورها الخارجي. وتشير المعلومات إلى أن روسيا خصصت في موازنة عام 2026 مبلغاً ضخماً لعمليات الدعاية في الخارج، بزيادة كبيرة عن العام السابق.

هذا الإنفاق يعكس إدراك الكرملين لأهمية المعركة الإعلامية والأيديولوجية، خصوصاً في دول الجنوب العالمي. فروسيا لا تريد فقط كسب حكومات، بل تسعى إلى بناء رأي عام متعاطف معها، أو على الأقل متشكك في الرواية الغربية بشأن الحرب في أوكرانيا.

وفي أفريقيا تحديداً، تستثمر موسكو في سردية “مناهضة الاستعمار”، مستفيدة من الذاكرة التاريخية السلبية تجاه فرنسا وبريطانيا ودول غربية أخرى. لكنها في الوقت نفسه، بحسب منتقديها، تمارس شكلاً جديداً من الاستغلال عبر الموارد الطبيعية، وحملات التجنيد، ودعم أنظمة عسكرية تحتاج إلى الحماية.

تجنيد الأفارقة: أرقام وتحذيرات

تتحدث تقارير أوكرانية وأفريقية عن آلاف الأفارقة الذين جرى استقطابهم للقتال إلى جانب روسيا أو للعمل في منشآت مرتبطة بالحرب. وتقول كييف إن ما لا يقل عن آلاف المواطنين من عشرات الدول الأفريقية شاركوا في القتال إلى جانب الجيش الروسي، بينما تؤكد دول مثل كينيا وغانا ونيجيريا أنها طالبت موسكو بتوضيحات حول تجنيد مواطنيها.

في نيجيريا، تحدثت تحقيقات صحفية عن مئات المواطنين الذين سجلوا أسماءهم عبر قنوات مرتبطة بشبكات تجنيد، مع تقارير عن مقتل عدد منهم. أما موسكو، فتنفي أي تورط رسمي في عمليات تجنيد خادعة، وتقول إنها ليست على علم بحالات من هذا النوع.

لكن تكرار الشكاوى من دول أفريقية مختلفة، وظهور شهادات عن شباب خُدعوا بوعود العمل أو الدراسة، يضعان روسيا أمام اتهام خطير: استخدام الفقر والطموح والهجرة كمدخل لتجنيد قوة بشرية تخدم حرباً لا علاقة لهؤلاء الشباب بها.

سلاح أيديولوجي طويل الأمد

تصف الاستخبارات الأوكرانية “البيوت الروسية” بأنها ليست مجرد مراكز ثقافية، بل “سلاح أيديولوجي طويل الأمد”. فهدفها، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على تجنيد مقاتلين للحرب الحالية، بل يتجاوز ذلك إلى تنشئة جيل أفريقي يرى في روسيا حليفاً طبيعياً، ويتقبل خطابها السياسي، ويصبح جزءاً من شبكة نفوذها في القارة.

وهذا النوع من النفوذ أخطر من الوجود العسكري المباشر، لأنه يعمل ببطء، عبر التعليم واللغة والمنح والرموز الثقافية. فالشاب الذي يبدأ بتعلم الروسية أو حضور فعالية ثقافية قد يجد نفسه لاحقاً داخل شبكة أوسع من العلاقات والالتزامات، خصوصاً في بيئات فقيرة تبحث عن فرص خارجية.

وفي هذا السياق، يصبح التعليم والمنح الدراسية والعمل أدوات سياسية، لا مجرد خدمات ثقافية. وتتحول القوة الناعمة إلى قناة تجنيد، والدبلوماسية الشعبية إلى غطاء لمشاريع أمنية وعسكرية.

استغلال الموارد والبشر

لا تنفصل هذه السياسة عن المصالح الاقتصادية الروسية في أفريقيا، خصوصاً في قطاعات الذهب والألماس والأخشاب والمعادن. ففي دول تعاني من ضعف مؤسساتي وصراعات داخلية، تستطيع الشركات والكيانات المرتبطة بموسكو الحصول على امتيازات واسعة مقابل تقديم الدعم العسكري أو السياسي للسلطات الحاكمة.

وتتهم كييف موسكو بأنها تنظر إلى السكان المحليين بوصفهم أيدي عاملة رخيصة، سواء داخل الشركات الروسية العاملة في أفريقيا أو داخل المصانع الروسية نفسها. كما تشير إلى حالات تلوث بيئي خطير مرتبطة بأنشطة استخراج الموارد، كما في السودان، حيث تتحدث عن تلوث بالزئبق نتيجة عمليات تنقيب غير مسؤولة عن الذهب.

وبهذا المعنى، فإن الحضور الروسي في أفريقيا لا يبدو، وفق المنتقدين، شراكة متكافئة، بل صيغة جديدة من الاستغلال تجمع بين الموارد الطبيعية والعمالة البشرية والنفوذ السياسي.

خلاصة

تكشف قضية “البيوت الروسية” في أفريقيا عن تحوّل مهم في طريقة إدارة موسكو لنفوذها الخارجي. فروسيا لا تعمل فقط عبر القواعد العسكرية أو الشركات الأمنية، بل عبر مزيج من الثقافة والدعاية والتعليم والتجنيد والاقتصاد. وتقدم نفسها للأفارقة بوصفها قوة مناهضة للاستعمار، بينما تتهمها أوكرانيا وجهات غربية وأفريقية باستغلال الشباب والموارد لخدمة حربها ومصالحها.

والأخطر أن هذه المراكز تعمل في بيئات هشة، حيث الفقر والبطالة والرغبة في الهجرة تجعل الشباب أكثر قابلية للتصديق والتجنيد. لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط عن عدد الأفارقة الذين وصلوا إلى جبهات أوكرانيا، بل عن حجم الشبكة التي يجري بناؤها داخل القارة، وعن الأثر الطويل الأمد لهذا النفوذ على استقلال القرار الأفريقي وأمن المجتمعات المحلية.

في النهاية، تبدو “البيوت الروسية” واجهة ناعمة لمشروع خشن: مشروع يريد كسب العقول، وتجنيد الأجساد، واستثمار الموارد، وتوسيع حضور موسكو في قارة أصبحت واحدة من أهم ساحات التنافس الدولي في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى