نحن والعالم عدد 29 أغسطس 2026

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، 8 أغسطس 2026 –29 أغسطس 2026
تكشف التطورات الكثيرة والهامة خلال الفترة الممتدة بين 8 إلى 29 أغسطس/آب 2026 عن عالم يتحرك سريعاً نحو إعادة توزيع مراكز القوة والنفوذ، تحت ضغط الحرب مع إيران والتحولات الاقتصادية والأمنية المتسارعة.
فمن إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية وصعود الأميركتين، إلى تحولات الوجود العسكري الأميركي في الخليج، تتغير حسابات الأمن والاقتصاد معاً.
وفي الشرق الأوسط، تتشابك مسارات سوريا وتركيا وإسرائيل وليبيا مع ترتيبات إقليمية جديدة تعيد تعريف موازين النفوذ وحدود الشراكات القديمة.
أما اقتصادياً، فتظهر التجارة والطاقة والبيانات والتكنولوجيا كأدوات متزايدة الأهمية في المنافسة بين الدول، فيما تدفع الرسوم الجمركية والعقوبات إلى البحث عن أسواق ومسارات بديلة.
وبذلك تعكس أخبار هذه الفترة خريطة مرحلة انتقالية لا تتراجع فيها الولايات المتحدة عن قيادة العالم بقدر ما تعيد، بصعوبة، تشكيل أدوات حضورها، بينما تسعى القوى الإقليمية إلى استغلال المساحات الجديدة التي يفتحها هذا التحول.
أمريكا
تبدو السياسة الأميركية في هذه الفترة محكومة بمحاولة إعادة توزيع الكلفة والأعباء، سواء في الأمن أو التجارة أو الطاقة، مع استمرار إدارة ترامب في دفع الحلفاء نحو تحمل مسؤوليات أكبر.
ففي الخليج، يناقش البنتاغون تقليص اعتماده على القواعد الأمامية، بينما تتجه خريطة النفط العالمية بصورة متزايدة نحو نصف الكرة الغربي.
وفي آسيا، يعيد ترامب استخدام العلاقة الشخصية مع كيم جونغ أون لتعديل معادلة الردع مع كوريا الجنوبية، في خطوة تثير أسئلة حول ثبات الالتزامات الأمنية الأميركية تجاه حلفائها.
أما اقتصادياً، فتتسع المواجهة التجارية لتشمل حتى كندا، مع تهديدات برسوم مرتفعة قد تعيد تشكيل سلاسل التوريد في أميركا الشمالية.
وفي الداخل، تكشف مفاجأة انتخابات فلوريدا عن استمرار التحولات داخل الحزب الديمقراطي وصعود خطاب تقدمي أكثر تحدياً للمؤسسة التقليدية.
النفط يتحرك غربًا.. حرب إيران تسرّع صعود الأميركتين وتعيد رسم خريطة النفط العالمية
لم تعد كلفة استمرار الحرب في الخليج تقاس فقط بملايين البراميل التي تتوقف عن التصدير عبر مضيق هرمز، أو بالإيرادات التي تخسرها الدول المنتجة كلما تعطلت الملاحة؛ فخلف الأزمة المباشرة يجري تحول أكثر هدوءًا، وأطول أثرًا، في خريطة النفط العالمية: جزء متزايد من الإنتاج والاستثمارات الجديدة ينتقل إلى الأميركتين، من كندا والولايات المتحدة شمالًا إلى غيانا والبرازيل والأرجنتين جنوبًا.
هذه هي الخلاصة التي يطرحها خافيير بلاس، الكاتب المتخصص في الطاقة في Bloomberg Opinion، في مقاله المنشور في 17 أغسطس/آب 2026. الحرب مع إيران، في قراءته، لم تنشئ هذا التحول، لكنها كشفت حجمه بصورة لم تكن ممكنة في الظروف الطبيعية. فبينما أُجبرت دول خليجية على خفض الإنتاج بسبب اضطراب هرمز، سجل منتجون على الجانب الآخر من العالم مستويات قياسية أو اقتربوا منها، لتظهر الفجوة بين إقليم يملك أكبر احتياطيات منخفضة التكلفة في العالم، لكنه يتعرض لاختناق جغرافي، وإقليم آخر تتوسع قدرته الإنتاجية بعيدًا عن بؤرة الصراع.
والرقم الأوضح في حسابات بلاس هو أن الأميركتين تنتجان حاليًا نحو 39.5 مليون برميل يوميًا من الخام والسوائل النفطية الأخرى، وإذا أضيف قرابة 2.5 مليون برميل يوميًا من الإيثانول والديزل الحيوي، يرتفع الإجمالي إلى نحو 42 مليون برميل يوميًا، بما يجعل نصف الكرة الغربي، وفق هذا المقياس الواسع للسوائل النفطية، أكبر كتلة إنتاجية في العالم.
الأهم أن هذه النتيجة لم تعد قائمة على النفط الصخري الأميركي وحده.
فالبرازيل وغيانا والأرجنتين سجلت مستويات إنتاج مرتفعة بصورة غير مسبوقة، بينما تتجه كندا إلى سنة قياسية جديدة. وفي البرازيل، بلغ إنتاج الخام في يونيو/حزيران 4.475 ملايين برميل يوميًا، بزيادة 19.1% عن الشهر نفسه من العام السابق، وهو أعلى مستوى مسجل، فيما تجاوز إنتاج حقل بوزيوس وحده مليون برميل يوميًا.
وفي كندا، بلغ متوسط إنتاج الخام ومكافئاته 5.35 ملايين برميل يوميًا خلال 2025، قبل أن يصعد إلى 5.64 ملايين في ديسمبر/كانون الأول، وهو أعلى مستوى في تاريخ البلاد. وتشير تقديرات القطاع إلى استمرار الزيادة خلال 2026، وإن كانت الشركات الكندية أكثر حذرًا في الالتزام بمشروعات ضخمة جديدة طويلة الأجل.
أما غيانا، التي لم تبدأ الإنتاج التجاري إلا في نهاية 2019، فقد تجاوزت 900 ألف برميل يوميًا، فيما تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن يدفع تشغيل مشروع Uaru إنتاجها إلى أكثر من مليون برميل يوميًا بحلول 2027. وفي الأرجنتين، عززت التقديرات الجديدة لحقل فاكا مويرتا الصورة نفسها، بعدما رفعت دراسة رسمية الموارد النفطية القابلة للاستخراج تقنيًا إلى 30.17 مليار برميل، بزيادة 89% عن تقديرات 2013.
وبحسابات بلاس، يمكن أن تنتج كندا والبرازيل معًا بحلول نهاية 2027 كمية من النفط تفوق إنتاج السعودية، بينما تصبح غيانا، وهي دولة يقل عدد سكانها عن مليون نسمة، منتجًا بحجم يقترب من ليبيا.
هذه المقارنات لا تعني أن كندا أو البرازيل تحلان محل السعودية في سوق النفط. المملكة ما تزال تمتلك احتياطيات هائلة، وتكاليف إنتاج منخفضة، وطاقة فائضة تستطيع تشغيلها بسرعة، وهي مزايا لا يملكها المنتجون الجدد بالمستوى نفسه، لكنها تكشف أين تظهر البراميل الإضافية التي تعيد تشكيل السوق.
من 26% إلى نحو 40%
في مطلع القرن كانت الأميركتان تمثلان، وفق حسابات بلاس، نحو 26% من إنتاج النفط العالمي. اليوم تقترب حصتهما في الظروف الطبيعية من 40%، رغم التراجع التاريخي الكبير الذي سجله إنتاج المكسيك وفنزويلا مقارنة بذروته السابقة.
وكان بلاس قد لفت منذ يناير/كانون الثاني إلى أن جمع إنتاج الولايات المتحدة وكندا وفنزويلا والبرازيل وغيانا والأرجنتين وبقية نصف الكرة الغربي يضع المنطقة بالفعل قرب 40% من الإنتاج العالمي. وما أضافته الأشهر اللاحقة هو أن الحرب جعلت هذه الحصة ترتفع بصورة مؤقتة بشكل أكبر.
فخلال بعض أسابيع مارس/آذار، تجاوز نصيب الأميركتين قليلًا 45% من الإنتاج العالمي، ليس لأن القارة أضافت فجأة ست نقاط مئوية إلى إنتاجها، وإنما لأن جزءًا ضخمًا من الإنتاج الخليجي خرج من السوق.
وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية حجم الصدمة. ففي مارس/آذار اضطرت السعودية والعراق والكويت والإمارات وقطر والبحرين مجتمعة إلى إغلاق نحو 7.5 ملايين برميل يوميًا من إنتاج الخام بعدما تسبب تعطل المرور في هرمز بامتلاء مرافق التخزين وعدم قدرة المنتجين على إخراج البراميل إلى السوق. وارتفع تقدير الكميات المغلقة إلى 10.5 ملايين برميل يوميًا في أبريل/نيسان.
وبعد خمسة أشهر من الحرب، لم تعد المشكلة قد انتهت. ففي تقرير أغسطس/آب، قالت وكالة الطاقة الدولية إن نحو 8.3 ملايين برميل يوميًا من إنتاج الخليج ظلت خارج السوق في يوليو، وإن إمدادات المنطقة بقيت أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب بسبب استمرار اضطراب هرمز والهجمات على البنية النفطية والناقلات.
هنا تحديدًا تظهر المصلحة الجيواقتصادية الخليجية في إنهاء الحرب.
فالبرميل الذي يتوقف اليوم في الخليج لا يعني بالضرورة أن المنتج الخليجي خسر عملية بيع واحدة فحسب. إذا استمرت الأزمة طويلًا، فإنها تمنح منافسيه سعرًا أعلى لتمويل الاستثمار، وعملاء يبحثون عن مصادر بديلة، وحجة أقوى لبناء حقول وخطوط أنابيب وموانئ جديدة خارج الشرق الأوسط.
وهذه استثمارات لا تختفي بمجرد انتهاء الحرب.
الولايات المتحدة لم تعد وحدها
تظل الولايات المتحدة أهم عنصر في التحول. الإنتاج الأسبوعي للخام الأميركي تجاوز في يوليو/تموز 13.8 مليون برميل يوميًا، بعدما كان يدور قرب 13.7 مليونًا في مايو، ويقترب بذلك من عتبة 14 مليون برميل يوميًا.
وبحسب بلاس، لا يقتصر الرقم الأميركي على الخام؛ فهناك نحو ثمانية ملايين برميل إضافية من السوائل النفطية الأخرى، ونحو 1.5 مليون من الوقود الحيوي. وهو يتوقع أن يسمح بقاء الأسعار فوق 70 دولارًا للبرميل للمنتجين بمواصلة رفع إنتاج الخام، في ظل عودة نشاط الحفر واستكمال الآبار وتحسن الإنتاجية.
لكن التحول الأهم هو أن السوق لم يعد مضطرًا إلى الاعتماد على قدرة النفط الصخري الأميركي وحده على الاستجابة للأسعار.
في البرازيل وغيانا، تعتمد الزيادة على مشاريع بحرية ضخمة تمتد أعمارها لعقود. وبعد اتخاذ قرار الاستثمار وتركيب منصة إنتاج بمليارات الدولارات، لا تتوقف تلك المشروعات لأن السعر انخفض عشرة أو عشرين دولارًا لعدة أشهر.
وفي كندا، تتميز الرمال النفطية بالطبيعة نفسها تقريبًا: كلفة الدخول مرتفعة، لكن المنشأة القائمة تستطيع مواصلة الإنتاج لسنوات طويلة. أما فاكا مويرتا في الأرجنتين، فتمتلك قاعدة موارد كبيرة وتكاليف إنتاج أصبحت أكثر تنافسية مع تحسن الخبرة والبنية التحتية.
ولهذا يستند بلاس إلى أبحاث «جيه بي مورغان» ليخلص إلى أن جانبًا من الزيادة الحالية ليس مجرد استجابة قصيرة لارتفاع الأسعار الناتج عن الحرب، وإنما إنتاج سيستمر حتى إذا تراجعت أسعار النفط في العام المقبل.
وتتوافق هذه القراءة مع ما يحدث بالفعل في قرارات الشركات. ففي البرازيل، وصفت «شل» البلاد في مارس/آذار بأنها توفر «فرصة هائلة» في ظل اضطرابات الشرق الأوسط، مشيرة إلى الاستقرار الجيوسياسي وإمكان الاعتماد عليها كمصدر للطاقة؛ وكانت الشركة قد رفعت استثماراتها هناك ووسعت عدد مناطق الاستكشاف بصورة كبيرة خلال السنوات السابقة.
وفي كندا عاد عدد من كبريات شركات النفط العالمية إلى دراسة استثمارات واستحواذات بعدما زادت الحرب جاذبية الدول الواقعة بعيدًا عن صراعات الشرق الأوسط. وذكرت رويترز في أبريل/نيسان أن «شل» و«توتال إنرجيز» و«كونوكو فيليبس» و«إكوينور» و«بي بي» كانت بين الشركات التي أعادت النظر في فرص القطاع الكندي.
حتى شركة خطوط الأنابيب الكندية «إنبريدج» وصفت المناخ الاستثماري للطاقة في أميركا الشمالية بأنه الأفضل منذ ما بين عشرة وخمسة عشر عامًا، وقالت إنها تدرس فرصًا رأسمالية جديدة بعشرات المليارات من الدولارات.
ما تخسره منطقة الخليج إذا طال أمد الحرب
المشكلة، إذن، ليست أن العالم سيستغني عن نفط الخليج.
هذا السيناريو بعيد. السعودية والعراق والإمارات والكويت وإيران تملك احتياطيات لا تستطيع الأميركتان تعويضها بسهولة، كما أن كلفة إنتاج كثير من البراميل الخليجية أقل بكثير من كلفة النفط الصخري أو الرمال النفطية، فضلًا عن الموقع القريب من الأسواق الآسيوية الكبرى.
لكن النفوذ النفطي لا يتحدد بالاحتياطيات وحدها.
لسنوات طويلة، كانت إحدى أهم نقاط قوة الخليج أن السوق العالمية تعرف أن هناك كميات ضخمة من النفط يمكن ضخها وتصديرها عند الحاجة. أزمة هرمز أظهرت أن القدرة على الإنتاج لا تعني بالضرورة القدرة على الوصول إلى السوق، وأن ملايين البراميل يمكن أن تصبح محاصرة خلف ممر بحري واحد.
وبينما كان إنتاج الخليج مقيدًا، واصلت الأميركتان زيادة الإمدادات. وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن تضيف دول الأميركتين نحو 1.4 مليون برميل يوميًا إلى الإمدادات العالمية خلال 2026، بما يعوض جزءًا من خسائر الشرق الأوسط وروسيا.
كما بدأت الحرب تعيد تشكيل تجارة المنتجات النفطية نفسها. فالمصافي الأميركية رفعت صادراتها مع نقص الإمدادات من الشرق الأوسط وروسيا، ووصلت صادرات بعض أنواع الوقود إلى مستويات قياسية أو قريبة منها، مع توجه المشترين نحو موردين أقل تعرضًا للاضطرابات.
وهذه هي النقطة التي تجعل الزمن عاملًا مهمًا بالنسبة إلى دول الخليج.
إذا استمر الصراع أسابيع قليلة ثم عادت الملاحة الكاملة، يمكن للمنتجين استعادة جانب كبير من حصتهم. أما إذا أصبح عدم الاستقرار سمة مزمنة، فإن المستثمر الذي يقرر اليوم تمويل منصة بحرية في البرازيل، أو توسعة خط أنابيب في كندا، أو مشروعًا جديدًا في غيانا، لن يلغي المشروع في اليوم الذي يعود فيه هرمز إلى العمل.
رأس المال الذي ينتقل يخلق قدرة إنتاجية جديدة تستمر سنوات، ثم تأتي حولها بنية جديدة من خطوط الأنابيب والموانئ والمصافي وشركات الخدمات والعقود طويلة الأجل.
وهكذا يمكن أن تتحول خسارة مؤقتة في السوق إلى خسارة أكثر ديمومة في الحصة من الاستثمار والإنتاج المستقبلي.
ولهذا فإن المصلحة الخليجية في إنهاء الحرب تتجاوز وقف الخسائر الحالية. الاستقرار نفسه أصبح جزءًا من القدرة التنافسية للبرميل الخليجي.
لم يعد السؤال فقط: من يستطيع إنتاج النفط بأقل كلفة؟ بل أيضًا: من يستطيع ضمان وصوله إلى السوق عندما تقع أزمة سياسية أو عسكرية؟
الحرب أظهرت أن الجواب لم يعد محسومًا لمصلحة الشرق الأوسط كما كان في السابق.
وبهذا المعنى، فإن ما يجري في الأميركتين ليس انقلابًا فوريًا على النظام النفطي القديم، وإنما إعادة توزيع بطيئة للقوة داخله. الخليج يحتفظ بالاحتياطيات والمرونة والكلفة المنخفضة، بينما تبني الأميركتان شيئًا مختلفًا: حجمًا إنتاجيًا متزايدًا، وتنوعًا جغرافيًا، ومنافذ متعددة على الأطلسي والهادئ، ومسافة سياسية وعسكرية أكبر عن أهم بؤر اضطراب الطاقة في العالم.
خافيير بلاس يلخص هذا التحول بالقول إن خريطة النفط العالمية أعيد رسمها بدرجة أكبر مما يُعتقد عادة. والأرجح أن حرب إيران ستدفعها خطوة أخرى في الاتجاه نفسه، لأن كل اضطراب طويل في هرمز يعزز الحجة الاستثمارية التي تقدمها كندا والبرازيل وغيانا والأرجنتين والولايات المتحدة: النفط موجود، والإنتاج يتوسع، والأهم أن الطريق إلى السوق أقل عرضة لأن يغلقه صراع في الخليج.
بالنسبة لدول الخليج، هذه ليست حجة للخروج من سوق النفط، بل العكس تمامًا. إنها حجة لإنهاء الحرب واستعادة صورة المنطقة باعتبارها المصدر الأكثر استقرارًا وموثوقية للطاقة، قبل أن تتحول علاوة المخاطر الحالية إلى استثمارات دائمة في منافسين جدد.
ما بعد حرب إيران.. البنتاغون يدرس تقليص تمركزه في الخليج ونقل جزء من قواته غربًا
للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب مع إيران، لم يعد النقاش داخل البنتاغون يتركز على حجم القوات التي تحتاجها الولايات المتحدة لمواصلة العمليات، بل على سؤال أبعد مدى: هل ينبغي أصلًا إعادة بناء الوجود العسكري الأميركي في الخليج بالشكل الذي كان عليه قبل 28 فبراير/شباط؟
تقرير جديد لـ«واشنطن بوست»، استند إلى مقابلات مع ثمانية مسؤولين وأشخاص مطلعين على المناقشات، يكشف أن وزارة الدفاع الأميركية بدأت تقييمًا داخليًا لمستقبل انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، وأن أحد الخيارات المطروحة هو تقليص القوات والمنشآت المتمركزة داخل الخليج ونقل جزء من الثقل العسكري غربًا، بدل إعادة إنشاء شبكة القواعد الكبيرة التي تعرضت خلال الحرب لهجمات إيرانية واسعة. وتؤكد تغطيات لاحقة للتقرير أن حجم الأضرار والكلفة المتراكمة دفعا البنتاغون إلى إعادة النظر في النموذج الذي حكم وجوده العسكري في المنطقة لعقود.
لا توجد حتى الآن أوامر بسحب القوات، كما أن وزير الدفاع بيت هيغسيث لم يأمر بمراجعة رسمية شاملة للتموضع العسكري الأميركي. ويصف مسؤول كبير العمل الجاري بأنه “تخطيط حصيف” لا أكثر في هذه المرحلة. لكن أهمية النقاش تكمن في أن المؤسسة العسكرية لا تتعامل مع العودة إلى الوضع السابق بوصفها النتيجة التلقائية بعد انتهاء الحرب.
المسألة بدأت قبل ذلك بوقت مبكر. ففي أبريل/نيسان، قال مسؤول الميزانية في البنتاغون أمام الكونغرس إن كلفة إصلاح المنشآت الأميركية المتضررة لا يمكن تقديرها بدقة لأن شكل الوجود العسكري الأميركي المستقبلي في المنطقة نفسه لم يُحسم بعد؛ أي أن السؤال بشأن إعادة بناء القواعد كان مطروحًا داخل الوزارة بينما الحرب ما تزال مستمرة.
والآن أصبح هذا السؤال جزءًا من نقاش أوسع: أين ينبغي أن تتمركز القوات الأميركية؟ وما عدد الجنود والمنصات التي يجب إبقاؤها قريبًا من إيران؟ وهل يمكن المحافظة على المظلة الأمنية الأميركية لدول الخليج من دون الإبقاء على قواعد ضخمة ومكشوفة بالصورة نفسها؟
الحرب ضربت نموذج «القواعد الأمامية»
منذ حرب الخليج الأولى، بُني الوجود الأميركي في المنطقة حول شبكة من المنشآت الكبيرة والقريبة نسبيًا من إيران: مقر الأسطول الخامس في البحرين، العديد من القواعد والمنشآت في الكويت، قاعدة العديد في قطر، الظفرة في الإمارات، ومواقع أخرى في السعودية والعراق.
كانت لهذه الجغرافيا ميزة واضحة. القوات والطائرات والمعدات موجودة مسبقًا بالقرب من مناطق الأزمات، وتستطيع واشنطن التحرك بسرعة من دون الحاجة إلى نقل قوة كبيرة من أوروبا أو الولايات المتحدة في كل مرة.
لكن حرب 2026 كشفت الجانب الآخر من المعادلة.
فالقواعد نفسها تقع داخل مدى ترسانة إيرانية ضخمة من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وبدل أن تكون نقاطًا لانطلاق القوة الأميركية فقط، تحولت منذ اليوم الأول للحرب إلى أهداف ثابتة معروفة المواقع يمكن لطهران مهاجمتها مرارًا.
وكان تحقيق سابق لـ«واشنطن بوست» باستخدام صور الأقمار الصناعية قد وثق تضرر أو تدمير 228 مبنى أو قطعة معدات على الأقل في 15 موقعًا عسكريًا أميركيًا حتى مايو/أيار، بينها حظائر طائرات وثكنات ومستودعات وقود وأنظمة رادار واتصالات ودفاع جوي.
هذه الخسائر لا تعني أن إيران شلت القوة الأميركية في المنطقة، لكن حجمها كان أكبر بكثير مما أظهرته البيانات الرسمية في الأسابيع الأولى للحرب. والأهم أن طهران أثبتت قدرتها على إلحاق ضرر متكرر بالبنية الثابتة التي استثمرت الولايات المتحدة مليارات الدولارات في بنائها طوال عقود.
ولهذا بدأ التكيف الأميركي قبل اندلاع الحرب نفسها.
فمع تصاعد احتمالات المواجهة في يناير وفبراير، أخرج البنتاغون أفرادًا وطائرات ومعدات من بعض القواعد الخليجية الكبيرة، ووزعها على منشآت أصغر أو نقلها غربًا. وفي فبراير، أظهرت تحركات القوات الأميركية وصول أكثر من 150 طائرة إلى الشرق الأوسط وأوروبا، لكن أكثر من نصفها تمركز في أوروبا، بعيدًا عن مدى الجزء الأكبر من الصواريخ الإيرانية، بينما تحولت قواعد في الأردن إلى مراكز مهمة للعمليات الجوية.
وبحسب التقرير الجديد، فإن بعض هذه التحركات المؤقتة التي نُفذت استعدادًا للحرب قد تتحول إلى وضع دائم بعدها.
براد كوبر يدعم التحرك غربًا
داخل القيادة العسكرية الأميركية نفسها يبدو أن خيار إعادة التوزيع يحظى بدعم مهم.
فبحسب مسؤول أميركي تحدث إلى «واشنطن بوست»، يشارك قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر في النقاشات، ويدعم فكرة إمكانية نقل جانب من القوات والمعدات غربًا بعيدًا عن الخليج.
ويُدرس عدد من المواقع المحتملة، بينها الأردن وإسرائيل والساحل السعودي على البحر الأحمر.
الفكرة ليست الانسحاب من الشرق الأوسط، وإنما زيادة المسافة الفاصلة بين التجمعات العسكرية الأميركية الكبيرة وبين إيران.
فعلى سبيل المثال، تجعل القواعد في الكويت والبحرين وقطر القوات الأميركية أقرب إلى إيران، لكنها تجعلها كذلك في متناول مجموعة أوسع من الأسلحة الإيرانية. وكلما اتجه التموضع غربًا، تقل فعالية بعض الصواريخ والمسيّرات القصيرة والمتوسطة المدى، ويزداد الوقت المتاح لاكتشاف الهجمات واعتراضها.
هذا المنطق كان واضحًا حتى قبل بداية العمليات. فعندما حشدت واشنطن قوتها في فبراير، ركزت جزءًا مهمًا من الطائرات في الأردن وأوروبا تحديدًا حتى لا تقدم لإيران، بتعبير محلل تحدث حينها إلى «واشنطن بوست»، «هدفًا ثمينًا» داخل الخليج.
لكن الانتقال غربًا ليس حلًا كاملًا.
إيران أثبتت خلال الحرب أن بعض صواريخها قادرة على الوصول إلى الأردن وإسرائيل أيضًا. وفي ضربة 17 يوليو/تموز على قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن قُتل عسكريان أميركيان فورًا وفُقد ثالث، قبل أن تؤكد تقارير أميركية لاحقة ارتفاع حصيلة الضربة إلى ثلاثة قتلى. أما العسكري الأميركي الرابع الذي قُتل خلال تلك الجولة من القتال فسقط في اليوم التالي في حادث منفصل بالعراق، وليس في الضربة الأردنية نفسها.
أي أن الابتعاد عن الخليج يخفض التعرض، لكنه لا يضع القوات خارج مدى إيران بالكامل.
الدفاع عن القاعدة أصبح يستهلك السلاح المخصص للحرب
هناك سبب آخر يدفع البنتاغون إلى مراجعة النموذج الحالي، وهو الثمن المطلوب لحماية القواعد نفسها.
خلال الحرب استهلكت الولايات المتحدة أعدادًا ضخمة من صواريخ باتريوت وTHAAD وغيرها من الاعتراضات المتطورة للدفاع عن القوات والمنشآت الأميركية وحلفائها. وذكرت «واشنطن بوست» أن الولايات المتحدة أطلقت في مراحل من الحرب أكثر من ألف صاروخ دفاع جوي، فيما استخدمت مئات اعتراضات THAAD، وهي ذخائر عالية الكلفة وإنتاجها السنوي محدود.
وهنا يواجه المخطط العسكري معضلة مختلفة عما واجهته القوات الأميركية في العراق وأفغانستان.
فالقاعدة الأمامية لا توفر فقط قوة هجومية؛ يجب حمايتها على مدار الساعة أيضًا. وإذا استطاع الخصم إرسال طائرة مسيّرة أو صاروخ أرخص بكثير من صاروخ الاعتراض المطلوب لإسقاطه، فإن المحافظة على عشرات المواقع الثابتة تتحول بحد ذاتها إلى عملية استنزاف لمخزون استراتيجي يحتاجه البنتاغون كذلك لمواجهة سيناريوهات أخرى، وفي مقدمتها حرب محتملة في المحيط الهادئ.
ووصل الضغط على المخزونات إلى حد أن الرئيس دونالد ترامب طالب هيغسيث، وفق «واشنطن بوست»، بتفسيرات بشأن النقص الحاد في الذخائر، بينما طلب البنتاغون عشرات المليارات من الدولارات لإعادة ملء المخزون.
لذلك فإن السؤال لم يعد: كم يكلف إصلاح قاعدة تضررت؟
بل: هل يستحق إعادة بنائها أن تُستهلك مستقبلًا كميات كبيرة من الصواريخ للدفاع عنها مرة أخرى؟
الكويت قدمت المثال الأكثر قسوة
ضربة ميناء الشعيبة في الكويت في الأول من مارس/آذار أصبحت رمزًا لهذا الخلل.
فقد أصابت طائرة إيرانية مسيّرة مركز عمليات أميركيًا في الميناء وقتلت ستة عسكريين أميركيين. وكشف تحقيق لـ«واشنطن بوست» لاحقًا أن أفراد الوحدة كانوا قد أبدوا مخاوف بشأن مستوى الحماية في الموقع، وأن بعض أنظمة الإنذار والدفاع لم تكن مناسبة لطبيعة التهديد.
المفارقة أن القوات نُقلت إلى الشعيبة جزئيًا ضمن عملية تشتيت الأفراد بعيدًا عن القواعد الكبيرة التي كان يُتوقع أن تضربها إيران.
أي أن الحرب أظهرت مشكلة في الاتجاهين: القواعد الكبرى أهداف سهلة بسبب حجمها ووضوحها، بينما المنشآت الصغيرة الموزعة قد تكون أقل حماية.
ولهذا فإن إعادة التموضع المقبلة لن تكون مجرد نقل الجنود من نقطة إلى أخرى. المطلوب، إذا مضى البنتاغون في هذا الاتجاه، هو تغيير بنية الانتشار نفسها؛ وحدات أصغر، موزعة على مواقع أكثر، قدرة على التحرك السريع، بنية قيادة أقل اعتمادًا على منشآت مركزية كبيرة، واستخدام أكبر للقوة الجوية والبحرية التي يمكن نقلها إلى المنطقة عند الحاجة.
علاقة أمنية مع الخليج بعدد أقل من الجنود
هذا التحول يفتح سؤالًا أكثر حساسية من إعادة توزيع القواعد: ماذا سيعني للدول الخليجية التي بُني جزء من أمنها الخارجي منذ عقود على الوجود الأميركي المباشر؟
أليسون ماينور، المسؤولة السابقة عن شؤون شبه الجزيرة العربية في مجلس الأمن القومي الأميركي، ترى أن انخفاض أعداد القوات لا يعني بالضرورة نهاية الشراكة الأمنية.
فيمكن استمرار مبيعات الأسلحة، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والتدريب، والدفاع الصاروخي، والتخطيط المشترك، مع وجود عدد أقل من الجنود الأميركيين بصورة دائمة.
وهذه الفكرة تتفق مع طرح سابق لماينور حول ضرورة الانتقال من الاعتماد الخليجي على «ضمان» أمني أميركي واسع إلى نموذج يقوم بصورة أكبر على التكامل الدفاعي الإقليمي والقدرات المحلية والشراكة مع واشنطن.
إذا حدث ذلك، فسيكون التغيير أكبر من خفض عدد القوات.
فالمنظومة التي تشكلت بعد حرب الخليج عام 1991 قامت على ردع الخصوم عبر وجود أميركي مرئي وثقيل: قواعد، طائرات، سفن، مخازن أسلحة، وحدات برية ومقرات قيادة.
أما النموذج الجديد فيمكن أن يقوم على معادلة مختلفة: أميركا أقل حضورًا على الأرض، لكنها تظل المورد الرئيسي للسلاح والاستخبارات والتكنولوجيا، بينما تتحمل الدول الخليجية نسبة أكبر من عبء الدفاع المباشر عن أراضيها.
لكن توقيت التقليص شديد الحساسية للخليج
المشكلة أن هذا النقاش يأتي بعد حرب أضرت أصلًا بالثقة بين واشنطن وعدد من شركائها.
فقد عبّر مسؤولون خليجيون عن غضبهم لأنهم لم يشعروا بأن إدارة ترامب استشارتهم بالقدر الكافي قبل الحرب، ثم تحولت أراضيهم إلى ساحة للرد الإيراني. وأفادت AP في وقت مبكر من الصراع بأن مسؤولين خليجيين اشتكوا من دخول الحرب مع استعداد غير كافٍ لحماية المنشآت المدنية والعسكرية من حجم الهجمات الإيرانية.
ولهذا يمكن أن يُقرأ تقليص الوجود الأميركي بعد الحرب بطريقتين متناقضتين.
بالنسبة إلى واشنطن، قد يكون درس الحرب أن ترك عشرات الآلاف من الجنود داخل مدى الصواريخ الإيرانية يزيد المخاطر ولا يزيد الردع بالضرورة.
أما بالنسبة إلى بعض دول الخليج، فقد تكون الرسالة مختلفة: الولايات المتحدة بدأت الحرب، تعرضت المنطقة للرد، ثم قررت بعد ذلك تقليل وجودها.
وهذا الاحتمال من شأنه أن يدفع دول المنطقة إلى زيادة الاستثمار في الدفاع الجوي والصاروخي والمسيّرات والصناعات العسكرية المحلية، وربما البحث عن ترتيبات أمنية إضافية مع قوى إقليمية ودولية أخرى.
وهنا تصبح المناقشات الأميركية الحالية ذات صلة بتحولات أوسع، من التقارب العسكري الخليجي مع تركيا وباكستان إلى المحاولات المتزايدة لبناء شبكات دفاع إقليمية لا تعتمد بصورة حصرية على القوات الأميركية الموجودة على الأرض.
لكن بناء بديل حقيقي للمظلة الأميركية يحتاج سنوات، لا أشهرًا.
إسرائيل ليست البديل البسيط
إحدى أكثر نقاط التقرير حساسية تتعلق بإسرائيل.
جغرافيًا تبدو إسرائيل خيارًا منطقيًا لبعض القدرات التي يمكن نقلها غربًا: بنية عسكرية متقدمة، مطارات وقواعد محصنة نسبيًا، منظومة دفاع صاروخي كثيفة، وقرب كافٍ يسمح للقوات الأميركية بالعمل في الشرق الأوسط من دون البقاء في الخليج.
لكن هناك اعتراضًا مختلفًا داخل البنتاغون يتعلق بمكافحة التجسس.
ففي يونيو/حزيران، كشفت NBC News أن وكالة استخبارات الدفاع الأميركية رفعت تقدير خطر التجسس الإسرائيلي إلى مستوى «حرج»، وهو أعلى تصنيف لديها، بعد مخاوف من محاولات إسرائيلية أكثر نشاطًا لجمع معلومات عن المسؤولين الأميركيين والمداولات الداخلية بشأن إيران. ونفت السفارة الإسرائيلية بصورة قاطعة قيام إسرائيل بالتجسس على مسؤولين أميركيين، كما رفض البيت الأبيض تلك الرواية.
وتكمن أهمية ذلك في نقاش القواعد في أن زيادة عدد الأفراد والمنشآت الأميركية داخل إسرائيل تعني وضع حجم أكبر من الاتصالات والمعلومات والعمليات الأميركية الحساسة في بيئة يعتبرها بعض مسؤولي الاستخبارات المضادة أكثر تعقيدًا.
لذلك فإن إسرائيل قد تكون جذابة عسكريًا، لكنها ليست خيارًا بلا تكلفة سياسية واستخباراتية.
من «وجود أمامي» إلى «قوة قابلة للوصول»
إذا استقرت المناقشات الحالية على تقليص القواعد الخليجية، فلن يعني ذلك على الأرجح خروج الولايات المتحدة من الخليج.
المصالح الأميركية باقية: الملاحة في هرمز، الطاقة، مكافحة التنظيمات المسلحة، الدفاع عن الحلفاء، ومراقبة إيران. كما أن مقر الأسطول الخامس في البحرين وقواعد قطر والكويت وشبكات الموانئ والمخازن تمثل أصولًا لا يمكن تعويضها بسهولة.
لكن شكل القوة التي تحمي هذه المصالح قد يتغير.
بدل عشرات الآلاف من الجنود في منشآت ضخمة على مسافات قصيرة من إيران، يمكن أن تعتمد الولايات المتحدة بدرجة أكبر على انتشار موزع غرب المنطقة، وقواعد خلفية في أوروبا، وسفن وغواصات وطائرات بعيدة المدى، ومعدات مخزنة مسبقًا، مع إمكانية دفع قوات إضافية إلى الخليج عند وقوع أزمة.
وهذا يقترب من مفهوم عسكري كانت واشنطن تطوره حتى قبل حرب 2026، يقوم على تقليل الاعتماد على عدد محدود من القواعد الأمامية التي يستطيع الخصم استهدافها في بداية الحرب.
لكن حرب إيران قدمت لهذه الفكرة ما لم توفره التمارين والنماذج النظرية: اختبارًا قتاليًا مباشرًا.
المواقع الأميركية تعرضت للضرب، بعض المعدات دُمّر، جنود قُتلوا، وكمية ضخمة من الاعتراضات استُهلكت في الدفاع عن المنشآت، بينما اضطرت القيادة المركزية أصلًا إلى تشتيت القوات لكي تستمر في العمل.
لهذا فإن التقرير الجديد لا يقول إن أميركا قررت مغادرة الخليج، ولا أن «العصر الأميركي» في المنطقة انتهى.
الأكثر دقة أنه يكشف أن البنتاغون بدأ يسأل للمرة الأولى بعد الحرب ما إذا كان النموذج الذي جسد ذلك العصر ما يزال صالحًا.
وإذا انتهى التقييم إلى عدم إعادة بعض المنشآت المتضررة، ونقل قدرات إلى الأردن والبحر الأحمر وإسرائيل ومواقع أبعد، والإبقاء على قوات أقل داخل دول الخليج، فإن حرب إيران ستكون قد غيرت الوجود الأميركي بطريقة أعمق من الخسائر المباشرة التي ألحقتها بالقواعد.
فالتحول عندها لن يكون انسحابًا أميركيًا من الشرق الأوسط، بل انتقالًا من نموذج القواعد الأمامية الضخمة إلى نموذج حضور أقل كثافة وأكثر تشتتًا، يطلب من الحلفاء تحمل جزء أكبر من الدفاع عن أنفسهم ويحتفظ لواشنطن بالقدرة على العودة بالقوة عند الحاجة.
وهذا تحديدًا هو السبب الذي يجعل النقاش الجاري في البنتاغون مهمًا للخليج: فالسؤال لم يعد فقط متى تنتهي الحرب مع إيران، بل أي مظلة أمنية أميركية ستبقى بعد انتهائها.
ترامب يقلص المناورات مع كوريا الجنوبية مراعاةً لبيونغ يانغ ويضغط على سيول بسبب إيران
أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتقليص المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية بصورة كبيرة، مستنداً إلى ما وصفه بعلاقته «الجيدة جداً» مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، ومعتبراً أن استمرار التدريبات يرسل إشارة «عدائية» إلى بيونغ يانغ.
وقال ترامب إنه غير راضٍ عن استمرار الولايات المتحدة في المشاركة في التدريبات السنوية مع سيول، مشيراً إلى كلفتها المالية وإلى أنها، من وجهة نظره، تتناقض مع المسار الذي يريد الحفاظ عليه مع كوريا الشمالية.
وبما أن موعد التدريبات كان قد اقترب ولم يعد ممكناً إلغاؤها بالكامل، وجّه ترامب وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى تقليص نطاقها «بشكل كبير». وقد انعكس القرار فعلياً على مناورات «أولتشي فريدوم شيلد» ، إذ جرى تقصير مدتها وإلغاء أو تحويل بعض الأنشطة الميدانية إلى محاكاة.
إيران تدخل على خط الخلاف
ولم يقتصر منشور ترامب على كوريا الشمالية، بل ربط بصورة لافتة بين المناورات الكورية وموقف سيول من الحرب مع إيران.
وقال إنه سأل رئيس كوريا الجنوبية أخيراً إن كانت بلاده ترغب في الانضمام إلى الولايات المتحدة في مسعى «لنزع السلاح النووي» من إيران، لكنه تلقى رداً بالرفض.
ويكشف هذا الربط عن جانب أوسع في سياسة ترامب تجاه الحلفاء؛ فالتعاون الأمني الأميركي لم يعد يُعامل باعتباره التزاماً منفصلاً عن بقية الملفات، بل أصبح أكثر ارتباطاً بما تقدمه الدولة الحليفة لواشنطن في قضايا أخرى.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تقليص التدريبات كرسالة إلى سيول أيضاً: استمرار المظلة الأمنية الأميركية قد يصبح أكثر ارتباطاً بدرجة تجاوب الحلفاء مع أولويات واشنطن خارج مناطقهم المباشرة.
تغيير في معادلة الردع
تمثل المناورات الأميركية-الكورية الجنوبية منذ عقود أحد أبرز عناصر الردع في شبه الجزيرة الكورية، إذ تهدف إلى اختبار قدرة الجيشين على العمل المشترك في حال نشوب مواجهة مع كوريا الشمالية.
ولهذا فإن تقليصها يحمل دلالة تتجاوز حجم التدريب نفسه، خصوصاً أن ترامب سبق أن اتخذ خلال ولايته الأولى خطوات مشابهة في سياق محاولاته فتح حوار مباشر مع كيم جونغ أون.
لكن هذه المرة يأتي القرار في ظروف أكثر تعقيداً، إذ طورت كوريا الشمالية ترسانتها النووية والصاروخية بصورة كبيرة، كما عززت تعاونها العسكري مع روسيا.
ورغم الخطوة الأميركية، لم تبدِ بيونغ يانغ استعداداً فورياً للعودة إلى التفاوض. فقد قللت كيم يو جونغ شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، من أهمية تقليص التدريبات وقالت إن الخطوة لا تغير موقف بلادها، فيما لا تزال بيونغ يانغ تطالب واشنطن بالتخلي عن هدف نزع سلاحها النووي قبل استئناف حوار جدي.
قلق لدى حلفاء واشنطن في آسيا
القرار أثار أيضاً تساؤلات أوسع حول موثوقية الالتزامات الأمنية الأميركية في آسيا.
وتشير «رويترز» إلى أن تحركات ترامب تجاه كيم، إلى جانب تقليص التدريبات مع كوريا الجنوبية، زادت مخاوف لدى حلفاء واشنطن مثل اليابان وتايوان من أن تصبح الترتيبات الأمنية أكثر خضوعاً للمساومات السياسية المباشرة.
وتزداد هذه المخاوف مع انشغال الولايات المتحدة بالحرب مع إيران واستنزاف جزء من مخزونها من الذخائر والصواريخ الاعتراضية، ما أثار نقاشاً داخل المؤسسة العسكرية الأميركية حول القدرة على الحفاظ في الوقت نفسه على مستوى الردع المطلوب في الشرق الأوسط وآسيا.
ترامب يعود إلى دبلوماسية كيم
في المقابل، يبدو أن ترامب يحاول إعادة فتح المسار الشخصي الذي اعتمده مع كيم جونغ أون خلال ولايته الأولى.
فمن خلال وصف كوريا الشمالية بأنها كانت «غير مهددة ومحترمة» خلال رئاسته، يقدم ترامب العلاقة الشخصية مع كيم باعتبارها بديلاً جزئياً عن سياسة الردع العسكري التقليدية.
لكن الاختبار الحقيقي لهذه المقاربة سيكون في ما إذا كان تقليص المناورات سيقود بالفعل إلى استئناف المفاوضات النووية، أم أنه سيمنح بيونغ يانغ تنازلاً أمنياً من دون مقابل سياسي.
وفي الوقت ذاته، يكشف إدخال إيران في الخطاب عن تحول مهم في علاقة واشنطن بحلفائها: فترامب لا ينظر إلى التحالف مع كوريا الجنوبية بوصفه ملفاً آسيوياً منفصلاً، بل كجزء من شبكة أوسع من الالتزامات التي يريد من خلالها أن يتحمل الحلفاء قدراً أكبر من الكلفة وأن يقدموا دعماً أكبر للسياسة الأميركية في أزمات أخرى.
وبذلك، فإن تقليص التدريبات لا يمثل فقط محاولة لتهدئة كيم جونغ أون، بل أيضاً مثالاً جديداً على سياسة خارجية أميركية أكثر شخصنةً ومعاملاتية، تربط الأمن والتجارة والحروب الإقليمية بعضها ببعض ضمن تفاوض مستمر مع الحلفاء والخصوم على حد سواء.
من «اتفاق مكة» إلى إعادة توزيع القوة عالميًا.. جورج فريدمان يرسم ملامح نظام دولي يتراجع فيه العبء الأميركي
لا يقرأ جورج فريدمان اتفاق الدفاع الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة باعتباره تحالفًا إقليميًا فرضته حرب إيران وحدها. بالنسبة إليه، الاتفاق جزء من تحول أوسع في السياسة الدولية، تقوم فكرته الأساسية على أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في أداء الوظيفة التي اضطلعت بها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: تحمُّل الجزء الأكبر من مسؤولية حفظ التوازن العسكري في أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا، وتمويل النظام الاقتصادي الذي ارتبط بذلك الدور.
في هذا التصور، لا تنسحب واشنطن ببساطة من العالم، وإنما تعيد توزيع أعبائها. أوروبا مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر تجاه روسيا، ودول آسيا ببناء توازن إقليمي أمام الصين، فيما تظهر في الشرق الأوسط ترتيبات أمنية بين القوى المحلية نفسها. أما الولايات المتحدة، فتحتفظ بقدرتها على التدخل عندما تصبح مصالحها الأساسية معرضة للخطر، لكنها تحاول في الوقت نفسه توجيه قدر أكبر من اهتمامها السياسي والاقتصادي نحو نصف الكرة الغربي.
ويضع فريدمان بداية هذا التحول عند الحرب الروسية على أوكرانيا. فهو لا يقول إن الحرب الباردة انتهت سياسيًا في السنوات الأخيرة؛ فقد انتهى الاتحاد السوفيتي قبل أكثر من ثلاثة عقود. ما يقصده أن المنظومة الاستراتيجية التي أنشأتها الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة فقدت، في تقديره، المبرر الذي أبقاها قائمة حتى بعد 1991. ففي مقابلة موسعة مع S&P Global في مايو/أيار، قال إن نظام بريتون وودز وحلف الناتو والعلاقة الخاصة مع أوروبا تشكلت أساسًا لمنع الاتحاد السوفيتي من السيطرة على أوروبا والوصول إلى ساحل الأطلسي، وإن حرب أوكرانيا أظهرت محدودية القدرة العسكرية الروسية إلى درجة تجعل استمرار الافتراض بأن موسكو قادرة على اجتياح أوروبا أقل إقناعًا.
هذه القراءة محل نقاش بطبيعة الحال؛ فدول أوروبية كثيرة ما تزال تعتبر روسيا تهديدًا عسكريًا مباشرًا، والحرب الأوكرانية نفسها لم تنته. لكن المهم هنا هو أن فريدمان يستخدمها لتفسير التغيير في السلوك الأميركي: إذا لم تعد روسيا تمتلك القدرة التي كان الاتحاد السوفيتي يمتلكها، فلماذا تتحمل واشنطن الجزء الأكبر من تكلفة الدفاع عن قارة ذات موارد اقتصادية هائلة؟
ويقول فريدمان إن أوروبا تملك المال المطلوب لبناء قوة دفاعية كبيرة. ويشير إلى أن الاتحاد الأوروبي، إذا عومل ككتلة اقتصادية واحدة وفق المقارنات الاسمية التي يستخدمها، يمتلك اقتصادًا بحجم يضاهي أو يتجاوز الاقتصاد الصيني، وبالتالي فإن المشكلة الأوروبية ليست ندرة الموارد بقدر ما هي غياب القرار السياسي والقدرة على تحويل الموارد الاقتصادية إلى قوة استراتيجية موحدة. وهو يعتبر سؤال «ماذا ستصبح أوروبا؟» واحدًا من أهم الأسئلة التي سيجيب عنها النظام الجديد، بعدما كانت المظلة الأميركية منذ 1945 تعفي الأوروبيين بدرجة كبيرة من الاضطرار إلى الإجابة عنه بأنفسهم.
الصين تحل محل روسيا في مركز الحسابات الأميركية
إذا كانت روسيا، وفق فريدمان، تفقد موقعها كخصم عالمي مكافئ للولايات المتحدة، فإن الصين تحتل المساحة الأهم في التفكير الأميركي الجديد.
لكن قراءته للعلاقة الأميركية-الصينية تختلف عن سيناريو حرب باردة جديدة طويلة الأمد. فهو يرى تناقضًا في الوضع الحالي: الولايات المتحدة والصين تواجهان بعضهما عسكريًا واستراتيجيًا في المحيط الهادئ، بينما يظل اقتصاديهما شديدي الارتباط.
فريدمان يعتبر هذا الوضع غير قابل للاستمرار طويلًا؛ فمن وجهة نظره، لا تستطيع دولة أن تعتمد بصورة عميقة على اقتصاد دولة أخرى تستعد في الوقت نفسه لاحتمال الدخول في مواجهة عسكرية معها.
وفي المقابل، يرى أن الصين أكثر حاجة إلى تسوية اقتصادية مما تبدو عليه الصورة السياسية. فالاقتصاد الصيني يمتلك قدرة إنتاجية ضخمة، لكن مستوى الاستهلاك المحلي لا يكفي لاستيعاب كامل تلك القدرة، ما يجعل الوصول إلى الأسواق الخارجية، والسوق الأميركية خصوصًا، مسألة أساسية للاستقرار الاقتصادي. لذلك يقرأ الرسوم الجمركية الأميركية والحرب التجارية باعتبارهما جزءًا من محاولة إعادة صياغة العلاقة الاستراتيجية، لا مجرد خلاف حول العجز التجاري.
ومن هنا يصل إلى استنتاج غير مألوف: واشنطن وبكين لديهما حافز قوي للتوصل إلى تفاهم بدل الانتقال تلقائيًا إلى الحرب.
الصين تريد ضمان الوصول إلى الاقتصاد العالمي والأميركي، فيما ترغب الولايات المتحدة في خفض الاعتماد على الصين في القطاعات التي يمكن أن تتحول إلى نقاط ضعف أثناء الأزمات، وفي الوقت نفسه لا تريد تحمل كلفة مواجهة عسكرية مفتوحة في شرق آسيا. فريدمان تحدث بالفعل عن احتمال أن تؤدي التسويات بين أكبر اقتصادين في العالم إلى إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي برمته.
لكن هذا التفاهم المحتمل لا يعني ترك آسيا من دون توازن عسكري.
آسيا تبني توازنًا لا يعتمد كليًا على واشنطن
في يوليو/تموز كتب فريدمان عن تشكل ترتيب أمني آسيوي أكثر استقلالًا عن الولايات المتحدة، مع زيادة اليابان وأستراليا قدراتهما العسكرية، وتقارب دول مثل الهند وإندونيسيا ونيوزيلندا وفيتنام مع هذه الشبكة. وهو يرى أن دخول الهند بقوة في هذه المعادلة يغيّر ميزانها، لأن نيودلهي تمتلك الحجم السكاني والاقتصادي والجغرافي الذي يجعلها عنصرًا رئيسيًا في أي توازن طويل الأمد أمام الصين.
الجغرافيا تساعد هذا النظام. فالصين تواجه سلسلة من الدول والجزر تمتد من اليابان وشبه الجزيرة الكورية وتايوان إلى الفلبين، بما يجعل وصول القوات البحرية الصينية إلى المحيط الهادئ مرتبطًا بممرات يمكن مراقبتها أو تعطيلها. فريدمان يرى أن بناء قدرات عسكرية لدى القوى الواقعة حول الصين يسمح لواشنطن بتقليل عبء وجودها المباشر من دون ترك فراغ كامل.
وهنا تظهر الفكرة التي تربط أوروبا بآسيا والشرق الأوسط في تحليله: الولايات المتحدة لا تريد أن تكون القوة البرية الرئيسية التي تحمي كل منطقة، بل أن تنشأ في كل إقليم موازين محلية تمنع ظهور قوة مهيمنة تضطر واشنطن إلى مواجهتها بنفسها.
إنها، بتعبير آخر، عودة إلى سياسة توزيع الأعباء أكثر من كونها عودة إلى العزلة.
«اتفاق مكة» يدخل المعادلة
ضمن هذا الإطار يضع فريدمان الاتفاق الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في 7 أغسطس/آب.
الاتفاق نفسه تطور كبير بالمعايير الإقليمية. فقد نص رسميًا على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيعتبر هجومًا على الدول الثلاث جميعًا، وهي صياغة تشبه مبدأ الدفاع الجماعي في المادة الخامسة لحلف الناتو. كما ينص على توسيع التعاون الدفاعي بين الدول الموقعة.
وبعد أيام، أوضحت وزارة الدفاع التركية أن المشروع سيشمل آليات تنسيق على مستوى وزراء الدفاع والخارجية ورؤساء الأركان، إلى جانب تدريبات مشتركة وتعاون في الدفاع الجوي والمسيّرات والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والصناعات العسكرية. وفي الوقت نفسه شددت أنقرة على أن الاتفاق دفاعي ولا يحدد إيران أو أي دولة أخرى باعتبارها عدوًا مشتركًا.
لكن فريدمان ينظر إلى الجغرافيا قبل البيانات السياسية.
يتشارك كل ٍ من تركيا وباكستان حدودًا مباشرة مع إيران، بينما تقع السعودية على الضفة المقابلة من الخليج. وتركيا تملك ثاني أكبر جيش في الناتو، وباكستان قوة نووية، والسعودية تمتلك الموارد الاقتصادية وعلاقة أمنية عميقة مع الولايات المتحدة. اجتماع هذه العناصر في إطار دفاع جماعي يخلق، في حسابات طهران، واقعًا لم يكن موجودًا قبل الاتفاق.
ومع ذلك، فعبارة «تحالف لتطويق إيران» تظل تفسيرًا استراتيجيًا لفريدمان وليست النص الرسمي للاتفاق.
السعودية وتركيا وباكستان تنفي أن يكون التحالف موجهًا ضد دولة بعينها، لكن توقيته أثناء الحرب مع إيران، وموقع أعضائه، وطبيعة بند الدفاع الجماعي تجعل البعد الإيراني حاضرًا في أي قراءة سياسية للاتفاق.
الخوف ليس من الحرب فقط.. بل مما بعدها
النقطة الأكثر أهمية في قراءة فريدمان هي أن دول المنطقة لا تبني هذا النوع من التحالفات فقط لأنها تخشى إيران أثناء الحرب، بل لأنها يجب أن تفكر أيضًا في اليوم الذي تقرر فيه الولايات المتحدة إنهاء الحرب وتقليص تدخلها.
فريدمان يذهب إلى أن واشنطن كانت على علم بتشكل التحالف، ويرجح أنها رحبت به لأنها ترى فيه وسيلة تساعدها على تخفيف دورها المباشر في المواجهة. وهذا استنتاج تحليلي منه، وليس إعلانًا أميركيًا رسميًا بأن واشنطن صممت الاتفاق أو رعت إنشاءه.
لكن الفكرة تنسجم مع منظومته الأوسع: إذا كانت الولايات المتحدة تريد إنهاء مرحلة التدخل العسكري المكثف في الشرق الأوسط، فعليها ألا تترك وراءها فراغًا يسمح لقوة واحدة بالهيمنة على الإقليم.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم اتفاق مكة باعتباره نموذجًا مصغرًا لما يتوقعه فريدمان في النظام الدولي الجديد: قوى إقليمية تتولى بنفسها مهام الردع التي اعتادت الاعتماد فيها على القوة الأميركية.
تركيا توفر الحجم العسكري والصناعة الدفاعية، باكستان تضيف قوة عسكرية كبيرة وعنصر الردع النووي، والسعودية تقدم الوزن المالي والسياسي والطاقة. ولا يعني ذلك بالضرورة قيام «ناتو إسلامي» متكامل؛ فما تزال هناك أسئلة كبيرة حول هياكل القيادة، وآليات تنفيذ الدفاع الجماعي، وحدود الالتزامات الفعلية في حال اندلاع حرب. لكن إنشاء الآليات المشتركة بدأ بالفعل.
والنتيجة التي يصل إليها فريدمان أكثر اتساعًا: تركيا تتحول إلى دولة محورية، فهي عضو في النظام الأمني الأوروبي عبر الناتو، وفي الوقت نفسه أصبحت جزءًا أساسيًا من بنية أمنية جديدة في الشرق الأوسط. وفي تقديره يمكن لأنقرة، على المدى الطويل، أن تصبح مركزًا رئيسيًا للنظام الإقليمي الناشئ.
باكستان تربط الشرق الأوسط بآسيا
دخول باكستان يجعل اتفاق مكة أكثر من ترتيب شرق أوسطي.
إسلام آباد ترتبط بعلاقة استراتيجية وثيقة مع الصين، وفي الوقت نفسه تبقى خصمًا تاريخيًا للهند. ولذلك يرى فريدمان أن انضمام باكستان إلى التحالف يمكن أن ينعكس على عملية إعادة الاصطفاف الجارية في آسيا.
فإذا كانت الهند تعمل على توسيع علاقاتها العسكرية مع اليابان وأستراليا ودول أخرى حول المحيطين الهندي والهادئ، فإن دخول باكستان في تحالف مع السعودية وتركيا يمنح إسلام آباد عمقًا استراتيجيًا جديدًا، ويجعل الحدود بين «النظام الشرق أوسطي» و«النظام الآسيوي» أقل وضوحًا.
فريدمان يلاحظ أيضًا أن التحالف الجديد ليس معاديًا للصين بطبيعته؛ باكستان حليف وثيق لبكين، ولا توجد خصومة استراتيجية مماثلة بينها وبين السعودية أو تركيا. ولهذا قد يكون الضغط الأكبر في جنوب آسيا واقعًا على الهند، التي تجد نفسها أكثر اندفاعًا لبناء شبكة توازن خاصة بها.
وهكذا تصبح الهند حلقة تصل بين النظامين: تحتاج إلى مواجهة باكستان من الغرب وتوازن الصين من الشمال والشرق، بينما تحاول في الوقت نفسه تعزيز حضورها البحري من المحيط الهندي إلى المحيط الهادئ.
واشنطن تعود إلى نصف الكرة الغربي
في الجهة المقابلة من العالم، يضع فريدمان أميركا اللاتينية في مركز الاهتمام الأميركي الجديد.
منذ أواخر 2025 وهو يجادل بأن واشنطن تتجه إلى تقليل انكشافها في نصف الكرة الشرقي وزيادة انخراطها في نصف الكرة الغربي. وفي هذا السياق يقرأ التحركات الأميركية تجاه فنزويلا، ثم الضغط على كوبا، لا باعتبارها ملفات منفصلة، وإنما أجزاء من محاولة لإعادة تثبيت التفوق الأميركي في المجال الجغرافي الأقرب إليها.
هذه القراءة تعيد إلى السياسة الأميركية منطقًا قديمًا: أمن الولايات المتحدة يبدأ من سيطرتها الاستراتيجية على محيطها، والبحر الكاريبي، والمقاربات البحرية للأطلسي والهادئ.
لكن فريدمان يضيف بعدًا اقتصاديًا إلى هذه السياسة. فهو يرى في أميركا اللاتينية إمكانية ظهور كتلة اقتصادية وصناعية أكثر أهمية خلال العقود المقبلة، خصوصًا في البرازيل والأرجنتين وأجزاء أخرى من القارة، بما يمنح الولايات المتحدة خيارًا لبناء سلاسل إنتاج واستثمار أقرب جغرافيًا إليها بدل الاعتماد المفرط على آسيا.
من هنا تصبح إعادة التركيز على نصف الكرة الغربي في تحليله سياسية واقتصادية في آن واحد.
ليست عزلة أميركية بل نظامًا بأعباء موزعة
أكثر ما يحتاج إلى ضبط في قراءة فريدمان هو وصف السياسة الجديدة بأنها «انسحاب أميركي».
الولايات المتحدة ما تزال تمتلك قواعد وقوات وتحالفات ضخمة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، وهي تخوض حربًا مع إيران، ما يجعل الحديث عن مغادرة فعلية للنصف الشرقي سابقًا لأوانه. وفريدمان نفسه يعترف بأن الحرب الإيرانية تناقض، جزئيًا، الاتجاه الذي يتوقعه نحو تقليل التدخلات الأميركية.
الأدق أن ما يصفه هو تحول في الوظيفة التي تريد واشنطن أداءها.
بدل أن تبقى الضامن العسكري الأول لكل حلفائها، تريد منهم امتلاك قدر أكبر من القوة والاستقلالية: أوروبا أمام روسيا، اليابان والهند وأستراليا وشركاؤها في آسيا أمام الصين، والسعودية وتركيا وباكستان في التوازن الشرق أوسطي.
وتبقى الولايات المتحدة خلف هذه التوازنات قوةً تستطيع دعمها والتدخل عند الضرورة، لكن بكلفة مباشرة أقل.
بهذا المعنى يصبح «اتفاق مكة» مهمًا لفريدمان ليس لأنه سيغير ميزان الشرق الأوسط وحده، وإنما لأنه يقدم نموذجًا لما قد يصبح عليه النظام الدولي بعد الهيمنة الأميركية بصورتها التقليدية: الولايات المتحدة لا تختفي، لكنها تطلب من القوى الإقليمية أن تحمل السلاح والمال والمسؤولية بدرجة أكبر.
ويظل السؤال الأوروبي في نظره الأكثر صعوبة. ففي آسيا توجد دول واضحة يمكن أن تبني توازنًا مع الصين، وفي الشرق الأوسط بدأت قوى كبيرة ببناء ترتيبات أمنية خاصة بها. أما أوروبا فتمتلك اقتصادًا ضخمًا وجيوشًا متعددة، لكنها ما تزال تبحث عن إجابة لسؤال لم تضطر إلى حسمه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: هل تستطيع التحول من اتحاد اقتصادي إلى قوة استراتيجية قادرة على الدفاع عن نفسها من دون أن تكون الولايات المتحدة هي العمود الفقري للنظام؟
وإذا صحت قراءة فريدمان، فإن النظام الناشئ لن يكون عالمًا تنسحب منه أميركا، ولا عالمًا تحل فيه الصين محلها. سيكون أقرب إلى شبكة من موازين القوى الإقليمية، تحتفظ فيها الولايات المتحدة بموقع القوة العالمية الأولى لكنها تقلل مسؤوليتها المباشرة عن إدارة كل أزمة.
من هنا تبدو أحداث تبدو متباعدة ــ حرب أوكرانيا، الرسوم على الصين، التقارب الهندي مع القوى الآسيوية، اتفاق مكة، والعودة الأميركية إلى أميركا اللاتينية ــ أجزاءً من قصة واحدة في تصور فريدمان: انتهاء الصيغة التي حكمت النظام الدولي منذ 1945، وبداية مرحلة يصبح فيها السؤال الأساسي ليس من سيحل محل الولايات المتحدة، بل من سيتولى الأعباء التي كانت واشنطن تتحملها عن الآخرين.
ترامب يصعّد الحرب التجارية مع كندا …وكندا ترد – إلى أي مدى ستقاوم كندا محاولات الإخضاع الأمريكي؟
صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب المواجهة التجارية مع كندا، معلناً عزمه رفع الرسوم الجمركية على السيارات والشاحنات وقطع غيار السيارات المستوردة من كندا إلى 50% اعتباراً من الأول من يناير/كانون الثاني 2027، في أحدث فصول التوتر بين اثنين من أكثر الاقتصادات تكاملاً في أميركا الشمالية.
وقال ترامب في منشور على منصته إن كندا «استغلت الولايات المتحدة لسنوات»، منتقداً ما وصفه بالرسوم المرتفعة التي تفرضها أوتاوا على المزارعين والمنتجات الزراعية الأميركية، ومعتبراً أن العلاقات التجارية بين البلدين لم تعد قابلة للاستمرار بصورتها الحالية.
وأضاف أن الرسوم على السيارات والشاحنات وقطع الغيار والصلب سترتفع إلى 50%، داعياً الشركات إلى نقل التصنيع إلى الولايات المتحدة لتجنب الرسوم.
ويأتي التهديد بعد تعثر المفاوضات التجارية بين واشنطن وأوتاوا، ليلة 21 أغسطس، لتجديد اتفاقية التجارة الحرة بينهما (والتي تضم المكسيك أيضًا)، والتي كان من المتوقع أن تفضي إلى خفض الرسوم على السيارات والمعادن الكندية. وبحسب «رويترز»، كانت شركات صناعة السيارات تتوقع خفض الرسوم الأميركية من 25% إلى نحو 15%، قبل أن تنهار المفاوضات ويتجه ترامب بدلاً من ذلك إلى مضاعفتها.
كندا ترد
وردت الحكومة الكندية بالإعلان عن إجراءات انتقامية على مجموعة من السلع الأميركية، فيما شدد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني على أن أي اتفاق تجاري يجب أن يحترم سيادة كندا ومصالحها الاقتصادية، مبررًا أسباب رفض كندا للإملاءات الأمريكية أثناء المفاوضات. وقد تصاعد استخدام الكنديين لسلاح مقاطعة السلع الأمريكية، بل وحتى الرحلات إلى الولايات المتحدة، في رد فعل شعبي داعم لسياسة الحكومة الكندية في تعاملها مع هذه القضية، حيث تظهر استطلاعات الرأي أن نحو 76% من الشعب الكندي تدعم إجراءات الحكومة، بالرغم من خشيتهم من تداعياتها الإقتصادية.
وتأتي المواجهة في وقت أصبحت فيه واشنطن تفرض بالفعل رسوماً بنسبة 50% على مجموعة من الواردات الكندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار، في إطار استخدام إدارة ترامب سياسة الرسوم كأداة ضغط وإخضاع على شركائها التجاريين.
تهديد لسلاسل صناعة السيارات
وقد تكون صناعة السيارات من أكثر القطاعات تضرراً من التصعيد، نظراً إلى التشابك الشديد بين خطوط الإنتاج في الولايات المتحدة وكندا.
فشركات مثل «جنرال موتورز» (General Motors) و«فورد» (Ford) و«ستيلانتس» (Stellantis) و«تويوتا» (Toyota) و«هوندا» (Honda) تعتمد على حركة السيارات والمكونات عبر الحدود في مراحل متعددة من الإنتاج.
وبالتالي، فإن فرض رسوم بنسبة 50% قد لا يقتصر أثره على المنتجين الكنديين، بل يمكن أن يرفع تكاليف الشركات الأميركية نفسها ويزيد أسعار السيارات على المستهلكين الأميركيين. وتشير بيانات «رويترز» إلى أن السيارات المصنعة في كندا شكلت نحو 6% من مبيعات السيارات الأميركية في 2025.
خطاب سياسي يصطدم بالترابط الاقتصادي
وقال ترامب في منشوره إن الولايات المتحدة «لا تحتاج كندا» وإن اعتماد كندا على السوق الأميركية أكبر بكثير من اعتماد واشنطن عليها.
لكن الصورة الاقتصادية أكثر تعقيداً. فكندا تعد مورداً رئيسياً للنفط والألمنيوم والبوتاس وقطع السيارات إلى الولايات المتحدة، كما بلغت التجارة بين البلدين نحو 872 مليار دولار خلال العام الماضي. وتستورد الولايات المتحدة من كندا نحو أربعة ملايين برميل من النفط الخام يومياً، أي ما يعادل قرابة خمس استهلاكها النفطي.
ومن هنا، فإن التصعيد الحالي لا يمثل مجرد نزاع حول الرسوم، بل اختباراً لمستقبل التكامل الاقتصادي في أميركا الشمالية.
فإذا دخلت الرسوم الجديدة حيز التنفيذ مطلع 2027، قد تجد الشركات في البلدين نفسها أمام إعادة ترتيب سلاسل التوريد والاستثمارات التي تشكلت على مدى عقود، بينما قد تحاول كندا في المقابل تسريع تنويع أسواقها وتقليل اعتمادها في تجارتها بشكل شبه كامل على الولايات المتحدة.
وقد بدأت هذه الحسابات بالظهور بالفعل في قطاع الطاقة، إذ قال رئيس شركة «ترانس ماونتن» إن تدهور العلاقات التجارية مع واشنطن يزيد من الحاجة إلى الإسراع بتنفيذ خطة كندا في إنشاء خطوط الأنابيب وتطوير طرق جديدة لتصدير النفط الكندي إلى الأسواق الآسيوية بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة.
وبذلك، تفتح سياسة ترامب التجارية مواجهة تتجاوز مستوى الرسوم نفسها إلى سؤال أكبر: هل تدفع الضغوط الأميركية كندا إلى مزيد من الاندماج الاقتصادي مع الولايات المتحدة، أم إلى البحث بصورة أسرع عن بدائل خارج السوق الأميركية والاستمرار في مقاومة التوجه الأمريكي بإخضاع كندا؟
مفاجأة في فلوريدا.. اشتراكية ديمقراطية مؤيدة لفلسطين تهزم مرشح المؤسسة الديمقراطية في سباق مجلس الشيوخ
حققت النائبة التقدمية أنجي نيكسون مفاجأة سياسية لافتة في ولاية فلوريدا، بعد فوزها بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ الأميركي، متغلبة على ألكسندر فيندمان ، الضابط السابق في الجيش الأميركي وأحد أبرز الشهود في إجراءات عزل الرئيس دونالد ترامب عام 2019.
وحصلت نيكسون على نحو 56% من الأصوات مقابل نحو 44% لفيندمان، لتنتقل إلى الانتخابات العامة في نوفمبر/تشرين الثاني، حيث ستواجه السيناتورة الجمهورية الحالية آشلي مودي . وتعد مودي المرشحة الأوفر حظاً في ولاية اتجهت بقوة نحو الجمهوريين خلال السنوات الأخيرة.
لكن المفاجأة الأبرز تمثلت في الفارق الكبير بين إمكانات الحملتين. فنيكسون، وهي عضو في منظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا» (Democratic Socialists of America – DSA)، دخلت المرحلة الأخيرة من الانتخابات بتمويل يقل كثيراً عن منافسها؛ إذ بلغت مواردها نحو 975 ألف دولار، مقابل 16.3 مليون دولار لفيندمان بنهاية يوليو/تموز، أي بفارق يقارب 17 ضعفاً.
كما تمتع فيندمان باسم معروف على المستوى الوطني ودعم أكبر من أوساط المؤسسة الديمقراطية، بينما اعتمدت نيكسون على النقابات والكنائس التي يرتادها الأميركيون السود وشبكات الناشطين التقدميين، إلى جانب خطاب اقتصادي موجه إلى الطبقات العاملة.
وتشير قراءة لصحيفة «واشنطن بوست» إلى أن نيكسون حققت نتائج قوية بصورة خاصة في المقاطعات ذات الدخل ومستويات التعليم الجامعي الأقل، إضافة إلى المناطق التي تضم نسباً مرتفعة من الناخبين السود، وهو ما منح حملتها قاعدة انتخابية أوسع من المتوقع.
فلسطين في قلب خطاب نيكسون
وتحمل نيكسون مواقف واضحة بشأن الحرب في غزة والسياسة الأميركية تجاه إسرائيل، وهو ما يميزها عن عدد كبير من المرشحين التقليديين داخل الحزب الديمقراطي.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وخلال مناقشة في المجلس التشريعي لفلوريدا، احتجت نيكسون على أعداد القتلى الفلسطينيين في غزة، متسائلة عن العدد الذي ينبغي أن يسقط قبل وقف القصف. ويظهر المقطع المتداول أنها انتقدت أيضاً ربط المواقف السياسية تجاه الحرب بحسابات تمويل الحملات الانتخابية.
وفي خطاب انتخابي حديث، ربطت نيكسون بين الإنفاق الأميركي في الخارج والأزمات الاجتماعية داخل الولايات المتحدة، منتقدة استمرار إرسال الأموال إلى إسرائيل في الوقت الذي تطالب فيه بتوفير الرعاية الصحية الشاملة والتعليم العام وخفض أعباء القروض الطلابية للأميركيين.
كما أكدت خلال حملتها أنها لا تتلقى أموالاً من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك» (AIPAC)، وهي واحدة من أكثر جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل نفوذاً في السياسة الأميركية.
انتصار يتجاوز فلوريدا
يحمل فوز نيكسون أهمية تتجاوز السباق المحلي، إذ يأتي ضمن سلسلة انتصارات حققها مرشحون تقدميون داخل الانتخابات التمهيدية الديمقراطية خلال عام 2026.
ووصفته وكالة «رويترز» بأنه جزء من صعود مرشحين يمثلون الجناح المتمرد على المؤسسة التقليدية للحزب، في ظل إحباط بين بعض الناخبين الديمقراطيين من أداء قيادات الحزب وقدرتها على مواجهة إدارة ترامب.
كما يمثل فوز نيكسون اختراقاً مهماً لمنظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا»، إذ أصبحت أول عضو في المنظمة يفوز بترشيح حزب رئيسي لمنصب انتخابي على مستوى ولاية بأكملها، بحسب «أكسيوس».
وتكتسب النتيجة رمزية إضافية لأنها جاءت في فلوريدا، وهي ولاية استخدم فيها الجمهوريون طوال سنوات مهاجمة «الاشتراكية» كجزء أساسي من خطابهم السياسي.
اختبار أصعب في نوفمبر
ورغم الانتصار الكبير داخل الحزب الديمقراطي، فإن انتقال نيكسون إلى الانتخابات العامة يضعها أمام معركة أكثر صعوبة.
ففلوريدا تحولت خلال السنوات الأخيرة من ولاية متأرجحة إلى معقل جمهوري، كما فازت آشلي مودي بسهولة في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، وتدخل انتخابات نوفمبر وهي المرشحة المفضلة للاحتفاظ بالمقعد.
ولهذا فإن القيمة السياسية لفوز نيكسون قد لا تقتصر على قدرتها على انتزاع المقعد، بل في الرسالة التي وجهتها الانتخابات إلى قيادة الحزب الديمقراطي: مرشحة ذات خطاب يساري واضح، ومواقف صريحة بشأن فلسطين والرعاية الصحية وعدم قبول أموال «أيباك»، استطاعت هزيمة منافس أكثر منها تمويلاً وشهرة بفارق واضح.
وسيكون اختبار نوفمبر المقبل مؤشراً على ما إذا كان هذا النوع من الخطاب قادرًا على تجاوز قواعد الحزب التقدمية والوصول إلى ناخبين أوسع في ولاية منحازة سياسياً للجمهوريين، أم أن المفاجأة ستظل محصورة داخل الانتخابات التمهيدية.
ربع أسطول «ريبر» خلال ستة أشهر.. حرب إيران تكشف كلفة المسيرات الأمريكية الثقيلة
فقد الجيش الأمريكي ما لا يقل عن 45 طائرة مسيّرة من طراز MQ-9 Reaper منذ اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير/شباط، في معدل استنزاف غير مسبوق لمنصة ظلت طوال عقدين إحدى أهم أدوات واشنطن في الاستطلاع والضربات بعيدة المدى. الرقم، الذي كشفته واشنطن بوست نقلًا عن ثلاثة مسؤولين أمريكيين، يعادل نحو ربع الأسطول الذي دخلت به الولايات المتحدة الحرب، ويضع خسائر هذه الطائرات وحدها عند أكثر من 1.3 مليار دولار بالحد الأدنى.
كانت القوات الجوية الأمريكية تمتلك نحو 165 طائرة «ريبر» قبل الحرب، فيما كان مشاة البحرية يشغّلون قرابة 20 أخرى، ليصل مجموع الأسطول إلى نحو 185 طائرة. وبحلول مايو/أيار، أبلغ الفريق ديفيد تابور مجلس الشيوخ بأن أسطول القوات الجوية وحده انخفض إلى قرابة 135 طائرة، قبل أن ترتفع الحصيلة الإجمالية للخسائر لاحقًا إلى 45.
وتتراوح كلفة الطائرة الواحدة بحسب تجهيزاتها من نحو 30 مليون دولار إلى ما يصل إلى 50 مليونًا عند إضافة حزمة المستشعرات المتقدمة، وهو ما يجعل استنزافها مختلفًا جذريًا عن خسارة المسيّرات الصغيرة التي صارت سمة الحروب الحديثة. فالولايات المتحدة لم تفقد ذخائر يمكن تعويضها سريعًا فحسب، بل منصات استطلاع وضرب باهظة الثمن يحتاج استبدالها إلى المال والوقت وخطوط إنتاج محدودة.
من أفغانستان إلى هرمز
اكتسبت «ريبر» سمعتها خلال الحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان والحملات ضد التنظيمات المسلحة، حيث كانت تعمل غالبًا في أجواء لا تواجه فيها شبكة متماسكة من الدفاعات الجوية. سرعتها المحدودة وقدرتها على البقاء ساعات طويلة فوق منطقة العمليات كانتا ميزتين مثاليتين في مهام المراقبة وتعقب الأهداف؛ لكن الميزتين نفسيهما أصبحتا عبئًا عندما انتقلت الطائرة إلى مجال جوي متنازع عليه. وتصف Military Times المنصة بأنها صُممت أساسًا لبيئة مكافحة الإرهاب التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، وليس للعمل في أجواء كثيفة الدفاعات كالتي واجهتها في الحرب الإيرانية.
وبحسب التقرير الذي نقلته وكالة الأناضول عن واشنطن بوست، استخدمت الولايات المتحدة طائرات MQ-9 بكثافة حول مضيق هرمز، حيث جعلتها سرعتها البطيئة وتحليقها على ارتفاعات يمكن الوصول إليها أهدافًا أقل صعوبة بالنسبة إلى الدفاعات الإيرانية والقوى المتحالفة مع طهران مقارنة بالطائرات القتالية الأسرع والأكثر قدرة على المناورة.
وفي 14 أغسطس/آب، أي بعد يوم واحد من نشر حصيلة الـ45 طائرة، أعلنت إيران إسقاط MQ-9 أخرى فوق محافظة هرمزغان المطلة على المضيق. ولم يظهر تأكيد أمريكي مستقل يسمح بإضافتها إلى الحصيلة السابقة، ولذلك يبقى الرقم الموثق في التقارير الأمريكية 45 طائرة على الأقل.
لكن الدفاعات الجوية ليست مسؤولة عن جميع الخسائر. فقد قال أحد المسؤولين الأمريكيين الذين تحدثوا إلى واشنطن بوست إن عددًا غير محدد من الطائرات تحطم بعد انقطاع رابط الاتصال بينها وبين المشغلين. ولا يعني ذلك بالضرورة تعرضها للتشويش الإيراني؛ فالتقارير المنشورة لم تحدد سبب فقدان الاتصال. إلا أن هذه الحالات تضيف إلى المشكلة الدفاعية ضعفًا تشغيليًا آخر في منصة تعتمد على بقاء الاتصال بين الطائرة ومحطتها الأرضية خلال مهام تمتد لساعات طويلة.
خسارة «ريبر» جزء من فاتورة أكبر
الاستنزاف لم يقتصر على الطائرات المسيّرة. ففي مطلع أغسطس/آب كشفت رويترز، استنادًا إلى مسؤولين مطلعين على بيانات المخزون الأمريكي، أن الجيش استخدم «تقريبًا كل» مخزونه العالمي من صواريخ ATACMS وPrSM بعيدة المدى خلال الأشهر الخمسة الأولى من الحرب. كما أفاد أحد المصادر باستخدام ما يقل قليلًا عن نصف مخزون صواريخ توماهوك، فيما أظهرت تقديرات أخرى ضغوطًا كبيرة على مخزونات صواريخ باتريوت وTHAAD الاعتراضية.
وتكمن حساسية هذه الأسلحة في أنها تمنح القوات الأمريكية إمكانية إصابة أهداف داخل مناطق محمية من مسافات آمنة، من دون إرسال طائرات مأهولة إلى قلب الدفاعات الجوية. ووفق رويترز، فإن انخفاض مخزون ATACMS وPrSM أثار بالفعل مخاوف داخل الإدارة من أن تضطر الولايات المتحدة، إذا عادت إلى حملة جوية واسعة، إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الطائرات المأهولة والقبول بمخاطر أعلى على الطيارين.
وتفسر هذه الفاتورة جزئيًا طلب التمويل الإضافي الذي عرضه البنتاغون على مجلس الشيوخ. فقد أبلغ مسؤولو وزارة الدفاع المشرعين في يونيو/حزيران بالحاجة إلى نحو 80 مليار دولار إضافية، معظمها لتغطية تكاليف الحرب مع إيران، بما يشمل استبدال ذخائر مستهلكة وإصلاح معدات وإدامة القوات المنتشرة. ولم يكن المبلغ حينها طلبًا نهائيًا أرسله البيت الأبيض إلى الكونغرس، بل تقديرًا قدمه البنتاغون خلال مفاوضات الإنفاق.
وتحولت بذلك حرب كان يفترض، في التقديرات السياسية الأولى، أن تكون محدودة زمنيًا إلى اختبار لقدرة الصناعة العسكرية الأمريكية على تعويض الخسائر بالسرعة التي يستهلك بها الميدان المعدات والذخائر. ويزداد الأمر حساسية لأن كثيرًا من الأسلحة المستنزفة في إيران تحتل أيضًا مكانًا مهمًا في خطط مواجهة خصوم أكثر قوة، وفي مقدمتهم الصين.
البنتاغون يعيد النظر في معادلة المسيّرات
أخطر ما في خسائر «ريبر» ربما لا يتعلق بالعدد نفسه، بل بما بدأ يترتب عليه داخل القوات الجوية الأمريكية.
ففي مايو/أيار، وبعد أن هبط أسطول القوات الجوية إلى نحو 135 طائرة، أقر مسؤولون أمام مجلس الشيوخ وثيقة متطلبات لمنصة من الجيل التالي صُممت تحديدًا للعمل في بيئة جوية متنازع عليها. والاتجاه الجديد يقوم على طائرات أقل كلفة، أبسط في التصميم، قابلة للإنتاج بأعداد كبيرة، بحيث يمكن تحمل خسارة بعضها من دون أن تصبح كل طائرة ساقطة ضربة مالية وتشغيلية ثقيلة.
وفي يوليو/تموز أعلنت القوات الجوية رسميًا تعاونها مع Defense Innovation Unit لتطوير الجيل الذي سيخلف مهام MQ-9، مع تركيز صريح على خفض الكلفة، وسرعة الإنتاج، وإمكانية نشر أعداد كبيرة. وقالت القوات الجوية إن الحروب المقبلة ستتطلب القدرة على «امتصاص الخسائر التشغيلية» والاستمرار في القتال، فيما يجري تطوير مفهوم يقوم على منصات أكثر مرونة يمكن إنتاجها بكميات أكبر واستخدامها مع قبول درجة أعلى من المخاطرة.
ولا يعني ذلك أن واشنطن قررت التخلص من «ريبر» فورًا. فالقوات الجوية ما تزال تعمل على إصلاح الطائرات المتاحة وشراء هياكل يمكن إدخالها إلى الخدمة لتعويض جزء من الخسائر، وستظل MQ-9 تؤدي مهامًا لسنوات. لكن الاتجاه طويل المدى أصبح معلنًا: الانتقال من عدد صغير نسبيًا من المنصات الباهظة إلى كتلة أكبر من المسيّرات الأرخص والأكثر قابلية للتعويض.
وهذا التحول يحمل دلالة تتجاوز «ريبر». فمنطق التفوق العسكري الأمريكي خلال العقود الماضية اعتمد في جانب منه على بناء منصات شديدة التطور، عالية الكلفة، تمنح كل وحدة منها قدرات ضخمة. أما انتشار الصواريخ والمسيّرات ومنظومات الدفاع الجوي الأقل كلفة فيعيد طرح معادلة مختلفة: قد يكون من الممكن إسقاط منصة بعشرات الملايين من الدولارات باستخدام منظومة أرخص بكثير، ما يحول التفوق التقني نفسه إلى مشكلة اقتصادية إذا طال أمد الحرب.
حرب إيران وضعت هذه المعضلة أمام الولايات المتحدة بأرقام يصعب تجاهلها. 45 طائرة لا تعني أن MQ-9 فقدت قيمتها العسكرية؛ فالطائرة ما تزال قادرة على الاستطلاع لساعات طويلة، وحمل الذخائر، ومراقبة مساحات واسعة. لكنها أظهرت أن النموذج الذي جعل «ريبر» عينًا أمريكية شبه دائمة فوق العراق وأفغانستان لا ينتقل بالكفاءة نفسها إلى حرب تُواجه فيها الطائرة دفاعات جوية حقيقية وخسائر متكررة.
وبعد أقل من ستة أشهر، خسرت واشنطن ما يقارب ربع أسطولها السابق من هذه المنصة، فيما تبحث القوات الجوية بالفعل عن خليفتها. لذلك قد تكون النتيجة الأبعد مدى لهذه الخسائر نهاية مرحلة في فلسفة الطائرات المسيّرة الأمريكية: من منصة متطورة يفترض الحفاظ عليها، إلى أسطول واسع صُمم منذ البداية على أساس أن جزءًا منه سيُسقط وأن الحرب يجب أن تستمر بعد ذلك.
من نيو ألباني إلى قلب السليكون النابض – كيف تحولت أوهايو إلى مركز جديد للذكاء الاصطناعي ورأس المال التكنولوجي؟ – نموذج جديد للنفوذ السياسي والإقتصادي وحكم العالم
تتحول ولاية أوهايو بهدوء من قلب صناعي تقليدي في الغرب الأوسط الأمريكي إلى واحدة من أهم ساحات سباق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة. فخلال سنوات قليلة، اجتمعت في الولاية استثمارات أمازون وغوغل وميتا ومايكروسوفت وإنتل، ثم توسعت الدائرة إلى الصناعات الدفاعية المتقدمة ومراكز البيانات العملاقة. وفي أغسطس/آب 2026 أضيف إلى المشهد مشروع ضخم لـ OpenAI في جنوب أوهايو بدعم مالي من إنفيديا Nvidia يصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، في مؤشر على أن وصف المنطقة بـقلب السليكون النابض«Silicon Heartland» لم يعد مجرد شعار للتنمية المحلية، بل بات يعكس تحولًا حقيقيًا في الجغرافيا التكنولوجية الأمريكية. (شاهد)
لكن وراء هذا الصعود قصة أقدم بكثير من طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية. فقد بدأ جزء مهم من البنية الاقتصادية التي تستقبل شركات التكنولوجيا اليوم في ضاحية صغيرة قرب كولومبوس في ولاية أوهايو تدعى “نيو ألباني”، حيث أسس الملياردير “ليسلي ويكسنر” وشريكه “جاك كيسلر” شركة New Albany Company في ثمانينيات القرن الماضي، وبنيا نموذجًا يعتمد بصورة مكثفة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص”Public – Private Partnership” لتطوير الأراضي والبنية التحتية وجذب الشركات. وتصف الشركة نفسها حتى اليوم بأنها نتاج «شراكة عامة–خاصة» وثيقة مع مدينة نيو ألباني، وأن النموذج الذي طورته أصبح أساسًا لتوسعها في مناطق أخرى من أوهايو.
مدينة صُممت لتعمل «بسرعة الأعمال»
لم يكن تطور نيو ألباني نموًا حضريًا تقليديًا. فقد وضعت New Albany Company مخططًا رئيسيًا للمدينة، وساهمت في تطوير مناطق السكن والأعمال والبنية التحتية، بينما عملت السلطات المحلية بالتوازي على تسريع إجراءات التخطيط والتراخيص لجذب الشركات.
ووصلت فلسفة المدينة إلى التعبير عنها بشعار واضح: العمل «بسرعة الأعمال لا بسرعة الحكومة». وتشير وثائق الشركة نفسها إلى أن السلطات عدلت بعض الإجراءات والقوانين المحلية لتسهيل وصول الشركات إلى المنطقة، في نموذج أصبحت فيه العلاقة بين المطور الخاص والحكومة المحلية عنصرًا أساسيًا من عملية التنمية.
هذا النموذج هو أحد مفاتيح فهم ما حدث لاحقًا. فحين بدأت الشركات التكنولوجية تبحث عن مواقع لمراكز البيانات، كانت نيو ألباني تقدم حزمة يصعب منافستها: أراضٍ واسعة جاهزة للبناء، ألياف ضوئية، مصادر كهرباء متعددة، خطوط نقل ذات قدرة مرتفعة، طرق سريعة، إجراءات ترخيص سريعة، إضافة إلى حوافز مالية من سلطات الولاية والمؤسسات الاقتصادية المحلية.
وهكذا أصبحت المنطقة تدريجيًا مقرًا لمراكز بيانات تابعة إلى Amazon Web Services وMeta وGoogle و Microsoft، بينما اختارت إنتل المنطقة نفسها لإنشاء مصانع أشباه موصلات كان حجم الاستثمار المعلن فيها قد ارتفع إلى 28 مليار دولار.
أين يدخل جيفري إبستين في القصة؟
ترتبط المرحلة الأولى من تطوير نيو ألباني أيضًا بجيفري إبستين، الذي كان خلال تلك الفترة مديرًا ماليًا ومستشارًا شديد النفوذ لدى الملياردير ليزلي ويكسنر، صاحب العلامات التجارية الشهيرة .Victoria Secrets للملابس الداخلية ومنتجات التجميل النسائية، وBath & Body Works للعطور ومنتجات العناية بالجسم.
وتؤكد وثائق وسجلات متعددة أن العلاقة لم تقتصر على إدارة الأموال الشخصية؛ فقد منح ويكسنر لإبستين توكيلًا واسعًا لإدارة شؤونه المالية عام 1991، كما ظهر إبستين في سجلات مرتبطة بمشروع نيو ألباني، وورد اسمه إلى جانب ويكسنر في تسجيل للشركة عام 1998. وتؤكد مجلة Forbes أن إبستين كان مدرجًا كشريك في إدارة الكيان، وإن كانت لا تجد دليلًا على أنه مارس دورًا تشغيليًا يوميًا واسعًا داخل الشركة.
كما كان إبستين، طبقًا للصحفيين الإستقصائيين مارك جدوين، و ويتني ويب، وهي أهم من كشف تطورات وتفاصيل قصة إبستين وكيفية استخدامه لابتزاز الشخصيات الهامة لتحقيق النفوذ، وكذلك في خدمة الكثير من الأجندات الإستخبارية الأمريكية والإسرائيلية، في كتاب شهير من جزئين بعنوان: One Nation Under Blackmail ، كان حاضرًا في عدد من الكيانات العقارية والمالية المرتبطة بنيو ألباني خلال التسعينيات، وأنه امتلك عقارات في المنطقة وأدار جزءًا من أعماله المالية منها.
لكن هنا يجب الفصل بين الحقيقة الموثقة والاستنتاج.
وجود إبستين في البنية المالية والعقارية المبكرة لنيو ألباني موثق، وكذلك علاقته الوثيقة بويكسنر. أما القول إن إبستين هو الذي وجّه لاحقًا Amazon أو Google أو Meta إلى اختيار نيو ألباني، أو أنه صمم بصورة مباشرة مركز الذكاء الاصطناعي الذي نشاهده اليوم، فلا توجد أدلة مستقلة كافية تثبته.
الأدق أن البنية العقارية والمؤسساتية التي شارك فيها خلال تلك المرحلة أصبحت لاحقًا جزءًا من البيئة التي استقطبت شركات التكنولوجيا، من دون أن يعني ذلك وجود سلسلة سببية مثبتة بين نشاطه في التسعينيات وقرارات الشركات بعد عقدين.
من العقارات إلى مركز بيانات عملاق
بدأ التحول التكنولوجي بصورة أكثر وضوحًا خلال العقد الماضي. ففي 2014 دخلت Compass Datacenters المنطقة، ثم جاءت AWS وMeta وGoogle وغيرها.
واليوم يقول موقع New Albany Business Park إن المنطقة تستضيف استثمارات رئيسية من غوغل وأمازون ومايكروسوفت وميتا، إلى جانب قطاع أشباه الموصلات والصناعات الطبية.
وتقول Meta وحدها إنها استثمرت أكثر من 1.5 مليار دولار في مركزها في نيو ألباني، مع أكثر من 300 وظيفة تشغيلية مباشرة، إضافة إلى العمالة المرتبطة بالبناء.
أما AWS، فتقول JobsOhio إن الشركة التزمت باستثمارات تصل إلى 23 مليار دولار في أوهايو حتى 2030، وإن استثماراتها الأولى في مراكز البيانات بدأت تحديدًا من نيو ألباني.
إلى جانب ذلك، أصبحت المنطقة مركزًا لمشروع إنتل الذي يُفترض أن يضع أوهايو داخل سلسلة صناعة أشباه الموصلات الأمريكية، رغم أن المشروع عانى تأخيرات كبيرة وأصبح أول مصنع متوقعًا للعمل قرب بداية العقد المقبل بدل الجدول الزمني الأصلي.
والأهم أن هذا التوسع لم يعد محصورًا في وسط الولاية. ففي 17 أغسطس/آب 2026 كشفت OpenAI عن مشروع هائل في أوهايو تدعمه Nvidia ويهدف في مرحلته النهائية إلى توفير عدة غيغاواط من قدرة الحوسبة، ما يعزز فكرة تحول الولاية بكاملها، وليس نيو ألباني وحدها، إلى بنية تحتية وطنية للذكاء الاصطناعي.
المال العام وراء «Silicon Heartland»
هذا النمو لم يعتمد على استثمارات الشركات الخاصة وحدها.
لعبت JobsOhio، وهي مؤسسة تنمية اقتصادية خاصة أنشأتها الولاية، دورًا محوريًا في جذب الاستثمارات وتقديم الحوافز، بالتعاون مع New Albany Company والسلطات المحلية ومؤسسات أخرى.
في حالة إنتل، تؤكد JobsOhio رسميًا أن المشروع تحقق بعد تعاون بين المؤسسة، وOne Columbus، وNew Albany Company، وحكومة الولاية والسلطات المحلية.
كما حصلت شركات التكنولوجيا على حوافز ضريبية واستثمارات عامة كبيرة في البنية التحتية. ووفرت أوهايو لإنتل حزمة دعم تقارب ملياري دولار، إضافة إلى إنفاق حكومي على الطرق والبنية المحيطة بالمشروع.
واتسع النموذج إلى الصناعات العسكرية. ففي 2025 قدمت JobsOhio لشركة Anduril، المتخصصة في الطائرات المسيّرة والأنظمة الدفاعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، منحة قيمتها 310 ملايين دولار مقابل مشروع تصنيع ضخم والتزام بإنشاء أكثر من أربعة آلاف وظيفة.
وهنا تتضح طبيعة التحول: أوهايو لا تستقطب مجرد شركات إنترنت، بل تجمع في منطقة واحدة تقريبًا الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والصناعات العسكرية المتقدمة، والطاقة اللازمة لتشغيلها.
لكن من يدفع ثمن التوسع؟
كلما كبرت مراكز البيانات، بدأ الوجه الآخر للقصة يظهر بصورة أوضح.
تحقيق لرويترز في يوليو/تموز 2026 وجد أن الطلب الهائل على الكهرباء من مراكز البيانات بدأ يضغط على الصناعات التقليدية في ولايات حزام الصدأ الأمريكي، بما فيها أوهايو. وارتفعت تكاليف القدرة الكهربائية في سوق PJM بصورة حادة، فيما اشتكت مصانع في الولاية من زيادات كبيرة في فواتير الكهرباء.
وتحول الأمر بالفعل إلى قضية سياسية داخل أوهايو. ففي يونيو/حزيران 2026 قررت الولاية تعليق منح إعفاءات ضريبية جديدة لمراكز البيانات، بعدما قفزت التكلفة المقدرة لهذه الإعفاءات من نحو 136 مليون دولار إلى قرابة 1.6 مليار دولار، وسط احتجاجات محلية متصاعدة على استهلاك الكهرباء والمياه والأراضي.
ويزداد الجدل لأن مراكز البيانات لا تخلق عادة العدد نفسه من الوظائف الدائمة الذي تخلقه المصانع التقليدية. فالكثير من الوظائف يظهر أثناء مرحلة البناء، بينما تحتاج المنشآت بعد تشغيلها إلى عدد محدود نسبيًا من العاملين مقارنة بحجم الاستثمار والحوافز الممنوحة لها.
وبحلول أغسطس/آب، أصبح استياء الناخبين من مراكز البيانات قويًا إلى درجة أن مذكرة داخلية للحزب الجمهوري حذرت شركات الذكاء الاصطناعي من أن القضية باتت تهدد فرص الحزب الانتخابية في أوهايو، بعدما تحولت مراكز البيانات لدى جزء من الرأي العام إلى رمز لارتفاع تكاليف الطاقة والتوسع التكنولوجي غير المنضبط.
أكثر من مجرد «وادي سيليكون جديد»
لهذا فإن أهمية ما يجري في أوهايو تتجاوز السؤال التقليدي حول نجاح الولاية في جذب الاستثمارات.
ما يتشكل هناك هو نموذج تتداخل فيه الحكومة المحلية، والمطور العقاري، وصناديق التنمية، وشركات التكنولوجيا، وشركات الدفاع، وشبكات الطاقة داخل عملية واحدة لإعادة تصميم الاقتصاد الإقليمي.
ويقدم أنصار ذلك النموذج بوصفه سياسة صناعية ناجحة تعيد التصنيع والتكنولوجيا إلى قلب الولايات المتحدة وتقلل الاعتماد على الساحلين الشرقي والغربي.
لكن منتقديه يطرحون سؤالًا مختلفًا: عندما تقدم الدولة الأراضي والبنية التحتية والحوافز والضرائب المخفضة، بينما تحصل الشركات الخاصة على الجزء الأكبر من الملكية والعوائد، أين تنتهي الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وأين يبدأ انتقال القرار الاقتصادي من المؤسسات المنتخبة إلى شبكات الشركات؟
وهذه النقطة هي قلب القراءة التي يقدمها تحقيق ويتني ويب على موقع Unlimited Hangout، حيث ترى أن النموذج الذي بدأه ويكسنر في نيو ألباني أصبح قالبًا أوسع لحكم التنمية الاقتصادية في أوهايو، وأن «Silicon Heartland» ليس مشروعًا تكنولوجيًا فحسب، بل نتيجة عقود من إعادة تشكيل الحدود بين رأس المال الخاص والسلطة العامة.
لكن استخدام تعبيرات مثل «الاستيلاء على الحكومة» أو «دولة تكنوقراطية» يبقى وصفًا تحليليًا وسياسيًا لبعض المحللين، وليس مثبتًا بشكل نهائي، إلا أنه يتوافق مع أفكار شخصيات نافذة في عالم التكنولوجيا، يأتي بيتر ثيل على رأسهم، وهو ما قمنا باستعراضه من قبل من خلال المعهد المصري، ونفصل فيه في الجزء الثاني من هذه الدراسة، حول نموذج حكم الشركة الخاصة القائمة على التكنولوجيا والإبتكار، كبديل عن نموذج الدولة الوطنية. ما يمكن إثباته بصورة أوضح هو أن نيو ألباني اعتمدت فعلًا نموذجًا استثنائيًا من الشراكة العامة–الخاصة، وأن هذا النموذج أصبح جزءًا أساسيًا من البنية التي تستقبل اليوم بعض أكبر استثمارات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.
أوهايو قد تصبح إحدى عقد القوة الجديدة في الاقتصاد الأمريكي
مع انتقال سباق الذكاء الاصطناعي من البرمجيات إلى الأرض والكهرباء والرقائق ومراكز البيانات، تتغير خريطة القوة داخل الولايات المتحدة.
ففي عصر وادي السيليكون الأول، كانت القيمة تتركز حيث يوجد المبرمجون ورأس المال الاستثماري. أما عصر الذكاء الاصطناعي فيحتاج إلى مراكز بيانات، وغيغاواطات من الكهرباء، ومساحات شاسعة، وشبكات ألياف ضوئية، ومحطات طاقة، ومصانع رقائق وموافقات حكومية سريعة.
وهذه بالضبط هي الموارد التي تبني أوهايو حاليًا، ونيو ألباني بصورة خاصة، نموذجها الاقتصادي حولها.
لذلك فإن ما يجري ليس مجرد انتقال بعض مراكز البيانات من كاليفورنيا إلى الغرب الأوسط. إنه انتقال جزء من البنية المادية للقوة التكنولوجية الأمريكية إلى قلب البلاد.
والمفارقة ذات الدلالة الكبرى أن البنية التي تستقبل اليوم OpenAI وNvidia وAmazon وGoogle وMeta وMicrosoft تعود جذورها إلى مشروع عقاري بدأ قبل نحو أربعة عقود حول رجل الأعمال ليسلي ويكسنر صاحب العلامات الشهيرة في المنتجات النسائية، وشارك جيفري إبستين في أجزاء من شبكته المالية المبكرة.
لكن القصة الأهم اليوم لم تعد إبستين نفسه، بل النموذج الذي بقي بعده: تحالف طويل الأمد بين رأس المال العقاري، والتنمية الممولة حكوميًا، والطاقة، والتكنولوجيا، أصبح قادرًا على إعادة تشكيل ولاية كاملة لتناسب متطلبات اقتصاد الذكاء الاصطناعي، قد تتحول إلى نموذج لشكل السلطة الجديد، الذي يطمح إليه بيتر ثيل ورفاقه، والقائم على أسلوب الشركات الخاصة التي يديرها رئيس مجلس إدارة، وليس رئيس سياسي منتخب .
«دولة الشبكة» تخرج من الهامش.. كيف تحولت أفكار وادي السيليكون عن خصخصة الحكم إلى نفوذ سياسي واقتصادي؟
لم تعد طموحات بعض أقطاب وادي السيليكون محصورة في بناء الشركات أو تطوير الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. فمنذ نحو عقدين تشكل داخل دوائر التكنولوجيا ورأس المال الاستثماري تيار فكري أكثر جرأة، ينطلق من التشكيك في قدرة الحكومات التقليدية على مواكبة التطور، ويطرح في المقابل نماذج تقوم على المدن الخاصة، والمناطق ذات التنظيم المستقل، وتحويل بعض وظائف الدولة إلى خدمات تديرها الشركات.
لسنوات، بقيت هذه الأفكار أقرب إلى التجارب الهامشية: إنشاء مجتمعات عائمة خارج سيادة الدول، أو بناء مدن ذات قوانين مستقلة، أو تأسيس مجتمعات رقمية تتحول لاحقًا إلى كيانات سياسية. لكن صعود شخصيات مرتبطة بهذا التيار إلى دوائر صنع القرار، وتوسع شركات التكنولوجيا في الدفاع والاستخبارات والخدمات الحكومية، أعادا فتح النقاش حول سؤال أكبر: هل يتحول رأس المال التكنولوجي تدريجيًا من قطاع يعمل داخل الدولة إلى قوة تسعى لإعادة تشكيل الطريقة التي تعمل بها الدولة نفسها؟
هذا هو الخيط الذي يجمع بين بيتر ثيل، ومشروعات المدن الخاصة، وPróspera في هندوراس، ومفهوم «دولة الشبكة»، وشركات مثل Palantir، وصولًا إلى مناطق اقتصادية وتنظيمية خاصة أصبحت تظهر داخل السياسات الحكومية الأمريكية نفسها.
البداية من فكرة «الهروب من السياسة»
برزت إحدى البدايات الواضحة لهذا التيار عام 2008 مع تأسيس The Seasteading Institute بقيادة باتري فريدمان، حفيد العالم الاقتصادي الشهير ميلتون فريدمان، وبدعم مالي مبكر من المستثمر بيتر ثيل.
كان المشروع يقوم على إنشاء مجتمعات دائمة في البحر، بعيدة قدر الإمكان عن القيود السياسية والتنظيمية للدول القائمة. الفكرة لم تكن هندسية فقط، بل سياسية في جوهرها: إذا كان من الصعب تغيير الحكومات الموجودة، يمكن بناء مجتمعات جديدة تُجرّب فيها أنظمة مختلفة للحكم والضرائب والملكية.
ويمثل ذلك امتدادًا لفكرة أوسع تبناها ثيل في تلك المرحلة، وهي البحث عن التكنولوجيا باعتبارها مخرجًا من السياسة التقليدية. وينقل النص المرفق عنه لاحقًا قوله إن «التكنولوجيا بديل مذهل عن السياسة»، في تعبير يلخص اتجاهًا يرى أن الابتكار يستطيع فتح مجالات للعمل بعيدًا عن القيود التي تفرضها المؤسسات الديمقراطية والبيروقراطية.
لكن التجارب البحرية لم تتحول إلى بديل جدي للدولة. ومع مرور الوقت تغير الاتجاه: بدل البحث عن مكان خارج الحكومة، بدأ جزء من هذه الشبكة يبحث عن طرق لإنشاء مناطق مختلفة داخل الدول نفسها، أو إدخال التكنولوجيا إلى صميم المؤسسات الحكومية.
من المدينة العائمة إلى «دولة الشبكة»
وفّر كتاب The Sovereign Individual، الصادر عام 1997، خلفية فكرية مهمة لهذا التيار. فقد توقع أن تؤدي التكنولوجيا الرقمية والعملات المشفرة والأتمتة إلى إضعاف سلطة الدول القومية، وأن يصبح الأفراد الأكثر قدرة اقتصاديًا وتقنيًا أقل ارتباطًا بمكان واحد وأكثر قدرة على اختيار النظام القانوني والضريبي الذي يناسبهم.
ويشير النص إلى التأثير الكبير الذي تركه هذا الكتاب في بيتر ثيل وفي دوائر تكنولوجية أوسع، خاصة مع تحقق جزء من توقعاته المتعلقة بالعملات الرقمية والأتمتة.
لاحقًا، أصبحت هذه الفكرة أكثر تنظيمًا في مشروع The Network State الذي ارتبط باسم المستثمر ورائد التكنولوجيا بالاجي سرينيفاسان.
بدل البدء بأرض وحدود ثم بناء مجتمع، يقترح النموذج المسار المعاكس: يبدأ المجتمع عبر الإنترنت، ويتشكل حول أفكار ومصالح مشتركة، ثم يجمع الأموال ويشتري الأراضي وينشئ مؤسسات وخدمات خاصة به، على أمل الوصول في النهاية إلى شكل من الاعتراف السياسي.
في هذه الرؤية، تصبح التكنولوجيا وسيلة لبناء مجتمع سياسي قبل امتلاك إقليم سياسي.
لكن أكثر التطبيقات إثارة للاهتمام لم يأتِ من الإنترنت أو البحر، بل من مناطق حصلت على ترتيبات قانونية خاصة داخل دول قائمة.
بوسبيرا – تجربة الحكم الخاص على الأرض
برزت “بروسبيرا Próspera” في جزيرة رواتان بهندوراس باعتبارها إحدى أشهر التجارب المرتبطة بهذه البيئة الفكرية.
نشأت المنطقة ضمن نظام ZEDE الذي منح مناطق محددة صلاحيات تنظيمية وقانونية واسعة، بما في ذلك قدر كبير من الاستقلال في الضرائب والتنظيم التجاري وحل النزاعات.
دخلت إلى المشروع استثمارات مرتبطة ب ـPronomos Capital ، وهو صندوق أسسه باتري فريدمان للاستثمار في المدن ومشروعات الحكم الجديدة، وحظي بدوره بدعم من شخصيات في أوساط رأس المال التكنولوجي.
وبالنسبة إلى أنصار الفكرة، قدمت Próspera نموذجًا لما يمكن أن يحدث عندما تتعامل الدولة مع الحكم باعتباره مجالًا يمكن أن تتنافس داخله أنظمة مختلفة.
لكن التجربة كشفت أيضًا تناقضًا جوهريًا.
فعندما تغيرت السلطة السياسية في هندوراس، واجه نظام ZEDE رفضًا واسعًا، وأصبح مستقبل Próspera موضوع مواجهة قانونية وسياسية حول السيادة والحقوق المكتسبة.
وهكذا وجد مشروع يقوم على تقليص سلطة الدولة نفسه محتاجًا إلى القانون الوطني والاتفاقيات والمحاكم لحماية وجوده من قرار الدولة التي يقع داخلها.
ويقدم النص Próspera باعتبارها المشروع الأكثر وضوحًا حتى الآن لفكرة أن تتولى شركة خاصة إدارة منطقة تتمتع بقدر واسع من الاستقلال التنظيمي.
عندما أصبحت الحكومة نفسها سوقًا للشركات
التطور الأهم لم يكن في المدن الخاصة وحدها، بل في قطاع يعرف ب ـGovTech؛ أي الشركات التي تطور تقنيات مخصصة للحكومات.
هنا يظهر اسم جو لونسديل، أحد مؤسسي Palantir وشخصية قريبة من شبكة بيتر ثيل. فبعد تجربته في Palantir، توسعت استثماراته عبر شركة 8VC في قطاعات مثل تقنيات المراقبة، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والدفاع، وإدارة الطوارئ والخدمات العامة.
وهذا يختلف جوهريًا عن فكرة الجزيرة المستقلة.
بدل الانسحاب من الدولة، تدخل الشركات إلى قلب الدولة بصفتها مزودًا للبنية التقنية التي تعتمد عليها الحكومة في أداء وظائفها.
وقد أصبحت Palantir مثالًا بارزًا لهذه الظاهرة بسبب موقعها داخل منظومات الدفاع والاستخبارات وتحليل البيانات الحكومية الأمريكية، فضلًا عن منظومات المعاملات المالية الرقمية، من خلال ما يطلق عليه البعض “عملية إعادة الضبط الكبرى – The Great Reset“.
دفعت هذه التطورات بعض المحللين لتصوير شركات التكنولوجيا باعتبارها تتجه إلى أن تصبح «نظام تشغيل» للحكومة. ورغم أن هذا الوصف يحمل قدرًا واضحًا من المبالغة السياسية، حتى الأن على الأقل، فإن الظاهرة التي يقف خلفها حقيقية: كلما اعتمدت الدولة على شركات خاصة في تشغيل البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن والبنية السحابية، ارتفعت قيمة هذه الشركات داخل عملية اتخاذ القرار نفسها.
المسألة لم تعد مجرد خصخصة تنظيف الشوارع أو إدارة المرافق. نحن أمام خدمات ترتبط بالمعلومات والاستخبارات والسلاح والقرارات التي تعتمد عليها مؤسسات سيادية.
لماذا أصبحت هذه الأفكار أكثر أهمية سياسيًا؟
لفترة طويلة، كان من السهل النظر إلى مشروعات المدن الخاصة باعتبارها أحلامًا تحررية لا تمتلك وزنًا سياسيًا حقيقيًا.
لكن هذه الصورة بدأت تتغير مع اتساع نفوذ المستثمرين التكنولوجيين داخل السياسة الأمريكية.
في هذا الإطار جاء صعود جيه دي فانس، الذي ارتبط سياسيًا وماليًا ببيتر ثيل، إلى منصب نائب الرئيس، وإلى مشاركة شخصيات من دوائر رأس المال التكنولوجي في تشكيل كوادر الإدارة الجديدة. كما تربط بين هذا الصعود وبين مؤتمر Reboot 2024 الذي جمع شخصيات من رأس المال الاستثماري مع كيفن روبرتس، رئيس Heritage Foundation وأحد أبرز الأسماء المرتبطة بمشروع Project 2025، الذي ينظر إليه على نطاق واسع كمانيفستو تسير عليه الإدارة الأمريكية بشكل لصيق.
ولا يعني ذلك أن الإدارة الأمريكية تبنت رسميًا نظرية «دولة الشبكة»، لكن المسافة بين الأفكار التي كانت تناقش داخل دوائر التكنولوجيا وبين المؤسسات السياسية أصبحت أصغر.
وهنا انتقل النقاش من فلسفة إلى سياسة عامة.
مناطق خاصة داخل الدولة بدل تأسيس دولة جديدة
يأتي في هذا الإطار نموذج نيو ألباني في أوهايو، الذي تم استعراضه في النصف الأول من هذه الورقة.
أحد الأمثلة اللافتة هو ظهور أفكار حول “مناطق الرخاء” Prosperity Zones، في ولاية نورث كارولينا، أو المناطق التي تحصل على حوافز وتسهيلات تنظيمية بهدف جذب الاستثمار وتسريع المشروعات الصناعية.
وتشير المعلومات المتوافرة إلى خطط لإنشاء مناطق رخاء بحرية Maritime Prosperity Zones لدعم صناعة السفن الأمريكية، إضافة إلى جماعات تكنولوجية تدفع باتجاه توسيع المناطق منخفضة الضرائب والتنظيم وتشجيع استخدام الأراضي العامة في المشروعات الصناعية والتكنولوجية.
هذه المناطق بعيدة جدًا عن كونها «دولًا مستقلة»؛ فهي تخضع للقانون والسيادة الأمريكية.
لكن أهميتها تكمن في المبدأ الذي تمثله: خلق مساحات داخل الدولة تعمل وفق قواعد اقتصادية وتنظيمية مختلفة عن بقية أراضيها، بهدف منح رأس المال حرية وسرعة أكبر.
ومن هنا يمكن فهم انتقال نموذج المدن الخاصة من فكرة «الخروج من الدولة» إلى محاولة الحصول على استثناءات أوسع من داخلها.
الذكاء الاصطناعي يضاعف نفوذ رأس المال التكنولوجي
ما يمنح هذه الأفكار دفعة جديدة هو سباق الذكاء الاصطناعي.
فالشركات اليوم لا تحتاج فقط إلى مهندسين ورأس مال. تحتاج إلى أراضٍ شاسعة لمراكز البيانات، وكميات ضخمة من الكهرباء، وشبكات مياه، ومحطات طاقة، وألياف ضوئية، وموافقات بناء، وإعفاءات ضريبية.
وبالتالي أصبحت العلاقة مع السلطات المحلية والحكومات مسألة استراتيجية بالنسبة لشركات التكنولوجيا.
كل تأخير تنظيمي يمكن أن يؤخر مركز بيانات بمليارات الدولارات. وكل اعتراض محلي على الكهرباء أو المياه يمكن أن يعطل خطة توسع كاملة.
من هنا يصبح السعي نحو مناطق ذات تنظيم أكثر مرونة مفهومًا من زاوية اقتصادية، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا سياسيًا حساسًا: إذا أصبحت الاستثمارات التكنولوجية ضخمة إلى درجة تستطيع معها الشركات التفاوض على القواعد نفسها، فمن ينظم من؟
نموذج المدن الجديدة يصل إلى مناطق الأزمات
يأخذ هذا النقاش بعدًا أكثر حساسية عندما يتعلق بمناطق دمرتها الحروب.
فالخطط المطروحة لإعادة إعمار غزة، على سبيل المثال، تضمنت تصورات عن مناطق اقتصادية جديدة وإدارة تكنوقراطية وجذب استثمارات خاصة واسعة.
وترتبط هذه الرؤية بفلسفة «المدينة الجديدة» التي ترى أن المناطق التي يعاد بناؤها من الصفر توفر فرصة لإنشاء نموذج عمراني واقتصادي جديد بالكامل.
لكن الربط يحتاج إلى تمييز واضح.
لا توجد أدلة تثبت أن خطط إعادة إعمار غزة جزء من مشروع «دولة الشبكة»، أو أن هناك قيادة واحدة تربط هذه المشروعات ببعضها البعض بشكل عضوي. التشابه يكمن في طريقة التفكير: أرض يعاد تنظيمها، قواعد استثمارية جديدة، إدارة تكنوقراطية، ورأس مال خاص يؤدي دورًا أكبر في تحديد شكل المكان.
وهو تشابه سياسي وفكري يمثل نموذج معين، ولا يعني بالضرورة وجود مشروع تنظيمي واحد.
تيار سياسي أم مجموعة أفكار متقاطعة؟
من الخطأ اختزال ما يجري في «مؤامرة» واحدة يديرها مليارديرات التكنولوجيا.
لا توجد قيادة مركزية معلنة، ولا برنامج موحد يجمع كل هذه الشخصيات والمشروعات.
هناك، بدل ذلك، منظومة من الأفكار والمصالح وشبكات التمويل والعلاقات الشخصية.
بيتر ثيل يركز على التكنولوجيا والحرية من القيود السياسية. باتري فريدمان يعمل على المدن ونماذج الحكم التجريبية. بالاجي سرينيفاسان طور مفهوم «دولة الشبكة». جو لونسديل يستثمر في تكنولوجيا الحكومة والدفاع، بينما تعمل صناديق رأسمال أخرى على المدن الجديدة والبنية الصناعية.
لا يتطابق هؤلاء في رؤاهم، لكن تقاطعًا واضحًا يجمع عددًا منهم: الاعتقاد بأن المؤسسات الحكومية الحالية بطيئة، وأن التكنولوجيا ورأس المال الخاص قادران على تشغيل أجزاء من المجتمع بكفاءة أعلى، وأن منح المستثمرين مساحات أكبر لتصميم القواعد قد يسرع الابتكار.
هنا تبدأ المشكلة السياسية الحقيقية.
من يملك الدولة في عصر التكنولوجيا؟
الخطر أو التحول الأهم لا يبدو في احتمال أن تستيقظ الولايات المتحدة يومًا لتجد نفسها قد استبدلت بالحكومة شركة خاصة.
السيناريو الأكثر واقعية يحدث بصورة تدريجية.
شركة خاصة تدير قاعدة البيانات. أخرى توفر برنامج الاستخبارات. ثالثة تبني منظومة الذكاء الاصطناعي العسكري. صندوق استثماري يمول منطقة صناعية. مطور عقاري يمتلك الأرض. حكومة محلية تمنح الإعفاءات. ثم يصبح تشغيل القطاع العام معتمدًا على شبكة لا تملكها الدولة بالكامل.
في هذه الحالة تبقى المؤسسات الديمقراطية قائمة، لكن جزءًا متزايدًا من القدرة الفعلية على تنفيذ قراراتها يوجد خارجها.
وهذا هو التحول الذي يجعل النقاش حول «دولة الشبكة» أكثر أهمية من مشروع Seasteading القديم.
لقد بدأ التيار بفكرة الهروب من الحكومة، لكنه اكتشف أن الخروج الكامل منها شبه مستحيل، في الوقت الحالي على الأقل. المدن تحتاج إلى القانون، والشركات تحتاج إلى العقود، والملكية تحتاج إلى المحاكم، والبنية التحتية تحتاج إلى الكهرباء والمياه، والمستثمر يحتاج إلى دولة تحمي استثماره.
لذلك يبدو أن الطريق الأكثر فاعلية لم يعد بناء دولة جديدة خارج النظام، بل زيادة النفوذ داخل الدولة القائمة وإعادة تشكيل حدود العلاقة بين السلطة العامة ورأس المال الخاص.
ومن هنا تأتي الدلالة السياسية الحقيقية لهذه الظاهرة.
فالمنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد فقط حول من يمتلك أفضل نموذج أو أكبر مركز بيانات؛ إنها تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يملك البنية التي سيعتمد عليها المجتمع والدولة في المستقبل.
وعندما تصبح الشركات المالكة للخوارزميات والحوسبة والطاقة والبيانات والأسلحة الذكية جزءًا لا غنى عنه من وظائف الحكومة، فإنها لا تحتاج إلى إعلان دولة خاصة بها كي تحصل على نفوذ سياسي غير مسبوق.
قد لا تكون «دولة الشبكة» دولة بالمعنى التقليدي في النهاية، بقدر ما تكون نموذجًا جديدًا لتوزيع السلطة، تحتفظ فيه الحكومة بالشكل الدستوري والسيادة الرسمية، بينما ينتقل جزء متزايد من أدوات القوة والتنفيذ والتخطيط إلى شبكات خاصة تمتلك التكنولوجيا ورأس المال والبنية التحتية.
وهنا يصبح السؤال الذي بدأ قبل عقدين في دوائر هامشية بوادي السيليكون سؤالًا سياسيًا مركزيًا: هل تبقى التكنولوجيا أداة تستخدمها الدولة، أم تتحول الشركات التي تمتلك التكنولوجيا تدريجيًا إلى طرف يشارك في تحديد شكل الدولة نفسها؟
وهل يمكن أن يتطور هذا النموذج على أرض الواقع لتتحول الدولة إلى شركة خاصة بالكامل، تدير شئون المجتمع لصالح ملاك الشركة كبديل عن الدولة القومية في شكلها الراهن، بكل ما في يد الدولة حالية من أدوات لفرض الرقابة والتحكم في “المواطنين” فيما تطلق عليه ويتني ويب “دولة المراقبة”؟، أو ما تطلق عليه الصحفية الاستقصائية البريطانية كارول كادوالادار “الفاشية التكنولوجية”؟ وكيف سيتم تعريف المواطنة في هذه الحالة؟
أسئلة كثيرة ستجيب عنها التطورات المستقبلية في المدى المنظور، ما يحتاج من رصد ومتابعة مستمرة.
استثمار إماراتي في بنك مرتبط بعائلة ترامب يفتح ملف تضارب المصالح والنفوذ السياسي
تتوسع العلاقة المالية بين شركة العملات المشفرة المرتبطة بعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستثمرين إماراتيين نافذين، مع الكشف عن امتلاك كيان مدعوم من مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان حصة كبيرة في الشركة القابضة التي أنشأتها «World Liberty Financial» لإطلاق بنك أميركي جديد متخصص في الأصول الرقمية.
وبحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن طحنون وشركاءه يقفون خلف كيان يمتلك حصة تبلغ 49% من الشركة القابضة للبنك الجديد، بعدما كان قد دعم في 2025 استثماراً بقيمة 500 مليون دولار في «World Liberty Financial» مقابل حصة مماثلة في الشركة.
ولا تكمن أهمية الاستثمار في حجمه فقط، بل في تزامنه مع وجود ترامب في البيت الأبيض، وفي وقت تشهد فيه العلاقات الأميركية-الإماراتية مفاوضات واسعة بشأن التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وهو ما أعاد طرح أسئلة في واشنطن حول الحدود الفاصلة بين الأعمال الخاصة للرئيس والسياسة الخارجية الأميركية.
من العملات المشفرة إلى بنك أميركي
كانت «World Liberty Financial» قد دخلت سوق العملات المستقرة من خلال إطلاق عملة «USD1» المرتبطة بالدولار، والتي وصلت قيمتها السوقية إلى نحو 4 مليارات دولار.
وبعد حصول الشركة على موافقة أولية مشروطة من مكتب مراقب العملة الأميركي، باتت تسعى إلى تأسيس بنك ائتماني وطني يخضع للترخيص الفيدرالي، تكون مهمته إصدار عملة «USD1» واستردادها وحفظ احتياطياتها، إضافة إلى تقديم خدمات أخرى مرتبطة بحفظ الأصول المشفرة للعملاء.
وتوفر هذه الخطوة للشركة ميزة اقتصادية مهمة، إذ تسمح لها بإدارة احتياطيات العملة بصورة مباشرة بدلاً من الاعتماد على مؤسسات مالية وسيطة.
وبحسب الصحيفة، فإن الاحتياطيات المرتبطة بـ«USD1» تستثمر في سندات الخزانة الأميركية وأصول نقدية مشابهة، وتولد عوائد سنوية تقدر بنحو 150 مليون دولار، ما يجعل زيادة حجم العملة المتداولة مصدراً مباشراً لزيادة الإيرادات.
حضور إماراتي داخل هيكل الملكية
يكشف هيكل الملكية عن مستوى متقدم من التشابك المالي.
فالكيان المدعوم من طحنون وشركائه يمتلك 49% من الشركة القابضة للبنك، بينما تمتلك جهة مرتبطة بعائلة ترامب نحو 38% منها.
وتقول الصحيفة إن الهيكل الاستثماري للبنك يعكس إلى حد كبير هيكل ملكية «World Liberty Financial»، وإن المستثمرين المرتبطين بطحنون استخدموا شركة تدعى «StringZ Holding RSC» لامتلاك حصتهم في الكيان المصرفي الجديد.
ويمنح ذلك الاستثمار بعداً سياسياً إضافياً، لأن طحنون ليس مجرد رجل أعمال، بل يشغل منصب مستشار الأمن الوطني في الإمارات وهو شقيق رئيس الدولة، كما يشرف على شبكة استثمارية ضخمة تشمل أموالاً خاصة وأصولاً مرتبطة بالدولة.
صفقة سبقت عودة ترامب إلى البيت الأبيض
الجدل الحالي يعود أيضاً إلى توقيت العلاقة المالية بين الطرفين.
فقد كشفت الصحيفة سابقاً أن طحنون وشركاءه استثمروا 500 مليون دولار في «World Liberty Financial» في يناير/كانون الثاني 2025، قبل أربعة أيام فقط من تنصيب ترامب رئيساً للولايات المتحدة.
ووفق الإفصاحات المالية التي نقلتها الصحيفة، أدى الاستثمار إلى وصول نحو 263 مليون دولار إلى كيانات مرتبطة بعائلة ترامب.
وهنا يبرز جوهر القضية: الاستثمار تم في شركة مرتبطة بعائلة رئيس أميركي أثناء انتقاله إلى السلطة، ثم تطورت العلاقة لاحقاً إلى مشروع مصرفي يحتاج إلى موافقات من جهات تنظيمية تعمل تحت الإدارة الفيدرالية نفسها.
وهذا لا يثبت بحد ذاته وجود مخالفة أو تأثير سياسي مباشر، لكنه يخلق بيئة تضارب مصالح يصعب فصلها عن النقاش السياسي داخل واشنطن.
رقائق الذكاء الاصطناعي في خلفية المشهد
يزداد الملف حساسية بسبب تزامنه مع مفاوضات أميركية-إماراتية حول تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة.
ففي 2025 أعلنت إدارة ترامب اتفاقاً يسمح للإمارات بالحصول على كميات كبيرة من الرقائق الأميركية، مع تخصيص جزء منها لشركة «G42» المدعومة من أبوظبي والتي يسيطر عليها طحنون.
لكن تنفيذ الاتفاق واجه لاحقاً تحفظات داخل الإدارة الأميركية بسبب مخاوف من احتمال انتقال بعض التقنيات إلى شركات صينية تتعامل مع الإمارات.
ومع ذلك، وافقت الإدارة لاحقاً على بيع الرقائق مباشرة إلى «G42»، ثم رفعت في يوليو/تموز 2026 بعض القيود المفروضة على حجم مشترياتها.
هذا التزامن بين المصالح التجارية الخاصة والمفاوضات الحكومية هو الذي يجعل الاستثمار الإماراتي أكثر حساسية سياسياً من استثمار مالي عادي.
فالطرف المستثمر هو مسؤول أمني رفيع في دولة أجنبية، والطرف الآخر شركة مرتبطة بعائلة رئيس أميركي، بينما تتفاوض حكومتا البلدين على ملفات استراتيجية تتعلق بالتكنولوجيا والأمن القومي.
واشنطن تحاول وضع حواجز تنظيمية
في محاولة لتقليل مخاطر التأثير المباشر، طلب مكتب مراقب العملة الأميركي من ثلاثة مساهمين رئيسيين توقيع تعهدات باعتبارهم مساهمين «غير نشطين»، أي أنهم لن يسعوا إلى التأثير على إدارة البنك أو السيطرة على قراراته.
وكان من بين هؤلاء كيان مرتبط بعائلة ترامب وكيان «StringZ Holding» المرتبط بطحنون.
وتشير الصحيفة إلى أن مثل هذه التعهدات ليست شائعة في إجراءات الترخيص المصرفي، وأنها المرة الثانية فقط منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض التي يطلب فيها المكتب التزامات مشابهة.
ومع ذلك، فإن البنك لم يحصل بعد على الترخيص النهائي، إذ لا تزال هناك شروط تنظيمية واختبارات يتعين على الشركة اجتيازها قبل أن تبدأ عملياتها بصورة فعلية.
اعتراضات ديمقراطية ومخاوف أمن قومي
أثارت هذه العلاقة انتقادات قوية من أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس.
فقد ضغطت السيناتورة إليزابيث وارن على مكتب مراقب العملة بشأن دور طحنون في البنك، معتبرة أن أي ارتباط مالي بين مسؤول حكومي أجنبي وشركة تسعى للحصول على ترخيص مصرفي وهي مملوكة جزئياً للرئيس، يثير مخاوف تتعلق بالأمن القومي.
كما تحدث عشرات النواب الديمقراطيين عن مخاوف تتصل بالملكية الأجنبية ونزاهة عملية منح التراخيص المصرفية وإمكانية تعرض القرارات التنظيمية لضغوط سياسية أو جيوسياسية.
في المقابل، يؤكد البيت الأبيض أن ترامب يتصرف حصراً بما يخدم المصلحة العامة الأميركية وينفي وجود تضارب في المصالح، بينما تقول الشركة إن موظفين مهنيين داخل مكتب مراقب العملة قاموا بمراجعة طلبها وفق القوانين والسياسات المعمول بها.
شبكة مصالح تتجاوز البنك
ولا يتوقف تعقيد الملف عند الاستثمار الإماراتي.
فقد كشفت وثائق طلب الترخيص المصرفي أيضاً عن اتفاق بين «World Liberty Financial» ومنصة «Binance» لتقديم خدمات تسويق ودعم لعملة «USD1».
ويكتسب الأمر حساسية إضافية لأن ترامب كان قد أصدر عفواً عن مؤسس «Binance» تشانغبينغ تشاو، بعد إقراره سابقاً بانتهاكات تتعلق بقواعد مكافحة غسل الأموال.
لكن محامي تشاو والشركة المرتبطة بعائلة ترامب نفوا وجود أي علاقة بين العفو وبين المصالح التجارية المشتركة.
أكثر من استثمار مالي
القضية في جوهرها لا تتعلق فقط بإطلاق بنك جديد للعملات المشفرة، بل بتشكل شبكة مصالح جديدة تجمع المال الرقمي والسياسة والعلاقات الدولية في مساحة واحدة.
فالولايات المتحدة تتحرك باتجاه دمج العملات المستقرة في النظام المالي الرسمي، وشركة مرتبطة بعائلة الرئيس تحاول أن تكون لاعباً أساسياً في هذا السوق، بينما يأتي جزء كبير من رأس المال من مسؤول نافذ في دولة ترتبط بواشنطن بمفاوضات استراتيجية حول الذكاء الاصطناعي والاستثمار والأمن.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم ليس ما إذا كان الاستثمار الإماراتي قانونياً فقط، بل ما إذا كانت المؤسسات الأميركية قادرة على بناء جدار مؤسسي واضح بين القرارات التي تتخذها الإدارة لمصلحة الدولة، والمصالح التجارية المباشرة لعائلة الرئيس.
ولا توجد في المعلومات المنشورة حتى الآن أدلة تثبت أن صفقة الرقائق أو أي قرار حكومي أميركي اتخذ مقابل الاستثمار الإماراتي. لكن تداخل الأطراف والتوقيت وحجم المصالح المتبادلة يجعل القضية مرشحة للبقاء تحت رقابة الكونغرس والمؤسسات الرقابية.
وكلما اتسعت أعمال «World Liberty Financial» وتحولت من شركة عملات مشفرة إلى مؤسسة مصرفية خاضعة لتنظيم اتحادي، ستزداد صعوبة الفصل بين قصة نجاح مالي في قطاع صاعد وبين سؤال سياسي أوسع: إلى أي مدى يمكن لرئيس أميركي أن يحتفظ بعلاقات تجارية دولية واسعة خلال وجوده في السلطة من دون أن تتحول تلك العلاقات إلى قضية ثقة في السياسة الأميركية نفسها؟
المساعدات مقابل البيانات.. اتفاقات صحية أمريكية تفتح معركة جديدة حول السيادة الرقمية في إفريقيا
لم تعد المساعدات الصحية الأمريكية إلى عدد من الدول الإفريقية تقتصر على تمويل مكافحة الإيدز والملاريا والسل وشبكات مراقبة الأوبئة. ففي إطار استراتيجية إدارة دونالد ترامب الجديدة للصحة العالمية، أصبحت البيانات الصحية نفسها جزءًا من شروط التفاوض، مع مطالبة واشنطن بإتاحة الوصول إلى أنظمة معلومات وطنية وقواعد بيانات صحية ومختبرية، مقابل استمرار تدفقات مالية تصل إلى مليارات الدولارات.
هذه المقايضة تثير جدلًا يتجاوز حماية الخصوصية إلى سؤال أكثر حساسية: هل تتحول البيانات الصحية لملايين الأفارقة إلى مورد استراتيجي تحصل عليه الولايات المتحدة مقابل المساعدات؟ ومن يملك القيمة الاقتصادية والعلمية التي يمكن استخراجها لاحقًا من هذه البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي؟
تحقيق نشرته ProPublica في يونيو/حزيران 2026 كشف أن الاتفاقات الجديدة تضع الوصول إلى البيانات ضمن صميم سياسة America First Global Health Strategy، في وقت يقول فيه مسؤولون أمريكيون إن الهدف هو تحسين مراقبة الأمراض، وضمان إنفاق الأموال بصورة صحيحة، وحماية الأمريكيين من الأوبئة المقبلة. أما منتقدو السياسة فيرون أن اختلال القوة التفاوضية بين المانح والدول التي تعتمد على المساعدات الصحية يجعل الاتفاقات أقرب إلى ما وصفه أحد خبراء الحقوق الرقمية في أوغندا بـ«الاستعمار الرقمي».
أوغندا.. دخول مباشر إلى تسعة أنظمة صحية
تقدم أوغندا المثال الأكثر وضوحًا على حجم التحول.
بموجب الاتفاق الذي راجعته ProPublica، تحصل الولايات المتحدة على وصول مباشر وفي الوقت الحقيقي إلى تسعة أنظمة بيانات صحية أوغندية لمدة سبع سنوات، تشمل المستودع المركزي للمعلومات الصحية، وبيانات المختبرات، والمعلومات التي يجمعها العاملون الصحيون داخل المجتمعات المحلية، إضافة إلى النظام الذي يدير السجلات الطبية الإلكترونية للأفراد.
في المقابل، ستقدم واشنطن ما يصل إلى 1.7 مليار دولار خلال خمس سنوات لدعم مكافحة الملاريا والسل وفيروس HIV وشلل الأطفال وتعزيز الأمن الصحي. لكن التمويل نفسه سينخفض تدريجيًا، وتشير تقديرات أوردها التحقيق إلى أن الدعم الأمريكي للصحة العالمية في أوغندا سيكون بحلول 2030 أقل بنحو 45% من المستوى الذي كان عليه عند عودة ترامب إلى الرئاسة.
وتنص الاتفاقية على أن البيانات المشتركة يجب أن تكون مجمعة ومنزوعة منها المعلومات التي تكشف هوية الأشخاص، وأن استخدامها سيكون مرتبطًا بتقديم الخدمات الصحية وتدقيق البرامج.
وزارة الخارجية الأمريكية تتمسك بهذه النقطة. وقالت لـProPublica إن واشنطن لا تحصل على معلومات شخصية محددة، وإن ما يجري مشاركته هو النوع نفسه من البيانات المجمعة والمجهلة المستخدمة منذ سنوات في برامج مكافحة الإيدز والملاريا والسل، وإن عملية المشاركة تتم وفق قوانين الدول المعنية.
لكن الجديد لا يتعلق فقط بنوع البيانات، وإنما بطريقة الوصول إليها.
فالوثائق التي راجعتها ProPublica تلزم أوغندا بإعطاء الحكومة الأمريكية والمتعاقدين معها بيانات دخول أو وسائل وصول آمنة تسمح لهم بالدخول مباشرة إلى الأنظمة الوطنية، بدل الاعتماد فقط على أنظمة منفصلة أنشأتها البرامج الأمريكية سابقًا لتلقي البيانات المجمعة، وهذه النقلة هي التي تثير القلق الأكبر لدى خبراء الخصوصية.
عندما تصبح المساعدة الصحية اتفاقًا تبادليًا
السياسة الجديدة تختلف في فلسفتها عن نموذج المساعدات الأمريكي السابق. فاستراتيجية America First Global Health Strategy تنص صراحة على ربط السياسة الصحية الخارجية بالمصالح الأمريكية، بما يشمل حماية الولايات المتحدة من الأمراض، وزيادة مساهمة الدول المستفيدة في تمويل أنظمتها الصحية، ودعم الابتكارات والشركات الأمريكية.
وتقول واشنطن إن من غير المقبول استمرار دافعي الضرائب الأمريكيين في تمويل الأنظمة الصحية الأجنبية إلى أجل غير محدود، وإن الدول المستفيدة يجب أن تزيد إنفاقها المحلي بحيث تصبح البرامج أكثر استدامة وملكية وطنية.
هذه الحجة تجد قبولًا حتى لدى بعض منتقدي الاتفاقات. فثمة اتفاق واسع على ضرورة تخفيف اعتماد الدول الإفريقية طويل الأمد على المساعدات الخارجية وبناء أنظمة صحية محلية أكثر قدرة على تمويل نفسها.
لكن الخلاف يتعلق بما تحصل عليه الولايات المتحدة في المقابل، وبخاصة عندما تصبح البيانات والمواد البيولوجية جزءًا من الصفقة.
تظهر مراجعة Public Citizen لاتفاقات تسع دول أن النموذج الأمريكي الأصلي كان يتضمن شروطًا موحدة وقاسية نسبيًا بشأن البيانات والعينات البيولوجية، قبل أن تتمكن بعض الحكومات من التفاوض على مدد أقصر أو ضمانات إضافية. كما تختلف العقوبات وشروط التمويل والتزامات المشاركة من دولة إلى أخرى بصورة كبيرة.
لماذا أصبحت البيانات الصحية بهذه القيمة؟
الجدل لا يمكن فصله عن التطور في الذكاء الاصطناعي والصناعات الدوائية. فالبيانات الصحية الواسعة لا تكشف فقط عدد المصابين بمرض معين. وعندما تجمع على مستوى ملايين الأشخاص، يمكن استخدامها في دراسة أنماط الأمراض، والاستجابة للأدوية، والاختلافات الوراثية والسكانية، وتطوير أدوات التشخيص، وبناء النماذج التنبؤية، وتدريب تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبي.
ولهذا أصبحت الدول تنظر بصورة متزايدة إلى قواعد بيانات مواطنيها باعتبارها أصلًا وطنيًا ذا قيمة اقتصادية وعلمية واستراتيجية، لا مجرد سجلات إدارية.
وتحذر جين مونغا من مؤسسة كارنيغي من أن المشكلة ليست فقط مكان تخزين البيانات، وإنما من يملك القدرة على تحديد كيفية استخدامها وإعادة استخدامها ومشاركتها مع جهات أخرى، ومن يحصل على المكاسب الناتجة عنها. وتشير إلى أن بيانات الصحة والجينات يمكن أن تدخل مستقبلًا في الأبحاث الدوائية والتكنولوجيا الحيوية وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
هنا يتغير معنى «السيادة الرقمية». فالدولة يمكن أن تبقى مالكة رسميًا لقاعدة البيانات، لكنها تفقد جزءًا من سيطرتها الفعلية إذا أصبحت جهة أجنبية أو متعاقدوها قادرين على الوصول إليها ومعالجتها وإعادة دمجها ضمن منظومات أخرى.
كينيا.. 1.6 مليار دولار وسبع سنوات من البيانات
أصبحت كينيا أول ساحة كبيرة للاعتراض السياسي والقضائي على النموذج الجديد.
وافقت نيروبي، مقابل 1.6 مليار دولار من الدعم الصحي الأمريكي، على ترتيبات تتيح الوصول إلى بيانات صحية على مدى سبع سنوات، بينما يمتد التمويل الأمريكي خمس سنوات فقط.
لكن الاتفاق واجه سريعًا دعاوى قضائية من سياسيين ومنظمات مدنية اتهمت الحكومة بالسماح بوصول أجنبي واسع إلى بيانات حساسة، وبالمضي في الاتفاق من دون درجة كافية من الرقابة البرلمانية والمشاركة العامة.
وتتمتع كينيا أصلًا بإطار قانوني متقدم نسبيًا في هذا المجال، يشمل Data Protection Act لعام 2019 وDigital Health Act لعام 2023، وكلاهما يضع قيودًا على التعامل مع البيانات الصحية ونقلها خارج البلاد.
وترى دراسة لمؤسسة كارنيغي أن الاتفاق الأمريكي–الكيني أصبح اختبارًا مبكرًا لقدرة استراتيجية واشنطن الجديدة على التعايش مع قوانين السيادة الرقمية الوطنية. كما تحذر من أن غياب قيود صريحة وملزمة على الاستخدام الثانوي للبيانات أو مشاركتها لاحقًا قد يسمح نظريًا بإدخالها في أبحاث دوائية أو بيولوجية أو قواعد تدريب للذكاء الاصطناعي من دون ضمان حصول كينيا على حصة من القيمة الناتجة.
وقد عُلقت أجزاء من الاتفاق قضائيًا خلال النزاع قبل السماح في مايو/أيار 2026 بالمضي مؤقتًا في التنفيذ بينما تستمر المحكمة في نظر القضية.
البيانات ليست وحدها.. العينات البيولوجية أيضًا
المسألة تصبح أكثر حساسية عند الانتقال من البيانات إلى عينات مسببات الأمراض.
الاتفاقات التي راجعتها ProPublica تتضمن في بعض الحالات التزام الدول ببدء مشاركة العينات والبيانات المتعلقة بها خلال خمسة أيام من تلقي طلب أمريكي، في إطار بناء شبكة تستطيع واشنطن الاعتماد عليها لرصد خطر الأوبئة.
وتبرر الولايات المتحدة ذلك بالحاجة إلى اكتشاف الأمراض الجديدة سريعًا ومنع انتقالها إلى الأراضي الأمريكية، خاصة بعد انسحاب واشنطن من منظمة الصحة العالمية وفقدانها جزءًا من الوصول الذي كانت توفره شبكات التعاون متعددة الأطراف.
لكن النزاع يعود مرة أخرى إلى السؤال عن تقاسم المنافع.
فإذا جرى تطوير لقاح أو دواء باستخدام عينة مرضية جاءت من دولة إفريقية، فمن يحصل على العلاج أولًا؟ ومن يمتلك حقوق الملكية الفكرية؟ وهل تحصل الدولة التي وفرت المورد البيولوجي على التكنولوجيا أو خطوط الإنتاج أو جزء من المكاسب؟
وفق الوثائق التي راجعتها ProPublica، تنص خمسة من ستة اتفاقات لمشاركة العينات على أن الولايات المتحدة ستعطي طلب الدولة المصدرة «أولوية»، ولكن بعد الاحتياجات الأمريكية، بينما تضمن الاتفاقية مع نيجيريا ترتيبات أفضل نسبيًا للحصول على المنتجات الطبية الناتجة.
وهنا يظهر أحد أكثر أوجه الجدل حساسية: إمكانية أن تقدم الدول الإفريقية المادة الخام العلمية، بينما تتراكم القيمة الدوائية والتكنولوجية في مكان آخر.
نموذج بديل عن منظمة الصحة العالمية؟
تكتسب الاتفاقات بعدًا جيوسياسيًا إضافيًا لأنها جاءت بعد انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية وتراجع مشاركتها في النظام متعدد الأطراف للصحة العالمية.
عمليًا، تتحرك واشنطن الآن لبناء شبكة ثنائية من الاتفاقات المباشرة مع الدول للحصول على البيانات والمعلومات الوبائية والعينات التي تحتاجها لمتابعة الأمراض.
هذا يمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على التفاوض مع كل دولة بصورة منفصلة، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تفتيت النظام العالمي لمراقبة الأوبئة.
Public Citizen حذرت من أن اختلاف شروط مشاركة البيانات والاستجابة للأمراض من بلد إلى آخر يمكن أن يضعف قدرة الدول المجاورة على التنسيق في مواجهة أوبئة تتجاهل الحدود السياسية بطبيعتها.
ويظهر هذا الخطر بوضوح في حالة تفشي إيبولا في وسط إفريقيا؛ فإذا كانت بعض الدول مرتبطة بالولايات المتحدة باتفاقات لتبادل البيانات والعينات بينما ترفض دول مجاورة الاتفاقات، فإن بناء صورة وبائية متكاملة يصبح أكثر صعوبة.
وهذا يعني أن استراتيجية صُممت لحماية الولايات المتحدة من الأمراض قد تواجه مفارقة: الضغط المفرط للحصول على البيانات يمكن أن يدفع بعض الحكومات إلى رفض الاتفاق أصلًا، فتفقد واشنطن البيانات والمساعدة الصحية معًا.
إفريقيا تبدأ التفاوض على «سيادة البيانات»
لم تقبل جميع الحكومات الشروط الأولية.
رفضت زيمبابوي وزامبيا وغانا صيغًا أولية من الاتفاقات أو اعترضت على جوانب منها، فيما استطاعت حكومات أخرى تقليص المدد المطلوبة لتبادل البيانات والعينات أو إضافة ضمانات جديدة.
وهذا يكشف أن المواجهة لم تعد ببساطة بين مانح قوي ودولة متلقية.
تطور قوانين حماية البيانات في إفريقيا، وصعود مفهوم السيادة الرقمية، وتحول البيانات إلى أصل اقتصادي، يمنح الحكومات الإفريقية أدوات جديدة للتفاوض.
المفارقة أن الدول التي تحتاج أكثر إلى التمويل الصحي هي نفسها الأكثر عرضة للقبول بشروط قد لا تقبلها دولة غنية.
وهو ما لخصه الخبير الأوغندي فرانك سكاموا حين وصف الاختيار الذي واجهته بلاده: القبول باتفاق يرى أنه يحمل مخاطر على سيادة البيانات، أو المخاطرة بفقدان التمويل اللازم لمواجهة أمراض قاتلة.
من المساعدات إلى اقتصاد البيانات
القضية في جوهرها تتجاوز الخصوصية الفردية.
ما يجري هو جزء من تحول أوسع في الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت البيانات موردًا استراتيجيًا يشبه إلى حد ما الموارد الطبيعية في مراحل سابقة من العلاقات الدولية.
كانت العلاقة القديمة بين الدول الصناعية وإفريقيا تدور غالبًا حول النفط والمعادن والمحاصيل والمواد الخام. أما اقتصاد الذكاء الاصطناعي فيضيف موردًا جديدًا: البيانات البشرية، وخصوصًا الصحية والبيولوجية والجينية.
لكن التشبيه بالاستعمار يحتاج إلى الحذر.
لا توجد أدلة على أن الولايات المتحدة تحصل سرًا على السجلات الشخصية الكاملة لملايين الأفارقة، وواشنطن تؤكد بوضوح أنها لا تتلقى بيانات تحدد هوية الأفراد وأن الهدف هو مكافحة الأمراض وتدقيق استخدام الأموال الأمريكية. كما تتضمن الاتفاقات التزامات بحماية البيانات وبعض أشكال تقاسم المنافع.
في المقابل، تكشف الوثائق عن اختلال حقيقي في القوة التفاوضية: دول تحتاج إلى مليارات الدولارات لاستمرار برامج صحية أساسية تفاوض قوة تملك المال والتكنولوجيا والشركات القادرة على استخراج قيمة إضافية من البيانات.
ومن هنا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت البيانات ستُسرق، بل من سيضع قواعد استخدامها ومن سيحصل على القيمة الناتجة عنها.
إذا استطاعت الدول الإفريقية تحويل الاتفاقات إلى شراكات تضمن حماية البيانات، ونقل التكنولوجيا، والتصنيع المحلي، والوصول إلى الأدوية واللقاحات الناتجة عن عيناتها وبياناتها، فقد تتحول هذه المنظومة إلى نموذج أكثر توازنًا للتعاون الصحي.
أما إذا بقي التمويل مشروطًا بإتاحة الأصول الرقمية والبيولوجية مع ضمانات محدودة بشأن الاستخدام اللاحق وتقاسم الأرباح والمعرفة، فإن مصطلح «الاستعمار الرقمي» سيكتسب حضورًا أكبر في النقاش الإفريقي.
فالمعركة الجديدة لم تعد فقط حول من يمول مستشفى أو يرسل دواءً، وإنما حول من يمتلك البيانات التي تنتجها صحة مجتمع كامل، ومن يستطيع تحويل تلك البيانات إلى علم ودواء وذكاء اصطناعي وقوة اقتصادية في العقود المقبلة.
تركيا
سوريا على حافة صدام تركي–إسرائيلي.. قصف أبو الظهور يكشف انتقال التنافس إلى مواجهة عسكرية محتملة
دخل التنافس التركي–الإسرائيلي في سوريا مرحلة أكثر خطورة، بعدما انتقلت الخلافات من تبادل التحذيرات السياسية والضربات الوقائية إلى احتكاك عسكري باتت واشنطن تخشى أن يتحول إلى مواجهة مباشرة بين دولتين تمتلكان قدرات عسكرية كبيرة، وترتبطان بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة . وجاء التصعيد بعد الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري شمال غربي سوريا، بالتزامن مع تشديد تل أبيب خطابها بشأن ما تعتبره خطوطًا حمراء أمام أي انتشار عسكري تركي جديد داخل الأراضي السورية.
وبحسب مسؤولين سوريين، تعرض مطار أبو الظهور في 18 أغسطس/آب لغارات إسرائيلية بعد ساعات من زيارة وفد تركي للقاعدة. وأصابت الضربات المدرج والمنشآت العسكرية من دون الإعلان عن سقوط قتلى. وأقرت إسرائيل بأن هدف العملية كان منع ما وصفته باقتراب نشر قوات تركية في الموقع، معتبرة أن وجودًا عسكريًا تركيًا هناك سيغير الوضع الأمني القائم في سوريا.
وتكتسب أبو الظهور أهمية تتجاوز القاعدة نفسها؛ فهي تقع في شمال غربي سوريا، بالقرب من مناطق النفوذ التركي، ويمكن لإعادة تشغيلها أن تمنح دمشق وأنقرة بنية جوية وعسكرية إضافية داخل عمق الأراضي السورية. ومن المنظور الإسرائيلي، فإن المشكلة ليست في وجود الجيش التركي شمال سوريا فحسب، وإنما في انتقاله إلى قواعد أعمق يمكن أن تؤثر في حرية حركة الطيران الإسرائيلي. ولهذا اعتُبرت الغارة رسالة إلى دمشق وأنقرة معًا بأن إسرائيل تريد الاحتفاظ بحق الاعتراض بالقوة على شكل إعادة بناء الجيش السوري وترتيباته العسكرية مع تركيا.
نتنياهو يضع الوجود التركي ضمن «الخطوط الحمراء»
وزاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من حدة الرسالة، مؤكدًا أن إسرائيل سبق أن أوضحت رفضها وجودًا عسكريًا تركيًا في سوريا، وأن الضربة الأخيرة جاءت، وفق منطقه، لضمان وصول هذا التحذير بصورة واضحة.
وتشير هذه اللهجة إلى تغير في طبيعة النظرة الإسرائيلية إلى الدور التركي، وكذلك تشير إلى الجرأة في التعبير عن رفض هذا الدور؛ فأنقرة لم تعد تُعامل فقط باعتبارها دولة داعمة للحكومة السورية الجديدة، بل أصبحت إسرائيل تنظر إلى تمددها العسكري المحتمل بوصفه عاملًا قادرًا على تقييد التفوق الجوي الإسرائيلي وإعادة بناء قدرة عسكرية سورية تحت مظلة دولة عضو في حلف الناتو.
وتقول دراسات إسرائيلية حديثة إن المخاوف الرئيسية من تركيا تتركز تحديدًا في احتمال توسع وجودها العسكري من شمال سوريا إلى وسطها وجنوبها، وإن إنشاء قواعد تركية جديدة يمكن أن يقلل قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على العمل بحرية في المجال السوري.
زامير في الجنوب: إسرائيل تكرس «المنطقة الأمنية»
وفي موازاة التصعيد شمالًا، أعلن الجيش الإسرائيلي أن رئيس الأركان إيال زامير أجرى في 19 أغسطس/آب جولة ميدانية مع قادة عسكريين في جنوب سوريا، أكد خلالها أن إسرائيل لن تسمح بتمركز قوات تعتبرها معادية قرب حدودها، وأن الجيش أنشأ ما وصفه بـ«منطقة أمنية وحزام فاصل» بهدف منع ظهور تهديدات عسكرية أو مسلحة.
وتنسجم هذه التصريحات مع استراتيجية اتبعتها إسرائيل منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، عندما دخلت قواتها المنطقة العازلة التي أنشئت بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ثم وسعت وجودها إلى مواقع داخل الأراضي السورية. وكانت حكومة نتنياهو قد أعلنت سابقًا أن القوات الإسرائيلية ستبقى في هذه المناطق إلى حين ظهور ترتيبات أمنية تعتبرها مناسبة، فيما اعتبرت دمشق والأمم المتحدة هذا الانتشار انتهاكًا للسيادة السورية وللاتفاق القائم.
وبذلك تتشكل عمليًا معادلتان إسرائيليتان في سوريا: الأولى جنوبًا، حيث تريد تل أبيب منطقة أمنية خالية من القوات التي تعتبرها تهديدًا؛ والثانية في الوسط والشمال، حيث تحاول منع تركيا من بناء وجود عسكري قادر على تغيير ميزان القوى أو تقييد نشاط الطيران الإسرائيلي.
واشنطن تحاول منع الانفجار
توضح خطورة الوضع تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك. فقد قال إن الولايات المتحدة تعمل على إنشاء آلية أكثر وضوحًا لفض الاشتباك وتبادل المعلومات بين تركيا وإسرائيل وسوريا عقب قصف أبو الظهور، مشيرًا إلى أن غياب قناة اتصال فعالة يمكن أن يقود إلى سوء تقدير عسكري خطير. ووفق رويترز، فوجئت أنقرة بالضربة وكان احتمال الرد العسكري التركي قائمًا، قبل احتواء الموقف.
ونقلت القناة 15 الإسرائيلية عن براك توصيفًا أكثر حدة، مفاده أن تركيا وإسرائيل كانتا على بعد خطوة من مواجهة عسكرية مباشرة عقب القصف، (لكني لم أجد حتى الآن نصًا أمريكيًا رسميًا منشورًا يتضمن هذه العبارة حرفيًا)، لكن جوهر التحذير تؤكده تصريحات براك لرويترز بشأن ضرورة إنشاء آلية منع اشتباك لتجنب حادث قد يدفع الطرفين إلى الرد المتبادل.
كما أثارت العملية انزعاجًا داخل الإدارة الأمريكية؛ إذ نقلت تقارير أن واشنطن اعتبرت الضربة تصعيدًا غير ضروري، رغم أن إسرائيل أبلغتها مسبقًا بالعملية. وتسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على استقرار الحكومة السورية الجديدة وفي الوقت نفسه منع تحول التنافس بين اثنين من شركائها الإقليميين، إسرائيل وتركيا، إلى حرب مفتوحة.
الصراع الحقيقي: من يحدد شكل سوريا الجديدة؟
وراء المواجهة العسكرية المحتملة خلاف أعمق على شكل الدولة السورية بعد الأسد.
تركيا تريد دولة سورية موحدة وقادرة على إعادة بناء جيشها ومؤسساتها الأمنية، وترى في حكومة أحمد الشرع شريكًا يمكن من خلاله تثبيت الاستقرار ومنع قيام كيانات مسلحة أو انفصالية على حدودها. وكانت أنقرة ودمشق قد أبرمتا في 2025 مذكرة للتدريب والاستشارات العسكرية، مع استمرار التعاون التركي في تدريب الجيش السوري وتزويده بالمعدات.
أما إسرائيل فتتعامل مع إعادة بناء القدرات العسكرية السورية بدرجة أكبر من الحذر، وتريد ضمان عدم ظهور قوة عسكرية كبيرة قرب حدودها أو منظومات دفاع جوي قد تحد من تفوقها. ومنذ سقوط الأسد، استهدفت إسرائيل منشآت وقواعد ومخازن عسكرية سورية على نطاق واسع، وبررت ذلك بمنع ظهور تهديدات مستقبلية.
ولهذا فإن الخلاف لا يتعلق بمطار أبو الظهور وحده. السؤال الأوسع هو: هل ستكون سوريا دولة قادرة على إعادة بناء جيش مركزي بدعم تركي، أم ستبقى محكومة بقيود أمنية تفرضها إسرائيل عسكريًا على نوع القوات والأسلحة والقواعد التي يمكن أن توجد داخل أراضيها؟
نقطة الاحتكاك الأخطر
حتى الآن، لا يبدو أن أنقرة أو تل أبيب تريدان حربًا مباشرة. فتركيا عضو في الناتو وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، فيما تملك إسرائيل تفوقًا جويًا واستخباراتيًا واسعًا ودعمًا عسكريًا أمريكيًا. ولذلك ستكون تكلفة المواجهة المباشرة مرتفعة على الطرفين وعلى واشنطن.
لكن المشكلة أن هامش الاحتكاك أصبح أضيق.
فإذا أرسلت تركيا قوات أو أنظمة دفاع جوي إلى قاعدة تعتبرها إسرائيل خطًا أحمر، ثم استهدفت إسرائيل القاعدة في وجود عسكريين أتراك، فقد تجد أنقرة نفسها أمام ضغط يدفعها للرد. وعندها يمكن لضربة إسرائيلية محدودة أن تؤدي إلى رد تركي، ثم ضربة إسرائيلية مضادة، وهو السيناريو الذي تحاول واشنطن منع حدوثه عبر آلية فض الاشتباك.
ويكشف قصف أبو الظهور، بالتزامن مع جولة زامير في جنوب سوريا، عن انتقال إسرائيل من سياسة التعامل مع التهديدات القائمة إلى سياسة منع تشكل ميزان قوة جديد قبل ظهوره. وهذه العقيدة تمنح تل أبيب هامشًا واسعًا للضرب الاستباقي، لكنها تزيد في الوقت نفسه احتمال الاصطدام بقوة إقليمية لا تشبه الفصائل المسلحة أو القوات السورية الضعيفة التي اعتادت إسرائيل مواجهتها. يمكن الرجوع إلى الدراسة التي نشرناها في المعهد المصري بعنوان: من التنافس إلى الاحتكاك: تركيا وإسرائيل في بيئة أمنية متغيرة بين سوريا وشرق المتوسط والتي ناقشنا فيها التحول الذي طرأ على العلاقة التركية–الإسرائيلية في أعقاب عدد من المتغيرات الرئيسية التي حدثت على مدار الأعوام الثلاثة الماضية؛ مثل حرب غزة التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسقوط نظام بشار الأسد، والحرب الإسرائيلية–الإيرانية، وما رافق هذه التطورات من إعادة تشكيل لموازين القوة والنفوذ في سوريا وشرق المتوسط. وانطلقت الدراسة من أن التوتر بين أنقرة وتل أبيب لم يعد مجرد خلاف سياسي أو دبلوماسي مرتبط بغزة أو بالخطاب المتبادل، بل تحول تدريجيًا ليكون تنافسًا استراتيجيًا بنيويًا متعدد الساحات، يتعلق بشكل النظام الإقليمي المقبل، وحدود النفوذ، وترتيبات الأمن والطاقة والممرات البحرية والبرية.
والنتيجة أن سوريا أصبحت اليوم واحدة من أكثر ساحات التماس حساسية بين أنقرة وتل أبيب: إسرائيل تريد منطقة منزوعة التهديد ونطاقًا واسعًا لحرية العمل العسكري، بينما تريد تركيا دولة سورية قادرة على استعادة سيادتها وبناء جيشها بدعم تركي. وبين المشروعين، لم يعد خطر المواجهة المباشرة احتمالًا نظريًا بعيدًا، بل سيناريو أصبح يحتاج إلى تدخل أمريكي دائم لمنع وقوعه. (انظر أيضًا)
«تركيا بلا إرهاب» يتحول إلى قانون.. أغلبية برلمانية واسعة تفتح المرحلة القانونية من تسوية ملف PKK
انتقل مسار «تركيا بلا إرهاب» من مرحلة الاتصالات السياسية وإعلانات نزع السلاح إلى إطار قانوني ملزم، بعد إقرار البرلمان التركي قانون «تعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي» بأغلبية واسعة بلغت 467 صوتًا مقابل 87 معارضًا و7 أصوات ممتنعة، في واحدة من أوسع عمليات التصويت البرلماني التي شهدها الملف الكردي والأمني في تركيا خلال العقود الأخيرة. وبعد مراجعة بطاقات الاقتراع وإلغاء أصوات مكررة، استقر الرقم النهائي على 467 مؤيدًا، فيما غاب 31 نائبًا عن التصويت.
ولا تكمن أهمية القانون في حجم الأغلبية فقط، وإنما في أنه يوفر للمرة الأولى المسار القانوني الذي يفترض أن يحكم مرحلة ما بعد حل PKK وتسليم السلاح، بما يشمل مصير التحقيقات والمحاكمات والعقوبات، والآليات التي ستراقب التنفيذ. وهو ما ينقل العملية من تفاهم سياسي قابل للتراجع إلى بنية قانونية تحدد شروط الانتقال من الصراع المسلح إلى مرحلة نزع السلاح وإعادة الإدماج.
أغلبية تتجاوز التحالف الحاكم
أظهرت خريطة التصويت أن تمرير القانون لم يعتمد على تحالف العدالة والتنمية والحركة القومية وحده. فقد صوّت 268 نائبًا من حزب العدالة والتنمية و44 من الحركة القومية لمصلحة القانون، لكن الأغلبية توسعت بإضافة 55 نائبًا من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب الكردي) DEM)، و29 من حزب الشعب الجمهوري، و35 من «الحزب الجديد» (Yeni Parti)، إلى جانب نواب من أحزاب أصغر ومستقلين.
ويمنح ذلك القانون دلالة سياسية تتجاوز الحساب العددي. فالمشروع الذي بدأ أساسًا بتقارب بين الرئيس رجب طيب أردوغان وزعيم الحركة القومية دولت بهتشلي، وبمشاركة مباشرة من حزب DEM، تحول عند التصويت إلى مظلة برلمانية أوسع شملت أجزاء مهمة من المعارضة.
لكن هذا التوافق لم يكن كاملًا.
فقد شهد الحزب الجديد أكبر انقسام داخلي، إذ صوّت 35 نائبًا مع القانون مقابل 54 ضده، بعدما تركت القيادة لأعضاء الكتلة حرية التصويت بحسب قناعاتهم ومواقف دوائرهم الانتخابية. أما حزب “الجيد” (İYİ)، الذي اتخذ منذ البداية موقفًا معارضًا للمسار، فقد صوّت نوابه الـ29 جميعًا ضد القانون. وفي حزب الشعب الجمهوري جاءت النتيجة 29 مؤيدًا مقابل معارضين اثنين، مع غياب 14 نائبًا.
وتكشف هذه الخريطة أن الانقسام السياسي حول الموضوع لم يعد يدور ببساطة بين الحكومة والمعارضة، بل بات يمر داخل المعارضة نفسها وبين التيارات القومية والمؤيدة لمسار التسوية.
ماذا يحقق القانون فعليًا؟
العنصر الأهم في القانون هو أنه لا يمنح عفوًا فوريًا أو تلقائيًا.
فبدء تطبيقه مرتبط أولًا بتحقق الأجهزة الأمنية من أن PKK/KCK والتنظيمات المرتبطة به أنهت وجودها الفعلي وسلمت الأسلحة والذخائر الموجودة تحت سيطرتها. وبعد ذلك يجب أن يؤكد مجلس الأمن القومي التركي هذا التحقق بقرار يُنشر في الجريدة الرسمية. فقط عند تحقق هذه المرحلة تبدأ الآليات القضائية المنصوص عليها في القانون.
وهذه الصيغة شديدة الأهمية سياسيًا، لأنها تجعل نزع السلاح يسبق الامتيازات القانونية وليس العكس.
بعد استيفاء هذا الشرط، يسمح القانون بتأجيل التحقيقات والمحاكمات في مجموعة واسعة من الجرائم المرتبطة بالتنظيم. فالقضايا التي تصل عقوبتها القصوى إلى 15 عامًا يمكن تعليقها لمدة خمس سنوات، بينما تؤجل القضايا الأشد لمدة عشر سنوات. ويطبق منطق مشابه على تنفيذ أحكام السجن الموجودة بالفعل.
لكن القانون يضع استثناءات مهمة، أبرزها جرائم القتل العمد المرتكبة في إطار نشاط التنظيم، وبعض الأحكام بالسجن المؤبد أو المؤبد المشدد المرتبطة بجرائم تعود إلى ما قبل يونيو/حزيران 2005.
كما أن الاستفادة من القانون ليست غير مشروطة؛ فإذا ارتكب الشخص المستفيد جريمة إرهابية جديدة خلال فترة التأجيل، يلغى القرار وتستأنف الإجراءات أو تنفيذ العقوبة. أما إذا مرت الفترة المحددة من دون ارتكاب جريمة جديدة، فيمكن اعتبار العقوبة منفذة وفق الآلية التي يحددها القانون.
منطق «نزع السلاح مقابل الانتقال القانوني»
بهذا التصميم، يحاول القانون معالجة واحدة من أصعب قضايا أي عملية لإنهاء تمرد مسلح: ماذا يحدث لآلاف الأشخاص المرتبطين بالتنظيم بعد تسليم السلاح؟
فإنهاء التنظيم عسكريًا لا يحل تلقائيًا مشكلة المقاتلين والملاحقات القضائية والأشخاص المطلوبين أو الموجودين في السجون. وفي المقابل، فإن إصدار عفو شامل قبل التحقق من إنهاء النشاط المسلح كان سيواجه اعتراضًا كبيرًا داخل المجتمع التركي والتيار القومي.
لذلك اختير نموذج وسط يقوم على تعليق العقوبة بدل إلغائها مباشرة، وربط استمرار الاستفادة بعدم العودة إلى النشاط المسلح.
وهذه الصيغة تسمح للحكومة بتقديم القانون للتيار القومي على أنه ليس عفوًا غير مشروط، بينما تمنح الطرف الكردي في المقابل مسارًا قانونيًا يمكن من خلاله الانتقال من العمل المسلح إلى الحياة المدنية.
بهتشلي يتحول من رمز للتيار القومي إلى أحد مهندسي العملية
أحد أكثر عناصر المسار لفتًا للانتباه هو الدور الذي يؤديه زعيم الحركة القومية دولت بهتشلي، الذي كان حزبه تاريخيًا من أكثر القوى تشددًا تجاه PKK.
وبعد إقرار القانون، اعتبر بهتشلي أن التشريع يجمع بين قوة الدولة ومشروع «تركيا بلا إرهاب»، وقدم إنهاء الإرهاب باعتباره مسألة تتجاوز تصفية العناصر المسلحة إلى معالجة الظروف السياسية والاجتماعية والجيوسياسية التي تسمح بإعادة إنتاج الصراع.
وهذا الدور مهم لأن وجود الحركة القومية داخل العملية يوفر لأردوغان غطاءً سياسيًا من الجبهة التي كان يمكن أن تكون الأكثر قدرة على مهاجمة أي تسوية باعتبارها تنازلًا أمام PKK.
وبمعنى آخر، فإن دخول بهتشلي في قلب العملية يقلل قدرة المعارضة القومية على احتكار خطاب رفض التسوية.
حزب الشعب الجمهوري يدعم بشروط
موقف حزب الشعب الجمهوري يعكس بدوره محاولة الحفاظ على توازن دقيق. فقد دعم معظم نوابه القانون، بينما ربطت قيادة الحزب نجاح العملية بنزع سلاح يمكن التحقق منه، وبقاء الدولة موحدة، وخضوع التسوية للبرلمان والقانون، وإجراء إصلاحات ديمقراطية في مرحلة لاحقة.
وبذلك يحاول الحزب تجنب الظهور كقوة تعرقل إنهاء الصراع الكردي، وفي الوقت نفسه عدم ترك الملف بالكامل لإدارة أردوغان وبهتشلي.
أما حزب DEM الكردي، فينظر إلى القانون باعتباره بداية وليس نهاية للعملية، وقد طالب قبل التصويت بأن يكون الإطار القانوني شاملًا وأن يقترن بمسار أوسع للديمقراطية والتسوية السياسية للقضية الكردية.
الدولة تحتفظ بمفتاح التنفيذ
ورغم الاتساع البرلماني للعملية، يحتفظ الجهاز التنفيذي والأمني بدور حاسم في تحديد موعد الانتقال إلى المرحلة التالية.
فالقانون ينص على تشكيل هيئة برئاسة نائب الرئيس وتضم وزراء العدل والخارجية والداخلية والدفاع، إلى جانب رئيس جهاز الاستخبارات والأمين العام لمجلس الأمن القومي ومسؤولين آخرين، لمتابعة تنفيذ العملية. كما سيشكل البرلمان لجنة مراقبة تتلقى المعلومات وتقدم التوصيات.
وبالتالي لا يعني إقرار القانون أن عملية الإفراج أو تعليق المحاكمات تبدأ فورًا؛ إذ تبقى اللحظة الحاسمة هي إعلان الدولة رسميًا أن التنظيم أنهى وجوده المسلح وسلم أسلحته.
وهنا سيظهر الاختبار الحقيقي: ما المعيار الذي ستستخدمه أنقرة لتحديد اكتمال نزع السلاح؟ وهل سيشمل القرار البنية التنظيمية المرتبطة بـPKK خارج الأراضي التركية، خصوصًا في العراق وسوريا، أم سيجري الفصل بين الساحات المختلفة؟
مرحلة جديدة في القضية الكردية
من الناحية السياسية، يمثل التصويت تحولًا مهمًا في طريقة إدارة الدولة التركية للملف.
فبعد عقود كانت فيها القضية تُدار أساسًا من خلال الأدوات العسكرية والأمنية، أصبح البرلمان الآن طرفًا مباشرًا في صياغة آلية قانونية لما بعد السلاح. وهذه النقلة لا تعني أن القضية الكردية حُلّت أو أن الخلافات السياسية اختفت، لكنها تشير إلى أن مركز الثقل بدأ يتحول من سؤال «كيف تُهزم PKK؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف تُدار مرحلة ما بعد PKK؟
وسيكون نجاح القانون مرهونًا بثلاثة اختبارات مترابطة: نجاح نزع السلاح بصورة يمكن التحقق منها، قدرة الدولة على إعادة دمج المستفيدين من القانون من دون إثارة شعور واسع بالإفلات من العقاب، ثم الانتقال من التسوية الأمنية إلى معالجة الجوانب السياسية والاجتماعية للقضية الكردية.
ولهذا فإن أهمية تصويت 467 نائبًا لا تكمن فقط في أنه أعطى الحكومة أغلبية ضخمة، بل في أنه حوّل «تركيا بلا إرهاب» من مشروع سياسي إلى مسار قانوني تتحمل قوى متعددة داخل البرلمان مسؤولية نجاحه أو فشله.
تركيا تفتح ملف «السليمانيين» ماليًا.. توقيف علي هان كوريش وتحقيق واسع في شبكة شركات وتحويلات خارجية
فتحت السلطات التركية واحدًا من أكثر الملفات حساسية المتصلة بالجماعات الدينية النافذة، بعدما شنت في 13 أغسطس/آب عملية أمنية متزامنة في 17 ولاية استهدفت شبكة مرتبطة بـعلي هان كوريش، زعيم الجماعة المعروفة في تركيا باسم «السليمانيين». ولم تقتصر العملية على توقيف قيادات في الجماعة، بل امتدت إلى عشرات الشركات والعقارات والحسابات المالية، في تحقيق تقوده النيابة العامة في أنقرة وتستند فيه إلى تقرير أعدته هيئة التحقيق في الجرائم المالية «MASAK».
وبخلاف الأرقام المتداولة في الساعات الأولى، فإن 49 مشتبهًا صدر بحقهم قرار توقيف، وليس 49 شخصًا جرى القبض عليهم فورًا. ارتفع عدد الموقوفين تدريجيًا خلال الأيام التالية إلى 38 شخصًا، قبل أن تقرر المحكمة في 16 أغسطس/آب حبس 32 مشتبهًا، بينهم كوريش، على ذمة التحقيق، فيما أخضعت ستة آخرين لتدابير رقابة قضائية تضمنت الإقامة الجبرية.
المال في قلب التحقيق
اللافت أن القضية، وفق البيانات الرسمية، لا تُبنى على النشاط الديني للجماعة، وإنما على شبكة مالية وتجارية تقول النيابة إنها تحمل مؤشرات على عمل منظم يتجاوز الأنشطة المعتادة للشركات المرتبطة بكوريش.
وتشمل الاتهامات التي يجري التحقيق فيها تأسيس وإدارة منظمة إجرامية، والعضوية فيها، وغسل أموال متحصلة من جرائم، والاحتيال بما يلحق الضرر بالمؤسسات العامة، ومخالفة قانون الإجراءات الضريبية. وقالت النيابة إن تقرير MASAK رصد تغيرًا كبيرًا في حركة عدد من الشركات بعد عام 2020، مع عمليات تقسيم ونقل ملكية وتأسيس شركات جديدة برؤوس أموال مرتفعة، بعضها يعمل في ولايات أو قطاعات مختلفة عن الشركات التي انبثقت منها.
كما رصد التحقيق تعاملات بيع وشراء بمبالغ مرتفعة بين شركات وكيانات قانونية متعددة، اعتبرها التقرير مثيرة للاشتباه من زاوية إصدار فواتير غير حقيقية، إلى جانب تحويلات بالعملات الأجنبية من شركات خارج تركيا لا تتوافق، بحسب التحقيق، مع السجلات التجارية الخاصة بعمليات البيع والشراء، فضلًا عن حصول بعض الشركات على مبالغ كبيرة في صورة استردادات ضريبية.
وفي هذا السياق ظهر رقم 100 مليار ليرة الذي تصدر التغطية الإعلامية للعملية. فقد ذكرت وسائل إعلام تركية، استنادًا إلى معلومات مرتبطة بالتحقيق، أن الحركة المالية محل الفحص تجاوزت هذا الرقم، وأن جزءًا منها يرتبط بتحويل أموال إلى الخارج. إلا أن البيان المنشور عن النيابة عبر وكالة الأناضول لم يورد رقم 100 مليار ليرة بهذه الصيغة، واكتفى بتفصيل الأنماط المالية المشبوهة والتحويلات الخارجية. ولذلك يبقى الأدق التعامل مع الرقم باعتباره جزءًا من معطيات التحقيق التي أوردتها وسائل إعلام، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا بأن 100 مليار ليرة جرى تهريبها بالفعل.
وشملت إجراءات التفتيش والحجز عشرات المواقع؛ إذ جرت عمليات في 43 عنوانًا مرتبطًا بالمشتبه بهم، إلى جانب نحو 80 عنوانًا تابعًا لـ33 شركة، أي أكثر من 120 موقعًا في أنحاء البلاد.
من جماعة دينية إلى شبكة اقتصادية واسعة
تعود جذور «السليمانيين» إلى رجل الدين التركي سليمان حلمي توناهان، الذي أسس منذ النصف الأول من القرن العشرين حلقات لتعليم القرآن، قبل أن تتوسع الشبكة خلال العقود التالية في الدورات الدينية ومساكن الطلاب والجمعيات التعليمية. وبعد وفاة توناهان عام 1959، انتقلت القيادة داخل دائرة ضيقة من عائلته والمقربين منه، فيما توسعت الجماعة لاحقًا داخل تركيا وخارجها، ولا سيما في أوروبا.
ومع مرور الوقت، لم تعد أنشطة الشبكة مقتصرة على التعليم والسكن الطلابي. وتشير تقارير صحفية تركية إلى وجود شركات وأنشطة مرتبطة بها في قطاعات العقارات والبناء والغذاء والصحة والسياحة والمنسوجات، وهو التوسع الذي جعل بنيتها المالية أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا للرأي العام.
وتولى علي هان كوريش قيادة الجماعة بعد وفاة زعيمها السابق عارف أحمد دنيز أولغون في سبتمبر/أيلول 2016. ومنذ تلك اللحظة دخلت الجماعة مرحلة من الانقسام الداخلي، بعدما رفض جناح من عائلة دنيز أولغون قيادة كوريش ووجه إليه على مدى سنوات اتهامات بإبعاد الجماعة عن مسارها الديني وتحويلها إلى بنية تجارية شديدة المركزية. وتبقى هذه الاتهامات جزءًا من الصراع الداخلي وليست في ذاتها إثباتًا للاتهامات الجنائية الحالية، لكنها تقدم خلفية مهمة لفهم التوتر الذي سبق العملية الأمنية بسنوات.
كولونيا تدخل ملف التحقيق
أحد أكثر جوانب القضية إثارة للاهتمام يتعلق بالامتداد الخارجي للجماعة.
فوزير الداخلية التركي مصطفى تشفتشي قال إن السلطات كانت تتابع منذ فترة طويلة الجوانب المالية والخارجية للشبكة، وإن كوريش تولى قيادتها منذ 2016، قبل أن تصبح أنشطتها، وفق تقييم السلطات، أكثر سرية. وأضاف أن الجماعة تعمل على إنشاء مقر كبير في مدينة كولونيا الألمانية بتكلفة تقدر بنحو 70 مليون دولار، وأن السلطات التركية تعتقد أن هناك خطة لنقل جزء كبير من إدارة الأنشطة إلى هذا المركز بعد اكتماله. وهذه المعلومات تمثل تقييمًا رسميًا تركيًا في إطار التحقيق الجاري ولم يصدر بشأنها بعد حكم قضائي.
والامتداد الألماني للسليمانيين ليس جديدًا في حد ذاته. فالجماعة موجودة في ألمانيا منذ عقود من خلال مؤسسات ومراكز ثقافية ودينية، ويعود تأسيس أحد هياكلها الرئيسية في كولونيا إلى السبعينيات، قبل أن تتوسع أنشطتها لاحقًا في بلدان أوروبية أخرى.
إلا أن إدخال مشروع كولونيا في التحقيق المالي الحالي يضيف بعدًا آخر إلى القضية، لأنه يربط التدقيق في حركة الأموال داخل تركيا بالبحث في البنية الخارجية للجماعة ومصادر تمويلها وطبيعة العلاقة بين الشركات والمؤسسات الموجودة داخل البلاد وخارجها.
السلطات تفصل بين «الجماعة» و«القضية الجنائية»
الحكومة التركية حرصت منذ البداية على تقديم العملية باعتبارها تحقيقًا في جرائم مالية وتنظيمية محتملة، وليس حملة ضد معتقد ديني أو جماعة دينية بوصفها كذلك.
وقال وزير العدل إن التحقيق «ليس موجهًا إلى رؤية دينية أو جماعة دينية أو منظمة مجتمع مدني»، وإنما إلى بنية مالية ظل ملفها قيد المتابعة لفترة طويلة. وبالمثل، ركز بيان النيابة على أشخاص وشركات ومعاملات محددة بدل إعلان «السليمانيين» بأكملهم منظمة إجرامية.
وهذا التمييز مهم قانونيًا وسياسيًا. فالسليمانيون يمثلون شبكة اجتماعية ودينية واسعة لا يمكن مساواتها تلقائيًا بمجموعة الأشخاص والشركات التي يشملها التحقيق. الاتهام الحالي يتعلق، وفق صياغة النيابة، بما تسميه «منظمة علي هان كوريش الإجرامية الهادفة إلى تحقيق منفعة»، بينما لا يزال إثبات وجود هذه المنظمة وطبيعة الجرائم المنسوبة إليها من اختصاص القضاء.
قضية مالية تحمل أبعادًا أبعد من المال
مع ذلك، يصعب فصل العملية تمامًا عن موقع الجماعات الدينية داخل المجتمع والسياسة في تركيا.
فالسليمانيون ليسوا تنظيمًا حديثًا أو محدود الحضور؛ إنهم واحدة من أقدم الشبكات الدينية المنظمة في الجمهورية التركية، وتمتلك الجماعة قاعدة واسعة من المؤسسات التعليمية والسكنية وروابط ممتدة خارج البلاد. ولذلك فإن وصول تحقيق مالي إلى أعلى مستوى في قيادتها، ثم حبس كوريش وعشرات المقربين منه، يفتح مرحلة مختلفة في علاقتها بالدولة.
كما أن التحقيق يسلط الضوء على ظاهرة أوسع شهدتها بعض الجماعات الدينية التركية خلال العقود الماضية: الانتقال من شبكات اجتماعية وتعليمية تعتمد على التبرعات إلى هياكل تمتلك شركات وعقارات وتدفقات مالية كبيرة. وعند هذه النقطة تصبح الحدود بين المؤسسة الدينية والشبكة التجارية أكثر تعقيدًا، وتتحول مسألة الرقابة المالية والضرائب والملكية إلى جزء أساسي من علاقة تلك الجماعات بالدولة.
لكن حجم القضية لن يتضح فعليًا إلا مع انتقال الملف من مرحلة تقارير MASAK والتحقيقات الأمنية إلى لوائح اتهام أكثر تفصيلًا. فالأسئلة المركزية ما تزال تتعلق بمصدر الأموال التي رصدتها السلطات، وحجم ما خرج منها إلى الخارج، والعلاقة القانونية بين الشركات، وما إذا كانت العمليات التجارية والضريبية التي أثارت الشبهات تشكل جرائم منظمة بالفعل أم ستقدم لها تفسيرات أخرى أمام القضاء.
ما هو محسوم حتى الآن أن العملية لم تعد مجرد «توقيف شيخ طريقة وقيادات» كما ظهرت في الأخبار الأولى. فقد تحولت إلى واحدة من أكبر قضايا التدقيق المالي التي تطال قيادة جماعة دينية في تركيا خلال السنوات الأخيرة: 49 مشتبهًا شملتهم أوامر التوقيف، عشرات الشركات والمواقع خضعت للتفتيش، وعلي هان كوريش و31 شخصًا آخر باتوا في الحبس الاحتياطي، بينما يتجه التحقيق إلى تفكيك شبكة الأموال والشركات والامتداد الخارجي التي بنتها القيادة الحالية منذ 2016.
إيران
إيران تعيد هندسة هرم القيادة.. الحرس الثوري يقترب من مركز القرار العسكري والسياسي
تتجه إيران إلى إعادة بناء منظومة القيادة العسكرية والأمنية على أسس مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقة بين المؤسسات طوال العقد الماضي، في تحول لا يقتصر على تعويض القادة الذين فقدتهم خلال الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل يبدو أقرب إلى إعادة توزيع للسلطة داخل الجمهورية الإسلامية نفسها. فقد أصدر المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ستة مراسيم عسكرية دفعة واحدة، بالتوازي مع تغييرات في المجلس الأعلى للأمن القومي، أعادت شخصيات مخضرمة من الحرس الثوري إلى أهم مراكز التخطيط والقيادة والأمن الداخلي.
والعنصر الأكثر دلالة في التغييرات ليس أسماء القادة وحدها، وإنما تكليف رئيس هيئة الأركان الجديد علي عبد اللهي باستكمال دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة مع مقر خاتم الأنبياء المركزي، وهو أعلى مركز لقيادة العمليات المشتركة أثناء الحرب. وإذا اكتمل الدمج، فإن إيران ستكون قد قلصت المسافة المؤسسية بين الجهة التي تضع الاستراتيجية العسكرية والجهة التي تدير الحرب فعليًا، في خطوة قد تؤدي إلى مركزية أكبر للقرار العسكري وتسريع الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.
من التخطيط للحرب إلى قيادتها داخل مؤسسة واحدة
كانت هيئة الأركان العامة تضطلع بتحديد السياسات العسكرية والاستراتيجية وإعداد القوات والتنسيق بين الجيش النظامي والحرس الثوري، بينما يتولى مقر خاتم الأنبياء إدارة العمليات المشتركة زمن الحرب. وكان الهيكلان يعملان سابقًا في إطار واحد قبل أن يفصلهما المرشد الراحل علي خامنئي عام 2016. أما التوجيه الجديد فيعيد المسار في الاتجاه المعاكس، عبر وضع التخطيط الاستراتيجي والعمليات تحت بنية أكثر تكاملًا.
اختيار علي عبد اللهي لهذه المهمة ليس عرضيًا. فقد تولى قيادة مقر خاتم الأنبياء رسميًا في سبتمبر/أيلول 2025، بعد مقتل عدد من القادة السابقين، وظل خلال الحرب مسؤولًا عن أعلى غرفة عمليات مشتركة للقوات الإيرانية. وفي مايو/أيار الماضي، ذكرت رويترز أنه اجتمع بالمرشد الجديد وتلقى منه «توجيهات جديدة» لإدارة العمليات العسكرية ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبذلك ينتقل عبد اللهي الآن من قيادة مركز العمليات إلى رئاسة هيئة الأركان نفسها، ما يجعله الشخص الأكثر قدرة مؤسسيًا على تنفيذ الدمج؛ فهو يعرف الجانبين ويأتي أصلًا من البيئة القيادية للحرس الثوري.
ومن الناحية العسكرية، يمكن لهذا النموذج أن يقلص دورة اتخاذ القرار أثناء الحرب: بدل انتقال التقديرات من القيادة العملياتية إلى هيئة الأركان ثم العودة في صورة أوامر، يصبح التخطيط والتنفيذ أكثر تقاربًا. لكن التداعيات السياسية أكبر، لأن الشخص الذي يقود هذا الدمج ليس ضابطًا من الجيش النظامي، بل قائدًا مخضرمًا في منظومة الحرس.
ستة تعيينات.. وخيط واحد يجمع معظمها
شملت مراسيم مجتبى خامنئي تعيين علي عبد اللهي رئيسًا لهيئة الأركان، وكيومرث حيدري نائبًا له، وأحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس الثوري، ومصطفى إيزدي نائبًا لقائد الحرس، وعلي عظمائي قائدًا لبحرية الحرس، وحسين طائب رئيسًا لمنظمة الباسيج.
وتكشف تركيبة التعيينات عن ميل واضح نحو القيادات ذات الخلفية في الحرس الثوري. إلا أن كيومرث حيدري، القائد السابق للقوة البرية في الجيش النظامي، يبرز باعتباره الشخصية القادمة من «أرتش» في المستوى الأعلى الجديد، لكنه يشغل موقع نائب رئيس الأركان وليس رأس المؤسسة. في المقابل، تنتشر شخصيات الحرس في قيادة هيئة الأركان والحرس وقواته البحرية والباسيج.
ولا يعني ذلك اختفاء الجيش النظامي أو انتقال جميع القوات رسميًا إلى قيادة الحرس، لكنه يشير إلى ترسيخ التفوق السياسي والمؤسسي للحرس داخل النظام العسكري الموحد. وذهبت صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن التغييرات تعزز فعليًا نفوذ الحرس فوق الجيش النظامي، فيما اعتبرت لوموند أن إعادة الهيكلة تهدف إلى إعداد المؤسسة الأمنية والعسكرية لمواجهة طويلة الأمد بدل العودة إلى نمط ما قبل الحرب.
أحمد وحيدي وعودة «العقيدة الهجومية»
يحمل تثبيت أحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس دلالة إضافية. فوحيدي كان يقود الحرس فعليًا منذ مقتل سلفه محمد باكبور، قبل أن يُثبّت رسميًا في المنصب ويُرقى إلى رتبة لواء. وهو أحد أقدم قادة المؤسسة، وتولى سابقًا قيادة فيلق القدس ووزارتي الدفاع والداخلية ومناصب عليا في هيئة الأركان.
ووفق وول ستريت جورنال، جاء التكليف الجديد مقرونًا بالتشديد على تنفيذ «عمليات هجومية قوية»، بينما تحدث مسؤولون عسكريون إيرانيون في الأيام التالية عن الانتقال إلى وضع هجومي إذا فشل المسار الدبلوماسي مع واشنطن. وهذا يجعل التغييرات جزءًا من محاولة إعادة بناء القدرة على الردع من خلال القدرة على المبادرة بالهجوم، وليس مجرد إعادة ملء المناصب الشاغرة.
وتزداد أهمية هذا الاتجاه مع تعيين مصطفى إيزدي نائبًا لوحيدي؛ فإيزدي ترأس في السنوات الماضية مقرًا متخصصًا في التهديدات السيبرانية والأنماط الجديدة للحرب، ما يتناسب مع اتجاه نحو عمليات تجمع الصواريخ والمسيّرات والسيبرانية والوكلاء والعمليات غير المتماثلة.
هرمز في قلب القيادة الجديدة
كما ثُبّت علي عظمائي على رأس بحرية الحرس، وهي القوة التي تؤدي الدور الأكثر حساسية في مضيق هرمز. ويأتي ذلك فيما تحولت السيطرة على المضيق من ملف بحري إلى أحد أهم أوراق التفاوض والمواجهة بين طهران وواشنطن.
وتقول إيران إن مرور السفن في هرمز سيظل مرتبطًا بشروطها السياسية والأمنية، بينما تفرض الولايات المتحدة حصارًا على الموانئ الإيرانية. وأكد قائد الباسيج الجديد حسين طائب في 13 أغسطس/آب أن المضيق بات تحت «إدارة وسيطرة» الجمهورية الإسلامية، في وقت تتبادل فيه واشنطن وطهران الادعاءات بشأن من يمتلك السيطرة الفعلية على الممر.
لذلك فإن صعود عبد اللهي وعظمائي ووحيدي لا يمكن فصله عن موقع هرمز في الاستراتيجية الإيرانية. فكلما قلص الحصار الأمريكي قدرة إيران على تصدير النفط، زادت قيمة المضيق باعتباره وسيلة لرفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.
محسن رضائي.. عندما تلتقي الحرب بالدبلوماسية
بالتوازي مع التعيينات العسكرية، عُيّن محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي بقرار من الرئيس مسعود بزشكيان، بعدما كان مجتبى خامنئي قد عينه ممثلًا شخصيًا له داخل المجلس. وبذلك يجمع القائد السابق للحرس بين موقع تنفيذي مركزي داخل أهم مؤسسة للأمن والسياسة الخارجية وبين تمثيل المرشد داخلها.
ويكتسب التعيين أهمية خاصة لأن المجلس الأعلى للأمن القومي هو المؤسسة التي تنسق بين السياسة الخارجية والأمن والجيش، ويرأسه رسميًا رئيس الجمهورية، فيما تبقى الكلمة النهائية في القضايا الاستراتيجية للمرشد.
ومن هذه الزاوية، يمنح وجود رضائي في الموقعين المرشد قناة مباشرة داخل المؤسسة التي تدير المفاوضات والحرب في آن واحد. وترى فايننشال تايمز ولوموند أن الخطوة تعزز نفوذ الدائرة المقربة من خامنئي على حساب الجناح الأكثر ميلًا إلى التسوية المحيط ببزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
لكن من المهم التمييز بين المؤكد والتحليل: لا يوجد إعلان رسمي يقول إن رضائي عُيّن بغرض تعطيل المفاوضات. الأدق أنه أصبح قادرًا على التأثير بصورة مباشرة في شروطها وتوقيتها، خصوصًا أنه عبّر سابقًا عن مواقف متشددة تجاه التنازلات المتعلقة بمضيق هرمز.
هل أُقيل ذو القدر بسبب فشل التفاوض؟
توجد قراءات تربط استبدال محمد باقر ذو القدر بفشل مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، لكن هذا التفسير لم يُثبت رسميًا.
رويترز أفادت بأن ذو القدر استقال من منصبه، وأنه عُيّن لاحقًا مستشارًا سياسيًا للمرشد، مؤكدة أنه لم يعلن سبب التغيير، كما لم يكن واضحًا وقتها ما إذا كان سيؤدي إلى تبدل مباشر في السياسة.
لكن توقيت التغيير أثار قراءات سياسية. فقد جاء في خضم الخلاف حول تطبيق تفاهم يونيو/حزيران وإعادة فتح هرمز، بينما يرى بعض المحللين أن إبعاده من المجلس وإحلال رضائي مكانه يمثلان خفضًا لنفوذ الجناح الذي راهن على التسوية المبكرة. لوموند نقلت عن باحثين أن مجموعة رضائي تعتقد أن إيران وافقت على الاتفاق مبكرًا، وأن استمرار الضغط العسكري كان يمكن أن ينتزع تنازلات أمريكية أكبر.
وبالتالي يمكن قراءة استبدال ذو القدر بوصفه إشارة سياسية إلى إعادة تقييم إدارة المفاوضات، لكن القول إنه «عوقب بسبب فشل الاتفاق أو عدم تحصيل الأموال» يظل رواية غير مؤكدة بالمصادر العلنية المتاحة.
عودة حسين طائب.. الجبهة الداخلية تصبح جزءًا من الحرب
ربما يكون تعيين حسين طائب قائدًا للباسيج أكثر القرارات وضوحًا من حيث الأمن الداخلي.
فطائب قاد الباسيج خلال قمع احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، ثم ترأس جهاز استخبارات الحرس لسنوات طويلة، قبل إبعاده عام 2022. كما تربطه علاقة شخصية قديمة بمجتبى خامنئي، وهو ما جعل عودته تُقرأ باعتبارها استعادة لشخصية من الدائرة الأمنية الأقرب إلى المرشد الجديد.
واللافت أن مرسوم تعيينه لم يقتصر على رفع الجاهزية العسكرية للباسيج. فقد تضمن صراحة «تقوية شبكة المعلومات الشعبية»، وتطوير المهارات والتدريب، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في مواجهة التهديدات، إلى جانب توسيع وحدات الباسيج في الأحياء والخدمات الاجتماعية مع “جعل المسجد محورًا للنشاط المحلي”.
وذهبت وسائل إعلام مرتبطة بهيئة الأركان خطوة أبعد في تفسير هذه التعليمات، إذ تحدثت عن تحويل المواطنين الموالين للنظام إلى «عيون يقظة» داخل المجتمع، وعن المسجد باعتباره مركزًا محليًا للأمن، والأحياء كوحدات لرصد التهديدات. ويرى معهد CTP-ISW أن هذه اللغة تشير إلى تطوير شبكة إنذار وجمع معلومات قاعدية لمواجهة الاضطرابات والتهديدات الداخلية.
وهذا يعني أن النظام يستعد للحرب على مستويين متوازيين: خصم خارجي يواجهه الجيش والحرس، ومخاطر داخلية محتملة تتولاها شبكات الباسيج والأمن المحلي.
اجتماع مجتبى–بزشكيان.. ما الذي نعرفه فعلاً؟
أكدت وسائل الإعلام الإيرانية أن بزشكيان التقى مجتبى خامنئي أواخر يوليو/تموز في اجتماع نادر تناول الشؤون العسكرية والاقتصاد وتأمين الموارد وإدارة النقد الأجنبي والطاقة والعلاقات الاقتصادية الخارجية. وأكدت رويترز انعقاد الاجتماع استنادًا إلى الإعلام الرسمي.
كما نشرت تقارير أخرى تفاصيل غير رسمية عن اجتماع طويل بين الرجلين وسط خلافات داخل النظام حول مسار الحرب والتفاوض.
لكن الادعاء بأن الاجتماع حسم تحديدًا إعادة تشكيل وزارتي الدفاع والاستخبارات أو جميع التغييرات الأمنية اللاحقة لا يمكن تأكيده حتى الآن من مصدر رسمي مستقل. وبالتالي يمكن الربط الزمني بين الاجتماع وإعادة الهيكلة، لكن لا ينبغي تقديم تفاصيل أجندته السرية بوصفها حقيقة مثبتة.
من نظام تتقاسم مؤسساته القرار إلى دولة أكثر عسكرة؟
المشهد الأكبر الذي تكشفه التعيينات هو محاولة إيران معالجة إحدى نقاط الضعف التي ظهرت خلال الحروب الأخيرة: تعدد مراكز القيادة، والفجوة بين التخطيط والعمليات، والاختراق الأمني، وصعوبة الجمع بين الحرب والتفاوض وإدارة الداخل.
الرد الإيراني يبدو قائمًا على المزيد من المركزية، لا المزيد من التعددية.
عبد اللهي يجمع المسارين الاستراتيجي والعملياتي، ووحيدي يقود الحرس بعقيدة أكثر هجومية، وعظمائي يمسك بالجبهة البحرية، ورضائي يقف عند تقاطع الأمن والدبلوماسية، وطائب يعيد بناء شبكة الرقابة والتعبئة في الداخل.
وفي المقابل، لا تزال بعض الثغرات قائمة. فقد أظهرت تقارير سابقة أن عددًا من مواقع الاستخبارات والعمليات ظل بلا تعيينات معلنة بعد موجات الاغتيال، كما أن بعض المناصب الأمنية الحساسة لم يُكشف عن شاغليها علنًا.
ولهذا تبدو إعادة الهيكلة الحالية مرحلة أولى في إعادة بناء دولة الحرب الإيرانية، وليست نهاية العملية.
والاستنتاج الأكثر أهمية ليس أن إيران أصبحت بالفعل «دولة عسكرية يحكمها الحرس»، فمؤسسات الرئاسة والبرلمان والمؤسسة الدينية لا تزال قائمة وتمارس أدوارًا حقيقية، وإنما أن وزن الحرس في المراكز التي تربط الحرب بالأمن والسياسة الخارجية أصبح أكبر وأكثر رسمية مما كان عليه قبل الحرب.
إذا استمر هذا الاتجاه، فقد تتطور الجمهورية الإسلامية تدريجيًا نحو نموذج تكون فيه المؤسسة الدينية مصدر الشرعية العليا، بينما يصبح الحرس الثوري الجهاز التنفيذي الأهم في إدارة الأمن والحرب والتفاوض وحماية النظام داخليًا. وهذا التحول، أكثر من أي اسم منفرد في قائمة التعيينات، هو ما يجعل إعادة تشكيل القيادة الإيرانية الحالية ذات دلالة استراتيجية طويلة المدى.
نفق «كاجاران» يعزز محور إيران–أرمينيا في قلب صراع الممرات بجنوب القوقاز
بدأت شركات إيرانية تنفيذ أعمال حفر نفق «كاجاران» في مقاطعة سيونيك جنوب أرمينيا، ضمن مشروع الطريق الدولي «شمال–جنوب»، في خطوة تحمل أهمية تتجاوز الأبعاد الهندسية للمشروع إلى موقعه، في واحدة من أكثر مناطق جنوب القوقاز حساسية جيوسياسيًا.
ويمتد النفق الأرميني بطول 7.2 كيلومتر داخل أرمينيا، ويُنتظر أن يصبح بعد اكتماله جزءًا رئيسيًا من الطريق الذي يربط الحدود الإيرانية جنوبًا بشبكة النقل الأرمينية المتجهة إلى جورجيا والبحر الأسود. وبالنسبة إلى طهران، يمثل المشروع استثمارًا طويل الأجل في إبقاء الحدود الإيرانية–الأرمينية ممرًا تجاريًا فاعلًا، بالتوازي مع الترتيبات الجديدة التي يجري بناؤها في المنطقة لربط أذربيجان بتركيا عبر جنوب أرمينيا.
وأعلنت السفارة الإيرانية في يريفان خلال أغسطس/آب بدء الشركات الإيرانية أعمال المشروع، وقدمته باعتباره أحد أعقد المشروعات الهندسية في منطقة القوقاز، مشيرة إلى أن الطريق سيحسن وصول إيران إلى البحر الأسود والأسواق الواقعة شمال أرمينيا.
وتبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 395 مليون دولار. وتتولى تنفيذه مجموعة شركات إيرانية تضم Abad Rahan Pars International Group وTunnel Sadd Ariana، فيما يأتي نحو 200 مليون دولار من التمويل عبر قرض من الصندوق الأوراسي للاستقرار والتنمية، على أن تؤمن الحكومة الأرمينية بقية التمويل. ومن المقرر أن تستغرق الأعمال نحو ست سنوات.
ولا يقتصر المشروع على حفر النفق، إذ يشمل أيضًا إعادة تأهيل نحو أربعة كيلومترات من الطرق المرتبطة به، ضمن القطاع الجنوبي من ممر «شمال–جنوب» الممتد باتجاه معبر أغاراك على الحدود الإيرانية.
اختصار الطريق الإيراني إلى الشمال
تكمن القيمة العملية للمشروع في تجاوزه أحد أصعب المقاطع الجبلية على الطريق بين إيران وأرمينيا. فالمسار الحالي يمر عبر منطقة مرتفعة تتأثر بشدة بالثلوج والظروف الجوية خلال الشتاء، وهو ما يرفع تكاليف النقل ويحد من انتظام حركة الشاحنات.
وبعد اكتماله، يُتوقع أن يختصر النفق المسافة بنحو 14 كيلومترًا، ويرفع متوسط سرعة المركبات من قرابة 50 إلى 80 كيلومترًا في الساعة، ويخفض زمن الرحلة بما يقارب أربعين دقيقة، فضلًا عن تجاوز الممر الجبلي الذي يصل ارتفاعه إلى نحو 2535 مترًا.
هذه التحسينات تبدو محدودة إذا قورنت بحجم شبكات النقل الإقليمية، إلا أن أهميتها بالنسبة إلى إيران ترتبط بموقعها تحديدًا. فحدود طهران مع أرمينيا ليست طويلة، لكنها تشكل منفذها البري المباشر إلى جنوب القوقاز من دون المرور بالأراضي التركية أو الأذربيجانية.
ومن معبر أغاراك تستطيع البضائع الإيرانية دخول أرمينيا ثم التوجه شمالًا نحو جورجيا وموانئ البحر الأسود، ومنها إلى أسواق أخرى. غير أن ضعف البنية التحتية الجبلية ظل عاملًا يحد من قدرة هذا المسار على منافسة ممرات النقل الأخرى في المنطقة.
ولهذا لا ينشئ «كاجاران» ممرًا جديدًا بقدر ما يرفع الكفاءة الاستراتيجية لممر قائم، ويمنح إيران طريقًا أكثر استقرارًا نحو الشمال في وقت تتزايد فيه أهمية خطوط العبور البديلة في حسابات طهران.
سيونيك في قلب المنافسة الإقليمية
تزداد أهمية النفق لأنه يقع في سيونيك، المنطقة نفسها التي تتمحور حولها المنافسة على الممر البري بين أذربيجان وناخيتشيفان.
فمنذ حرب ناغورنو كاراباخ، دفعت باكو، بدعم تركي، باتجاه إنشاء اتصال بري يربط الأراضي الأذربيجانية الرئيسية بإقليم ناخيتشيفان عبر جنوب أرمينيا، وهو المشروع الذي عُرف سياسيًا باسم «ممر زنغزور».
إيران تعاملت مع هذا الملف باعتباره مسألة أمن قومي، وأعلنت مرارًا رفضها أي ترتيبات تؤدي إلى تغيير الحدود الدولية أو المساس بالسيادة الأرمينية على سيونيك. السبب يتجاوز دعم يريفان؛ إذ تخشى طهران أن يؤدي أي تغيير في وضع المنطقة إلى إضعاف أو تهديد حدودها البرية المباشرة مع أرمينيا، وهي الحدود التي تمثل بالنسبة إليها منفذًا مستقلًا إلى القوقاز.
غير أن معادلة الممر تغيرت بعد الاتفاقات التي بدأت تتبلور منذ 2025. فالمسار الرابط بين أذربيجان وناخيتشيفان أصبح جزءًا من مشروع أمريكي–أرميني أوسع تحت اسم– TRIPP Trump Route for International Peace and Prosperity ، الذي يهدف إلى فتح اتصال بري عبر نحو 43 كيلومترًا من الأراضي الأرمينية.
وفي مايو/أيار 2026 توصلت واشنطن ويريفان إلى إطار أكثر تفصيلًا للمشروع، يتضمن إنشاء شركة مشتركة لتطوير البنية التحتية وتشغيلها، مع بقاء الأراضي والحدود والجمارك تحت السيادة الأرمينية.
هذا التطور نقل ملف الممر من منافسة تركية–إيرانية مباشرة إلى معادلة أوسع باتت الولايات المتحدة طرفًا فيها إلى جانب أرمينيا وأذربيجان وتركيا وإيران.
«كاجاران» لا يلغي ممر أذربيجان
لهذا تبدو بعض القراءات التي قدمت نفق كاجاران باعتباره «إجهاضًا لممر زنغزور» أو «ضربة قاضية لتركيا» أبعد من الواقع.
المشروعان لا يتعارضان هندسيًا بالضرورة. فـTRIPP يهدف أساسًا إلى تعزيز محور يمتد من أذربيجان غربًا نحو ناخيتشيفان وتركيا شرقًا، بينما يخدم طريق «شمال–جنوب» الذي يقع عليه نفق كاجاران محورًا مختلفًا يبدأ من إيران ويتجه عبر أرمينيا شمالًا نحو جورجيا والبحر الأسود.
كما أن الترتيبات الخاصة بالمشروع الأمريكي–الأرميني لا تلغي سيادة أرمينيا على أراضيها، ولا تمنعها من تطوير طرق وممرات أخرى في سيونيك.
الأثر الحقيقي لنفق كاجاران يكمن في أنه يمنع اختزال جنوب أرمينيا في وظيفة عبور واحدة من الشرق إلى الغرب. فكلما ازدادت كفاءة الطريق الإيراني–الأرميني، احتفظت سيونيك بوظيفة موازية كممر جنوب–شمال يصل إيران بالقوقاز والبحر الأسود.
وبذلك تتشكل في المنطقة شبكتان متقاطعتان: محور شرق–غرب يربط أذربيجان بناخيتشيفان وتركيا، ومحور جنوب–شمال يربط إيران بأرمينيا وجورجيا.
الصراع هنا ليس بالضرورة على إلغاء أحد الطريقين، وإنما على الحصة التي سيحصل عليها كل منهما من حركة التجارة والنقل، والقوة السياسية التي ستنشأ عن ذلك.
استثمار إيراني في بقاء الحدود
من منظور طهران، يمكن قراءة المشروع بوصفه وسيلة عملية لحماية موقعها من دون الدخول في مواجهة مباشرة حول TRIPP.
إيران لا تحتاج إلى وقف الطريق الأذربيجاني حتى تحافظ على نفوذها؛ يكفي أن تجعل الممر الإيراني–الأرميني أكثر أهمية اقتصاديًا بالنسبة إلى يريفان.
فكلما ازدادت حركة التجارة عبر معبر أغاراك وتحسنت البنية التحتية الممتدة من الحدود الإيرانية شمالًا، ازدادت القيمة الاقتصادية للحدود المشتركة بين البلدين، وأصبح الحفاظ على استمراريتها مصلحة أرمينية أيضًا، وليس مطلبًا إيرانيًا منفردًا.
وتخدم هذه المعادلة يريفان بدورها. فأرمينيا، المحاطة بتركيا وأذربيجان غربًا وشرقًا من جانب وإيران وجورجيا جنوبًا وشمالًا من جانب آخر، تسعى إلى تفادي التحول إلى ممر تابع لطرف واحد. ومن مصلحتها أن تعمل مسارات النقل عبر أراضيها في عدة اتجاهات في الوقت نفسه، بحيث تستفيد من الاتصال بأذربيجان وتركيا من جهة، وتحافظ على محور إيران–جورجيا من جهة أخرى.
وبهذا المعنى، يصبح «كاجاران» جزءًا من محاولة أرمينية أوسع لتحويل البلاد إلى عقدة عبور، لا مجرد نقطة على طريق واحد.
ليس طريقًا للإفلات من العقوبات
ربط المشروع تلقائيًا برغبة إيران في الالتفاف على العقوبات الغربية يحتاج أيضًا إلى قدر من الحذر.
تحسين الطريق إلى أرمينيا وجورجيا يمنح طهران مرونة أكبر في حركة البضائع ويقلل اعتمادها على بعض نقاط الاختناق الجغرافية، لكنه لا يلغي القيود المالية والتجارية المفروضة على الشركات الإيرانية.
فالمصارف وشركات التأمين والنقل في الدول التي يمر عبرها الطريق تبقى مطالبة بمراعاة أنظمة العقوبات التي تنطبق عليها، كما أن الوصول إلى البحر الأسود لا يعني بحد ذاته القدرة على إدخال الصادرات الإيرانية إلى الأسواق الغربية من دون قيود.
القيمة الأساسية للممر، إذن، ليست في إنشاء قناة «خارج العقوبات»، بل في توسيع الخيارات اللوجستية أمام إيران وتقليل اعتمادها على مسارات تسيطر عليها أو تتأثر بدول منافسة.
من نزاع على الأرض إلى تنافس على الطرق
يأتي مشروع كاجاران في وقت يتغير فيه مضمون المنافسة في جنوب القوقاز. فبعد عقود كان فيها الصراع متركزًا حول ناغورنو كاراباخ والحدود والسيطرة العسكرية، انتقلت أهمية متزايدة إلى الموانئ والطرق والسكك الحديدية وخطوط الطاقة.
تركيا وأذربيجان تدفعان باتجاه محور يصل بحر قزوين وآسيا الوسطى بتركيا والأسواق الأوروبية. والولايات المتحدة دخلت على هذا الخط عبر TRIPP. أما إيران فتسعى إلى ضمان ألا تنتج شبكة النقل الجديدة قوقازًا يمكن الالتفاف فيه حول أراضيها بالكامل.
لهذا يصعب النظر إلى نفق كاجاران بوصفه مجرد مشروع بنية تحتية أرميني تنفذه شركات إيرانية.
فالنفق، برغم طوله المحدود، يقع على أحد الخطوط التي ستحدد الوزن النسبي للممر الإيراني داخل شبكة التجارة الجديدة في المنطقة. وإذا اكتمل الطريق الأرميني «شمال–جنوب» وارتبط بصورة أكثر كفاءة بجورجيا، فستملك إيران مسارًا أقصر وأكثر انتظامًا نحو البحر الأسود، بينما تحتفظ أرمينيا بدور في التجارة بين الخليج والقوقاز.
في المقابل، سيواصل المحور الأذربيجاني–التركي تطوره في الاتجاه الآخر.
لذلك لا تبدو سيونيك مقبلة على انتصار ممر وإقصاء آخر، بل على تنافس بين عدة ممرات تحاول كل قوة إقليمية تثبيت موقعها من خلالها.
ونفق «كاجاران» هو، في هذا السياق، استثمار إيراني–أرميني في ضمان بقاء محور الجنوب–الشمال حاضرًا في خريطة القوقاز الجديدة. وهو لا يلغي الطريق التركي–الأذربيجاني، لكنه يحد من احتمال تحوله إلى المسار الوحيد القادر على تحديد القيمة الاستراتيجية لجنوب أرمينيا.
فالصراع الذي يتشكل في القوقاز لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الحدود، بل حول سؤال أكثر استدامة: من سيمتلك الطرق التي ستعبرها التجارة بين الخليج وبحر قزوين والبحر الأسود وتركيا وأوروبا؟
وفي هذا الصراع، قد تكون الأنفاق والطرق والسكك الحديدية أقل صخبًا من الحروب، لكنها قادرة على تثبيت موازين نفوذ تمتد لعقود.
روسيا وإيران تقتربان من اتفاق غاز واسع يفتح الطريق الجنوبي أمام صادرات موسكو وينهي زمن الاعتماد على السوق الأوروبي
تقترب روسيا وإيران من استكمال اتفاق طويل الأجل لتوريد الغاز الروسي إلى السوق الإيرانية عبر أذربيجان، في مشروع قد تصل طاقته لاحقًا إلى 55 مليار متر مكعب سنويًا، بما يعادل تقريبًا القدرة التصميمية لخط «نورد ستريم 1» الذي شكّل لعقود أحد أهم مسارات الغاز الروسي إلى أوروبا.
وكان وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد قد أعلن في يوليو/تموز أن موسكو وطهران توصلتا إلى تفاهم بشأن «القضايا الرئيسية» في عقد توريد الغاز، فيما بقيت بعض التفاصيل التجارية، وفي مقدمتها السعر وآلية الدفع، قيد التفاوض. ولم يصدر خلال الأسبوع الأخير إعلان جديد عن توقيع العقد النهائي أو بدء الإمدادات بالكميات المستهدفة، ما يجعل الحديث عن اتفاق مكتمل أو تشغيل وشيك للمشروع سابقًا لأوانه.
غير أن أهمية التفاهم تتجاوز توقيته. فالمشروع يأتي في مرحلة تعيد فيها روسيا ترتيب جغرافيا صادراتها من الغاز بعد الانكماش الحاد في السوق الأوروبية، بينما تبحث إيران، رغم امتلاكها أحد أكبر احتياطيات الغاز في العالم، عن إمدادات إضافية لمعالجة الاختلال بين الإنتاج والاستهلاك والضغط المتزايد على شبكتها الداخلية.
المسار الذي يجري بحثه يمر عبر الأراضي الأذربيجانية وصولًا إلى شمال إيران. وتتيح شبكة الأنابيب القائمة بدء تدفقات محدودة نسبيًا، إلا أن الوصول إلى مستوى 55 مليار متر مكعب سنويًا سيتطلب توسعات كبيرة في البنية التحتية ومحطات الضغط وخطوط النقل. ولهذا تتعامل موسكو وطهران مع الرقم باعتباره سقفًا استراتيجيًا للمشروع، لا حجمًا متاحًا فورًا.
بالنسبة إلى روسيا، يمثل الخط المحتمل امتدادًا مباشرًا لسياسة بدأت تتبلور منذ تقلص صادراتها إلى أوروبا بعد عام 2022. فقد وسعت موسكو صادراتها شرقًا عبر خط «قوة سيبيريا» إلى الصين، وحافظت على منفذها الأوروبي المتبقي عبر «ترك ستريم»، فيما بات الاتجاه الجنوبي عبر أذربيجان وإيران يوفر احتمالًا ثالثًا لنقل الغاز نحو أسواق جديدة.
أما إيران، فلا تنظر إلى الاتفاق بوصفه وسيلة لسد نقص محلي فقط. فالموقع الجغرافي للبلاد يمنحها إمكانية استخدام الغاز الروسي لتغطية الطلب في المحافظات الشمالية، بما يخفف الحاجة إلى نقل كميات كبيرة من حقول جنوب البلاد إلى الشمال، ويتيح في الوقت نفسه تحرير جزء من الإنتاج الإيراني للاستهلاك الصناعي أو التصدير.
وتطرح طهران منذ سنوات نفسها مركزًا محتملًا لتجارة الغاز بين روسيا وآسيا الوسطى والخليج. وإذا حصلت على كميات روسية كبيرة بأسعار مناسبة، يمكن أن تعتمد على ترتيبات المقايضة، بحيث يدخل الغاز الروسي إلى شمال إيران فيما تصدر كميات مكافئة من الحقول الجنوبية إلى أسواق أخرى، من دون الحاجة إلى نقل الغاز الروسي نفسه آلاف الكيلومترات داخل الأراضي الإيرانية.
وتكتسب أذربيجان بدورها أهمية خاصة في المشروع. فباكو، التي أصبحت موردًا مهمًا للغاز إلى تركيا وأوروبا، قد تتحول في الوقت نفسه إلى دولة عبور للغاز الروسي المتجه جنوبًا. وهذا يضعها عند تقاطع شبكة طاقة تمتد من روسيا شمالًا إلى إيران جنوبًا، ومن بحر قزوين شرقًا إلى تركيا والأسواق الأوروبية غربًا.
لكن الجانب الأكثر حساسية في المشروع يتعلق بمستقبل الغاز الروسي الذي فقد جزءًا كبيرًا من سوقه الأوروبية التقليدية. فالحديث عن «نهاية أوروبا» في معادلة الطاقة الروسية لا يزال مبالغًا فيه. أوروبا خفضت اعتمادها على الغاز الروسي بصورة حادة، وتتحرك نحو إنهاء ما تبقى من الواردات خلال السنوات المقبلة، لكنها لم توقفها بالكامل، ولا تزال كميات روسية تصل إلى السوق الأوروبية عبر تركيا، فضلًا عن استمرار تجارة الغاز الطبيعي المسال الروسي.
الأدق أن موسكو لم تستبدل أوروبا بسوق واحدة جديدة، بل تعمل على توزيع صادراتها بين عدة اتجاهات. الصين هي السوق البرية الأكثر أهمية، بينما تتجه كميات من الغاز الطبيعي المسال نحو الأسواق الآسيوية، ويضيف المشروع الإيراني احتمالًا لفتح منفذ جنوبي يستطيع الوصول بصورة غير مباشرة إلى أسواق الخليج وجنوب آسيا.
أما الهند، التي تُذكر كثيرًا إلى جانب الصين عند الحديث عن إعادة توجيه الطاقة الروسية، فتبقى حالتها مختلفة في قطاع الغاز. فلا يوجد حتى الآن خط أنابيب روسي مباشر إليها، ويتركز ثقل العلاقات الطاقوية الروسية–الهندية أساسًا في النفط والمنتجات البترولية، مع فرص متزايدة للغاز الطبيعي المسال. ومن هنا قد تصبح إيران، في حال تطوير بنيتها التحتية، جزءًا من أي تصور بعيد المدى لربط الغاز الروسي بالأسواق الواقعة جنوبها.
وتتداول بعض التقارير تقديرات تفيد بأن إيران قد تحقق إيرادات تصل إلى عشرة أو اثني عشر مليار دولار سنويًا من إعادة بيع الغاز على مدى عقود. غير أن هذه الأرقام تستند إلى تصورات سابقة للمشروع ارتبط بعضها بكميات أكبر من تلك المطروحة حاليًا، ولا يمكن اعتبارها عائدًا مضمونًا قبل معرفة السعر النهائي، وتكلفة النقل، وحجم الاستهلاك الإيراني، والكميات التي يمكن إعادة تصديرها فعليًا.
لذلك فإن الصفقة، في وضعها الحالي، أكثر أهمية من كونها عقدًا تجاريًا لم يُحسم بعد. إنها تعكس مسارًا أوسع في سياسة الطاقة الروسية: بناء شبكة صادرات لا يكون السوق الأوروبي مركزها الوحيد، وربط الغاز الروسي بممرات جديدة عبر الصين وآسيا الوسطى والقوقاز وإيران.
وفي المقابل، تحاول طهران استثمار موقعها بين بحر قزوين والخليج لتحويل نفسها من منتج كبير يعاني اختناقات داخلية إلى عقدة في تجارة الغاز الإقليمية. وإذا نجح الطرفان في تجاوز الخلافات حول السعر وآلية الدفع وتمكنا من بناء القدرة المطلوبة، فإن المشروع سيخلق مسارًا جنوبيًا للغاز الروسي بحجم يقترب من أحد أكبر الخطوط التي كانت تربط روسيا بأوروبا.
المغزى، إذن، ليس أن أوروبا «خرجت» من المعادلة بين ليلة وضحاها، بل أن موسكو تتصرف على أساس أن زمن الاعتماد على أوروبا كسوق رئيسية قد انتهى، وتبني منذ الآن البنية التي تسمح لغازها بالتحرك في اتجاهات أخرى. وفي هذه الخريطة الجديدة، تبدو إيران مرشحة لأن تكون إحدى أهم البوابات الجنوبية للطاقة الروسية.
سوريا
من السلاح إلى السياسة.. كيف تعيد دمشق ترتيب علاقتها مع الكرد؟
دخلت العلاقة بين الدولة السورية والقوى الكردية مرحلة جديدة تبدو مختلفة جذرياً عن السنوات السابقة، مع انتقال ملف «قوات سوريا الديمقراطية» من التفاوض حول السلاح والنفوذ العسكري إلى البحث في شكل المشاركة داخل مؤسسات الدولة والحقوق السياسية والثقافية للكرد.
فبعد يومين فقط من إعلان مظلوم عبدي حل قوات سوريا الديمقراطية وإنهاء وجودها كقوة عسكرية مستقلة، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً بتعيينه مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية، بالتزامن مع إعلان وزارة التربية اعتماد تدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان.
وتشير سرعة هذه الخطوات وتزامنها إلى أن حل «قسد» لم يكن إجراءً عسكرياً منفصلاً، وإنما جزء من تسوية سياسية أوسع تسعى دمشق من خلالها إلى إنهاء حالة الازدواج العسكري والإداري في شمال شرقي البلاد، مقابل فتح المجال أمام تمثيل سياسي وثقافي أكبر للكرد داخل مؤسسات الدولة.
من قيادة قوة عسكرية إلى مؤسسة الرئاسة
يحمل تعيين مظلوم عبدي مستشاراً للرئيس دلالة تتجاوز طبيعة المنصب نفسه. فالرجل الذي قاد لسنوات واحدة من أكبر القوى العسكرية خارج سيطرة دمشق ينتقل، بعد حل هذه القوة، إلى موقع داخل البنية الرسمية للدولة.
وبذلك، يبدو أن الصيغة الجديدة تقوم على استبدال النفوذ المستند إلى قوة عسكرية مستقلة بنفوذ سياسي يمارس من داخل مؤسسات الدولة، بعدما يلوح الأن من فقدان قسد الدعم العسكري الذي كانت تحصل عليه من الولايات المتحدة.
وكان عبدي أعلن في قصر الشعب بدمشق انتهاء مهمة «قسد» وحلها كقوة مستقلة، متحدثاً عن الانتقال «من ساحات المعارك إلى ساحات البناء»، قبل أن يبحث مع الرئيس الشرع والوفد الحكومي الخطوات العملية المتعلقة بدمج المؤسسات والقوى الموجودة في شمال شرقي سوريا.
لكن الإعلان عن حل «قسد» لا يعني أن مسار الدمج قد اكتمل. فالاتفاق يمتد إلى ملفات أمنية وإدارية وقضائية وتعليمية لا تزال بحاجة إلى ترتيبات تفصيلية، وفي مقدمتها مصير بعض التشكيلات المسلحة التي عملت ضمن منظومة «قسد»، مثل وحدات حماية المرأة وقوى مكافحة الإرهاب، وطريقة استيعاب عناصرها في وزارتي الدفاع والداخلية.
والمفاوضات التي بدأت بالفعل بين وزارة الداخلية ووحدات حماية المرأة تشير إلى أن دمشق تسعى إلى تفكيك البنية العسكرية السابقة تدريجياً وإعادة تركيبها ضمن أجهزة الدولة، بدلاً من الإبقاء على تشكيلات عسكرية موازية تحت مسميات مختلفة.
اللغة الكردية.. تنازل أم إعادة تعريف للدولة؟
في المقابل، يمثل ملف اللغة الكردية الجانب الأكثر وضوحاً في المقابل السياسي والثقافي الذي حصل عليه الطرف الكردي حتى الآن.
فوزارة التربية أعلنت أن اللغة الكردية ستُدرّس في مختلف المراحل الدراسية في المناطق ذات الكثافة الكردية، وأنها ستصبح جزءاً من المناهج المعتمدة، مع إعداد الكوادر اللازمة لتدريسها.
وتكتسب الخطوة أهميتها من كون التعليم باللغة الكردية كان واحداً من أبرز الملفات الخلافية بين دمشق والإدارة الذاتية، ولم يكن الخلاف يدور حول اللغة وحدها، بل حول الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي داخل الدولة السورية.
وكانت دمشق قد بدأت بالفعل في يناير/كانون الثاني الماضي بتغيير مقاربتها لهذا الملف عبر اعتبار الكردية لغة وطنية والسماح بتدريسها ضمن نطاق محدد، لكن القرار الجديد يبدو أكثر تقدماً من الصيغة السابقة، خصوصاً مع الحديث عن إدخالها ضمن المناهج وفي جميع المراحل الدراسية بالمناطق المعنية.
ومن هنا يمكن قراءة الخطوة على أنها محاولة للفصل بين الاعتراف بالخصوصية الثقافية للكرد وبين مشروع الإدارة السياسية أو العسكرية المنفصلة؛ أي القبول باللغة والهوية الثقافية ضمن الدولة، مقابل إنهاء المؤسسات المسلحة والإدارية التي نشأت خارج هياكلها الرسمية.
القضية الكردية أبعد من «قسد»
غير أن اختزال التسوية في حل «قسد» وتعيين عبدي قد يكون سابقاً لأوانه، لأن القضية الكردية في سوريا لم تبدأ مع تأسيس «قسد» ولا تنتهي بحلها.
فلا تزال ملفات مثل شكل الإدارة المحلية، ومستوى اللامركزية، والحقوق السياسية، والتمثيل في المؤسسات، والاعتراف الدستوري بالتعدد القومي والثقافي مطروحة للنقاش.
كما أن مظلوم عبدي، رغم موقعه المؤثر، لا يمثل بمفرده كامل الطيف السياسي الكردي. وقد تظهر خلافات مستقبلاً بين القوى الكردية نفسها بشأن ما إذا كانت التسوية الحالية تحقق المطالب التاريخية للكرد أو تعيد دمجهم في مؤسسات الدولة من دون تقديم ضمانات سياسية ودستورية كافية.
لذلك يمكن النظر إلى تعيين عبدي مستشاراً بوصفه خطوة رمزية وعملية في الوقت ذاته، لكنه لا يشكل بديلاً عن معالجة الملف الكردي عبر ترتيبات قانونية ودستورية أكثر استدامة.
اختبار لنموذج الدولة الجديدة
الأهمية الأوسع للتسوية تكمن في أنها قد تتحول إلى نموذج لكيفية معالجة دمشق الملفات المناطقية الأخرى في سوريا.
فإذا نجحت الدولة في إنهاء الازدواج العسكري في شمال شرقي البلاد من دون صدام واسع، مقابل دمج السكان والمؤسسات والاعتراف ببعض الخصوصيات المحلية، فقد يصبح هذا النموذج قابلاً للتطبيق بدرجات مختلفة في مناطق أخرى لديها مطالب أمنية أو إدارية خاصة.
لكن نجاحه يتوقف على مسألة شديدة الحساسية: هل ستُبنى التسوية على مفهوم دمج الجميع داخل دولة مركزية بصورتها التقليدية، أم على إعادة صياغة الدولة نفسها بحيث تسمح بهامش أوسع من الإدارة المحلية والتعدد الثقافي؟
حتى الآن تبدو دمشق حريصة على تثبيت مبدأ وحدة المؤسسات والسلاح والسيادة، بينما يحصل الكرد في المقابل على اعتراف تدريجي بحقوق لغوية وثقافية وعلى حضور سياسي داخل مؤسسات الدولة.
وهي معادلة قد تنجح إذا تحولت من تفاهم بين القيادة السورية ومظلوم عبدي إلى قواعد مؤسساتية ودستورية تشمل المجتمع الكردي بمختلف اتجاهاته.
ما بعد السلاح
التحول الأبرز، في المحصلة، هو أن الصراع بين دمشق والقوى الكردية انتقل من سؤال «من يسيطر عسكرياً على شمال شرقي سوريا؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف سيشارك الكرد في الدولة السورية الجديدة؟».
حل «قسد» أنهى، نظرياً، أحد أكبر مظاهر الانقسام العسكري في البلاد، لكن المرحلة الأصعب تبدأ بعده، عندما يصبح مطلوباً تحويل التفاهمات السياسية إلى مؤسسات وقوانين ومناهج تعليمية وترتيبات أمنية قابلة للاستمرار.
وبين تعيين مظلوم عبدي في مؤسسة الرئاسة واعتماد تدريس الكردية، ترسل دمشق رسالة مزدوجة: لا مكان لقوة عسكرية مستقلة عن الدولة، لكن يمكن للخصوصية الكردية أن تجد مساحة داخلها.
ويبقى نجاح هذه المعادلة مرهوناً بقدرة الطرفين على تحويل التسوية من اتفاق لإنهاء «قسد» إلى صيغة أكثر شمولاً لإدارة القضية الكردية ضمن دولة سورية موحدة، من دون العودة إلى منطق السلاح أو إعادة إنتاج أسباب الصراع بصيغ جديدة.
مطار أبو الظهور العسكري.. لماذا تحول هذا المطار إلى نقطة اشتباك بين تركيا وإسرائيل في سوريا؟
تحول مطار أبو الظهور العسكري في شمال غربي سوريا من قاعدة جوية متوقفة عن العمل منذ سنوات الحرب إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في الصراع على شكل سوريا الجديدة، بعدما استهدفته إسرائيل بثماني غارات جوية في 18 أغسطس/آب 2026، أصابت المدرج ومرافق التخزين وألحقت أضرارًا مادية من دون تسجيل قتلى. وجاء القصف بعد ساعات فقط من مغادرة وفد تركي كان قد زار القاعدة لمتابعة أعمال إعادة تأهيلها، وفق مسؤولين سوريين تحدثوا لوكالة أسوشيتد برس.
ولا تبدو أهمية العملية مرتبطة بالمطار نفسه في الوقت الراهن، بقدر ارتباطها بما يمكن أن يمثله مستقبلًا. فقد أعلنت إسرائيل أن الضربة استهدفت منع انتشار عسكري تركي محتمل في القاعدة، وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن دمشق كانت على وشك الإخلال بما وصفه بـ«الوضع الأمني القائم» عبر السماح بوجود قوات تركية في أبو الظهور. تركيا رفضت الرواية الإسرائيلية، ووصفت مبررات تل أبيب بأنها غير مقبولة، مؤكدة استمرار تعاونها مع الحكومة السورية في إطار دعم استقرار البلاد وسيادتها.
لماذا أبو الظهور؟
يقع المطار في محافظة إدلب بالقرب من منطقة التقاء أرياف إدلب وحلب وحماة، وعلى مسافة تقارب 70 كيلومترًا من الحدود التركية، وهو ما يمنحه موقعًا مختلفًا عن القواعد التي تتركز حول دمشق أو جنوب سوريا. وقد استخدمه الجيش السوري سابقًا لتشغيل طائرات من طراز MiG-21 وMiG-23 وطائرات التدريب والقتال L-39، قبل أن يخرج من الخدمة بصورة فعلية خلال سنوات الحرب.
وتعود الأهمية التاريخية للمطار أيضًا إلى موقعه على عقدة طرق تربط شمال سوريا بوسطها. ففي سبتمبر/أيلول 2015 سقطت القاعدة بيد فصائل معارضة وجبهة النصرة بعد حصار طويل، في خسارة أنهت تقريبًا الوجود العسكري الحكومي المباشر داخل إدلب آنذاك. ثم استعادت قوات النظام السابق القاعدة في يناير/كانون الثاني 2018 خلال هجوم واسع بدعم روسي.
لكن المطار لم يعد منذ ذلك الحين إلى العمل كقاعدة جوية رئيسية، وبقي جزء كبير من بنيته متضررًا أو غير مستخدم. ولهذا اكتسبت أعمال إعادة التأهيل الجارية خلال 2026 دلالة استراتيجية تتجاوز إصلاح منشأة قديمة: إعادة تشغيل أبو الظهور تعني استعادة قاعدة جوية في قلب الشمال السوري وفي منطقة قريبة من تركيا، يمكن أن تتحول إلى مركز للتدريب أو الانتشار أو الدفاع الجوي أو دعم إعادة بناء القوات السورية. وكانت تقارير صحفية قد أشارت بالفعل إلى مشاركة تركية في تأهيل المنشأة.
لماذا تخشى إسرائيل القاعدة؟
المفارقة الأساسية أن أبو الظهور لا يقع قرب الحدود الإسرائيلية، بل في شمال غرب سوريا. ولذلك فإن استهدافه لا يمكن تفسيره فقط بمنطق حماية الحدود المباشرة، أو في إطار “الإجراءات الأمنية” التي دأبت إسرائيل على اتخاذها.
المشكلة بالنسبة إلى تل أبيب هي من سيستخدم القاعدة وما القدرات التي يمكن أن تنشر فيها.
فمنذ سقوط بشار الأسد أواخر 2024، أصبحت تركيا أحد أهم الداعمين للحكومة السورية الجديدة، ووقعت أنقرة ودمشق اتفاقًا للتعاون العسكري يشمل التدريب والاستشارات وتوفير معدات ودعم لإعادة بناء الجيش السوري.
وبالنسبة إلى إسرائيل، يمكن لانتشار قوات تركية أو منظومات رادار ودفاع جوي داخل قاعدة سورية متقدمة أن يفرض قيودًا جديدة على حرية تحرك سلاح الجو الإسرائيلي فوق سوريا. ولهذا أصبح التنافس يتجاوز مسألة الوجود التركي المباشر إلى سؤال أكبر يتعلق بمدى قدرة سوريا على إعادة بناء جيشها ومجالها الجوي تحت المظلة التركية. وتشير فايننشال تايمز إلى أن أنقرة تشارك أيضًا في جهود إعادة بناء القدرات الدفاعية السورية، بما في ذلك أنظمة رادار ودفاع جوي، وهو ما يزيد حساسية الملف بالنسبة إلى إسرائيل.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة قصف أبو الظهور باعتباره محاولة إسرائيلية لمنع ظهور بنية عسكرية جديدة قبل اكتمالها، وليس ردًا على تهديد قائم من القاعدة في لحظة الهجوم.
أول حضور تركي مؤكد في القاعدة
تزداد أهمية الحادثة لأن زيارة الوفد التركي قبل الغارة شكلت أول تأكيد علني لوجود تركي في أبو الظهور. وقال مسؤولان سوريان لأسوشيتد برس إن الوفد زار الموقع لمراجعة أعمال إعادة التأهيل، وغادر قبل ساعات من القصف الإسرائيلي.
وهذا التوقيت رفع مستوى الخطورة بصورة كبيرة. فالمشكلة لم تعد مجرد قصف إسرائيلي لموقع عسكري سوري، وإنما احتمال إصابة عسكريين أو مسؤولين أتراك في عملية إسرائيلية.
سوريا بين مشروعين أمنيين
يختصر مطار أبو الظهور خلافًا أوسع حول مستقبل سوريا.
أنقرة تريد حكومة مركزية قادرة على إعادة بناء الجيش واستعادة السيطرة على الأراضي، وترى أن دعم المؤسسات العسكرية السورية يخدم أمن تركيا أيضًا عبر تقليص نشاط التنظيمات المسلحة ومنع ظهور فراغات أمنية جديدة.
أما إسرائيل فتنظر إلى إعادة بناء القوة العسكرية السورية من زاوية مختلفة؛ إذ حافظت منذ سقوط النظام السابق على سياسة تستهدف تعطيل القدرات العسكرية التي يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى تهديد، ووسعت عملياتها داخل سوريا بالتزامن مع وجود عسكري إسرائيلي في الجنوب.
وبذلك تصبح المشكلة البنيوية واضحة: تركيا ترى أن استقرار سوريا يحتاج إلى جيش سوري أقوى، بينما ترى إسرائيل أن أمنها يتطلب إبقاء قيود صارمة على القدرات العسكرية التي تستطيع دمشق بناءها، خصوصًا إذا كانت مدعومة من أنقرة.
ومن هنا تكتسب أبو الظهور أهميتها؛ فالقاعدة تمثل نموذجًا مصغرًا لهذا الصراع. إصلاحها بالنسبة إلى دمشق وأنقرة يعني إعادة جزء من البنية العسكرية للدولة، بينما تنظر تل أبيب إلى إمكانية استخدامها من تركيا باعتبارها تغيرًا في ميزان القوى يجب منعه قبل أن يصبح واقعًا.
رد الفعل الرسمي السوري
وفي تعليقه على الضربة الإسرائيلية، قال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني إن إسرائيل لم يكن لديها أي مبرر لضرب قاعدة أبو الظهور الجوية، مشيرًا إلى أن سوريا كانت قد أبلغت إسرائيل بالفعل بأنه لم يكن هناك أي قاعدة تركية مخطط لها أو أي انتشار تركي دائم هناك، إلا أنها شنت الهجوم. وقال في تصريحات لموقع أكسيوس: “لا نية لإنشاء قاعدة تركية أو إقامة وجود عسكري تركي دائم في مطار أبو الظهور”.
وكانت إسرائيل قد أفادت بأن الغارة كانت تهدف إلى منع تعزيز عسكري تركي. ونفى الشيباني ذلك، قائلاً إن القاعدة كانت في الغالب خالية ويجري إعادة بنائها لسلاح الجو السوري. وأقر بأن ضباطًا أتراكًا كانوا قد زاروا المكان، ولكن كجزء من تعاون أوسع في مجال التدريب.
وعلى الرغم من الغارة، تظل سوريا منفتحة على الحوار مع إسرائيل، حيث قال الشيباني: “لا يمكن أن تكون مهمة تخفيف التصعيد من مسؤولية طرف واحد فقط”، مضيفًا أن سوريا “لا تغلق الباب أمام المفاوضات”.
كما قال إن اتفاقية أمنية سابقة توسطت فيها الولايات المتحدة قد تم الاتفاق عليها “على الورق” قبل أن “تتراجع إسرائيل عن التزاماتها”.
من قاعدة مهجورة إلى خط أحمر جديد
حتى قبل أسابيع قليلة، كان أبو الظهور قاعدة متضررة خرجت من الخدمة خلال الحرب السورية. أما اليوم فقد أصبحت اختبارًا لحدود النفوذ التركي والإسرائيلي داخل سوريا.
فالضربة الإسرائيلية تحمل رسالة واضحة بأن تل أبيب مستعدة للوصول عسكريًا إلى شمال سوريا لمنع انتشار تعتبره مهددًا، وليس فقط للعمل في الجنوب أو ضد بقايا النفوذ الإيراني. وفي المقابل، استمرار تركيا في دعم إعادة بناء الجيش السوري يعني أن نقاط الاحتكاك المشابهة يمكن أن تتكرر في قواعد أخرى.
وتفسر هذه المعادلة إصرار الولايات المتحدة على بناء آلية لمنع الاشتباك؛ إذ إن أي غارة إسرائيلية مستقبلية على منشأة يوجد فيها عسكريون أتراك قد تضع أنقرة أمام معادلة مختلفة تمامًا عن إدانة القصف دبلوماسيًا.
ولهذا فإن أهمية مطار أبو الظهور لم تعد في عدد الطائرات التي يستطيع تشغيلها، وإنما في السؤال الذي أصبح يمثله: من يمتلك حق تحديد البنية العسكرية لسوريا الجديدة؟ دمشق وحلفاؤها، أم إسرائيل التي تحاول فرض خطوط حمراء على إعادة بناء القوة السورية؟
وفي ظل تصاعد التنافس التركي–الإسرائيلي، قد يصبح المطار نقطة البداية لنزاع أوسع حول القواعد والمطارات ومنظومات الدفاع الجوي في سوريا، وهي ملفات ستحدد ليس فقط مستقبل الجيش السوري، وإنما ميزان القوى بين تركيا وإسرائيل في شرق المتوسط والمشرق خلال السنوات المقبلة.
من الأمن إلى الاقتصاد.. أنقرة ترسم شراكة طويلة الأمد مع دمشق
لا تتعامل تركيا مع علاقتها الجديدة بسوريا بوصفها ترتيبات مؤقتة فرضها سقوط نظام بشار الأسد، بل تعمل على تحويلها إلى شراكة مؤسساتية تمتد لعقود. هذا هو المعنى الأبرز الذي حملته تصريحات هامة للسفير التركي في دمشق نوح يلماز، حين تحدث عن طموح أنقرة لبناء «أقوى إطار للعلاقات في المنطقة على مدى الخمسين عامًا المقبلة»، في وقت تتوسع فيه الروابط بين البلدين من التدريب العسكري والأمن الحدودي إلى التجارة والصناعة والنقل والتعليم.
يلماز قال في مقابلة هامة مع «سوريا الآن» إن البعثة التركية في دمشق أصبحت، من حيث عدد الدبلوماسيين، أكبر بعثات بلاده في الخارج، وهو مؤشر على حجم الملفات التي بدأت أنقرة تديرها داخل سوريا بعد ديسمبر/كانون الأول 2024. كما ربط مستقبل العلاقة بإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، مؤكدًا استعداد تركيا لتلبية احتياجات الجيش السوري في التدريب والتجهيز والدعم اللوجستي.
هذه التصريحات لا تأتي منفصلة عن خطوات سبقتها خلال الأشهر الماضية. فقد أصبحت تركيا طرفًا مباشرًا في إعادة تأهيل القوات المسلحة السورية، وشارك جنود سوريون للمرة الأولى خارج بلادهم في مناورات EFES-2026 التي استضافتها تركيا بمشاركة قوات من عشرات الدول. وأكدت وزارة الدفاع التركية أن مشاركة الجيش السوري جاءت ضمن دعم عملية إعادة هيكلته، وأن برامج التدريب ستستمر.
وفي يوليو/تموز انتقل التعاون إلى المستوى البحري عندما زار قائد القوات البحرية التركية اللاذقية على متن فرقاطة عسكرية، وأعلنت وزارة الدفاع التركية أن الزيارة تناولت التعاون العسكري وإعادة هيكلة القوات المسلحة السورية.
تتبلور بذلك علاقة تختلف عن الحضور العسكري التركي الذي عرفته سوريا خلال سنوات الحرب. فالهدف المعلن الآن ليس إدارة مناطق نفوذ منفصلة عن دمشق، وإنما ربط المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية بالدولة المركزية، مع احتفاظ أنقرة بدور أساسي في تدريبها وإعادة بنائها.
وهذا التحول يفسر العبارة التي تكررها القيادة التركية منذ سقوط النظام السابق: «أمن سوريا من أمن تركيا». فالحدود المشتركة التي تتجاوز 900 كيلومتر جعلت سوريا طوال العقد الماضي مصدرًا مباشرًا لمشكلات أمنية تركية، من الهجرة غير النظامية والتهريب والمخدرات إلى نشاط الجماعات المسلحة. ويقول يلماز إن الجزء الأكبر من هذه التهديدات تراجع أو اختفى مع عودة مؤسسات الدولة السورية إلى مناطق أوسع من البلاد.
لكن ملفًا واحدًا ما يزال يحدد إلى حد كبير المسار الأمني للعلاقة: قوات سوريا الديمقراطية.
أنقرة لا تخفي موقفها. فهي تريد إنهاء البنية العسكرية المستقلة لـ«قسد» وPKK/YPG في سوريا والعراق، وتدعم عملية إدماج القوات الموجودة في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة. وفي الرابع من أغسطس/آب استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع قائد «قسد» مظلوم عبدي في دمشق لمتابعة تنفيذ اتفاق الاندماج، لكن العملية ما تزال تتحرك ببطء.
بالنسبة إلى تركيا، لا يتعلق الملف فقط بتهديد عسكري على حدودها. نجاح دمشق في استعادة السيطرة المؤسسية على الشمال الشرقي يعني إعادة المعابر والموارد والطاقة والأمن الحدودي إلى سلطة الدولة، ويتيح لأنقرة الانتقال من سياسة «تأمين الحدود» بواسطة الوجود العسكري المباشر إلى علاقة أمنية مع حكومة سورية قادرة على ضبط الجانب المقابل منها.
لهذا تبدو قضية «قسد» الاختبار الأول للشراكة التي يتحدث عنها يلماز. فكلما تقدمت عملية الاندماج، أصبح فتح الحدود وإعادة النقل والتجارة بين البلدين أكثر سهولة، بينما سيؤدي تعثرها إلى إبقاء قسم مهم من الحدود خارج النموذج الجديد الذي تعمل أنقرة ودمشق على إنشائه.
اقتصاد يعيد وصل جانبي الحدود
إذا كان الأمن هو نقطة البداية، فإن الاقتصاد هو المجال الذي تريد تركيا من خلاله تثبيت العلاقة على المدى الطويل.
بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 3.7 مليارات دولار في 2025، وتضع الحكومتان هدفًا معلنًا برفعه إلى عشرة مليارات دولار. وفي يوليو/تموز أكد وزير التجارة التركي عمر بولاط أن الرقم لم يعد مجرد تصور تركي، بل هدف اتفق عليه الرئيسان رجب طيب أردوغان وأحمد الشرع.
وتشير أرقام النصف الأول من 2026 إلى استمرار النمو؛ إذ بلغت صادرات تركيا إلى سوريا نحو 1.28 مليار دولار، بارتفاع 26.4% عن الفترة نفسها من العام السابق. وتصدرت الدقيق ومنتجات الحبوب والإسمنت والطاقة قائمة الصادرات، وهي قطاعات مرتبطة مباشرة بمرحلة إعادة الإعمار.
لكن الخطة التركية لا تقوم على زيادة الصادرات وحدها. ما يجري بحثه أوسع: اتفاق تجارة حرة، ومناطق صناعية مشتركة، ومناطق تجارة حرة، وربط الإنتاج السوري بسلاسل التوريد التركية.
وفي أبريل/نيسان عقد البلدان أول اجتماع للجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة «JETCO»، وجرى خلاله بحث إعادة العمل باتفاقية التجارة الحرة وآليات رفع التبادل إلى خمسة مليارات دولار ثم عشرة مليارات. ووصف وزير التجارة التركي الاتفاقات بأنها خريطة طريق لـ«التكامل الاقتصادي وإعادة الإعمار».
وهنا تظهر مصلحة تركية تتجاوز السوق السورية نفسها.
فالقطاع الصناعي في جنوب تركيا، وخصوصًا غازي عنتاب وكيليس وهاتاي، يمتلك بنية تصديرية ضخمة على الحدود، بينما تحتاج سوريا إلى مصانع ورؤوس أموال ومعدات وشبكات تصدير. وسبق للسفير يلماز أن وصف تركيا بأنها «بوابة سوريا إلى أوروبا والأسواق العالمية»، مقابل اعتبار سوريا ممرًا تركيًا باتجاه الأردن والخليج.
بالفعل، أصبح الممر البري تركيا–سوريا–الأردن–السعودية يعمل بصورة منتظمة منذ أبريل/نيسان 2026، ما أعاد لسوريا وظيفة فقدتها خلال الحرب: أن تكون طريق عبور بين الأناضول والخليج.
وهذه النقطة قد تكون أكثر أهمية من رقم عشرة مليارات دولار نفسه. فإذا أصبحت الطرق السورية جزءًا مستقرًا من تجارة تركيا مع الأردن والسعودية والخليج، فلن تعود العلاقات الاقتصادية بين أنقرة ودمشق قائمة فقط على الصادرات الثنائية، بل ستصبح سوريا جزءًا من شبكة النقل الإقليمية التركية.
المعابر تتحول من حدود أمنية إلى بوابات تجارية
ترافق هذا التوجه مع إعادة تشغيل حركة النقل المباشر. ففي أغسطس/آب 2025 استؤنف النقل البري المباشر بين البلدين بعد توقف استمر 13 عامًا، لتنتهي تدريجيًا آلية نقل البضائع من شاحنة إلى أخرى على الحدود التي كانت ترفع الكلفة وتطيل زمن الرحلة.
وتعمل أنقرة ودمشق الآن على فتح مزيد من المعابر. وفي يوليو أعلن وزير التجارة التركي أن البلدين يعملان خصوصًا على إعادة تشغيل معبر نصيبين–القامشلي، فيما قال يلماز إن الهدف هو فتح المعابر تدريجيًا على امتداد الحدود خلال الأشهر المقبلة مع تحسن الوضع الأمني.
بالتوازي، يجري تطوير مشروع المنطقة الحرة والميناء الجاف في إدلب. وتصف السلطات السورية المشروع بأنه مركز للصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية، مع إعفاءات ضريبية وجمركية وإمكان التخزين وإعادة التصدير. والغاية المعلنة هي بناء سلسلة إنتاج وإمداد مشتركة بين الاقتصادين السوري والتركي، لا مجرد معبر للبضائع.
إذا نُفذت هذه المشاريع، فإن الحدود التي كانت طوال سنوات واحدة من أكثر حدود المنطقة عسكرة ستتحول تدريجيًا إلى شريط اقتصادي، يمتد فيه التصنيع والتخزين والنقل من حلب وإدلب إلى غازي عنتاب وكيليس، ويتصل جنوبًا بالأردن والخليج.
نفوذ تركي ينتقل إلى المؤسسات
ولا يقف التوسع التركي عند الجيش والتجارة.
يلماز أعلن أيضًا عن اتفاق في مجال التعليم يسمح بفتح مدارس تركية دولية في دمشق ومحيطها، مع استمرار المؤسسات التعليمية الموجودة في الشمال ضمن التشريعات السورية، كما تحدث عن ترتيبات تعمل عليها وزارتا الخارجية والداخلية في تركيا لتسهيل دخول السوريين الذين عادوا إلى بلادهم ثم يرغبون في زيارة تركيا.
مجتمعة، تكشف هذه الخطوات عن انتقال العلاقة من مرحلة التعاون السياسي بين حكومتين إلى تشابك مؤسساتي يشمل الجيش والجمارك والنقل والصناعة والتعليم وحركة الأشخاص.
وهذا ما يجعل الحديث التركي عن «خمسين عامًا» أكثر من تعبير دبلوماسي. أنقرة تحاول بناء مصالح يصعب فصلها لاحقًا: جيش سوري يتدرب معها، اقتصاد يرتبط بمصانعها وأسواقها، طرق سورية تخدم تجارتها مع الخليج، ومعابر حدودية تتحول إلى مراكز إنتاج ونقل.
لكن هذه العلاقة تحمل في الوقت نفسه تحديًا بالنسبة إلى دمشق. فحاجة سوريا الهائلة إلى إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها تمنح تركيا قدرة استثنائية على الحركة، فيما سيكون على الحكومة السورية المحافظة على التوازن بين الاستفادة من الجار الذي يمتلك أطول حدود معها وبين عدم تحويل إعادة الإعمار إلى اعتماد اقتصادي وأمني أحادي.
وهذه المسألة تصبح أكثر حساسية لأن سوريا لا تتحرك في فراغ. السعودية وقطر والإمارات والولايات المتحدة ودول أوروبية تسعى بدورها إلى بناء علاقات اقتصادية وسياسية مع دمشق، بينما يبقى موقع تركيا مختلفًا بسبب الجغرافيا والتداخل السكاني وشبكات التجارة والوجود العسكري الذي تشكل خلال سنوات الحرب.
لذلك فإن المشروع الذي تعرضه أنقرة ليس تحالفًا سياسيًا عابرًا، بل محاولة لإعادة تحديد وظيفة سوريا داخل الإقليم: دولة مستقرة على الحدود الجنوبية لتركيا، ذات جيش مركزي لا يسمح بوجود قوة كردية مستقلة، واقتصاد مندمج في شبكة الإنتاج التركية، وممر بري يصل الأناضول بالعالم العربي والخليج.
وفي المقابل، تحصل دمشق على منفذ واسع إلى الأسواق ورأس المال والبنية الصناعية التركية، وعلى شريك قادر على المساهمة بسرعة في التدريب العسكري والنقل وإعادة الإعمار.
ويبقى نجاح هذه الصيغة مرتبطًا بملفات لم تحسم بعد، في مقدمتها استكمال دمج «قسد»، وفتح كامل المعابر، وإقرار اتفاق التجارة الحرة، وبناء المناطق الصناعية، إضافة إلى قدرة الدولة السورية على تثبيت مؤسساتها وسيادتها في جميع أنحاء البلاد.
لكن الاتجاه أصبح واضحًا: تركيا لا تبني علاقتها الحالية مع دمشق على إدارة مرحلة ما بعد الأسد فقط، بل على تصور لسوريا بوصفها شريكًا استراتيجيًا طويل الأجل. وما كان خلال سنوات الحرب حدودًا للفصل والعمليات العسكرية، تريد أنقرة ودمشق تحويله الآن إلى مساحة مشتركة للأمن والتجارة والنقل والإنتاج.
متابعات عربية
من المؤثرين إلى «المواقع الإخبارية» والكتب.. شبكة تأثير رقمية إماراتية تتشكل حول سرديات موحدة من الخليج إلى أوروبا
بين أواخر عام 2024 والأشهر الأولى من 2025، ظهر على منصات التواصل عدد من الوجوه الإماراتية الشابة بوتيرة لافتة؛ حسابات أُنشئت أو أعيد تنشيطها في فترة زمنية متقاربة، مقاطع مصورة بإنتاج متشابه، مقالات رأي في مواقع حديثة العهد، ثم مشاركات متكررة في مؤتمرات ومراكز أبحاث في لندن ونيويورك وواشنطن وجنيف. وبحلول منتصف 2025، كان عدد من هذه الأسماء قد أصدر كتبًا باللغة الإنجليزية، معظمها عبر دار النشر نفسها وخلال ثلاثة أشهر فقط.
ظاهريًا، تبدو هذه الأنشطة منفصلة؛ مؤثرون، مواقع إخبارية، كتب، مؤتمرات وشركة دعاية. لكن تتبع الروابط بينها يكشف بنية أكثر ترابطًا، تدور فيها مجموعة محدودة من الأسماء والمنصات حول مجموعة شبه ثابتة من القضايا: الإخوان المسلمون، الحرب في السودان، الهجرة والإسلام في أوروبا، إسرائيل، والاحتجاجات والحركات المدنية الغربية. وفي قلب هذه الدائرة يظهر بصورة متكررة اسم أمجد طه وشركته Crestnux Media.
لا توجد، في المقابل، أدلة علنية تثبت أن جميع هذه الشخصيات تعمل ضمن جهاز واحد أو تتلقى تعليمات من جهة حكومية، كما لا يعرف بصورة موثقة من يمول السفر والإنتاج والظهور الدولي لجميع أفراد المجموعة. ما هو قابل للتوثيق حتى الآن هو تزامن الظهور، وتكرار التعاون، وتشابك البنية الإعلامية والإعلانية، والتقارب الشديد في السرديات التي تنتقل بين الحسابات والمواقع والمنشورات.
ظهور متزامن
بدأت القصة الرقمية بصورة يصعب تجاهلها. سبعة من الحسابات التي تناولها تحقيق الباحث في التضليل الرقمي مارك أوين جونز أُنشئت على منصة X خلال ديسمبر/كانون الأول 2024 ويناير/كانون الثاني 2025، بينها حسابات روضة الطنيجي، ومريم المزروعي، وعبيد الزعابي، وعبدالقادر المنهالي، وميرا زايد، وماجد الساعدي. وفي حالات أخرى، لم تكن الحسابات جديدة، لكنها عادت إلى النشاط فجأة أو تغير أسلوبها ومضمونها في الفترة نفسها.
سرعان ما انتقل النشاط من المنشورات النصية إلى مقاطع فيديو ذات قالب بصري متقارب. ويظهر عدد من الشخصيات في استوديوهات تحمل الديكور نفسه تقريبًا، فيما يرتبط جزء من الإنتاج بمنصة OnePodcastAE التي ظهرت هي الأخرى في الفترة ذاتها واستضافت عددًا من أفراد المجموعة.
ثم بدأت الأسماء نفسها تظهر خارج الإمارات. ففي فبراير/شباط ومارس/آذار 2025 شارك عدد منها، برفقة أمجد طه في حالات عدة، في فعاليات في بريطانيا والولايات المتحدة، بينها مؤتمر Alliance for Responsible Citizenship في لندن، ومركز Pinsker في كامبريدج، وفعاليات في نيويورك وسان دييغو وجامعة جورجتاون، إضافة إلى لقاءات مرتبطة بمؤسسة Heritage. تكررت هذه المشاركات لاحقًا في جنيف ومناسبات أخرى، من دون إعلان واضح عن الجهة التي نظمت أو مولت جميع الرحلات.
الانتشار لم يكن قائمًا على الحضور وحده. تحليل منشورات عشرة من الحسابات أظهر تركيزًا استثنائيًا على مصطلحي «الإسلام» و«الإخوان المسلمين»، إلى درجة أن «Muslim Brotherhood» كانت أكثر العبارات المركبة تكرارًا في المحتوى الذي جرى تحليله. وامتدت هذه العدسة إلى ملفات لا ترتبط بالإخوان بصورة مباشرة، من السودان وغزة إلى الهجرة الأوروبية والاحتجاجات وحتى القضايا البيئية.
مواقع إخبارية ظهرت في التوقيت نفسه
بالتوازي مع صعود الحسابات، ظهرت مجموعة من المواقع ذات التصميم الإخباري والأسماء الغربية: The Washington Eye، Daily Euro Times، Brieflex، AfricaLix وInfoFlix.
أربعة من هذه النطاقات سُجلت في يوم واحد، الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بينما سُجل AfricaLix قبل ذلك بأسبوعين تقريبًا. كما أن حساباتها على X، باستثناء InfoFlix، أُنشئت خلال ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، أي في الفترة التي بدأت فيها حسابات المؤثرين بالظهور.
المواقع لا تتطابق تمامًا في مستوى التحرير أو طبيعة العمل. بعضها وظف محررين وكتابًا معروفين ونشر مقابلات ومقالات أصلية، لكن الجزء الأكبر من الإنتاج يقوم على تدفق مرتفع من المواد القصيرة أو العامة، مع بنية تحريرية محدودة أو غير واضحة. وفي حالة Daily Euro Times مثلًا، لا يزال الموقع يعرض قائمة لكتاب ومساهمين بأسمائهم، بينما تؤكد صفحة مهنية لمحرره السابق جاس أندرسون أنه شغل منصب رئيس التحرير بين ديسمبر 2024 ونوفمبر 2025 وعمل لدى Crestnux.
وتوفر بعض المواد المنشورة مثالًا مباشرًا على التقاطع في الخطاب. ففي يوليو/تموز 2025 نشر Daily Euro Times مقالًا لأحمد شريف العامري بعنوان عن «تمدد الإخوان المسلمين في أيرلندا»، يقدم فيه الجماعة باعتبارها شبكة تسعى إلى اختراق المؤسسات التعليمية والدينية والمدنية الأوروبية، ثم ينتقل إلى الدفاع عن النموذج الإماراتي في الفصل بين الدين والسياسة. المقال ما يزال منشورًا على الموقع.
أما Washington Eye فنشر مقالات لعدد من الشخصيات نفسها، بينها روضة الطنيجي، التي كتبت عن تحالف I2U2 الذي يضم الإمارات والهند وإسرائيل والولايات المتحدة. وتظهر صفحة المقال الأصلية اسمها بوضوح بوصفها الكاتبة.
المشكلة لا تكمن في وجود توجه سياسي للمواقع؛ فهذا أمر شائع في الإعلام. ما أثار الاهتمام هو استخدامها أحيانًا لإضفاء مظهر صحفي على ادعاءات يصعب توثيقها، ثم انتقال هذه الادعاءات إلى شبكات التواصل باعتبارها «تقارير منشورة».
أبرز مثال ورد في التحقيق يتعلق بخبر نشره Washington Eye في مايو/أيار 2025، زعم أن رئيس الوزراء الليبي حول 400 مليون دولار إلى تركيا وربط المسألة بالإخوان المسلمين. نُسبت القصة إلى اسمين لم يجد الباحث لهما سجلًا صحفيًا واضحًا، ثم اختفت المادة من الموقع بعد نفيها، بينما ظل أثرها متداولًا على X.
هذه الآلية هي ما يصفه باحثو التضليل بـ«غسل السردية»؛ لا يحتاج الادعاء إلى مؤسسة إعلامية كبيرة؛ يكفي أن يُنشر في موقع يحمل تصميمًا إخباريًا وعنوانًا ورابطًا، ثم يعاد تداوله من حسابات أخرى بوصفه مصدرًا مستقلًا.
أمجد طه وشركة Crestnux
في نقطة التقاء عدد من هذه المسارات يظهر أمجد طه، الذي يُعرّف في فعاليات عامة بصفته الرئيس التنفيذي لشركة Crestnux Media. وهذا الوصف ليس مستندًا فقط إلى التحقيق؛ فالموقع الرسمي لمؤتمر IDCT في أبوظبي قدم طه بهذه الصفة ضمن قائمة المتحدثين.
والشركة نفسها مسجلة في أبوظبي تحت اسم Crestnux Advertising and Marketing LLC منذ سبتمبر/أيلول 2024، وتشمل أنشطتها المسجلة تصميم وإنتاج الإعلانات والاستشارات الإعلامية والإعلانات الرقمية، بحسب بيانات تجارية منشورة تستند إلى سجلات غرفة تجارة أبوظبي.
الفاصل الزمني هنا لافت: تأسيس الشركة في سبتمبر 2024، ثم تسجيل عدد من المواقع الإعلامية في أكتوبر ونوفمبر، ثم إنشاء دفعة من حسابات المؤثرين في ديسمبر ويناير.
لكن الرابط الأهم ليس زمنيًا فقط.
تظهر بيانات مكتبة الإعلانات في غوغل، وفق التحقيق، أن Crestnux دفعت ثمن حملات إعلانية لصالح Washington Eye وDaily Euro Times خلال فبراير ومارس 2025. وهذه نقطة مالية مباشرة تربط شركة طه بمنصتين من المنصات التي نشرت محتوى لأفراد المجموعة.
كما تظهر علاقة تنظيمية أكثر وضوحًا في السيرة المهنية للمحرر السابق لـDaily Euro Times؛ إذ يصف وظيفته نفسها بأنها “Chief Editor at The Daily Euro Times, Crestnux”، وهو ما يقدم رابطًا يتجاوز مجرد شراء الإعلانات إلى علاقة مهنية بين الموقع والشركة على الأقل خلال الفترة التي عمل فيها هناك.
وتظهر الشركة أيضًا في نشاط المجموعة خارج الإعلام. ففي سبتمبر/أيلول 2025 زار وفد من 14 شخصًا رواندا تحت اسم Crestnux، ووصفت تغطية الزيارة المجموعة بأنها تضم «قادة رأي إماراتيين شباب» من مجالات السياسة والذكاء الاصطناعي والطب والمصارف والإعلام والزراعة، يقودهم أمجد طه. ويشير التحقيق إلى أن المجموعة سبق أن قامت برحلات مماثلة إلى الولايات المتحدة وأوروبا.
كل ذلك يجعل طه عقدة واضحة داخل الشبكة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أنه يدير كل حساب أو يحدد كل رسالة تصدر عنها. حتى التحقيق الأصلي يترك الدور الفعلي لـCrestnux، ومصادر التمويل، وطريقة اتخاذ القرارات التحريرية والإعلانية، أسئلة مفتوحة.
عندما يتحول الكتاب إلى أداة لبناء «الصفة»
الطبقة الأكثر غرابة في هذه المنظومة جاءت في النصف الثاني من 2025.
ثمانية من الأسماء المرتبطة بالدائرة أصدروا كتبًا خلال فترة قصيرة بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول، وجميعها تقريبًا عبر دار AuthorHouse، وهي منصة للنشر المدفوع والطباعة عند الطلب. التحقيق يلفت إلى التشابه الكبير في الأسلوب والبنية وغياب المراجع عن عدد من الكتب، ويرى أنها تحمل مؤشرات قوية على الاستعانة بنماذج لغوية في إنتاجها، لكن لا يوجد إثبات مستقل يتيح الجزم بأن الكتب كتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وجود الكتب نفسه قابل للتحقق. فـAuthorHouse تعرض بالفعل كتاب Andalusion لروضة الطنيجي، كما تعرض The Emirati Model لعبيد الزعابي، وكتاب From Falcon to Flag لأحمد شريف العامري، الذي صدر في يوليو/تموز 2025، إلى جانب عناوين أخرى لأفراد المجموعة.
والأهمية هنا ليست أدبية بقدر ما هي رقمية.
فمجرد صدور كتاب يجعل صاحبه يظهر في نتائج البحث بوصفه «مؤلفًا»، وتلتقط محركات البحث ونماذج الذكاء الاصطناعي هذه الصفة لاحقًا عند بناء ملفات تعريف الأشخاص. بذلك يمكن أن يتحول النشر نفسه إلى وسيلة لبناء سلطة رمزية قابلة لإعادة التدوير: مؤثر ينشر كتابًا، ثم يُقدم في مؤتمر بوصفه كاتبًا أو محللًا، فتتحول صفة اكتسبها عبر النشر المدفوع إلى أحد عناصر المصداقية في ظهوره اللاحق.
من الخليج إلى اليمين الأوروبي
الحلقة الأخرى في الشبكة تمتد باتجاه منظومة إعلامية يمينية في أوروبا.
يتتبع التحقيق علاقة عدد من هذه الشخصيات بمنصة Visegrad24 وشبكتها الشرق أوسطية Middle East 24، التي بدأت خلال 2025 في نشر واستضافة محتوى لعدد منهم. كما أجرى مؤسس Visegrad24 ستيفان تومبسون مقابلة مع أمجد طه، بينما تكرر في هذا الفضاء الإعلامي التركيز على الهجرة والإسلام السياسي والأمن الأوروبي والسرديات المؤيدة لإسرائيل.
التقاطع هنا لا يعني بالضرورة وجود غرفة عمليات مشتركة. الأوضح هو تقارب المصالح والخطاب: الرسائل المناهضة للإخوان والإسلام السياسي التي تنتج في السياق الخليجي تجد جمهورًا جاهزًا داخل قطاعات من اليمين الأوروبي القلقة من الهجرة والإسلام، فيما يتيح هذا اليمين بدوره للمعلقين العرب منصات غربية تعزز حضورهم وشرعيتهم.
وهكذا تتحرك السردية في الاتجاهين: خطاب ينتج أو يضخم في المنطقة، ثم يظهر في منصة أو مؤتمر غربي، وبعد ذلك يعود إلى الجمهور العربي وقد اكتسب صفة «الرأي الذي يناقش في واشنطن أو لندن».
التضليل لا يحتاج إلى «جيش إلكتروني» تقليدي
الأكثر أهمية في هذه القصة ليس إثبات وجود قيادة سرية واحدة بقدر ما هو شكل البنية التي تكشف عنها.
عمليات التأثير الحديثة لم تعد تحتاج بالضرورة إلى آلاف الحسابات الوهمية التي تنشر الجملة نفسها. يمكن بناء منظومة أكثر إقناعًا من وجوه حقيقية، ومواقع تبدو صحفية، ومقالات تحمل أسماء مؤلفين، ومؤتمرات حقيقية، وإعلانات مدفوعة، وكتب قابلة للشراء، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة حجم المحتوى وخفض تكلفة إنتاجه.
بهذه الطريقة لا تبدو الرسالة وكأنها صادرة من جهة واحدة. تظهر في البداية كرأي لمؤثر، ثم كمقال في موقع آخر، ثم يناقشها كاتب ثالث، أو يعاد تقديم صاحبها في مؤتمر بصفته مؤلفًا ومحللًا.
وهذا ما يجعل مفهوم «غسل السرديات» أكثر دقة من الصورة التقليدية للدعاية: المطلوب ليس فقط إقناع الجمهور بالمعلومة، بل بناء سلسلة من المراجع الظاهرية تجعل المعلومة تبدو وكأنها جاءت من مصادر مستقلة متعددة.
وتوفر إحدى القضايا مثالًا على خطورة هذه الآلية. ففي فبراير/شباط 2025، أطلق أمجد طه خلال مقابلة على GB News اتهامات ضد منظمة Islamic Relief تتعلق بتمويل الإرهاب. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه اعتذرت القناة رسميًا، وسحبت المواد، ودفعت تعويضات بعد إقرار أمام المحكمة بأن الادعاء كان غير صحيح.
هنا تصبح المسألة أكبر من اختلاف سياسي حول الإخوان أو الإمارات أو إسرائيل. فهي تتعلق بقدرة منظومة إعلامية منخفضة الكلفة على نقل الادعاء من حساب إلى موقع، ومن الموقع إلى شاشة تلفزيون أو مؤسسة غربية، قبل أن يخضع أصل الادعاء نفسه للفحص.
ولا يزال الجزء الحاسم من الصورة مجهولًا. لا يوجد حتى الآن دليل علني يحدد من يمول كامل الشبكة، أو يثبت أنها برنامج رسمي تابع للدولة الإماراتية، أو أن جميع أعضائها يتلقون تعليمات موحدة. كما أن التشابه في المواقف السياسية لا يكفي وحده لإثبات التنسيق. التحقيق نفسه يقر بأن دوافع الأفراد وعلاقاتهم المالية وآلية اتخاذ القرار داخل المنظومة لم تُحسم.
لكن ما يمكن توثيقه يظل ذا دلالة: حسابات ظهرت في توقيت متقارب، مواقع سجلت في الفترة نفسها، استوديوهات وفعاليات مشتركة، مقالات وسرديات تتكرر بين المنصات، شركة إعلانات ترتبط ماليًا وإداريًا بجزء من هذا النشاط، ودفعة من الكتب صدرت خلال أشهر قليلة لتضيف إلى أصحابها صفة المؤلف والخبير.
ليست هذه بالضرورة «حملة مركزية» بالمعنى التقليدي، لكنها تمثل نموذجًا لما يمكن أن تصبح عليه صناعة النفوذ في عصر الذكاء الاصطناعي: بدل شراء وسيلة إعلام كبرى، يمكن بناء عشرات الطبقات الصغيرة من المصداقية، وربطها ببعضها، ثم ترك الخوارزميات ومحركات البحث ومنصات التواصل تتولى إعادة إنتاجها.
صراع أبناء حفتر واغتيال رئيس الاستخبارات يهددان تماسك منظومة الشرق الليبي
تواجه منظومة المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا مرحلة أكثر هشاشة من أي وقت مضى خلال السنوات الأخيرة، مع تزامن التحضير لخلافته داخل العائلة مع تصاعد المنافسة بين أبنائه، في وقت هز فيه اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري صورة القبضة الأمنية التي بنى عليها حفتر شرعيته في بنغازي وشرق البلاد.
هذا ما خلص إليه تقرير للصحفي فريديريك بوبان في صحيفة «لوموند» الفرنسية، التي رأت أن مقتل المنصوري لا يمثل حادثاً أمنياً معزولاً بقدر ما يكشف نقاط ضعف في نظام سياسي وعسكري شديد المركزية، بات يواجه سؤالاً حساساً حول قدرته على الاستمرار بعد حفتر، البالغ من العمر 82 عاماً.
ضربة في قلب بنغازي
قُتل المنصوري في 10 أغسطس/آب إثر انفجار استهدف سيارته في بنغازي، المدينة التي تحولت خلال العقد الماضي إلى مركز ثقل قوات حفتر وإحدى أكثر مناطق الشرق الليبي خضوعاً للرقابة الأمنية.
وكان المنصوري شخصية محورية داخل المنظومة العسكرية، إذ لعب دوراً في تثبيت نفوذ قوات حفتر خلال توسعها من درنة شرقاً إلى سبها جنوباً مروراً بمنطقة الهلال النفطي. ولهذا أثار نجاح عملية اغتياله داخل بنغازي تساؤلات تتجاوز هوية المنفذين إلى قدرة الأجهزة الأمنية نفسها على حماية كبار قادتها.
وأعلنت سلطات الشرق أن الهجوم يحمل طابعاً «إرهابياً»، فيما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها حتى الآن. إلا أن «لوموند» تلفت إلى أن فرضية عودة جماعات جهادية إلى قلب بنغازي تبدو مثيرة للاستغراب بعد سنوات من إعلان القضاء عليها، ما يبقي الباب مفتوحاً أمام فرضيات أخرى، بينها تصفية حسابات داخلية، من دون وجود دليل منشور حتى الآن يحسم أيّاً منها.
وتكمن أهمية الحادث في أنه يضرب مباشرة السردية التي رسخها حفتر طوال سنوات: أن نظامه الاستبدادي، مهما كانت كلفته السياسية، وفر لشرق ليبيا مستوى من الأمن والاستقرار لم تتمكن سلطات طرابلس من تحقيقه.
صدام حفتر وريثاً
بالتوازي مع التحدي الأمني، يعمل خليفة حفتر على ترتيب انتقال السلطة داخل عائلته.
وبحسب «لوموند»، حسم حفتر إلى حد كبير خياره لصالح نجله صدام حفتر، الذي عُين عام 2025 نائباً للقائد العام لقوات الشرق، وبات الشخصية الأكثر حضوراً في الملفات العسكرية والدبلوماسية المرتبطة بمستقبل السلطة.
لكن اختيار صدام لم ينهِ صراع الخلافة، بل عمّقه.
فشقيقه خالد حفتر يشغل منصب رئيس أركان قوات الشرق، وهو موقع عسكري مهم لكنه يأتي أدنى من موقع صدام في التسلسل الذي أراده والده. وتشير «لوموند» إلى أن ترجيح كفة صدام أدى إلى توتر العلاقة بين الشقيقين، مع امتلاك كل منهما شبكات نفوذ وقوى ومصالح خاصة به.
أما بلقاسم حفتر، فقد بنى ثقله في المجال الاقتصادي من خلال إدارته صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي أصبح بعد كارثة إعصار دانيال قناة رئيسية للمشاريع والاستثمارات الأجنبية في الشرق.
وبذلك لا يدور التنافس داخل العائلة على قيادة المؤسسة العسكرية فقط، بل أيضاً على السيطرة على الموارد المالية وشبكات الاستثمار التي أصبحت ركناً أساسياً من منظومة الحكم في شرق ليبيا.
ويظهر الشقيقان الآخران، صديق حفتر وعقبة حفتر، في مواقع أقل نفوذاً؛ الأول في الوساطات القبلية، والثاني في مجالات التكنولوجيا والعملات المشفرة، لكن الصحيفة ترى أن كليهما يسعى بدوره إلى حماية مصالحه داخل النظام العائلي الناشئ.
نظام بُني لرجل واحد وليس لخمسة
المعضلة الأساسية، وفق التقرير، هي أن نظام حفتر لم يُصمم أصلاً ليعمل كمنظومة مؤسساتية يمكن نقل قيادتها بسلاسة.
وينقل التقرير عن مدير «معهد الصادق» أن حفتر بنى نظاماً «لرجل واحد، وليس لخمسة»، في إشارة إلى أن توزيع السلطة بين أبنائه يمكن أن يحول ما كان مركز قوة النظام إلى مصدر لانقسامه.
ويزداد هذا الخطر لأن صدام وخالد، رغم المناصب العسكرية التي يشغلانها، لا يمتلكان الخبرة الأمنية والقبلية الطويلة التي راكمها والدهما، فيما ينشغل أفراد العائلة بدرجة كبيرة بإدارة الملفات الاقتصادية والمالية.
وهذا الاختلاف مهم في بيئة مثل ليبيا، حيث لا تقوم السيطرة على القوة العسكرية وحدها، بل على شبكة شديدة التعقيد من التحالفات القبلية والمالية والعسكرية المحلية.
الخلافة تتقاطع مع الخطة الأميركية
ويأتي صراع الوراثة في توقيت تحاول فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعادة إطلاق مسار لتوحيد المؤسسات الليبية.
ويقود مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية مَسْعَد بولس (Massad Boulos) مبادرة للتقريب بين معسكر حفتر في الشرق وعائلة الدبيبة في الغرب. وتشير تقارير إلى تداول سيناريو يمنح صدام حفتر موقعاً قيادياً في الدولة الليبية الموحدة مقابل بقاء رئاسة الحكومة في يد شخصية مرتبطة بمعسكر الدبيبة، وإن كانت هذه الترتيبات لا تزال موضع تفاوض ولم تتحول إلى اتفاق نهائي.
وبالنسبة إلى أبناء حفتر، فإن مثل هذا السيناريو يرفع قيمة الصراع الداخلي، لأن المسألة لم تعد مقتصرة على وراثة حكم الشرق، وإنما قد تتعلق بموقع العائلة في ليبيا موحدة مستقبلاً.
ومن هنا يمكن فهم سبب تحول صعود صدام من ترتيب عائلي داخلي إلى قضية تمس توازن المنظومة السياسية والعسكرية بأكملها.
الجنوب يكشف حدود السيطرة
ولا تأتي أزمة الخلافة في وقت تكون فيه قوات حفتر في ذروة قوتها.
فبحسب «لوموند»، تواجه منظومة الشرق تراجعاً في بعض مناطق الجنوب الليبي، بعدما خسرت ولاءات شخصيات وقوى محلية كانت تمثل أساس وجودها في إقليم فزان.
ومن أبرز الأمثلة قائد اللواء 128 حسن الزادمة، الذي دخل في خلافات مع صدام حفتر ثم اقترب من حكومة طرابلس، إلى جانب انشقاق قائد من التبو هو محمد وردقو، وتأسيسه قوة مسلحة بدأت بمهاجمة مواقع تابعة لمعسكر حفتر.
وتكشف هذه التطورات طبيعة النفوذ الذي بناه حفتر في الجنوب؛ فهو لم يعتمد دائماً على مؤسسات عسكرية مركزية بقدر اعتماده على شراء الولاءات وبناء تفاهمات مع القبائل والقوى المسلحة المحلية.
وبالتالي فإن قدرة الأبناء على المحافظة على هذه التحالفات ستكون اختباراً حقيقياً لمدى قابلية النظام للبقاء بعد مؤسسه.
ما بعد حفتر أخطر من الصراع معه
المشكلة التي يطرحها تقرير «لوموند» لا تتمثل في سقوط وشيك لمنظومة حفتر؛ فلا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للقول إنها على وشك التفكك.
لكن اغتيال شخصية بحجم رئيس الاستخبارات العسكرية، بالتزامن مع احتدام الصراع بين أبناء حفتر وتراجع بعض التحالفات في الجنوب، يكشف أن النظام الذي بدا لسنوات شديد الصلابة يحمل داخله نقاط ضعف مرتبطة بطبيعته الشخصية والعائلية.
فحفتر استطاع جمع المؤسسة العسكرية والقبائل والمصالح الاقتصادية وشبكات النفوذ الخارجي حول مركز واحد هو شخصه. أما تحويل هذا النموذج إلى حكم عائلي موزع بين خمسة أبناء ذوي مصالح وطموحات مختلفة، فقد يكون أكثر تعقيداً بكثير.
ولهذا فإن السؤال الذي يواجه شرق ليبيا اليوم لم يعد فقط من سيخلف خليفة حفتر، وإنما ما إذا كانت المنظومة نفسها تستطيع البقاء متماسكة عندما يغيب الرجل الذي صُممت حوله.
وإذا تحول تنافس الأبناء من توزيع للنفوذ إلى صراع مفتوح على القيادة والموارد، فقد يصبح انتقال السلطة داخل عائلة حفتر أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في ليبيا، في لحظة تحاول فيها القوى الإقليمية والدولية دفع البلاد نحو تسوية سياسية وتوحيد مؤسساتها.
من «أدنوك» إلى النفوذ العالمي.. كيف تعيد الإمارات رسم موقعها في الخليج؟
لم يعد توسع شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» (ADNOC) مجرد قصة نمو لشركة طاقة حكومية، بل بات جزءاً من تحول أوسع في موقع الإمارات السياسي والاقتصادي، في وقت أصبحت فيه أبوظبي أكثر استعداداً لاستخدام ثقلها المالي والنفطي لبناء نفوذ يتجاوز حدود الخليج.
وفي تقرير مطول، تضع صحيفة «فايننشال تايمز» (Financial Times) التحول الذي تشهده «أدنوك» في سياق صعود الحضور الإماراتي عالمياً خلال العقد الماضي، وهي الفترة التي شهدت سياسة خارجية أكثر حزماً وتدخلاً في الملفات الإقليمية، حتى اكتسبت الإمارات في بعض الأوساط الدبلوماسية وصف «إسبرطة الصغيرة» (Little Sparta).
وبحسب الصحيفة، فإن الخطوات التي تتخذها «أدنوك» بعد خروج الإمارات من منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» (OPEC) تعكس توجهاً نحو تعظيم إنتاج النفط، وتوسيع الحضور الدولي، وتأمين طرق جديدة للتصدير، بالتوازي مع تحويل الشركة من مؤسسة وطنية تقليدية إلى مجموعة طاقة عالمية قادرة على منافسة أكبر شركات القطاع.
استراتيجية بدأت قبل عقد
ترجع جذور هذا التحول إلى عام 2016، عندما تولى سلطان الجابر (Sultan Al Jaber) منصب الرئيس التنفيذي لـ«أدنوك».
وتنقل «فايننشال تايمز» عن أشخاص مطلعين على تاريخ الشركة أنه عُرض على الجابر بعد فترة قصيرة من تعيينه مقترح لتوسيع عمليات استكشاف النفط، فأدرك أن زيادة الاحتياطيات لن توفر فقط كميات إضافية للإنتاج، وإنما ستعزز أيضاً موقف الإمارات للمطالبة بحصة أكبر داخل «أوبك».
وبحسب المصادر نفسها، تحول الجابر سريعاً إلى أبرز المدافعين عن المشروع، ووضع خطة لتنفيذه خلال نحو ستة أسابيع.
وبحلول عام 2018، حددت «أدنوك» هدفاً لرفع طاقتها الإنتاجية من نحو 3.5 ملايين برميل يومياً إلى 5 ملايين بحلول عام 2030، قبل تقديم الموعد المستهدف لاحقاً إلى عام 2027.
وتقول الشركة إنها أصبحت قادرة بالفعل على إنتاج نحو 4.8 ملايين برميل من النفط يومياً، وإنها اختبرت لفترة قصيرة مستوى 5 ملايين برميل يومياً. أما الإنتاج الفعلي للإمارات فبلغ في يونيو/حزيران نحو 4.1 ملايين برميل يومياً، وهو أعلى مستوى تسجله بيانات وكالة الطاقة الدولية للبلاد.
ما بعد «أوبك»
خروج الإمارات من «أوبك» يغير جانباً أساسياً من هذه المعادلة، إذ يحرر أبوظبي من حصص الإنتاج التي كانت تحد عملياً من قدرتها على تحويل توسع الطاقة الإنتاجية إلى براميل إضافية في السوق.
وتؤكد الرواية الإماراتية، وفق التقرير، أن قرار الخروج لم يكن موجهاً ضد السعودية أو أي دولة أخرى، وإنما يعكس «الثقة» بقدرات الإمارات وطموحاتها.
لكن التأثير الاقتصادي للخطوة قد يضع أبوظبي والرياض أمام منافسة أكثر وضوحاً على الحصة السوقية.
وقد ظهرت إشارات أولية إلى ذلك بالفعل، بعدما رفعت «أدنوك» الإنتاج إلى مستوى قياسي في يونيو/حزيران، بينما خفضت السعودية أسعار البيع الرسمية لنفطها، ولا سيما للعملاء في آسيا.
وتحذر الصحيفة من أن اندفاع الدولتين إلى تعظيم الإنتاج في الوقت نفسه يمكن أن يؤدي إلى انخفاض حاد في أسعار الخام، بما يقلل العائدات ويجعل تمويل الاستثمارات الجديدة أكثر صعوبة.
لكن تراجع المخزونات العالمية خلال الحرب مع إيران وفر، على الأقل مؤقتاً، هامشاً أكبر لزيادة الإمدادات من دون التسبب مباشرة في تخمة كبيرة بالسوق.
تنافس إماراتي-سعودي من نوع مختلف
الأهم أن الاختلاف بين الرياض وأبوظبي لا يتعلق فقط بعدد البراميل التي يمكن لكل دولة ضخها.
فالنموذجان الاقتصاديان في قطاع الطاقة يبدوان مختلفين بصورة متزايدة.
في السعودية، حافظت شركة «أرامكو السعودية» (Saudi Aramco) على نموذج يحد بدرجة كبيرة من مشاركة شركات النفط الأجنبية في الاستفادة المباشرة من موارد المملكة.
أما «أدنوك» فاختارت مساراً أكثر انفتاحاً على الشركاء الدوليين.
ووفق بيانات شركة «وود ماكنزي» (Wood Mackenzie)، ارتفع إنتاج شركات النفط العالمية الكبرى، مثل «بي بي» (BP) و«توتال إنرجيز» (TotalEnergies)، من مشاريعها داخل الإمارات بنسبة 34% بين عامي 2020 و2025.
وخلال الفترة نفسها، أنتجت شركات النفط الخاصة داخل الإمارات نحو عشرة أضعاف ما أنتجته في السعودية.
ويعطي هذا النموذج أبوظبي ميزة مختلفة: فبدلاً من الاعتماد على رأس المال والتكنولوجيا المحليين فقط، تحاول ربط المصالح الاقتصادية لشركات الطاقة العالمية مباشرة بتوسع الإنتاج الإماراتي.
النفط أداة لبناء نفوذ عالمي
لكن مشروع «أدنوك» لا يتوقف عند ضخ المزيد من الخام.
فالشركة استثمرت عشرات المليارات من الدولارات في عمليات استحواذ وتوسع خارج الإمارات، خصوصاً في البتروكيماويات، وهي من المجالات التي يتوقع استمرار الطلب عليها حتى في عالم تنتشر فيه السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة.
ومن أبرز هذه التحركات دمج أعمال «أدنوك» البتروكيماوية مع أنشطة المواد الأولية التابعة لشركة «أو إم في» النمساوية (OMV)، لتأسيس «بروج غروب إنترناشونال» (Borouge Group International AG)، بقيمة تقارب 60 مليار دولار.
كما أكملت المجموعة في نهاية العام الماضي استحواذاً بقيمة 17 مليار دولار على شركة «كوفيسترو» الألمانية (Covestro)، المتخصصة في البوليمرات.
وفي أفريقيا، استحوذت ذراع توزيع «أدنوك» على محطات الوقود التابعة لشركة «شل» (Shell) في جنوب أفريقيا مقابل نحو مليار دولار، بما يمنح الشركة الإماراتية حضوراً مباشراً في سوق التجزئة بأحد أكبر الاقتصادات الأفريقية.
وهذه الاستثمارات تكشف أن الاستراتيجية لا تقوم ببساطة على بيع النفط الإماراتي إلى الخارج، بل على امتلاك أجزاء أكبر من سلسلة الطاقة العالمية، من الإنتاج إلى البتروكيماويات والتوزيع.
سباق لتحويل النفط إلى أصول
يطرح التقرير أيضاً تفسيراً آخر لسرعة التحرك الإماراتي.
فبعض مراقبي القطاع يرون أن أبوظبي قد تكون راغبة في تحويل أكبر قدر ممكن من مواردها النفطية إلى أموال وأصول عالمية بينما لا يزال النفط يحتفظ بقيمته الاستراتيجية.
وسلطان الجابر يؤكد أن الطلب العالمي على النفط سيبقى قوياً لفترة أطول مما يتوقعه كثيرون، لكن طريقة توسع «أدنوك» توحي في الوقت نفسه بأن الشركة تستعد لمرحلة قد يصبح فيها نمو الطلب على الخام أبطأ.
ومن هنا تبدو البتروكيماويات والاستثمارات الدولية والتحول إلى شركة طاقة عالمية بمثابة وسيلة لتحويل الثروة الموجودة تحت الأرض إلى شبكة أصول وشركات واستثمارات موزعة عالمياً.
هرمز يعيد تعريف أمن الطاقة
كما أظهرت الحرب مع إيران نقطة ضعف استراتيجية في النموذج الإماراتي تتمثل في اعتماد معظم الصادرات النفطية على مضيق هرمز.
ومنذ مارس/آذار، واجه جزء كبير من إنتاج الإمارات صعوبات في الوصول إلى العملاء نتيجة إغلاق المضيق، ما دفع «أدنوك» إلى تسريع البحث عن طرق تصدير أكثر أمناً.
وتمتلك الإمارات بالفعل خط أنابيب بطاقة نحو 1.5 مليون برميل يومياً يصل إلى الفجيرة خارج مضيق هرمز، لكنها تعمل على بناء خط ثان من شأنه مضاعفة كمية النفط الممكن تصديرها من الساحل الشرقي ابتداء من عام 2027.
كما تدرس الشركة إنشاء خط للمنتجات المكررة، في محاولة لتقليل قدرة أي أزمة مستقبلية في هرمز على تعطيل صادرات الدولة.
وهنا تتحول البنية التحتية للطاقة نفسها إلى عنصر من عناصر الاستقلال الاستراتيجي الإماراتي.
أدنوك والدولة.. مشروع واحد
تكمن الدلالة الجيوسياسية الأهم في أن مستقبل «أدنوك» يصعب فصله عن مستقبل الإمارات نفسها.
فعائدات الشركة ساهمت تاريخياً في تمويل انتقال الإمارات من مجموعة مشيخات صحراوية إلى مركز عالمي للتجارة والاستثمار، بينما يبدو أن المرحلة الجديدة تهدف إلى استخدام الشركة لبناء نوع مختلف من النفوذ: نفوذ يقوم على امتلاك أصول دولية، وربط شركات غربية كبرى بالمشاريع الإماراتية، وتوسيع الحضور في آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وتتوقع «وود ماكنزي» أن يصل إجمالي إنتاج النفط والغاز في الإمارات خلال السنوات العشر المقبلة إلى نحو 7.9 ملايين برميل من المكافئ النفطي يومياً، بينها نحو 1.2 مليون برميل مكافئ يومياً تنتجها شركات دولية عاملة في الدولة.
وبهذا المعنى، فإن ما يجري داخل «أدنوك» يتجاوز استراتيجية شركة نفط.
إنه جزء من تحول في نموذج القوة الإماراتية نفسها: تحويل الموارد الهيدروكربونية إلى أصول عالمية ونفوذ اقتصادي وشراكات استراتيجية قبل أن تتغير قواعد سوق الطاقة.
أما بالنسبة إلى السعودية، فلا يعني هذا بالضرورة انتقال العلاقة إلى مواجهة مباشرة. فالبلدان يظلان شريكين اقتصاديين وسياسيين في ملفات عديدة، لكن توسع الطاقة الإنتاجية الإماراتية والتحرر من حصص «أوبك» يجعلان مصالحهما النفطية أقل تطابقاً من السابق.
وقد يكون الاختبار الحقيقي لهذا التحول عندما تصبح زيادة حصة أحدهما في السوق ممكنة فقط على حساب الآخر. عندها لن يكون السؤال متعلقاً بمنافسة «أدنوك» و«أرامكو» وحدهما، وإنما بمدى قدرة أكبر قوتين اقتصاديتين في الخليج على إدارة انتقالهما من التنسيق داخل منظومة نفطية واحدة إلى منافسة متزايدة على رأس المال والأسواق والنفوذ العالمي.
متابعات إفريقية
من بوغوتا إلى الفاشر.. شبكة مرتزقة كولومبيين برعاية إماراتية تكشف الوجه الدولي لحرب السودان
لم يعد وجود المرتزقة الكولومبيين في السودان مجرد رواية تتناقلها أطراف الحرب. تحقيق نشرته فايننشال تايمز في 15 أغسطس/آب 2026، مدعومًا بشهادات مقاتلين وسجلات سفر وبيانات تتبع للأجهزة وصور ومقاطع مصورة، يرسم للمرة الأولى صورة متكاملة تقريبًا لمسار نقل مقاتلين سابقين في الجيش الكولومبي من أميركا اللاتينية إلى دارفور، مرورًا بمحطات في الإمارات وليبيا والصومال وتشاد، قبل أن ينتهي بعضهم إلى القتال إلى جانب قوات الدعم السريع في معركة الفاشر.
وتتقاطع نتائج التحقيق مع أدلة كانت قد نشرتها هيومن رايتس ووتش في مايو/أيار، ومع نتائج توصل إليها فريق خبراء تابع للأمم المتحدة في يوليو/تموز، فيما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شبكة كولومبية قالت إنها تتولى تجنيد ونقل عسكريين سابقين للقتال في صفوف الدعم السريع. أما الإمارات، التي تظهر منشآت وشركات مقرها على امتداد مسار التجنيد، فتنفي بصورة قاطعة تمويل قوات الدعم السريع أو نقل المرتزقة إليها، وتقول إن تحقيقاتها في الشركة الأمنية الواردة في التقارير لم تجد ما يثبت ضلوعها في نشاط من هذا النوع.
القصة بدأت في كولومبيا، حيث يوجد خزان كبير من العسكريين السابقين الذين خرجوا من جيش خاض لعقود حربًا ضد حركات التمرد والجماعات المسلحة. خبرتهم في القتال البري وحرب المدن والقنص وتشغيل الأسلحة جعلتهم مطلوبين في سوق الأمن الخاص، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا وأفريقيا.
وبحسب التحقيق، بدأ التجنيد للسودان بصورة منظمة في منتصف 2024. كان التواصل يجري في كثير من الحالات عبر أصدقاء وزملاء عسكريين سابقين ورسائل على «واتساب»، قبل انتقال المجندين عبر شركات توظيف ووسطاء إلى شبكة أمنية أكثر اتساعًا. وقال سبعة مقاتلين كولومبيين لـ«فايننشال تايمز» إن الجهة التي تولت تشغيلهم كانت Global Security Services Group – GSSG، وهي شركة أمنية مقرها الإمارات.
وتذهب أحدث تقديرات فريق خبراء الأمم المتحدة إلى أن عدد الكولومبيين الذين عملوا في السودان قد تراوح بين 1500 وألفي مقاتل، وهو نطاق قريب من الرقم الذي توصل إليه تحقيق الصحيفة. كما خلص فريق الخبراء إلى أن هؤلاء المقاتلين استخدموا الطائرات المسيّرة وشاركوا في التخطيط والعمليات العسكرية المرتبطة بحصار الفاشر والسيطرة عليها.
ثلاث كتائب وطريق يمتد عبر أفريقيا
تكشف شهادات المقاتلين أن العملية لم تكن مجرد إرسال أفراد متفرقين إلى السودان.
فالكولومبيون نُظموا، بحسب الشهادات، في كتائب وسرايا ذات هيكل قيادة ورواتب محددة. وقال أحد المقاتلين إن الكتيبة الثانية وحدها ضمت نحو 400 عنصر، بينما كانت الكتائب الأخرى قريبة منها في الحجم. وكان المقاتل العادي يحصل على نحو 2600 دولار شهريًا، وترتفع الرواتب إلى 2800 دولار للمشرفين ونحو 3500 دولار للضباط.
وصلت الكتيبة الأولى إلى السودان في أكتوبر/تشرين الأول 2024 عبر شرق ليبيا، وكان دورها الأول تأمين خطوط الإمداد باتجاه دارفور. وانتقلت مجموعة أخرى عبر بوصاصو في إقليم بونتلاند الصومالي، حيث توجد قاعدة ممولة إماراتيًا، قبل أن تُنقل جوًا إلى نيالا في جنوب دارفور. أما الكتيبة الثالثة فوجدت نفسها في الخطوط الأمامية للهجوم على الفاشر.
وتظهر هنا شبكة لوجستية تتجاوز السودان نفسه. روايات المقاتلين وسجلات السفر وتحليل حركة الأجهزة تشير إلى استخدام محطات في الكفرة شرقي ليبيا، وبوصاصو في الصومال، وتشاد، والإمارات لنقل الأفراد أو تدريبهم أو علاج المصابين وإعادتهم إلى ساحة الحرب.
وفي بوصاصو، وصف أحد الكولومبيين المكان بأنه مركز لتدريب المقاتلين الذين يرسلون إلى السودان ومناطق صراع أخرى في أفريقيا، وقال إنه شاهد خلال وجوده هناك مقاتلين من دول عدة في أميركا اللاتينية وأفريقيا. كما قال خمسة ممن تحدثت إليهم الصحيفة إن المدينة كانت مركزًا مهمًا للعلاج والخدمات اللوجستية.
تحليل بيانات الأجهزة الذي أجرته Conflict Insights Group أضاف طبقة أخرى من الأدلة. فقد ظهرت عشرات الأجهزة المضبوطة على اللغة الإسبانية داخل قاعدة القوة البحرية في بوصاصو، ثم ظهرت بعض الأجهزة نفسها لاحقًا في مطار نيالا وداخل دارفور. كما ارتبط بعضها بشبكات لاسلكية حملت أسماء مثل «DRONES» و«AirDefense» و«attacker».
التدريب داخل الإمارات
أكثر ما يثير الجدل في التحقيق هو مرحلة التدريب.
قال مقاتلون إن نحو 300 متخصص تلقوا خلال 2025 تدريبًا على تشغيل المسيّرات والأسلحة المضادة للطائرات قبل إرسالهم إلى السودان، وإن بعض التدريب جرى داخل الإمارات. وتحدث بعضهم عن قاعدة غياثي في أبوظبي وعن منشأة أخرى في الوثبة.
هذه النقطة لا تستند إلى الشهادات وحدها. فقد نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو تقريرًا مستقلًا حدد، من خلال الصور والفيديوهات وتحديد المواقع، وجود متعاقدين كولومبيين في قاعدة غياثي ومنشأة تبدو عسكرية في الوثبة قبل انتقالهم إلى السودان. وقال أحد المتعاقدين للمنظمة إنه دخل الإمارات من دون ختم جواز سفره ونُقل مباشرة إلى غياثي، حيث أمضى نحو عشرين يومًا وتلقى تدريبًا على أيدي أشخاص قال إنهم إماراتيون.
وتوصلت المنظمة أيضًا إلى أن GSSG عملت مع شركة توظيف كولومبية في استقدام المتعاقدين، وأن المقاتلين تحركوا لاحقًا عبر شبكة عبور شملت ليبيا وبوصاصو ونجامينا.
لكن هذه الأدلة لا تعادل إثبات صدور قرار رسمي من الحكومة الإماراتية بإرسال المرتزقة إلى السودان. وهذه نقطة تفصل فيها التقارير بين ما تمكنت من توثيقه وبين الاستنتاج السياسي الأوسع.
الإمارات تقول إن سلطاتها حققت في المزاعم المتعلقة بـGSSG وخلصت إلى أن الشركة لا تشارك في نشاط مرتزقة في السودان ولا ترتبط بالأفراد الذين وصفتهم التقارير بالمرتزقة، وأنها تعمل وفق القانون الإماراتي والدولي. كما تنفي أبوظبي تقديم أسلحة أو دعم عسكري لأي طرف في الحرب السودانية أو تسهيل انتقال مقاتلين أجانب إلى دارفور.
واشنطن تثبت شبكة التجنيد.. من دون تسمية الإمارات
في ديسمبر/كانون الأول 2025 دخل الملف مرحلة مختلفة عندما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شبكة عابرة للحدود لتجنيد الكولومبيين.
وحددت واشنطن الضابط الكولومبي المتقاعد ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا بوصفه شخصية مركزية في تجنيد ونشر العسكريين السابقين في السودان. ولفتت إلى أن كيخانو مقيم في الإمارات، وأن الشبكة جندت مشغلي مسيّرات وقناصة ومترجمين ومقاتلين للعمل مع قوات الدعم السريع.
وقالت الخزانة الأمريكية إن مئات العسكريين الكولومبيين السابقين وصلوا إلى السودان منذ سبتمبر/أيلول 2024، وشاركوا في عمليات في الخرطوم وأم درمان وكردفان والفاشر، وإن بعضهم شارك كذلك في تدريب جنود، بينهم أطفال، لصالح الدعم السريع.
لكن بيان العقوبات لم يتهم الحكومة الإماراتية أو GSSG بالوقوف وراء الشبكة.
وهذا الفارق مهم؛ فهناك اليوم أدلة أمريكية رسمية على وجود شبكة تجنيد كولومبية منظمة تعمل لصالح الدعم السريع، وأدلة من هيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة و«فايننشال تايمز» تربط أجزاء من مسار المقاتلين بشركة مقرها الإمارات وبمنشآت داخلها، لكن مسؤولية الدولة الإماراتية نفسها تبقى موضع اتهام ونفي وليست حقيقة قضائية محسومة.
وفي يوليو/تموز الماضي، أضاف تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة ثقلاً جديدًا للملف، عندما اعتبر تقديرات وجود ما بين 1500 وألفي مرتزق كولومبي «ذات مصداقية»، وأشار إلى أن GSSG هي الشركة التي استأجرتهم، وأنهم شاركوا في تشغيل المسيّرات والتخطيط خلال حصار الفاشر.
الفاشر.. نقطة التحول
لم يكن وجود المقاتلين الأجانب ليثير القدر نفسه من الاهتمام لو لم يتقاطع مع سقوط الفاشر.
بعد حصار دام نحو 18 شهرًا، سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وأعقب ذلك قتل واسع للمدنيين وانتهاكات تضمنت الإعدام والاغتصاب والخطف، فيما قالت جهات أممية إن ما وقع يحمل مؤشرات أو سمات إبادة جماعية. وتربط تحقيقات حقوقية مقاتلين كولومبيين بالعمليات العسكرية حول المدينة، من دون إثبات أن جميعهم شاركوا شخصيًا في الجرائم ضد المدنيين.
«فايننشال تايمز» تحدثت مع مقاتلين شارك رفاق لهم في اقتحام المدينة. وقدّم اثنان مقاطع مصورة لمقاتلين كولومبيين يطلقون النار خلال العمليات، بينما قال أحدهم إن الكتيبة الثالثة حصلت على مكافآت مالية بعد سقوط الفاشر.
أما بعض الكولومبيين الذين تحدثت إليهم الصحيفة فنفوا مشاركتهم الشخصية في قتل المدنيين. أحدهم قال إنه وصل إلى الفاشر بعد انتهاء المعارك، لكنه وصف مدينة تنتشر فيها الجثث والذباب وأكوام الموتى، بينها نساء وأطفال.
في المقابل، قالت هيومن رايتس ووتش إنها وثقت وجود متعاقدين يتحدثون الإسبانية في الفاشر، وربطت بعضهم بالقتال إلى جانب الدعم السريع. كما ظهرت أجهزة تتبع مرتبطة بكولومبيين في المدينة خلال الأيام التي كانت فيها الانتهاكات تقع.
سوق عالمية للمحاربين السابقين
القصة تتجاوز في النهاية الإمارات والسودان.
ما تكشفه الشبكة الكولومبية هو اتساع سوق عابرة للقارات للقوة العسكرية الخاصة. يستطيع ضابط متقاعد في كولومبيا أن يتلقى عرضًا عبر هاتفه، ينتقل إلى الشرق الأوسط أو أفريقيا، يتدرب على طائرة مسيّرة، ثم يجد نفسه بعد أشهر في حصار مدينة على بعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر من بلاده.
وهذه السوق تستفيد من فجوة واضحة: جيوش مثل الجيش الكولومبي تنتج سنويًا أعدادًا من العسكريين ذوي التدريب الجيد، لكن رواتبهم وفرصهم بعد التقاعد محدودة، بينما تستطيع شركات أمنية أو أطراف في حروب بعيدة أن تعرض عليهم أضعاف ما يمكنهم الحصول عليه في وطنهم.
أحد المقاتلين لخّص الدافع ببساطة: المال. وآخر قال إن الجنود المتقاعدين في كولومبيا لا تتوافر أمامهم فرص كثيرة، ولذلك تنتقل خبراتهم إلى أوكرانيا أو عصابات المخدرات أو الحروب الأفريقية.
لكن الأخطر أن الكولومبيين لم يكونوا مجرد مشاة إضافيين. خبرتهم جعلتهم مناسبين تحديدًا للمهام التي باتت تحدد الحروب المعاصرة: تشغيل المسيّرات، الدفاع الجوي، القنص، التدريب، الاستطلاع والتخطيط.
ولهذا وصف تقرير للمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة إدخال مقاتلين ذوي مهارات مرتفعة إلى السودان بأنه تطور يغذي سباق تسلح إقليميًا، في حرب أصبحت تستخدم فيها المسيّرات ومنظومات الدفاع الجوي والأسلحة القادمة من عدة دول.
السودان، بهذه الصورة، لم يعد حربًا داخلية بين جيش وقوة شبه عسكرية. أصبح سوقًا دولية للسلاح والمقاتلين والطرق الجوية السرية: طائرات تتحرك وأجهزة تعقبها تختفي، مرتزقة يعبرون عدة دول، قواعد تستخدم للتدريب والعلاج، ومصالح إقليمية تتقاطع فوق بلد يقترب من التفكك.
وتكشف قضية الكولومبيين تحديدًا مدى تطور هذه الشبكات. فبدل إرسال قوة أجنبية رسمية وما يحمله ذلك من كلفة سياسية، يمكن استخدام شركات توظيف وأمن خاصة، ووسطاء، ومطارات بعيدة، ورحلات لا تظهر دائمًا على أنظمة التتبع، وصولًا إلى ساحة القتال.
والنتيجة أن المسافة بين بوغوتا والفاشر أصبحت أقصر مما توحي به الخريطة. لم تربط المدينتين سياسة خارجية أو تحالف عسكري، بل سوق جديدة للحرب تستطيع نقل الخبرة العسكرية من قارة إلى أخرى، وتحويل جنود تقاعدوا من حرب قديمة إلى قوة قتالية في حرب لا يعرف كثير منهم، بحسب شهاداتهم، سوى القليل عن أسبابها.
حسن سلمان: أربع أزمات تاريخية أبقت القرن الإفريقي على حافة الانفجار
يرى الباحث في الشؤون الإفريقية الدكتور حسن سلمان أن حالة عدم الاستقرار المزمنة في منطقة القرن الإفريقي ليست نتيجة أزمات ظرفية، بل تعود إلى خلل بنيوي في تشكيل دول المنطقة وحدودها وهوياتها السياسية، إلى جانب استمرار آثار الاستعمار والتنافسات القومية والإقليمية.
وفي حوار نشرته جريدة «الأمة الإلكترونية»، حدد سلمان أربع مشكلات رئيسية يعتبرها أصل الاضطرابات التي تعاني منها المنطقة: أزمة الهوية، وضعف السيادة، واختلال نماذج التنمية، ثم غياب الاستقرار السياسي بوصفه النتيجة الطبيعية للمشكلات الثلاث السابقة.
ويشير سلمان إلى أن إثيوبيا تمثل النموذج الأوضح لهذه التعقيدات، بسبب تركيبتها القومية المتعددة وصعوبة بناء هوية وطنية جامعة للأمهرة والأورومو والتيغراي والصوماليين والعفر وغيرهم. ويربط جانباً من الأزمة الحالية بمحاولة رئيس الوزراء آبي أحمد تجاوز نظام «الديمقراطية الإثنية» الذي ترسخ بعد 1991، واستبداله بمشروع سياسي أكثر مركزية تحت مظلة «حزب الازدهار»، وهو ما قوبل بمقاومة قوية من جبهة تحرير شعب تيغراي وأسهم لاحقاً في اندلاع الحرب في الإقليم.
ويعتبر سلمان أن اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب الواسعة في تيغراي لم يعالج جذور الأزمة، بل فُرض بدرجة كبيرة نتيجة الضغوط الدولية على الحكومة الإثيوبية والجبهة، وظلت بنود أساسية فيه من دون تنفيذ كامل، ما أبقى التوتر قائماً بين المركز والإقليم.
أما في ما يتعلق بالتوتر بين إثيوبيا وإريتريا، فيستبعد سلمان اندلاع حرب شاملة في المدى القريب. ويعزو ذلك إلى مجموعة من القيود الداخلية والإقليمية والدولية، من بينها إدراك الرئيس الإريتري أسياس أفورقي أن إضعاف حكم آبي أحمد قد يفتح الطريق أمام عودة التيغراي إلى النفوذ في إثيوبيا، وهو سيناريو لا يفضله أفورقي رغم تحسن علاقاته معهم مؤخراً.
وبحسب سلمان، فإن التوتر بين أسمرة وأديس أبابا تصاعد أيضاً بعد اتفاق بريتوريا، إذ شعر أفورقي بأن آبي أحمد قدم تنازلات للتيغراي وتخلى عن التحالف الذي جمع الطرفين خلال الحرب. ومنذ ذلك الحين، اتجهت إريتريا إلى توثيق علاقاتها مع قوى معارضة للحكومة الإثيوبية، بما في ذلك مقاتلو «فانو» في إقليم أمهرة وبعض قوى التيغراي.
ويضع سلمان مسألة وصول إثيوبيا إلى البحر ضمن عوامل التوتر الأخرى. وبرأيه، فإن تصريحات مسؤولين إثيوبيين بشأن ضرورة الوصول إلى البحر رفعت مستوى المخاوف الإقليمية ومنحت أفورقي فرصة لحشد المعارضة ضد أديس أبابا، لكنه يرى في الوقت نفسه أن الطرفين لا يرغبان حالياً في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.
ويتوسع سلمان في قراءة الأزمة ليضعها ضمن صراع إقليمي أوسع يشمل مصر والسودان وملف سد النهضة ومسارات تسليح القوى الإثيوبية المختلفة. ويشير إلى أن الحدود بين إقليم تيغراي والسودان تمثل شرياناً مهماً يمكن استخدامه لإيصال الدعم والسلاح، وهو ما تعتبره حكومة آبي أحمد مصدر تهديد مستمر.
أما على المستوى الدولي، فيطرح سلمان رؤية أكثر إثارة للجدل، مفادها أن الولايات المتحدة والقوى الغربية سعت تاريخياً إلى إبقاء دول القرن الإفريقي في حالة ضعف وانقسام، لكنها لا ترغب حالياً في انفجار حرب جديدة بسبب حساسية الملاحة في البحر الأحمر وتزامنها مع أزمات أخرى في المنطقة. ويعتقد لذلك أن هناك ما يشبه «فيتو» دولياً على اندلاع حرب إثيوبية-إريترية في المرحلة الراهنة.
ويصف سلمان الوضع الذي تفضله واشنطن للقرن الإفريقي بـ«المنطقة البرتقالية»: أي عدم الوصول إلى استقرار كامل، وفي الوقت ذاته منع انتقال المنطقة إلى حالة حرب مفتوحة يصعب التحكم بتداعياتها على البحر الأحمر والممرات التجارية الدولية.
وخلاصة رؤية الدكتور حسن سلمان أن الخطر في القرن الإفريقي لا يكمن في مواجهة واحدة محتملة بين إثيوبيا وإريتريا، بل في تراكب أزمات الهوية والسيادة والتنمية والصراعات القومية مع تدخلات إقليمية ودولية. ولهذا يرى أن غياب الحرب المباشرة في الوقت الراهن لا يعني أن المنطقة دخلت مرحلة استقرار، وإنما يعكس توازناً هشاً يمنع الانفجار من دون أن يعالج أسبابه.
متابعات دولية
«MICH 2000» كيف بنت أوكرانيا سلاحًا بعيد المدى بكلفة عشرات الآلاف من الدولارات؟
كشفت أوكرانيا خلال الأيام الماضية عن واحدة من أقل منصات الضربات بعيدة المدى شهرة في ترسانتها، وهي المسيّرة MICH 2000 التي يستخدمها مركز العمليات الخاصة «ألفا» التابع لجهاز الأمن الأوكراني، في عمليات تمتد إلى عمق الأراضي الروسية. وما يلفت في المشروع ليس مدى الطائرة الذي يصل إلى ألفي كيلومتر بقدر ما تكشفه قصتها عن التحول الذي طرأ على الصناعة العسكرية الأوكرانية منذ بداية الحرب: أخذ تصميم مدني أجنبي، وإعادة هندسته، ثم بناء سلسلة إنتاج محلية قادرة على تصنيع آلاف الذخائر بعيدة المدى بكلفة محدودة نسبيًا.
ظهرت التفاصيل للمرة الأولى بصورة واسعة في 12 أغسطس/آب، عندما نشر موقع الدفاع الأوكراني «Oboronka» تحقيقًا من داخل المنشأة المصنعة، نقلت عنه وسائل إعلام أوكرانية ودولية. ووفق الرواية التي قدمها المصنع، بدأ المشروع أواخر 2023 عندما توجه فريق أوكراني إلى الصين بحثًا عن مسيّرات مدنية طويلة المدى، في الفترة نفسها التي كانت بكين قد بدأت فيها فرض قيود على تصدير بعض الطائرات المسيّرة ومكوناتها ومنع تصدير الطائرات المدنية للاستخدام العسكري. وتؤكد وزارة التجارة الصينية أن القيود التي أعلنتها في يوليو/تموز 2023 شملت طائرات ومكونات محددة، إضافة إلى حظر استخدام المسيّرات المدنية المصدرة لأغراض عسكرية.
كان النموذج الذي أثار اهتمام الفريق الأوكراني هو ZTK-150 الصيني. وتقول الرواية الأوكرانية إن محاولة شراء تكنولوجيا إنتاجه لم تكتمل، لكن الفريق عاد بثماني طائرات وبقدر كبير من المعرفة الفنية المكتسبة خلال التدريب والاطلاع على خطوط التصنيع. ومن هذه البداية ظهر لاحقًا MICH 2000. غير أن وصف الطائرة الحالية بأنها مجرد «نسخة صينية» لا يعكس التطور الذي مر به المشروع؛ فالشركة المصنعة تقول إن ما بقي من التصميم الأصلي اليوم لا يتجاوز الشكل الخارجي تقريبًا، بعدما أعيد تطوير المحرك والبدن والرأس الحربي وأنظمة الاتصال والحماية من الحرب الإلكترونية داخل أوكرانيا.
من تجربة متعثرة إلى إنتاج بالآلاف
لم تكن البداية ناجحة. بحسب رواية المصنع، تحطمت أول نسخة أوكرانية بعد نحو كيلومتر واحد من أول رحلة تجريبية في صيف 2024، فيما فقدت طائرة أخرى بسبب الحرب الإلكترونية الروسية. وعندما استخدمت MICH 2000 للمرة الأولى في القتال في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، أُسقطت واحدة من ثلاث طائرات، بينما أخفقت الاثنتان الأخريان في إصابة الهدف بفارق أمتار قليلة. ورغم ذلك، قررت وحدة «ألفا» الاستمرار في المشروع ونقله إلى الإنتاج.
وبعد نحو عامين من التطوير، يقول المصنع إن الطاقة الإنتاجية وصلت إلى نحو ستة آلاف طائرة سنويًا موزعة على ثمانية نماذج، مع خطط لرفعها إلى نحو عشرة آلاف. وهذه نقطة تختلف عن الرقم المتداول الذي يقدم ستة آلاف باعتبارها القدرة المستهدفة؛ وفق المعلومات المنشورة حاليًا، الستة آلاف هي القدرة القائمة تقريبًا، بينما يمثل عشرة آلاف المستوى الذي يسعى المصنع للوصول إليه.
وتوجد نسخ بعيدة المدى وأخرى لمهام أقصر، مع خيارات مختلفة للاتصالات تشمل أنظمة تناظرية ورقمية وإمكانية استخدام Starlink في بعض التكوينات. ويمكن للطائرة حمل رأس حربي يتراوح وزنه بين 25 و60 كيلوغرامًا، ويصل مداها في النسخة الأبعد إلى نحو ألفي كيلومتر.
هذه الأرقام تضع جزءًا كبيرًا من غرب روسيا ضمن المدى النظري للطائرة، بما يشمل منشآت عسكرية وصناعية وطاقة تقع بعيدًا عن خط الجبهة.
48 ألف دولار… لكن الكلفة تحتاج إلى تفصيل
السعر الأساسي المعلن للطائرة يبلغ نحو 48 ألف دولار، وهو رقم منخفض مقارنة بالصواريخ بعيدة المدى، لكنه ليس السعر النهائي لجميع النسخ.
فعندما تزود الطائرة بهوائي CRPA المقاوم للتشويش على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، ترتفع الكلفة بنحو 20 إلى 25 ألف دولار إضافية. كما أن نسبة المكونات الأوكرانية التي يقول المصنع إنها وصلت إلى 85% من قيمة الطائرة الأساسية تنخفض إلى قرابة 55% في النسخ التي تحمل هذا النظام، بسبب ارتفاع سعر الهوائي المستورد وصعوبة إنتاجه محليًا.
وبذلك فإن رقم 48 ألف دولار يعبر عن النسخة الأساسية أكثر مما يمثل سعرًا موحدًا لكل MICH 2000.
مع ذلك تبقى المعادلة الاقتصادية لافتة. حتى إذا ارتفعت الكلفة إلى أكثر من 70 ألف دولار في بعض النسخ، فهي تظل أقل بكثير من قيمة الأهداف التي صممت لمهاجمتها: منشآت نفطية، محطات رادار، أنظمة حرب إلكترونية، قواعد جوية أو طائرات استراتيجية لا يمكن تعويض بعضها بسهولة.
وهنا يظهر أحد المبادئ التي باتت تحكم الحرب الأوكرانية: ليس مطلوبًا أن تكون الذخيرة رخيصة بصورة مطلقة، بل أن تكون رخيصة قياسًا بالهدف الذي تستطيع إصابته وبالكلفة التي تفرضها على الدفاعات التي تحاول اعتراضها.
من أوست لوغا إلى القاذفات الاستراتيجية
يقول المصنع إن وحدة «ألفا» أطلقت بالفعل آلاف الطائرات من عائلة MICH وأصابت بها مئات الأهداف داخل روسيا والمناطق التي تسيطر عليها القوات الروسية. لكن هذه الأرقام صادرة عن الشركة المصنعة ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من الحجم الإجمالي للاستخدام أو عدد الإصابات.
وتنسب المصادر الأوكرانية إلى الطائرة المشاركة في عمليات ضد ميناء أوست لوغا، وأهداف في موسكو وريازان، ونظام حرب إلكترونية قرب غيليندجيك، إضافة إلى عمليات ضد منشآت عسكرية تابعة لأسطول البلطيق. وفي إحدى هجمات أوست لوغا، تقول الشركة إن أكثر من عشرين MICH 2000 وصلت إلى منطقة الهدف.
لكن أبرز عملية مرتبطة بالطائرة حتى الآن هي الهجوم على قاعدة إنجلز-2 الجوية في مقاطعة ساراتوف ليلة 15–16 يوليو/تموز.
جهاز الأمن الأوكراني أعلن رسميًا في 17 يوليو أنه استخدم مسيّرات بعيدة المدى لضرب القاعدة بعد رحلة تقارب 800 كيلومتر، وأن قاذفة استراتيجية من طراز Tu-95MS أصيبت إصابة حرجة أدت إلى تدمير قسمها الخلفي. وبعد يومين، أظهرت صور أقمار صناعية للطائرة في القاعدة انفصال الجزء الخلفي منها بصورة تجعل إصلاحها غير ممكن عمليًا.
أما تحديد MICH 2000 باعتبارها الطائرة التي نفذت الضربة تحديدًا، فقد ظهر لاحقًا في تحقيق المصنع الأوكراني، وليس في البيان الأول لجهاز الأمن. ولذلك يمكن اعتبار تدمير Tu-95MS مثبتًا بدرجة عالية بالصور الفضائية، بينما نسبة الضربة إلى MICH 2000 تستند أساسًا إلى المعلومات الأوكرانية المنشورة عن برنامج الطائرة.
وتمنح هذه العملية المشروع قيمة أكبر من مجرد نجاح تكتيكي. فالـTu-95 ليست معدة يمكن لموسكو طلب بديل جديد لها من المصنع؛ إنتاج هذا النوع توقف منذ عقود، وهو ما يجعل خسارة هيكل صالح للخدمة مختلفة عن خسارة مركبة أو قطعة مدفعية يمكن إعادة إنتاجها.
استقلال عن القيود الغربية.. ولكن ليس عن الخارج بالكامل
الجانب الأهم في برنامج MICH 2000 يتعلق بالطريقة التي بنت بها كييف قدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى.
لسنوات، ارتبط استخدام بعض الأسلحة الغربية ضد أهداف عميقة داخل روسيا بقيود سياسية فرضتها الدول الموردة. وكان أحد الحلول الأوكرانية الاستثمار في أسلحة محلية لا تخضع لشروط الاستخدام الخارجية نفسها.
MICH 2000 جزء من هذا المسار. فكلما ارتفعت نسبة تصنيع مكوناتها داخل أوكرانيا، تقل قدرة الموردين الأجانب على تحديد كيفية ومكان استخدامها، كما يقل خطر تعطل الإنتاج نتيجة حظر تصدير مكون رئيسي.
لكن الحديث عن استقلال كامل لسلسلة التوريد سيكون مبالغًا فيه. فالـCRPA مثال واضح على استمرار الاعتماد الخارجي في بعض المكونات الأكثر تطورًا، بينما لا تزال صناعة المسيّرات الأوكرانية والروسية على السواء مرتبطة بسوق عالمية للمحركات والإلكترونيات وأجهزة الملاحة والرقائق، تحتل الصين موقعًا مهمًا فيها.
ما تغير هو أن أوكرانيا لم تعد تستورد المنصة كاملة بالضرورة، بل تحاول استيراد العناصر التي يصعب تصنيعها وتوطين ما تستطيع من بقية السلسلة.
حرب الصناعة لا حرب المنصات فقط
قصة MICH 2000 تكشف أيضًا عن تحول أوسع في مفهوم السلاح بعيد المدى.
في النموذج التقليدي، كان الوصول إلى هدف على بعد ألف أو ألفي كيلومتر يتطلب صاروخ كروز متطورًا قد تبلغ كلفته مئات الآلاف أو ملايين الدولارات. أما الحرب في أوكرانيا فأوجدت طبقة جديدة بين المسيّرات التكتيكية الرخيصة والصواريخ المتقدمة: طائرات انتحارية بطيئة نسبيًا، ذات مدى استراتيجي، يمكن إنتاجها بالآلاف.
هذه الطائرات لا تمتلك سرعة الصاروخ ولا قدرته على الاختراق، لكنها تستطيع تعويض ذلك بالكلفة والعدد. فإذا كان بالإمكان إطلاق عشرات الطائرات في الهجوم الواحد، يصبح على المدافع أن يكتشف ويعترض كل واحدة منها، بينما يكفي للمهاجم أن تمر نسبة محدودة كي يحقق أثرًا اقتصاديًا أو عسكريًا كبيرًا.
وتكتسب هذه المعادلة أهميتها عندما يتحول الإنتاج من مئات إلى آلاف الوحدات سنويًا.
عند ستة آلاف طائرة، لا تعود MICH 2000 سلاحًا مخصصًا لعمليات استثنائية، بل تصبح جزءًا من قدرة صناعية مستمرة على تنفيذ حملة استنزاف في العمق. وإذا تحقق هدف رفع الإنتاج إلى عشرة آلاف سنويًا، فإن القيمة الأساسية للبرنامج لن تكون في الخصائص الفردية لكل مسيّرة، بل في قدرة أوكرانيا على تعويض ما يُسقط منها والاستمرار في إرسال دفعات جديدة.
ولهذا قد يكون الرقم الأهم في قصة MICH 2000 ليس مدى الألفي كيلومتر ولا سعر الـ48 ألف دولار، بل نسبة التوطين وحجم خط الإنتاج.
فالحرب أثبتت أن امتلاك تصميم متطور لا يكفي إذا كان لا يمكن إنتاجه بالمعدل الذي يستهلكه الميدان. وأوكرانيا، التي بدأت المشروع بمحاولة شراء طائرة صينية جاهزة، انتهت بعد أقل من ثلاثة أعوام إلى بناء عائلة محلية من الذخائر بعيدة المدى، تستخدمها اليوم في حرب تستهدف نقل جزء متزايد من الضغط العسكري من خط الجبهة إلى المصانع والموانئ والقواعد الجوية داخل روسيا.
وهذا هو التحول الذي يعطي MICH 2000 وزنها الحقيقي: لم تعد قدرة الضرب العميق مرتبطة فقط بما تحصل عليه كييف من الخارج، بل أصبحت مرتبطة بما تستطيع الصناعة الأوكرانية إنتاجه بكميات تكفي لتحويل ألفي كيلومتر من المدى إلى حملة مستمرة، لا إلى ضربة استثنائية.
بعد خمس سنوات من عودة طالبان.. جبهة يقودها جنرال سابق تنقل التمرد إلى قلب معاقل الحركة – تعدد الأعداء في بيئة معاكسة
دخلت الساحة الأفغانية في أغسطس/آب مرحلة جديدة من النشاط المسلح ضد حركة طالبان، بعدما أعلنت الجبهة المتحدة الأفغانية (Afghanistan United Front – AUF)، بقيادة الجنرال السابق سميع سادات، بدء حملة عسكرية تحت اسم «عملية محارب»، تبعتها سلسلة هجمات قالت إنها استهدفت عناصر ومواقع تابعة للحركة في عدد من الولايات، بينها قندهار وهلمند وبادغيس وغور وفارياب.
لا تكمن أهمية ظهور الجبهة في عدد الهجمات التي نفذتها حتى الآن بقدر ما تكمن في الجغرافيا التي اختارتها لبدء عملياتها. فمعظم حركات المقاومة المسلحة التي بقيت ناشطة بعد سقوط كابل عام 2021 تمركزت في الشمال والشمال الشرقي، واستندت بدرجات مختلفة إلى قواعد طاجيكية وأوزبكية وهزارية. أما الجبهة الجديدة فيقودها ضابط بشتوني سابق، وتضع قندهار وهلمند، أي القلب التاريخي والاجتماعي لطالبان، في مقدمة ساحات عملها.
في الأول من أغسطس/آب أعلنت الجبهة بدء عملياتها العسكرية، وقالت إن أول هجماتها استهدف عناصر من طالبان في قندهار، قبل أن تعلن عملية أخرى في لشكرغاه بهلمند. وخلال الأيام التالية تبنت عمليات في بادغيس وغور وفارياب وقندهار، بعضها استهدف عناصر قالت إنهم يعملون في أجهزة الاستخبارات والأمن التابعة لطالبان. ولم تؤكد سلطات الحركة بصورة مستقلة معظم حصيلة القتلى التي أعلنتها الجبهة، ولذلك تبقى الأرقام الخاصة بنتائج هذه العمليات في جانب كبير منها ادعاءات صادرة عن التنظيم نفسه.
لكن طبيعة الأهداف تحمل رسالة واضحة. الجبهة لا تحاول حتى الآن السيطرة على مدن أو فتح جبهات واسعة، بل تعتمد عمليات محدودة واغتيالات وهجمات على مواقع أمنية، بما يوحي بمحاولة بناء شبكة حرب عصابات تستنزف جهاز طالبان الأمني قبل الانتقال، إذا توفرت لها القدرة، إلى عمليات أكبر.
ولا يبدو أن ظهور الجبهة يجعل المعارضة المسلحة، في وضعها الحالي، تهديدًا وجوديًا لحكومة طالبان، وإنما يضيف خصمًا منظمًا في وقت تتراكم فيه الضغوط الأمنية الأخرى على الحركة.
لماذا قندهار؟
اختيار قندهار ليس عرضيًا.
فهي المدينة التي نشأت فيها حركة طالبان في تسعينيات القرن الماضي، ومنها قاد الملا محمد عمر مشروع «الإمارة الإسلامية»، كما بقيت المحافظة بعد عودة الحركة إلى الحكم المركز السياسي والديني الأهم لقيادتها. ومن قندهار يدير الزعيم الأعلى هبة الله أخوند زاده جزءًا كبيرًا من القرارات السياسية والدينية الأساسية للدولة.
ولهذا قال سميع سادات إن التركيز على قندهار مقصود لإثبات قدرة الجبهة على العمل حتى داخل المنطقة التي يفترض أنها الأكثر أمنًا بالنسبة إلى طالبان. ويقدم هذا الاختيار أيضًا للجبهة ميزة سياسية؛ فإذا ظلت المقاومة محصورة في مناطق الطاجيك والهزارة والأوزبك، تستطيع طالبان تقديمها باعتبارها تمردًا إقليميًا أو عرقيًا، أما ظهور شبكة مسلحة بقيادة بشتونية في الجنوب فيضرب هذه الرواية، ولو بقي حجم الجبهة محدودًا.
هذه النقطة تحديدًا تجعل سادات مختلفًا عن كثير من قادة المعارضة المسلحة الحالية.
سادات بشتوني، وتولى في السابق قيادة الفيلق 215 في جنوب غرب أفغانستان، ثم قيادة قوات العمليات الخاصة في الجيش الأفغاني قبل انهيار الجمهورية عام 2021. كما عمل في أجهزة الاستخبارات وقيادة العمليات الخاصة المشتركة، قبل أن يغادر البلاد مع سقوط كابل.
وفي مايو/أيار 2023 انتخبه مجلس قيادة الجبهة رئيسًا لها، فيما أصبح مقرها السياسي في ولاية فرجينيا الأمريكية. وتضم قيادتها ضباطًا سابقين في الجيش والاستخبارات وشخصيات سياسية وحقوقية من خلفيات عرقية مختلفة.
جنرال يعرف واشنطن جيدًا
يمتلك سادات أيضًا شبكة علاقات أوسع من تلك المتوافرة لكثير من قادة المعارضة الموجودين داخل أفغانستان.
فقد تلقى تعليمًا وتدريبًا عسكريًا في ألمانيا وبولندا وبريطانيا، وعمل خلال الحرب في هياكل عسكرية واستخباراتية كانت على اتصال وثيق بالقوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ظهر أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي بصفته رئيس الجبهة المتحدة وقائد قوات العمليات الخاصة الأفغانية السابق، وقدم شهادته بشأن أسباب انهيار الجمهورية ومستقبل أفغانستان تحت حكم طالبان.
هذه الصلات جعلت ظهور الجبهة الجديدة يرافقه سريعًا حديث عن احتمال حصولها على دعم خارجي. وسادات نفسه لا يخفي أنه يريد ذلك؛ فقد قال في مقابلة مع Long War Journal إن الجبهة تبحث عن دعم مادي من دول الناتو لمواجهة طالبان والقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المسلحة الأخرى.
لا توجد أدلة علنية تثبت حصول AUF على أسلحة أو أموال أو معلومات استخباراتية من واشنطن أو أي دولة غربية. وجود مقر للجبهة في فرجينيا، وعلاقات سادات بالمؤسسة العسكرية الأمريكية، وظهوره أمام الكونغرس، كلها تجعل حصول دعم مستقبلي أمرًا قابلًا للنقاش، لكنها لا تثبت وجود عملية سرية قائمة.
والأمر نفسه ينطبق على باكستان.
التوتر بين إسلام آباد وحكومة طالبان وصل خلال 2026 إلى مواجهة عسكرية غير مسبوقة، بعدما تبادل الطرفان الضربات الجوية والقصف والهجمات على امتداد الحدود، وسط اتهامات باكستانية لكابل بإيواء حركة طالبان باكستان، وهي اتهامات تنفيها السلطات الأفغانية.
ومن الطبيعي أن يفتح هذا الصراع الباب أمام التكهن بأن أجهزة الأمن الباكستانية قد تبحث عن وسائل للضغط على طالبان من الداخل، لكن لا يوجد حتى الآن دليل علني موثوق يثبت أن إسلام آباد تدعم جبهة سادات.
طالبان تواجه أكثر من جبهة
توقيت إطلاق AUF حمل أهمية إضافية لأنه تزامن مع تصاعد نشاط قوى معارضة أخرى.
فـجبهة المقاومة الوطنية بقيادة أحمد مسعود وجبهة الحرية الأفغانية ما زالتا تنفذان عمليات ضد طالبان، فيما شهدت بدخشان خلال الأسابيع الأخيرة اضطرابات وصدامات مرتبطة بقادة محليين، بالتوازي مع عمليات اغتيال استهدفت مسؤولين كبارًا في إدارة طالبان.
وفي 28 يوليو/تموز قُتل مدير الإعلام والثقافة في بدخشان ذبيح الله أميري برصاص مسلحين، ثم قُتل في 13 أغسطس/آب حبيب الرحمن منصور، رئيس بلدية فيض آباد، بانفجار استهدف سيارته. لكن السلطات لم تعلن مسؤولية جماعة بعينها عن الحادث الأخير، ولذلك لا يمكن نسبته بصورة مؤكدة إلى الانشقاقات المحلية أو إلى إحدى جبهات المقاومة كما فعلت بعض الروايات المتداولة.
وحتى قبل ظهور جبهة سادات، كان النشاط الأمني يتجه إلى الارتفاع. فقد سجل تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في يونيو/حزيران زيادة كبيرة في الحوادث الأمنية خلال الفترة بين فبراير وأبريل مقارنة بالعام السابق، في سياق شمل الصراع مع باكستان وهجمات جماعات مسلحة داخل البلاد.
وتضاف إلى ذلك جبهة تنظيم داعش–خراسان، الذي يبقى خصمًا مختلفًا تمامًا عن حركات المقاومة الجمهورية؛ فهو يقاتل طالبان من منطلق جهادي منافس ونفذ خلال السنوات الماضية عمليات داخل أفغانستان وخارجها.
أي أن طالبان لم تعد تواجه خصمًا واحدًا يمكن حصره في إقليم معين، بل طيفًا من التهديدات المتباينة: تنظيم الدولة الإسلامية، وجبهات معارضة مرتبطة بالجمهورية السابقة، وانشقاقات محلية، والصراع العسكري مع باكستان.
الحرب مع باكستان تستنزف الهامش الأمني
وتضاعف المواجهة مع إسلام آباد أهمية هذا التوقيت.
ففي فبراير ومارس 2026 تحولت الاشتباكات الحدودية إلى أسوأ مواجهة مباشرة بين البلدين منذ عودة طالبان إلى السلطة، وشملت غارات جوية باكستانية وهجمات أفغانية مضادة على امتداد الحدود التي يبلغ طولها نحو 2600 كيلومتر. وقدرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن القتال تسبب في نزوح نحو 115 ألف شخص داخل أفغانستان ونحو ثلاثة آلاف في باكستان.
كما وثقت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان 185 ضحية مدنية، بينهم 56 قتيلًا، خلال الفترة من 26 فبراير حتى 5 مارس وحدها نتيجة الغارات والقصف المرتبط بالصراع.
عسكريًا، لا يعني ذلك أن القوات الباكستانية قادرة على إسقاط طالبان أو أن الصراع تحول إلى حرب مفتوحة بلا توقف، لكنه يجبر حكومة كابل على تخصيص قوات وموارد كبيرة لحدودها الشرقية والجنوبية في الوقت الذي تحاول فيه مواجهة خصوم داخليين.
ومن هنا تظهر أهمية استراتيجية AUF: الجبهة لا تحتاج في المرحلة الأولى إلى هزيمة طالبان، بل إلى إجبارها على توزيع قواتها وحماية مناطق كانت تعتبرها آمنة.
وهذا قريب من الهدف الذي أعلنه سادات بنفسه عندما قال إن النجاح في المرحلة الحالية يعني إبقاء طالبان مشغولة بالقتال بحيث تضطر إلى تخصيص جزء متزايد من مواردها لمواجهة المقاومة.
خمسة أعوام في الحكم.. طالبان ليست على وشك السقوط
مع ذلك، فإن الحديث عن اقتراب انهيار حكم طالبان يسبق الأدلة المتاحة.
في 15 أغسطس/آب احتفلت الحركة بمرور خمس سنوات على سيطرتها على كابل، وما تزال تدير مؤسسات الدولة وتسيطر على معظم الأراضي الأفغانية من دون وجود قوة معارضة قادرة حاليًا على خوض حرب تقليدية واسعة ضدها. كما أن السنوات الخمس الماضية منحت طالبان وقتًا لإعادة بناء الأجهزة الأمنية والإدارية ودمج آلاف المقاتلين في مؤسسات الدولة.
حتى Long War Journal، الذي نشر مقابلة سادات ويتابع نشاط المعارضة المسلحة بصورة وثيقة، لا يعتبر ظهور AUF وحده تهديدًا وجوديًا للنظام.
كما أن طالبان، رغم عزلتها الغربية، لم تعد معزولة إقليميًا كما كانت في 2021. فقد وسعت علاقاتها السياسية والتجارية مع عدد من جيران أفغانستان، بينما أصبحت روسيا أول دولة تعترف رسميًا بحكومتها.
لكن الاستقرار الأمني الذي قدمته الحركة باعتباره أبرز إنجازاتها بعد عقدين من الحرب بدأ يواجه اختبارًا أكثر تعقيدًا.
المشكلة بالنسبة إلى طالبان ليست أن جبهة واحدة أصبحت قادرة على إسقاطها، بل أن عدة مصادر للضغط بدأت تعمل في الوقت نفسه: تمرد في الشمال، ظهور قوة بشتونية معارضة في الجنوب، صدام مع باكستان، نشاط داعش–خراسان، وأزمة اقتصادية وإنسانية تتفاقم بفعل الجفاف وانخفاض المساعدات وعودة أعداد كبيرة من اللاجئين. وتقول الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة إن ملايين الأفغان ما زالوا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما تستمر القيود المفروضة على النساء والفتيات في تعميق عزلة البلاد.
وهذا هو السياق الذي يمنح ظهور سميع سادات ثقله الحقيقي.
الجبهة المتحدة الأفغانية ليست، حتى الآن، جيشًا قادرًا على السير نحو كابل، وليس هناك ما يثبت أنها مقدمة لعملية أمريكية سرية لإسقاط طالبان. لكنها تضيف إلى المعارضة المسلحة عنصرًا كان ينقصها منذ 2021: قائد بشتوني من المؤسسة العسكرية السابقة يحاول بناء تمرد داخل الجنوب نفسه، بدل الاكتفاء بمحاربة طالبان من معاقل الأقليات في الشمال.
إذا فشل في بناء قاعدة محلية، فقد تتحول الجبهة إلى واحدة من عشرات التنظيمات التي ظهرت ثم تراجعت في تاريخ أفغانستان المضطرب. أما إذا استطاعت شبكاته الاستمرار في قندهار وهلمند، واستقطاب عناصر سابقة في الجيش والأمن، والتنسيق مع جبهات الشمال، فستصبح المشكلة بالنسبة إلى طالبان مختلفة تمامًا.
عندها لن يكون السؤال ما إذا كانت المعارضة قادرة على إسقاط الحركة سريعًا، بل ما إذا كانت طالبان قادرة على الحفاظ طويلًا على احتكارها للقوة والأمن في بلد بدأت تظهر فيه مرة أخرى جبهات مسلحة من الشمال إلى قلب معاقلها في الجنوب.
سويسرا توسّع تجارتها مع الصين في ظل ضغوط الرسوم الجمركية الأميركية
أعلنت سويسرا والصين اختتام المفاوضات الخاصة بتحديث اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، في خطوة تعزز وصول المنتجات السويسرية إلى السوق الصينية، بالتزامن مع تعرض الصادرات السويسرية لضغوط متزايدة نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأعلن الرئيس السويسري غي بارميلان ووزير التجارة الصيني وانغ وينتاو خلال لقاء في العاصمة برن، انتهاء المفاوضات حول تحديث الاتفاقية التي يعود أصلها إلى عام 2014.
وبحسب الحكومة السويسرية، سيتيح الاتفاق المحدّث دخول نحو 99.8% من الصادرات السويسرية الحالية إلى السوق الصينية من دون رسوم جمركية، مقارنة بنحو نصف الصادرات فقط التي كانت تستفيد من الإعفاء في الاتفاق القائم. كما يشمل التحديث تسهيلات للاستثمار والتجارة الرقمية والخدمات وقواعد المنشأ، إضافة إلى توسيع البنود المتعلقة بالبيئة وحقوق العمال.
وتقول برن إن الصين تعد ثالث أكبر شريك تجاري لسويسرا بعد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وإن الاتفاق الجديد يهدف إلى تأمين وصول أفضل للشركات السويسرية إلى السوق الصينية وتنويع أسواقها التصديرية.
ضغوط أميركية على الصادرات السويسرية
يأتي الإعلان في توقيت حساس بالنسبة إلى الاقتصاد السويسري، بعدما فرضت الولايات المتحدة رسوماً إضافية تصل إلى 12.5% على واردات سويسرية منذ أواخر يوليو/تموز 2026، ما وضع بعض الشركات السويسرية في موقع أقل تنافسية مقارنة بنظيراتها في الاتحاد الأوروبي، التي تواجه رسوماً أقل.
وأظهرت بيانات نقلتها «رويترز» أن حجم الصادرات السويسرية إلى الولايات المتحدة انخفض بنحو 5.3% خلال النصف الأول من عام 2026، فيما اضطرت شركات عديدة إلى تحمل جزء من تكلفة الرسوم بدلاً من تحميلها بالكامل للمستهلك الأميركي خشية فقدان حصتها في السوق.
وتثير هذه التطورات مخاوف في القطاع الصناعي السويسري من اتساع الفجوة التجارية مع الاتحاد الأوروبي إذا فرضت واشنطن رسوماً إضافية في المستقبل.
الصين كمساحة أوسع لتنويع التجارة
وعلى الرغم من أن مفاوضات تحديث الاتفاق السويسري-الصيني سبقت أحدث جولة من الرسوم الأميركية، فإن توقيت اختتامها يمنحها أهمية اقتصادية أكبر.
فمع ارتفاع تكلفة دخول السلع السويسرية إلى السوق الأميركية، يصبح تحسين شروط الوصول إلى السوق الصينية وسيلة لتقليل اعتماد الشركات السويسرية على وجهة تصديرية واحدة، خصوصاً في قطاعات تعتمد بقوة على التجارة الدولية.
ولا يعني ذلك أن الصين قادرة على أن تحل محل السوق الأميركية بالكامل، لكن إعفاء معظم الصادرات السويسرية من الرسوم يوفر للشركات حافزاً إضافياً لتوسيع وجودها التجاري في آسيا.
ويأتي ذلك في وقت تستخدم فيه إدارة ترامب الرسوم الجمركية بصورة متزايدة كأداة لإعادة تشكيل العلاقات التجارية الأميركية، ليس فقط مع الصين، بل حتى مع حلفاء وشركاء تقليديين.
مفارقة في المشهد التجاري
وتبرز هنا مفارقة واضحة في الاتجاهات التجارية العالمية.
ففي الوقت الذي تتحرك فيه واشنطن باتجاه استخدام الرسوم الجمركية لحماية الصناعات الأميركية وتقليص بعض الواردات، تتجه برن وبكين إلى خفض الحواجز التجارية بينهما وتوسيع نطاق الإعفاءات.
كما تواصل إدارة ترامب إجراءات تجارية تستهدف الصين تحديداً، ومن بينها خطوات جديدة مرتبطة بالقطاعات الصناعية والتكنولوجية، وسط حديث عن رسوم إضافية على بعض السلع الصينية بسبب ما تصفه واشنطن بفائض القدرة الإنتاجية الصينية.
وبذلك يعكس الاتفاق السويسري-الصيني اتجاهاً أوسع لدى بعض الاقتصادات نحو تنويع الشراكات التجارية في مواجهة بيئة دولية أصبحت فيها الرسوم والعقوبات والقيود التجارية أكثر حضوراً.
بين واشنطن وبكين
لا تزال الولايات المتحدة سوقاً رئيسية للاقتصاد السويسري، وبالتالي لا تبدو برن في طريقها إلى استبدال شراكتها الاقتصادية مع واشنطن بالصين.
لكن تعزيز الاتفاق مع بكين يوفر لها هامشاً أكبر للمناورة في وقت أصبحت فيه التجارة مع الولايات المتحدة أكثر تكلفة وأقل قابلية للتنبؤ.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره جزءاً من سياسة سويسرية أوسع تقوم على عدم الارتهان لسوق واحدة، خصوصاً في ظل عودة الرسوم الجمركية إلى قلب السياسة الاقتصادية الأميركية في عهد ترامب.
ومن المقرر أن يخضع نص الاتفاق حالياً للمراجعة القانونية، على أن يسعى الطرفان إلى توقيعه قبل نهاية عام 2026، قبل المرور بإجراءات التصديق الداخلية اللازمة لدخوله حيز التنفيذ.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




