العراقجذور الصراعات

الجذور التاريخية للقضية الكردية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

 

تمهيد:

لا يمكن اعتبار القضيّة الكرديّة وتجدد اشتعالها مؤخّراً، على أنها نتيجة الأحداث الدراماتيكيّة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، مع انهيار الاتحاد السوفيتي السابق ومنظومته الاشتراكيّة، في نهاية الثمانيات ومطلع التسعينات، أو أنها وليدة الأحداث الأخيرة التي تشهدها المنطقة عقب الثورة التونسيّة، بل تعود جذور هذه القضيّة إلى ما قبل التوقيع على اتفاقيّة “سايكس – بيكو” سنة 1916، بين الإنكليز والفرنسيين.

هذه الاتفاقيّة التي قسّمت تركة السلطنة العثمانيّة، ومنحت العرب دولاً، وحرمت الكرد، ووزّعتهم على أربع دول هي؛ تركيا وإيران والعراق وسورية.

هذا التوزّع الجغرافي والبشري الكردي على هذه البلدان الأربع، وعمليات القمع والصهر التي تعرّض لها الكرد من قبل الأنظمة الحاكمة لهذه البلدان، لم تخمد جذوة السعي التحرري لدى الكرد، ومحاولة تحقيق حلمهم في نيل حقوقهم القوميّة والثقافيّة، رغم كل المجازر التي تعرّضوا لها.

بالتوازي مع ذلك، تم استخدام القضيّة الكرديّة كورقة ضغط، من قبل الأنظمة التي تقتسم كردستان، ضد بعضها البعض، ما ضاغف من محنة ومعاناة الكرد، وزيادة الخلافات بين الأطراف السياسيّة الكرديّة. هذه الخلافات التي يبدو أنها لها جذور اجتماعيّة – تاريخيّة أيضاً، ما زالت مستمرّة، وتعرقل السعي التحرري الكردي، بشكل عام، وفي كل بلد على نحوٍ خاص.

هذه الورقة ستحاول تناول الخطوط العريضة للقضيّة، من حيث:

المحور الأول: الجغرافيا السياسية لمناطق الأكراد

المحور الثاني: التنوع العرقي والديني والمذهبي في المناطق الكردية

المحور الثالث: المراحل التاريخية لتطور القضية الكردية وأهم الفواعل الداخلية والخارجية

المحور الرابع: تأثير الجذور التاريخية على الواقع الراهن للقضية الكردية

توطئة:

يُرجع العديد من المؤرّخين جذور الكرد إلى العرق الآري، ويعتبرونهم أحفاد شعوب سكنت جبال زاجروس وطوروس والمناطق المحاذية لها، منذ الألف الثالثة قبل الميلاد. ويرى الباحث والمؤرّخ الكردي محمد أمين زكي (1880 – 1948) في مؤلّفه “خلاصة تاريخ الكرد وكردستان” أن أصول الكرد تشكّلت من طبقتين، الأولى سكنت جبال زاغروس وطوروس وهي: لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاسي، سوباري، خالدي، هوري، ميتاني. والطبقة الثانية، هي الشعوب الهندو – اوروبيّة التي أتت فيما بعد واستقرّت في المنطقة، كالميديين والكاردوخيين، واندمجت بشعوبها ليتشكّل منها فيما بعد الكرد.1

كما أتى المؤرّخون اليونانيون على ذكر الكرد، بخاصة أثناء الحروب اليونانيّة – الفارسيّة وتقهقر جيش اسكندر في جبال زاغروس، ومن ذلك، المؤرّخ اليوناني زينفون (427 – 355) الذي أشار إلى شعب وصفهم “بالمحاربين الأشداء ساكني الجبال”، وسمّاهم بـ”كاردوخ” الذين هاجموا الجيش اليوناني أثناء عبوره للمنطقة عام 400 ق. م. كما اتى هيرودوت (484 – 425) على ذكر الكرد في مؤلفاته. وجاء المسعودي (896 – 975) في كتابه “مروج الذهب” على ذكرهم أيضاً. ما يعني انهم من أقدم شعوب المنطقة وليسوا طارئين او وافدين.2

كلمة كردستان (وطن الكرد) كاصلاح جغرافي – إداري ذي دلالة قوميّة وديموغرافيّة، لم يبتدعها الكرد، بل جاءت على عهد السلطان سنجار السلجوقي (1118 – 1157) حين فصل القسم الغربي من إقليم الجبال وجعله ولاية تحت حكم قريبه سليمان شاه وأطلق عليها اسم كردستان. وشملت هذه الولاية الأراضي الممتدة بين أذربيجان ولورستان (مناطق سناه، دينور، همدان، كرمنشاه.. في ايران) والمناطق الواقعة غرب جبال زاغروس، كشهرزور وكوي سنجق في كردستان العراق. كما جاء ذكر الكرد وكردستان في الوثائق والمراسلات الرسميّة العثمانيّة ايضاً. ومؤسس الجمهوريّة التركيّة مصطفى كمال اتاتورك نفسه، واثناء خدمته في المناطق الكرديّة، كان يشير إلى انه في كردستان!. بل وكان هذا الاسم متداولاً ومذكوراً في محاضر جلسات البرلمان التركي، في بداية تأسيس الجمهورية. وهذا ما أكّد عليه الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان في تصريح سابق له3.

كما كان للكرد دور هام في الحضارة الإسلاميّة، وبرز منهم القادة والفقهاء والفلاسفة والمتصوّفة والمؤرّخين، ذكرهم الباحث الكردي د. أحمد محمود خليل في مؤلّفيه “تاريخ الكرد في الحضارة الإسلاميّة” و”صورة الكرد في مصادر التراث الإسلامي” (مخطوطان ينتظران الطبع). وذكر خليل نماذج من أعلام الكرد في التاريخ الإسلامي، منهم: الصحابي جابان الكردي، أبو القاسم القالي، أبو مسلم الخرساني، أبو حنيفة الدينوري، صلاح الدين الأيوبي، شهاب الدين السهروردي، ابن حوقل النصيبي، ابن ابي اليهجاء، ابن خلكان، ابن الازرق الفارقي، محمد بن جهم البرمكي، أبو الفداء الحموي الأيوبي، إبراهيم واسحاق الموصلّي، زرياب، أبو القاسم الجنيد، مولانا خالد النقشبندي، ابن تيميّة…الخ.4

المحور الأول: الجغرافيا السياسية لمناطق الأكراد:

كردستان أو بلاد الأكراد، بحكم موقعها الجيواستراتيجي، كانت دوماً مسرحاً الصراعات الكبرى، ابتداءً من الحروب اليونانيّة – الفارسيّة، ومروراً بالسلجوقيّة – البيزنطيّة، وصولاً للصراع العثماني – الصفوي. وإلى جانب المعاناة التي تحمّلها الأكراد أو اللعنة التي ألحقتها بهم جغرافيا بلادهم، كان لزاماً عليهم أن يدفعوا جزءً من أثمان هذا الصراع. وفي بعض الأحيان، كانوا العامل الحاسم لصالح جهة ضد جهة أخرى. كما جرى في معركة “ملاذكورد” التي جرت سنة 1071 م، وساند فيها الأكراد الجيش السلجوقي بقيادة السلطان آلب أصلان (1029-1072) وانتصر فيها الأخير على الإمبراطور البيزنطي رومانوس، وكان هذا الانتصار ممهداً لامتداد السلطنة السلجوقيّة شرقاً. وعليه، تأسس المجد السلجوقي على الدم الكردي الذي أريق في مواجهة الروم – البيزنطيين.

كذلك الحال في الصراع الصفوي – العثماني الذي كانت معظم حروبه تجري على الأراضي الكرديّة المقسمة بين الامبراطوريتين التركيّة والفارسيّة. وحسم الكرد هذا الصراع، لصالح الأتراك في معركة تشالدران سنة 1514 عبر دعمهم للسلطان العثماني سليم ياووز (1470-1520) في مواجهة الشاه اسماعيل الأول الصفوي (1487-1524). وبالتالي، الامتداد العثماني شرقاً، أيضاً كان على أكتاف الأكراد ومساندتهم لهم.

وفي الخلاف بين حكومة أنقرة بزعامة مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938) وبين حكومة اسطنبول بزعامة السلطان محمد السادس وحيد الدين (1861-1926) الذي تحالف مع الاحتلال الأجنبي ضد أتاتورك، نجح الأخير في استمالة الأكراد في الشرق في صراعه على السلطة، وخداعه لهم ببعض الوعود التي سنأتي على ذكرها لاحقاً. وبعد ان استتب لهم الحكم، نكث بعهدهِ، وسحق الانتفاضات والثورات الكرديّة عليه، كانتفاضة الشيخ سعيد بيران (1865-1925)، وانتفاضة جبل آغري سنة 1930 بقيادة الجنرال السابق في الجيش العثماني إحسان نوري باشا (1896-1976)، وانتفاضة ديرسيم بقيادة سيد رضا (1863-1938).5

وبحسب العديد من المصادر الكرديّة، فإن أول تقسيم لكردستان كان في اتفاقية “قصر شيرين” التي انهت الصراع بين العثمانيين والصفويين في 17/5/1636، وبموجبها تم ترسيم الحدود بين الجانبين التركي والفارسي6.

بينما التقسيم الثاني والذي وزّع الجغرافيا الطبيعيّة والبشريّة الكرديّة على أربعة دول، هو اتفاقيّة “سايكس -بيكو” المذكورة. وتكرّس هذا التقسيم فيما بعد، بعد انسحاب الانكليز والفرنسيين، وإعلان سورية والعراق الاستقلال عن فرنسا وبريطانيا. كذلك الحرب الإيرانية – العراقيّة، بعض فصولها، جرت في المناطق الكرديّة العراقيّة المحاذية للحدود الإيرانيّة.

المناطق الكرديّة في العراق، غنيّة بالنفط (حقول كركوك)، كذلك المناطق الكرديّة في سورية (حقول رميلان). والمناطق الكرديّة في تركيا أيضاً (حقول باطمان)، إلى جانب وفرة هائلة في المياه، ومساحات سهليّة شاسعة للزراعة، وتنوّع التضاريس والمناخ. كل ذلك، يجعل المناطق الكرديّة، على الصعيد الاستراتيجي، اقتصاديّاً وسياسيّاً، محلّ اطماع واستغلال القوى التي تسيطر على كردستان، ورفضها أي نزوع استقلالي كردي، بشكل قاطع. لذا، ألّف عالم الاجتماع التركي، والنصير القوي للقضيّة الكرديّة البروفسور اسماعيل بيشيجكي، مجموعة كتب تتناولت المسألة الكرديّة، وربما أبرزها: “كردستان مستعمرة دوليّة”7.

حيث يرى بيشيكجي أن وضع الكرد، ضمن واقع التقسيم والظروف التي يعيشونها، أسوأ حتى من سكّان المستعمرات”. ويضيف: إن”الأكراد لم يقبلوا في اي مكان بصفتهم اكراداً. فهم أتراك في تركيا، وإيرانيون في إيران، وعرب في سورية. وهم بطبيعة الحالة أتراك، إيرانيون وعرب من الدرجة الثانية. ولهذا السبب تمارس ضد الأكراد سياسة مكثفة للتتريك والتفريس والتعريب. ويجري بإصرار إنكار هوية الكرد وكردستان”8

ويذكر أيضاً: “لم يعد بالإمكان الحديث عن حدود واضحة المعالم لكردستان. فمن خلال عمليات تهجير الأكراد إلى بلدان وأقاليم أخرى، وعمليات الإبادة، وسياسات استقبال المهاجرين من بلغاريا وافغانستان، ومن خلال جهود تتريكهم وتفريسهم وتعريبهم استطاعت الدول التي تقتسم كردستان، باعتبارها مستعمرة مشتركة، تحقيق تحوّل عميق في الهيكل السكاني. كما استطاعت باتباع هذه الوسائل، إحداث تغيرات ملموسة في الحدود الطبيعية لكردستان. وعندما يطرد الكرد من ديارهم، وتُتخذ قراهم موطناً لفئات أخرى من الاتراك والفرس والعرب، وعندما تتولّى المؤسسات الزراعية التابعة للدولة استغلال الاراضي الكرديّة الخصبة، وتنشئ فيها ثكنات عسكرية، فإن الأمر يتعلّق دون شك، بانتهاج سياسة معيّنة، بتصّر وإصرار”9.

المحور الثاني: التنوع العرقي والديني والمذهبي في المناطق الكردية:

سياسات ومشاريع الصهر القومي التي مارستها الانظمة المتعاقبة على الحكم في تركيا وايران والعراق سورية، وانكارها لوجود القوميّة الكرديّة، أثّرت بشكل كبير على التعداد السكاني للكرد. ذلك أن من إحدى أهداف هذه السياسات والمشاريع، إحداث تغيير ديموغرافي في المناطق الكرديّة، فضلاً عن التكتّم على العديد الحقيقي للأكراد. وبالتالي، لا يوجد احصاء دقيق لعدد الكرد، بشكل علمي ومحايد. وبحسب الموقع الالكتروني لمشروع جوشوا للمجموعات الإثنيّة (JOSHUA PROJECT) يصل عدد الكرد إلى 27,380,000 نسمة، 56% في تركيا، و%16 في إيران، و%15 في العراق، و6% في سورية10.

بينما يرى الباحثون والساسة والمثقفون الكرد ان عددهم يتجاوز ذلك بكثير، ليصل إلى أربعين مليون نسمة، نصفهم في تركيا، و10 مليون في إيران، و7 مليون في العراق، و3 مليون في سورية. كما يقدّر هؤلاء مساحة كردستان بـ550000 كيلو متر مربّع، تتوزّع على تركيا وايران والعراق وسورية ومساحة صغيرة في إقليم “ناغورنو كراباخ” المتنازع عليه بين ارمينيا واذربيجان، ويطلق عليها الأكراد اسم “كردستان الحمراء”11. وهذه المنطقة كانت تتمتّع بالحكم الذاتي تابعة لأذربيجان، في تموز 1923، على عهد لينين. وكانت عاصمتها “لاتشين” وتضم مدن “كلباجار” و”قوبادلي” واللتين تسيطر عليهما أرمينيا منذ 1992.

أولاً: توزيع الأكراد في تركيا:

بحسب احصاء أجرته وزارة الداخليّة التركيّة سنة 2011، بلغ عدد سكّان تركيا 74.724.269، منهم 15,016,000 كردي، ما نسبته 20% من عدد سكّان تركيا، و56% من اجمالي عدد الكرد في العالم. لكن الكرد لا يثقون بهذه الاحصائيّات كونها صادرة من جهات رسميّة تركيّة، لا تريد ابراز الارقام الحقيقيّة، لغايات سياسيّة. ويؤكدون ان عددهم في تركيا يتجاوز 20 مليون نسمة، يشكّلون الاكثريّة في 21 محافظة من المحافظات التركيّة التسعين.

والمحافظات ذات الغالبيّة الكرديّة، تقع في شرق وجنوب شرق تركيا ويطلق عليها الكرد اسم كردستان تركيا، او كردستان الشماليّة، اعتماداً على ان اتفاقيّة سايكس – بيكو، قسّمت كردستان إلى اربعة اجزاء. والمحافظات التركيّة ذات الغالبيّة الكرديّة هي: أرزنجان، أرضروم، قارص، ملاطية، ديرسم (ـتونجَلي)، آلعزيز (ألازغ)، جَولك (بينغول)، موش، آغري، باطمان ـ آدييَمان، آمد (ديار بكر) سيرت، بدليس، وان، أورفا، عنتاب (ديلوك)، مرعش، ماردين، جولامريك، (هكَّاري)، شرناخ.

كما يوجد عدد كبير من الكرد في محافظات داخليّة كـ “سيواس، أنقرة، قونية كايسري، أزمير، ميرسين، اسكندرون”. في حين يقدّر النشطاء الكرد عدد القاطنين في اسطنبول من الكرد بأربعة ملايين نسمة، بخاصة بعد حملات التهجير التي قام بها الجيش التركي اثناء صراعه مع الكردستاني.

وأغلبيّة أكراد تركيا من المسلمين السنّة الشافعيّة، وهنالك 4 إلى 5 مليون علوي كردي. بالإضافة إلى وجود بضعة آلاف من الإيزيديين، يتحدّث كرد تركيا لهجتين من لجهات اللغة الكرديّة هما: الكرمانجيّة والزازاكيّة12.

ثانياً: توزيع الأكراد في إيران:

تشير المصادر الكرديّة إلى أن عددهم يقارب 10 ملايين، ويشكِّلون 14.3% من سكان إيران البالغ عددهم 70 مليون نسمة. وتعتبر هذه المصادر أن كردستان إيران تشتمل على أربع ولايات، هي: إيلام وكرمنشاه وكردستان وأذربيجان الغربية، ومساحتها 120 ألف كيلومتر مربع، أي 7.3% من مساحة إيران البالغة 1.548 مليون كيلومتر مربع. مع الأخذ في الاعتبار أن قسماً من أكراد إيران موزَّع على المدن الإيرانيّة كـطهران وخورسان ومشهد…”. والكُرد هم القومية الثالثة في البلاد، بعد الفرس والآذريين، وغالبيتهم من المسلمين السنَّة، وقسم منهم شيعة، يتوزَّعون على إيلام وكرمنشاه، وبينهم ديانات وطوائف أخرى كالإيزيدية، والكاكائية، واليهودية، والمسيحية.13

ثالثاً: توزيع الأكراد في العراق:

في العراق، منذ مطلع العشرينات ولغاية مطلع التسعيينات من القرن العشرين، مرّ الأكراد بالكثير من الانتفاضات والحروب مع الحكومات المركزيّة في بغداد. انعكس ذلك سلباً على تعدادهم وتوزّعهم السكّاني. حيث تعرّضوا للكثير من حملات التهجير القسري، “كحمالات الأنفال” التي تم تصنيفها على أنها إبادة جماعيّة.

ووفق تقديرات وزارة التخطيط العراقية لسنة 2014، بلغ عدد كرد العراق 4.934.000 شخصاً. من دون حساب الكرد العراقيين الموزعين في المهجر، ولا الكرد الفيلية14. وأغلبيّة كرد العراق مسلمون سنّة. ويوجد بينهم الإيزيديّة، والكاكائيّة، والمسيحيّة واليهوديّة. ومحافظات كردستان العراق هي: هولير (أربيل)، السيلمانيّة، ودهوك، بالإضافة إلى كركوك المتنازع عليها. ويتحدّث كرد العراق ثلاث لهجات كرديّة هي الصورانيّة، الكورمانجيّة (البادينيّة) والهورمانيّة.

رابعاً: توزيع الأكراد في سوريا:

تتحدّث المراجع السياسيّة والتاريخيّة الكرديّة عن وجود جزء من كردستان ملحق بسورية، بموجب اتفاقيّة “سايكس-بيكو”. وتقدّر هذه المصادر مساحة كردستان سورية بنحو 39 الف كيلو متر مربع، مقسّمة على ثلاثة كتل جغرافيّة، تعتبر كأمتداد لكردستان تركيا، هي الجزء الشمالي لمحافظة الحسكة، وتضم مدن؛ رأس العين، الدرباسيّة، عامودا، القامشلي، تربه سبي، ديريك.

أما الجزء الجغرافي الثاني فهي مدينة كوباني، ويفصلها مناطق منبج، جرابلس العربيّة عن منطقة عفرين الكرديّة. ويتوزّع الكرد على هذه المناطق الحدوديّة إلى جانب وجود بشري كثيف في حلب والعاصمة دمشق، بالإضافة إلى وجود بعض القرى الكرديّة في منطقة الغاب والساحل السوري. أغلبيّة كرد سورية مسلمون سنّة، إلى جانب وجود نسبة قليلة من الإيزيديين والمسلمين الشيعة. ويتكلّمون اللجهة الكورمانجية.

المحور الثالث: المراحل التاريخية لتطور القضية الكردية وأهم الفواعل الداخلية والخارجية:

قبل تشكّل الدول الحديثة في الشرق الأوسط، المناطق التي تعرّف حاليّاً بكردستان، كانت السلطة الإداريّة فيها، يغلب عليها الطابق الكردي. ذلك أن السلطة القوميّة – الدينيّة؛ السريانيّة – الآشوريّة، فقدت حكم المنطقة منذ مئات السنين. وثمة عوامل كثيرة أدّت إلى ذلك، منها ما هو ديني، يعود إلى أن أتباع الديانة المسيحيّة من سريان وكلدوآشوريين، صاروا أقليّة دينيّة ضمن أكثريّة دينيّة مسلمّة. وبات الأكراد يشكلون أحد ركائز حكم المنطقة باعتبارهم مسلمين. بدليل أنه بعد أن بسط الدين الإسلامي سيطرته على سورية والعراق، من ثم سقوط القسطنطينية بيد الأتراك العثمانيين في 29 أيّار 1453، وسيطرتهم على سورية، العراق ومصر سنة 1516، لا يمكننا العثور على والي مسيحي في عهد الخلافة الراشدة او الأمويّة أو العباسيّة أو الأيوبيّة أو العثمانيّة على إمارة سريانيّة – آشوريّة مسيحيّة في العراق، سورية ومصر، باستثناء لبنان الذي تمتّع فيه المسيحيون بهامش من الحريّة والسلطة الإداريّة، بخاصة بعد اعتناق أمراء الأسرة الشهابية للدين المسيحي واستلامهم حكم جبل لبنان سنة 1771.

وعليه، تعاملت السلطات الإسلاميّة المتعاقبة مع السريان والآشوريين والكلدان على أنهم “أهل كتاب” فقهيّاً، و”أهل ذمّة” قانونيّاً. وصحيح أن العثمانيين منحوا بطاركة الكنائس المسيحيّة هامش إدارة الشؤون الدينيّة والاجتماعيّة والثقافيّة للملّة (أرمن، سريان، موارنة، أقباط: كاثوليك، أورثوذوكس) إلاّ أن ذلك بقي ضمن سلطة الكنيسة، وخاضع للقانون العام للدولة الإسلامية. بخلاف الأكراد الذين كانت لهم إمارات تتمتع بالحكم الذاتي تقريباً، حتى قبل الحكم العثماني، كـ”الشدادية” أسسها محمد بن شداد بن قرطق سنة 951 م. وسقطت على يد الكرج (الجورجيين) سنة 1174 م. وإمارة بني حسنويه. أسسها حسنويه بن حسين البازركاني سنة 959 م. وسيطر عليها البويهيون سنة 1015 م. والإمارة المروانية، أسسها أبو عبدالله حسين بك دوستك، واستولى عليها السلاجقة سنة 1096 م. كذلك كانت هنالك إمارات كردية مستقلة إبان الحكم العثماني كـ”اردلان، بابان، السورانية، البهدينانية، والبوطانية”15.

وما أن بدأت السلطنة العثمانيّة بتقليص سلطات وصلاحيات الأمراء (الباشاوات) الكرد الذين كانوا يحكمون إماراتهم التي تتمتع بالاستقلال الذاتي، وتدين بالولاء للسلطان والباب العالي في الاستانة، حتى بدأ الكرد انتفاضاتهم على السلطنة العثمانية.

اللافت أن أولى إرهاصات الوعي القومي الكردي بدأت أدبيّاً، عبر ملحمة العشق الشعرية الكردية المعروفة “مم وزين”16 التي ألّفها الشاعر الكردي المتصوّف ملا احمد خاني (1651-1707)، حين اشتكى في ملحمته هذه من تشرذم وتطاحن الإمارات والقبائل الكرديّة، وأنه لو كان للكرد زعيم واحد، لتحوّلوا إلى سلطنة ودولة، يدين لها الترك والعجم والعرب بالولاء وفروض الطاعة..!. بمعنى، الدعوة إلى دولة قومية موحدة للكرد، ظهرت في فكر وشعر الأديب الكردي، حتى قبل ظهور الفكر القومي ومفهوم الدولة القومية في اوروبا، وقبل انتقال هذا الفكر إلى الأتراك والعرب، مع بدايات القرن العشرين وبدء المثقفين والنشطاء العرب المطالبة بحكم لامركزي من الدولة العثمانيّة، وردّة فعل جماعة “الاتحاد والترقي” الدموي على المطالب العربية، واضطرار العرب الاستنجاد والاستغاثة بالأجنبي البريطاني للخلاص من الظلم والقمع العثماني!.

هذا الشعور والميل القومي الكردي، عبّر عن نفسه من خلال انتفاضات كردية على السلطنة العثمانية أيضاً، بدأت بانتفاضة بدرخان باشا في إمارة بوطان سنة 1847، ثم انتفاضة يزدان شير (ابن عم بدرخان باشا) سنة 1855، وانتفاضة الشيخ عبيدالله النهري سنة 1880. وما يؤكد أن كل هذه الانتفاضات كانت التعبير عن الميل القومي الاستقلالي للكرد، أنه بعد إجلاء العائلة البدرخانية من منطقة بوتان إلى اسطنبول، لجأ أحد أفرادها هو الامير مقداد مدحت بدرخان إلى القاهرة التي كانت تحت حكم أسرة محمد علي باشا، وعلى خلاف مع اسطنبول، وأسس بدرخان هناك جريدة “كردستان” سنة 1898. هذه الجريدة، كانت لسان حال المشروع القومي الكردي وقتذاك.

وبعد استلام جمعية الاتحاد والترقي للحكم وإعلان الإصلاحات والدستور سنة 1908، خفّفت السلطة العثمانيّة ضغوطها على النخب السياسيّة والثقافيّة الكرديّة، فأسست هذه النخب جمعيّات ثقافية قوميّة في اسطنبول، كجمعيّة “تعالي كردستان”، وجمعية “التشكيلات الكردية”، وجمعيّة “هيوى” أسسها عبدالكريم أفندي. بالإضافة إلى إصدار بعض الصحف كـ”هتاوي كرد” سنة 1913، و”جين” سنة 1919.

أولاً: الأكراد في ظل الجمهورية التركية:

على زمن الجمهوريّة التركيّة، تأسست جمعية “آزادي” التي مهدّت لانتفاضة الشيخ سعيد بيران سنة 1925 على نظام مصطفى كمال أتاتورك. بعد سحق الانتفاضة واعدام قائدها، لجأ الكثير من الساسة والمثقفين الكرد إلى سورية ولبنان إبان الحكم الفرنسي، هرباً من القمع والبطش التركي، وأسسوا جمعية “خويبون” (الاستقلال) سنة 1927، التي دعمت انتفاضة جبل آغري (1927-1930) بقيادة الجنرال الكردي السابق في الجيش العثماني إحسان نوري باشا (1896-1976). وبعد سحق هذه الانتفاضة، اندلعت انتفاضة أخرى سنة 1937 في منطقة ديرسم الكردية العلوية في تركيا، بقيادة سيد رضا، وتم سحقها هي أيضاً بالحديد والنار، وقصفت مدينة دريسم بالطيران. واعتقل زعيم الانتفاضة وتم إعدامه سنة 1937.

وبعد إنكار حدوث المجزرة طيلة عقود، اعترف بها الرئيس التركي أردوغان، وقدّم اعتذاراً عنها في كانون الثاني 2011، دون أن يكون هنالك أية اعتبارات قانونيّة وإداريّة تترتّب على هذا الاعتذار. ذلك ان المتورّطين في المجزرة، يتمّ اعتبارهم ابطال قوميين في التاريخ التركي. ومنهم؛ ابنة اتاتورك بالتبنّي، صبيحة غوكتشان، التي قصف المدينة بطائرتها.

النظام العلماني، العسكري الناشئ في تركيا وقتذاك، سعى إلى تشكيل دولة – أمّة على حساب سحق وصهر المكوّنات القوميّة الأخرى. لذا، كان تعامل النظام مع الكرد دمويّاً، وعلى منحيين، قومي، على أنهم أكراد، حيث تمّ إنكار وجودهم واعتبارهم “أتراك الجبال”، وديني وعلى أنهم مسلمون سنّة (انتفاضة شيخ سعيد بيران) يدعون إلى عودة دولة الخلافة، أو علويون (انتفاضة ديرسم)، يهددون النظام العلماني، المستند على موروث عثماني (سنّي).

ويوضّح الباحث العراقي إبراهيم الداقوقي في كتابه الهام “أكراد تركيا” جانباً من تفاصيل بدايات الأسلوب الاستثماري المخادع الذي تعامل به أتاتورك مع الأكراد عبر إيهامهم ببعض الوعود، لكنه سرعان ما انقلب عليهم حين حقق أهدافه. ذلك أنه بعد تقسيم تركة السلطنة العثمانيّة بين الإنكليز والفرنسيين في اتفاقيّة سايكس – بيكو سنة 1916، خشيت النخب التركيّة الحاكمة، من زيادة تفتيت المتبقّي من السلطنة العثمانيّة. ويشير الداقوقي في كتابه السالف إلى أن: (تصريح كليمنصو، رئيس وزراء فرنسا، الذي قال فيه إن “إدارة العثمانيين سيّئة، ومظالمهم متنوّعة من عصور عديدة، وهم عديمو الكفاءة والأهليّة في إدارة العناصر غير التركيّة، فيجب ألاّ نترك أمّة ما في إرادتهم”، هذا التصريح، وارتفاع وتيرة النشاطات القوميّة للجمعيّات الكرديّة، أقلق الباب العالي من أن يؤدّي إلى إنفصال كردستان عن الادارة التركيّة. فأخذت الصحافة العثمانيّة تذكّر الكرد بالإخاء الاسلامي والوطنيّة العثمانيّة. ثم بادر الاتراك إلى تشكيل هيئة وزاريّة لدراسة القضيّة الكرديّة، مؤلّفة من شيخ الاسلام حيدري زاده ابراهيم افندي، عيوق باشا وزير الاشغال، عوني باشا وزير البحريّة، الأمير علي بدرخان عضو جمعيّة تعالي كردستان، ومراد بدرخان وعبد القادر افندي من أعضاء مجلس الاعيان. واتفقت الهيئة على:

1 ــ منح كردستان الاستقلال الذاتي، شريطة قبولهم البقاء في الجامعة العثمانيّة.

2 ــ اتخاذ التدابير الفعالة لاعلان هذا الاستقلال والشروع في تنفيذ مقتضاه حالاً).

ويقول الداقوقي: لم ينفّذ الصدر الاعظم فريد باشا مقررات الهيئة. ويشير إلى أنه “بعد تنصيب مصطفى كمال رئيساً لمؤتمر (جمعية الدفاع عن حقوق الولايات الشرقيّة) الكرديّة، تحرّك سريعاً لتعبئة جماهير شرقي الاناضول للانخراط في حركة التحرير.

وينقل الباحث الكردي محمد ملا أحمد (1934 – 2009) عن الكاتب الانكليزي _ الكابتن هـ. س. آرمسترونغ، من كتابه “الذئب الأغبر.. مصطفى كمال أتاتورك” قوله: “كانت الوعود دائماً في نظر مصطفى كمال وسيلة لغاية، وسلّماً إلى هدف. لذا اتصل مع زعماء العشائر الكرديّة، وحاورهم باسم الوطنيّة والدين. حتى أنه ارتدى زيّ رجال الدين المسلمين، واتصل بهم وطلب منهم الوقوف في وجه مؤامرات الأرمن، والأوربيين المسيحيين (الكفار). فجذبهم إليه. وتقوّى بمساعدتهم.

وكان الاتحاديون قد جذبوا العديد من القوميين الأكراد، من أعضاء النوادي السياسيّة في دياربكر وماردين وغيرها إليهم. مقابل وعود بإعطائهم الاستقلال الذاتي، إذا ساعدوهم ضد الحلفاء والأرمن. واستطاع مصطفى كمال إبعاد الأكراد عن دعم حكومة اسطنبول وقطع لهم الوعود الكثيرة بإعطائهم الاستقلال، إن هم ساعدوه في التخلّص من الأعداء. وبيّن للأكراد لزوم “إرجاء القضيّة الكرديّة إلى أن يطهّر البلاد من الأعداء… قاطعاً لهم الوعود الصريحة باعتراف تركيا للأكراد وكردستان بالإستقلال، بمساحة أوسع من التي وردت في معاهدة سيفر. ووثق الكثير من زعماء الأكراد بمصطفى كمال، لأنه كان يتكلم باسم الدين والوحدة الوطنية”17.

لم تقتنع بعض الزعامات الكرديّة بوعود مصطفى كمال، بخاصّة بعد “رفضه وقادته العسكريين تشكيل الكرد فرقة عسكريّة كرديّة في أرضروم للدفاع عن الولايات الشرقيّة، ورفضهم قيام أيّة حركة باسم الكرد، فانقسم الكرد إلى فريقين. الاول: يؤيد التعاون مع مصطفى كمال، وإرجاء مسألة الحقوق القوميّة الكرديّة. والثاني: رفض التعاون معه ودعا للاتصال بدول الائتلاف للحصول على الحقوق القوميّة. وعلى رأسهم جمعيّة تعالي كردستان وعائلة بدرخان باشا” بحسب ما أورده الداقوقي في كتابه.

وشارك الفريق الاول في مؤتمر سيواس المنعقد في 4 إلى 12/09/1919 الذي دعا اليه مصطفى كمال مع وفد لممثلين عن (جمعية الدفاع عن حقوق الولايات الشرقيّة) الكرديّة، هم؛ مصطفى كمال، رؤوف بيك، العالم الديني رائف افندي الكردي، الشيخ فوزي افندي الكردي، الشيخ سامي بيك.

ثم انتخب مصطفى كمال بمساعدة ومساندة المندوبين الكرد رئيساً، مع معارضة آخرين!. وانتخب المؤتمر تسعة اعضاء جدد للهيئة التأسيسيّة، هم الذين وضعوا مبادىء الميثاق الوطني وأيديولوجيّة الدولة الجديدة واتجاهاتها السياسيّة والاجتماعيّة. مع اتخاذ العديد من القرارات منها إرجاء القضيّة الكرديّة إلى ما بعد التحرير. وتغيير اسم (جمعيّة الدفاع عن حقوق الولايات الشرقيّة) الكرديّة إلى (جمعية الدفاع عن حقوق الاناضول وبلاد الروم). ومعارضة كافة اشكال الدويلات التي تحاول دول الائتلاف اقامتها.

ويذكر الداقوقي أنه في مؤتمر سيواس، وبعد انتخاب الهيئة التاسيسيّة المؤلّفة من 9 اشخاص انضموا إلى (جمعيّة الدفاع عن الحقوق في الاناضول وبلاد الروم) أثناء انعقاد مؤتمر ارضروم في 23/07/1919، تمّ انتخاب 3 أكراد من أصل 8 أعضاء كلجنة اشراف على مؤتمر سيواس. وبعد انتهاء المؤتمر بعث مصطفى كمال رسائل إلى العديد من رؤساء العشائر والشخصيّات الكرديّة للمشاركة في حركة التحرير، مذكرا اياهم بدورهم البطولي في استرداد بتليس (بدليس) من الاعداء.

وينقل الداقوقي عن الباحث الكردي محمد أمين زكي قوله: “عندما انعقد المجلس الوطني التركي في انقرة 1920، كان فيه 72 نائباً يمثلون كردستان، هم الذين تعاونوا مع مصطفى كمال، وأبرقوا إلى الحلفاء بانهم لا يرغبون في الانفصال عن الاتراك”.

وفي سياق الصراع على السلطة بين حكومة اسطنبول برئاسة الصدر الاعظم الدماد فريد باشا وجماعة الاتحاد والترقي والخليفة العثماني محمد وحيد الدين (1861 – 1929) من جهة، وحكومة مصطفى كمال في انقرة من جهة أخرى، حاول كل طرف استمالة الأكراد إلى جانبه.

وتجدر الاشارة إلى ان حكومة فريد باشا الأولى هي التي أوفدت مصطفى كمال إلى المناطق الكرديّة بمنصب المفتش العام على الجيوش التركيّة، لاستمالة الاكراد واعلان الثورة. بينما حكومة فريد باشا الثانية، أصدرت قرار إقالته بتهمة العصيان والتمرّد على السلطان.

الأكراد ومعاهدة سيفر1920:

بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالميّة الأولى، وفي إطار الحفاظ على السلطة وقطع الطريق على حكومة مصطفى كمال في أنقرة، وبالتوازي مع مساعي استمالة الأقليّات القوميّة في السلطنة بخاصّة الكرد والأرمن، وكنوع من تبرئة الذمّة من مذابح الأرمن، وقّعت حكومة اسطنبول برئاسة علي رضا باشا يوم 10/08/1920 على معاهدة سيفر والتي نصّت على الاعتراف بأرمينيا، وبالعراق وسورية تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني.

كما نصّت البنود 62، 63، 64 من الفقرة الثالثة على منح المناطق الكرديّة الحكم الذاتي، واحتمال حصول كردستان على الاستقلال، والسماح لولاية الموصل بالانضمام إلى كردستان، طبقاً للبند 62. ونصّت البنود الثلاث على التالي:

“62 ــ تشكل الحكومة لجنة يكون مقرها القسطنطينة – اسطنبول – تتألف من أعضاء ثلاثة تعيّنهم الحكومة البريطانيّة والفرنسيّة والايطاليّة. وعلى هذه اللجنة أن تضع في غضون ستة أشهر من التوقيع على هذه المعاهدة مشروعاً للحكم الذاتي المحلي للمناطق التي تسكنها غالبيّة كرديّة والواقعة شرق الفرات وجنوب الحدود الجنوبيّة لأرمينيا، كما ستقرر فيما بعد، وشمال حدود تركيا مع سورية، وبلاد ما بين النهرين.

63 ــ توافق الحكومة العثمانيّة من الآن على قبول وتنفيذ القرارات التي تتخذها الهيئة المقرر تشكيلها في المادة 62 أعلاه خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إخطارها بتنفيذ تلك القرارات.

64 ــ في غضون سنة واحدة من هذا التاريخ، إذا ظهر الشعب الكردي القاطن ضمن المناطق المحددة في المادة 62، أن أغلبيّة سكان تلك المناطق ترغب في الاستقلال عن تركيا، وإذا رأى المجلس (مجلس عصبة الأمم) أن هؤلاء جديرون بهذا الاستقلال، وإذا أوصى بأن تمنح لهم، فعلى تركيا أن توافق على تنفيذ مثل هذه التوصية، وأن تتنازل عن كل حقوقها وامتيازاتها في تلك المناطق”18.

رفضت حكومة أنقرة هذه المعاهدة، واعتبرتها اذلالاً للسلطنة العثمانيّة وظلماً بحقّها، وتخاذلاً من حكومة اسطنبول والسلطان محمد وحيد الدين، وأن الفريق الحاكم في اسطنبول قد خان الوطن. وفي 30/10/1922 قدّم مصطفى كمال مشروع قرار إلى البرلمان يطالب فيه بإلغاء السلطنة واتهام السلطان بالخيانة العظمى. ووافق البرلمان على ذلك في 01/11/1922 بفصل السلطنة عن الخلافة وإلغاء الأولى!.

نجحت حكومة أنقرة في اقناع الاكراد بإرجاء مطالبهم القوميّة، عبر قطع الوعود لهم، كما ذكرنا آنفاً، فأرسل مصطفى كمال وفداً إلى مؤتمر لوزان، برئاسة صديقه عصمت إينونو (1884 _ 1973). وأثناء تواجد الوفد هناك، طلب مصطفى كمال من النواب الأكراد في البرلمان، الرد على الاستفسار، الذي وصله من إينونو (كردي الاصل)، في مؤتمر لوزان، حول رغبة الأكراد في البقاء ضمن الدولة التركيّة الجديدة. فردّ النائب الكردي عن أرضروم، حسين عوني بيك، قائلاً: “إن هذه البلاد هي للأكراد والأتراك. وإن حقّ التحدّث من هذه المنصّة، هو للأُمتَين، الكرديّة والتركيّة”. وأيده النواب الكرد في البرلمان. وبموجبه، أعلن إينونو في مؤتمر لوزان، أن “تركيا هي للشعبَين، التركي والكردي، المتساويَين أمام الدولة، ويتمتعان بحقوق قوميّة متساوية”.

وحين وجد المشاركون، أن الأكراد، لا يريدون الانفصال عن تركيا، وأن الأخيرة وعدت بتلبية مطالبهم القوميّة، وافقوا على غض النظر عن أي فكرة لاستقلال كردستان، وحذفوا ذكر الأكراد من وثائق المؤتمر. وتمّ التوقيع على معاهدة لوزان بين الحلفاء وحكومة أنقرة في 24/07/1923.

ونسفت هذه المعاهدة ما جاء في معاهدة سيفر، عبر تقديم التنازلات المتبادلة بين تركيا والانكليز والحلفاء فيما يخصّ المسألة الكرديّة. ولم يُذكر في نصّ المعاهدة أي شيء عن استقلال الأكراد وحقوقهم القوميّة، سوى ما جاء تلميحاً في المواد 38، 39، 44 من الفصل الثالث. حيث جاء في المادّة 38: تتعهد الحكومة التركيّة بمنح جميع السكان الحماية التامّة والكاملة، لحياتهم وحريتهم، من دون تمييز في العِرق والقوميّة واللغة والدين. وفي المادة 39: “لن تصدر أية مضايقات في شأن الممارسة الحرة لكل مواطن تركي لأية لغة كانت، إن كان ذلك في العلاقات الخاصة أم في العلاقات التجارية، أم في الدين والصحافة، أم في المؤلفات والمطبوعات، من مختلف الأنواع أم في الاجتماعات العامة.

وتقول المادة 44: إن تعهدات تركيا هذه، هي تعهدات دولية، لا يجوز نقْضها، في أي حال من الأحوال، وإلا فيكون لكل دولة من الدول الموقعة معاهدة لوزان، والدول المؤلفة منها عصبة الأمم، الحق في الإشراف على تنفيذ تركيا هذه التعهدات، بدقة، والتدخل ضدها، لحملها على تنفيذ ما تعهدت به أمام العالم.

بعد إعلان مصطفى كمال – أتاتورك ولادة الجمهوريّة التركيّة في 29/10/1923، وضمانه دعم الغرب والقوى العظمى، وتغاضيها عن حقوق الاكراد، بدأ أتاتورك التنصّل مما جاء في معاهدة لوزان، ووعوده للكرد. وبدأت مرحلة مريرة ومظلمة في حياة أكراد تركيا. وكردّة فعل على تنكر أتاتورك لوعوده التي قطعها للكرد، اندلعت انتفاضة الشيخ سعيد بيران، سنة 1925، وساندها الأرمن والشركس والعرب والاشوريين في مناطق جنوب شرق تركيا. ومشاركة الأرمن والآشوريين في الانتفاضة، يعني بأنها لم تكن إسلاميّة صرفة، تدعو لعودة دولة الخلافة، كما يرى البعض. وانتهت هذه الانتفاضة بالسحق واعتقال الشيخ سعيد واعدامه مع رفاقه في 30/05/1925. وتتالت الانتفاضات الكرديّة. وهكذا، كانت بداية العهد الجمهوري – العلماني، الاتاتوركي، المجازر بحق الكرد.

وأثناء ذلك، أرسى اتاتورك مبادئ الدولة – الأمّة في تركيا، ارتكازاً على عمليّات الانكار والصهر والتذويب لكل الأقليّات القوميّة، ضمن بوتقة القوميّة التركيّة، جرى انكار كل شيء له علاقة او يوحي بوجود الكرد في تركيا. وتمت تسميتهم بـ”اتراك الجبال”، كما ذكرنا سابقاً.

وحوربت اللغة والثقافة الكرديتين، إلى درجة تغيير ألوان اشارات المرور؛ الأخضر والأحمر والأصفر (ألوان العلم الكردي). وتفاقمت سياسات الصهر والقهر والمنع والقمع والتذويب بحقّ الكرد في الانقلابات العسكريّة الثلاث التي شهدتها تركيا (1960، 1971، 1980) حيث ازدادت الدولة الكمالية (الاتاتوركيّة) في تشددها وتطرّفها القومي. وفي نهاية السبعينات، وتحديداً 27/11/1978، اجتمعت مجموعة من الشبيبة الكرديّة، بقيادة عبدالله أوجلان (الطالب في كليّة العلوم السياسيّة وقتئذ) في قرية فيس التابعة لمنطقة “لجه” بمحافظة آمد / دياربكر، وأعلنت عن تشكيل حزب العمال الكردستاني PKK (الاحرف الثلاث الأولى من الاسم الكردي للحزب). كان شعار الحزب: تشكيل كردستان المستقلّة الاشتراكيّة الموحّدة. والخطوة الأولى في هذا المسار هو التمهيد لاعلان الثورة والكفاح المسلّح. وبخصوص آيديولوجيّته فكانت خليط من اليساريّة والقوميّة كردّة فعل على اليسار التركي الذي انشق عنه أوجلان. ذلك أن هذا اليسار طالب الكرد بإرجاء مطالبهم لحين تحقيق الاشتراكيّة في تركيا. تماماً كما فعل اتاتورك سابقاً، وكما كان يطالب اليساريون والاسلاميون العرب والفرس من الكرد في العراق وسورية وايران، حتّى الآن.

عقد العمال الكردستاني مؤتمره الثاني سنة 1982 في سورية، واتخذ قرار التمهيد للعمل المسلّح. وقام بأوّل عمليّة عسكريّة ضدّ الجيش التركي في منطقة “أروه” التابعة لمحافظة شرناخ في 15/08/1984. بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود من الصراع بين الجانبين، لم يستطع كلا الطرفين حسم الحرب لصالحه، رغم تفاوت ميزان القوى لصالح تركيا والدعم الاقليمي والدولي الذي حظيت به من الغرب والناتو واسرائيل، طيلة فترة الصراع مع الكردستاني.

لا يوجد إحصاء دقيق لعدد ضحايا الصراع المسلّح بين الكردستاني وتركيا. وكل طرف يورد الأرقام حسب تقديراته, وتتراوح بين 60 – 70 ألف شخص. ناهيكم عن إحراق الجيش التركي لما يناهز 4500 قرية كردية وافراغها من سكّانها.

ومع استلام تورغوت أوزال (1927 – 1993) لرئاسة الجمهوريّة في 09/11/1989، بدأت تلوح في الأفق بوادر اصلاحات في سياسات الدولة تجاه الكرد. منها؛ إصدار عفو عن السجناء السياسيين، شمل آلاف الكرد، بينهم قيادات بارزة في الكردستاني (مصطفى قره سو، ساكنة جانسيز، كاني يلماز، محمد شنر…)، ثمّ استبدل الحظر الكلّي عن التكلّم باللغة الكرديّة بحظر جزئي، سنة 1991.

أوّل مفاوضات غير مباشرة بين الكردستاني وتركيا كانت سنة 1993، عبر وساطة الرئيس العراقي صدام حسين وزعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني، بتكليف من أوزال. حيث أعلن أوجلان نهاية آذار 1993 وقفاً لاطلاق النار، كبادرة حسن نيّة وتجاوباً مع مبادرة أوزال.

وصلت المفاوضات إلى مرحلة الاعلان عنها للرأي العام. ويشير أوجلان في كتبه التي ألّفها في السجن، أنه كان من المفترض ان يتصل به أوزال هاتفياً يوم 17/04/1993، للاتفاق على موعد الاعلان عن التفاهم المبرم بين الطرفين، ولكن، تفاجأ العالم بخبر (وفاة) أوزال في نفس اليوم!. تلك المفاوضات باءت بالفشل نتيجة ممانعة مراكز القوى القوميّة التقليديّة (الدولة الخفيّة في تركيا) لحلّ القضيّة الكرديّة سلميّاً. وبالإضافة إلى موقف القوميين الأتراك المعتنّت، نصب الكردستاني كميناً لجنود أتراك عزّل، كانوا عائدين من إجازاتهم في منطقة بينغول، وقتل 33 جندياً تركياً رمياً بالرصاص. تلك العمليّة العسكريّة، قادها القائد الميداني البازر والسابق في الكردستاني، شمدين صاكك، (المسجون حالياً في تركيا) اتضح فيما بعد، أنّه كان على علاقة بدوائر الدولة الخفيّة التركيّة، وفق مصادر الكردستاني.

المفاوضات الثانيّة، غير المباشرة، كانت سنة 1997، حين أرسل رئيس الوزراء التركي، وقتئذ، نجم الدين أربكان (1926 – 2011)، رسائل إلى اوجلان، عبر الحركة الإسلاميّة اللبنانيّة. وانتهت هذه المبادرة، حين اطاح العسكر بأربكان، عبر الانقلاب الذي قام به الجيش التركي في نفس العام، وإبعاد اربكان عن الحياة السياسيّة وحظر حزبه بقرارٍ من المحكمة الدستوريّة العليا.

الجولة الثالثة من المفاوضات كانت مباشرة، بدأت بلقاءات أجرتها السلطات التركيّة مع أوجلان، بعد اختطافه من العاصمة الكينيّة نيروبي في 15/02/1999 ومحاكمته وسجنه في جزيرة إيمرالي. وذكر أوجلان أكثر من مرّة أن هذه اللقاءات كانت تتمّ بشكلٍ رسمي، وبعلمٍ وتفويض من حكومة بولند أجاويد (1925 – 2006) وهيئة الأركان التركيّة، وأن هذه المفاوضات انقطعت فجأة. ثمّ طالب أوجلان مراراً بعودتها، أثناء لقاءاته مع محاميه، لإيجاد منفرج سلميّ للقضيّة الكرديّة. وجرت جولات جديدة من اللقاءات -المفاوضات، على زمن حكومة حزب العدالة والتنمية. كانت تنقطع وتبدأ من حينٍ لحين.

أطول جولة مفاوضات بين الكردستاني وأنقرة كانت تلك السريّة المباشرة، التي احتضنتها العاصمة النرويجيّة أوسلو، من سنة 2008 ولغاية تموز 2011، حيث توقّفت بشكلٍ مفاجئ بعد هجوم شنّه مقاتلو الكردستاني على موقع عسكريّ تركي! بالإضافة إلى تسرّب تسجيلات صوتيّة لتلك اللقاءات إلى الاعلام التركي. ومع الهجوم الذي شنّه مقاتلو الكردستاني على الموقع العسكري التركي يوم 14/07/2011، وتوقّف المفاوضات بين الطرفين في أوسلو، أوقفت السلطات التركيّة اللقاءات الدوريّة التي كان يجريها محامو أوجلان مع موكلهم. بل اعتقلت العشرات منهم.

وفي يوم 08/07/2012، ذكرت صحيفة “آيدنلك” التركيّة، أن أوجلان، أجرى اتصالاً هاتفيّاً، مع البرلمانيّة الكرديّة المعروفة ليلى زانا، وطلب منها الانخراط في العمليّة السلميّة والاجتماع بأردوغان. جاء ذلك في سياق مقال كتبه الكاتب والصحافي التركي صباح الدين أونكيبار، نشرته “آيدنلك”. ونقل أونكيبار عن شخص، مكتفياً بوصفه “الاسم الهامّ”؛ تأكيده اتفاق الاستخبارات التركيّة MIT والامريكيّة CIA على “افساح المجال أمام انطلاق مرحلة سلام جديدة في تركيا، لانهاء الصراع”.

كما ذكر رئيس تحرير جريدة “راديكال” التركيّة أيوب جان في عاموده المنشور يوم 04/07/2012، أنّ اللقاءات بين أوجلان والدولة التركيّة “لا زالت مستمرّة”، وأن اللقاء الذي جرى بين ليلى زانا وأردوغان، كان بعلم أوجلان. وفي 21/3/2013، أطلق أوجلان من سجنه نداؤه الشهير بوقف العمليات المسلّحة، وأشار إلى نهاية فترة العمل المسلّح، وأنهم بصدد فتح صفحة جديدة. وألمح إلى أنه يمكن جدولة إلقاء السلاح، ضمن حلّ شامل للقضيّة الكرديّة.

وبناءً على ذلك، بدأت جولة جديدة من المفاوضات والتفاهمات، وصلت إلى مرحلة متقدّمة، سرعان ما تدهورت وتوقّفت نهائيّاً، بعد عودة العنف والعمليات العسكريّة المتبادلة بين الجانبين الكردي والتركي. الكثير من المراقبين يربطون توقف العمليّة السلميّة والمفاوضات بين الطرفين بالأوضاع الإقليميّة، وخاصّة الأزمة السوريّة. علماً أن كلا الطرفين، يلقي باللائمة على الآخر في هذا التدهور والانزلاق نحو العنف. فالكردستاني يتهم تركيا بدعم الجماعات التكفيريّة المتطرّفة في سورية والعراق، والتي تقف بالضد من الحقوق والمطالب الكرديّة في هذين البلدين. بينما تتهم تركيا الكردستاني بأنه أداة بيد النظامين السوري والايراني ضد مصالح تركيا في المنطقة.

عوائد الحلّ السلمي:

إذا كانت تركيا قد نجحت في توجيه ضربات سياسيّة ودبلوماسيّة للكردستاني، وخاصّة على صعيد إدراجه في لائحة المنظمات الإرهابيّة في أمريكا والاتحاد الأوروبي، فإن الكردستاني، استنزف تركيا لثلاثة عقود، وقادر على استنزافها لثلاثة عقود أخرى، بالنظر إلى القوة العسكريّة والجماهيريّة والاعلاميّة التي ما زال يمتلكها، ليس في تركيا وحسب وبل في كامل منطقة الشرق الأوسط وأوروبا.

في الآونة الأخيرة، الصراع بين الطرفين، صار يعبّر عن نفسه في الساحة السوريّة أيضاً بأشكال مختلفة، لم تصل بعد للمنحى العسكري المباشر. بحيث يسعى الكردستاني إلى الاستفادة من الأزمة السوريّة للحدود القصوى، بغية تعزيز موقفه التفاوضي مع أنقرة وتحقيق مكاسب سياسيّة في تركيا. في حين أن الأخيرة متهمة من قبل الغرب وأمريكا بدعم التنظيمات التكفيريّة وشراء نفط “داعش” وتسهيل مرور المقاتلين من أوروبا ومناطق عديدة في العالم إلى سورية، واستخدام هذه التنظيمات كذراع خفية ضاربة داخل سورية.

ولعل أبرز العوائد الاقتصاديّة التي ستعود على تركيا في حال إبرام اتفاق سلام مع الكردستاني، هو دخول نفقات “مكافحة الارهاب” التي تقدّر بمليارات الدولارات، إلى خزينة الدولة للمساهمة في مشاريع التنمية. ناهيكم عن توقّف نزيف الدم الكردي – التركي. في حين يمكن اختصار المكاسب السياسيّة من هكذا صفقة على النحو التالي:

(أ) تُركياً:

1 ــ انخراط الكردستاني في السياسة التركيّة، بحيث يصبح مدافعاً عن مصالحها في سورية وايران والعراق والمنطقة، وعدم ممانعة المشاريع والمخططات والطموحات التركيّة في المنطقة على اعتبارها من مصالح كرد تركيا ايضاً.

2 ــ تستفيد تركيا من الثقل الجماهيري الوازن للكردستاني في سورية على وجه الخصوص، وفي إيران والعراق عموماً؛ ويمكن لتركيا وأمريكا أن تستفيدا من الجناح الإيراني للكردستاني (حزب الحياة الحرّة الكردستاني – PJAK)، كذراع عسكريّة منظّمة وقويّة داخل إيران.

3 ــ بحلّ القضيّة الكرديّة في تركيا تكون أنقرة قد طوت ملفّاً لطالما استنزفها منذ سنة 1925. وبذلك تكسب الأكراد إلى جانب العرب السنّة والأقليّات الأخرى في سورية والمنطقة.

4 ــ بحلّ القضيّة الكرديّة في تركيا، تزيح انقرة حجر عثرة كبير من أمام انضمامها للاتحاد الاوروبي. وبذلك تكون مرتاحة تماماً في الامتداد شرقاً وجنوباً وغرباً.

(ب) كُرديّاً:

انتعاش الحال الديمقراطيّة والسياسيّة في تركيا، سينعكس بشكل مباشر، ليس فقط على أكراد تركيا وحسب، بل ستطال أكراد العراق وسورية أيضاً. فتركيا التي كانت تمانع وترفض بشكل مطلق الفيدراليّة في كردستان العراق، هي الآن، ترتبط مع كردستان بعلاقات سياسيّة واقتصاديّة ضخمّة ووثيقة، بحيث وصل حجم التبادل التجاري بين كردستان وتركيا لما يزيد عن ثمانية مليار دولار.

خلال فترة الصراع، قام الكردستاني بطرح العديد من مبادرات السلام، وتخفيض سقف المطالب، لتصل إلى المطالبة بما يشبه الحكم الذاتي في المناطق الكرديّة، والاعتراف بالوجود القومي الكردي في الدستور التركي. وتحسين وضع أوجلان من السجن الانفرادي المعزول في جزيرة ايمرالي إلى الاقامة الجبريّة.

هذه المطالب معقولة ومعتدلة بحسب الكثير من القانونيين والمحللين السياسيين، ويعتبرونها أنها من صلب اتفاقيّة لوزان التي وقّعت عليها تركيا سنة 1923، وتجاوزتها طيلة هذه العقود.

سابقاً، كان رئيس الحكومة التركيّة يبرر تباطؤ أو تلكؤ حكومته في ايجاد حل سلمي للقضيّة؛ بأن “الجيش والقوى النافذة في تركيا هي التي تمانع وليس هو وحكومته وحزبه”!. ولكن الآن، هذه الحجّة لم تعد صحيحة ومقنعة، لأن “العدالة والتنمية” ممسك بتلابيب وتفاصيل الحياة السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة والإعلاميّة والقضائيّة في تركيا.

يبقى القول: هل سيقتدي العثمانيون الجدد بأجدادهم حين تصالحوا وتحالفوا مع الكرد، فانتصروا على الروم في معركة ملاذكرد سنة 1071، ومعركة تشلديران سنة 1514 ضدّ الصفويين، فشكّلوا السلطنة السلجوقيّة ثمّ العثمانيّة؟. أم سيقتدون بأتاتورك، لجهة غزارة الوعود، ثم الاخلاف بها، وابقاء تركيا تعوم في دوّامة دماء أبنائها من الكرد والترك؟. وهل سيلقي الكردستاني السلاح، في اطار تسوية سلميّة معقولة ومشرّفة، ويسعى لتحقيق باقي الحقوق الكرديّة في تركيا عبر السياسة، بعيداً من قعقعة السلاح؟.

ثانياً: الأكراد في إيران:

أولى التمرّدات الكرديّة على الحكومة الإيرانيّة كانت بقيادة إسماعيل بن محمد باشا بن علي خان الشكاكي الذي يكنّى بـ”سمكو” (1895-1930). بدأ سمكو آغا عصيانه على طهران بدءاً من سنة 1920. واغتيل غدراً سنة 1930، حين دعت السلطات الإيرانيّة للتفاوض في مدينة “شنوه” الكرديّة. واللافت أن الكثير من القيادات الكردية الايرانيّة، تم اغتيالها، بعد إيهامها بأن الحكومة الايرانيّة تريد التفاوض معها لحل المسـألة الكرديّة19.

لعب رجال الدين الكرد دوراً رئيساً في تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في 15/8/1945، بزعامة قاضي محمد (1893-1947). وفي 23/12/1946، تم الإعلان عن جمهوريّة كردستان في مهاباد، برئاسة زعيم الكردستاني الإيراني، وبدعم من ستالين. وبعد سحب الأخير دعمه للدويلة الكرديّة، سحقها نظام الشاه وعلقّ قادتها على أعواد المشانق في 31/3/1947.

ولا تشير المصادر التي تناولت تاريخ الحركة السياسيّة الكرديّة في إيران، إلى وجود حركات وأحزاب ذات خلفيّة دينيّة، باستثناء دور وتأثير الشيخ أحمد مفتي زاده (1933 – 1993) الذي أسس وتزعّم “مدارس القرآن” سنة 1978. ولم ينحصر تأثير مفتي زاده على قطاعات واسعة من كرد الإيرانيين، بل تجاوزهم إلى سنّة إيران، كمسؤول الأخوان المسلمين في هذا البلد. فأصبح ملاحقاً من نظام الشاه ونظام الخميني، على أنه يحمل هويّتين سياسيتين قوميّة، كونه طالب بالحكم الذاتي لأكراد إيران، ودينيّة، كونه أحد أبرز قادة السنّة، وممثل لجماعة الأخوان المسلمين في إيران. ودعم مفتي زاده ثورة الخميني على نظام الشاه، وانتقد العمليات العسكريّة التي شنّها الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب كوملة اليساري على النظام الجديد. مع بدء العمليات العسكريّة الإيرانيّة ضدّ الكرد سنة 1983، أعلن مفتي زاده تخليه عن دعمه للنظام الإيراني، وقدّم استقالته من الهيئة الاستشاريّة الإيرانيّة ومن قيادة الحركة السياسيّة (مدارس القرآن) التي كان يقودها. وتم اعتقاله في نفس العام، بتهمة تشكيل خطر على الأمن القومي، وحُكمَ عليه بالسجن خمس سنوات. وبعد انتهاء المدّة، رفض التوقيع على تعهّد خطّي يقضي بعدم ممارسة النشاط السياسي، فسجنته السلطات الإيرانيّة خمس سنوات أخرى. وتوفي سنة 1993 بعد أسبوعين من إطلاق سراحه، بسبب تفاقم حالته الصحيّة وإصابته بالعمى، نتيجة التعذيب الذي تعرّض له طيلة فترة السجن.

وفي سنة 1970، عقد الحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني مؤتمره الثالث في بغداد، وحاول إعادة بناء نفسه، وانتخب عبدالرحمن قاسملو زعيماً. ودخل الحزب في تحالف مع النظام العراقي. قبيل إعلان الخميني (1902-1989) عصيانه على نظام الشاه محمد رضا بلهوي (1919-1980)، تواصل زعيم الديمقراطي الكردستاني عبدالرحمن قاسملو (1930-1989)، في إطار اتصالاته مع كل القوى اليساريّة والقوميّة والليبراليّة الإيرانيّة لتوحيد الصفّ ضدّ نظام الشاه. ووعد خميني كرد إيران بمنحهم الحكم الذاتي في حال انتصرت “الثورة”. وبعد ان تمكّن من الحكم، كما فعل اتاتورك، نكث بوعده، وأعلن “الجهاد المقدّس” ضد أكراد إيران. حيث الخميني النائب الكردي المنتخب د. قاسملو من الدخول في لجنة الخبراء لصياغة الدستور الجديد، وبالتالي تم استبعاد الأكراد عن تحيد ورسم هيكليّة الدولة وحرمانهم من حقوقهم. وفي منتصف آذار 1979، أعلن الأكراد تمرّدهم على نظام الخميني، وحرروا مناطق كرديّة واسعة من سلطة النظام. وفي ربيع 1980، شنّ الحرس الثوري الإيراني هجوماً كبيراً، بمساعدة بعض الفصائل الكرديّة العراقيّة، على مناطق سيطرة الديمقراطي الكردستاني. وفي نهاية العام نفسه، أعاد النظام الإيراني بسط سيطرته على المناطق الكرديّة الإيرانيّة. ما أجبر قاسملو على فتح علاقات مع النظام العراقي السابق، خاصّة، بعد اندلاع الحرب العراقيّة – الإيرانيّة. هذه العلاقات، أزعجت كرد العراق، باعتبار نظام صدّام هو عدو لهم. في حين علاقات كرد العراق مع الخميني كانت على حساب كرد ايران.

سنة 1983 لجأ قاسملو إلى أوروبا. وبعد انتهاء الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، وفي 13/7/1989 تمت تصفيته في العاصمة النمساوية فينّا. كما اغتالت المخابرات الإيرانيّة الزعيم الجديد للحزب، صادق شرفكندي في برلين سنة 1992. ثم انشق الحزب على نفسه. وحاليّاً هو موجود بجناحيه في كردستان العراق، في منطقة نفوذ «الاتحاد الوطني الكردستاني» (حليف طهران)، ضمن معسكرات، لا يتم السماح لهما بممارسة أي نشاط مسلّح، داخل الأراضي الإيرانيّة.

سنة 2004، دخل «حزب العمال الكردستاني» على خط استثمار الورقة الكرديّة الإيرانيّة، عبر تأسيسه فرعه في إيران، «حزب الحياة الكردستاني – PJAK»، بعد اشتداد خلافه مع النظام الإيراني، علماً أن «العمال الكردستاني» كان حليف طهران، طيلة فترة وجود أوجلان في دمشق. وهذا التحالف كان على حساب تجاهل أوجلان مظالم ومطالب كرد إيران. وحين بدأت طهران تقترب أكثر من أنقرة، بالتزامن مع سنوات العسل بين النظام السوري وأنقرة، اشتدّت ضغوطات إيران على «العمال الكردستاني» وفرعه الإيراني، وقامت طهران بإعدام العشرات من عناصر «الكردستاني».

سنة 2009، قام «العمال الكردستاني»، الذي يحظى بشعبيّة واسعة بين كرد إيران، بتحييد كرد إيران عن «الانتفاضة الخضراء» التي أعلنها الإصلاحيون ضد نظام محمود أحمدي نجاد. وللعلم، حاولت الإدارة الأميركيّة، الانفتاح على حزب (PJAK) ووجّهت دعوة رسميّة لزعيم الحزب، عبدالرحمن حاجي أحمدي لزيارة واشنطن أكثر من مرّة، ووافقت واشنطن على تقديم كافة أنواع الدعم المالي والعسكري للحزب، ومساندته في صراعه ضد إيران، شريطة أن يكفّ الحزب عن اعتبار «العمال الكردستاني» مرجعيّته السياسيّة والآيديولوجيّة، أقلّه في الإعلام. لأن من شأن ذلك إحراج الإدارة الأميركيّة داخليّاً، باعتبار أن «العمال الكردستاني» مدرج على لائحة المنظمات الإرهابيّة في أميركا، فضلاً عن إحراج واشنطن أمام الحليف التركي أيضاً!.

لكن، حاجي أحمدي، وبضغط من «العمال الكردستاني»، رفض ذلك، وفضّل النزوع الحزبي، الآيديولوجي، على المصلحة الوطنيّة الكرديّة الإيرانيّة. بمعنى، واشنطن كانت منفتحة على تقديم الدعم لكرد إيران في أي عمل انتفاضي ضد النظام الإيراني، لكنّ الممسكين بخناق المسألة الكرديّة الإيرانيّة، من غير الكرد الإيرانيين، وأقصد «العمال الكردستاني – التركي»، و «الاتحاد الوطني الكردستاني – العراقي»، يرفضان ذلك، حفاظاً على علاقتهما مع نظام الملالي.

ثالثاً: الأكراد في العراق:

كانت أولى حركات التمرّد الكرديّة في العراق كانت سنة 1907 بقيادة الشيخ محمد البازراني الذي قدّم مجموعة مطالب للسلطة العثمانيّة فرفضتها وأرسلت قوة عسكريّة أسرت محمد البارزاني، وأودعته سجن بدليس20. وبقي في السجن حتى وفاته. كما اعتقلت السلطات زوجته وطفله مصطفى حين عمره نحو 4 سنوات، وأودعتهما سجن الموصل. ثم تولّى قيادة التمرّد أكبر ابناء الشيخ محمد، عبدالسلام بارزاني، الذي تواصل مع جمعيات وقيادات وزعامات كرديّة أخرى كالشيخ محمود الحفيد، سمكو آغا الشكاكي، الشيخ عبدالقادر النهري. وقدّم مذكّرة جديدة للحكومة العثمانيّة نصّت على:

١ـ جعل اللغة الكوردية اللغة الرسمية في كردستان.

٢ـ جعل التعليم باللغة الكوردية وضرورة فتح المدارس الكافية.

٣ـ تعيين رجال الإدارة في المنطقة الكوردية من المواطنين الأكراد.

فردّت السلطات على المذكرة بحملة عسكريّة على المناطق الكرديّة، واعتقلت الشيخ عبدالسلام بازراني واعدمته في الموصل سنة 191321. ثم تولى شقيقه الشيخ أحمد قيادة التمرّد وشارك في انتفاضة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي (1881-1956) على الانكليز سنة 1919. ورفض البرزنجي التفاوض مع الانكليز. فسحقوا انتفاضته واعتقلوه، وحكموا عليه بالإعدام، ولم ينفذ الحكم، لكن نفي إلى الهند. وتم اعادته سنة 1922 إلى كردستان. ثار الحفيد مرة اخرى على الانكليز واستولى على السليمانية سنة 1924.

بعد صدامات مع الحكومة العراقية المدعومة من الانكليز، وسّع الشيخ احمد بارزاني منطقة نفوذه وسيطرته، مع دفع الجيش والطيران البريطاني على التدخّل وقصف تلك المناطق، فلجأ الشيخ احمد إلى تركيا التي اخذته إلى منطقة ادرنة على الحدود اليونانيّة – البلغاريّة – التركيّة، ثم أعادته إلى المناطق الكرديّة على الحدود العراقيّة. رفضت الحكومة التركيّة تسليم الشيخ أحمد بازراني للحكومة العراقيّة إلاّ بعد إصدار عفو.

نجحت حملة عسكرية عراقية مدعومة من الانكليز في الزحف على مناطق كردستان العراق الخاضعة لسيطرة الملا مصطفى بارزاني، فاضطر الأخير إلى الهرب باتجاه إيران سنة 1945 برفقة 560 مقاتل تقريباً. التحق مصطفى بارزاني22 بجمهورية مهاباد التي أعلنها قاضي محمد سنة 1946، كما ذكرنا سابقاً. وبعد انهيار الجمهوريّة نتيجة الصفقة التي عقدها ستالين مع شاه ايران، هرب بارزاني إلى الاتحاد السوفييتي. وبقي هنالك لغاية 1958. وعاد للعراق بعد سقوط النظام الملكي واستلام عبدالكريم قاسم (1914-1963) الحكم، حيث استقبلهم قاسم في بغداد يوم 7/10/1985. واسكنه في قصر نوري السعيد، وخصص لبارزاني راتب وزير. وفي عهد عبدالكريم قاسم حدث انفتاح كبير على القضية الكرديّة في العراق، حيث اعترف الدستور العراقي في المادّة الثالثة بالشعب الكردي وبحقوقه القومية23. وأصدرت الحكومة العراقيّة في عهده قرارات هامّة وتاريخيّة منها:

١ـ اعتبار الحركة الكوردية حركة وطنية تحررية.

٢ـ اعتبار الضباط الشهداء الكورد الذين اعدموا في العهد الملكي بعد إخماد الثورة البارزانية عام ١٩٤٦ شهداء للوطن وتم إعادة حقوقهم التقاعدية وتعويض ذويهم.

٣ـ دعوة زعيم الحركة الكوردية السيد مصطفى البارزاني ورفاقه الذين لجأوا للإتحاد السوفياتي (السابق) بعد قمع الثورة عام ١٩٤٦، إلى الوطن والمشاركة في بناء العراق الجديد.

٤ـ أمر قاسم ببناء مساكن لرفاق مصطفى بارزاني في منطقة بارزان، وبتخصيص رواتب مجزية لهم وتعويضهم.

لكن انتكست العلاقة بين قاسم وبارزاني وعادت دوامة العنف المتبادل مجدداً. وحول ذلك يذكر الباحث العراقي حامد الحمداني في دراسته “العلاقة بين قيادة ثورة الرابع عشر من تموز والقيادة الكوردية من التوافق إلى الصراع”24: “بدأت العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والسلطة بالتدهور عام ١٩٦١، عندما هاجمت صحيفة الحزب (خه بات)25 أسلوب السلطة في إدارة شؤون البلاد، وطالبت بإلغاء الأحكام العرفية، وإنهاء فترة الانتقال، وإجراء انتخابات عامة حرة، وسن دستور دائم للبلاد، وإطلاق سراح السجناء السياسيين الأكراد، واحترام الحياة الحزبية، وحرية الصحافة.

كان رد قاسم أن أمر بغلق مقر الحزب في بغداد، وغلق صحيفته ومطاردة قادته، واعتقال البعض منهم في آذار ١٩٦١. وفي ٣٠ تموز ١٩٦١، قدم المكتب السياسي للحزب مذكرة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم تضمنت المطالب التالية:

١ـ تطبيق المادة الثالثة من الدستور المؤقت والمتعلقة بحقوق الشعب الكردي.

٢ـ سحب القوات العسكرية المرسلة إلى كردستان.

٣ـ سحب المسؤولين عن شؤون الأمن والشرطة والإدارة، الذين كان لهم دور بارز في الحوادث التي وقعت في كردستان.

٤ـ إعادة الموظفين الأكراد المبعدين إلى كردستان.

٥ـ إطلاق الحريات الديمقراطية، وإلغاء الأحكام العرفية.

٦ـ إنهاء فترة الانتقال، وانتخاب مجلس تأسيسي، وسن دستور دائم للبلاد

٧ـ تطهير جهاز الدولة من العناصر المعادية لثورة ١٤ تموز.

لكن قاسم تجاهل المذكرة، واستمر في حشد قواته العسكرية في المناطق المحاذية لإيران، أما الحزب الديمقراطي الكردستاني فقد استهل صراعه مع السلطة بإعلان الإضراب العام في منطقة كردستان في ٤ أيلول ١٩٦١، حيث توقفت كافة الأعمال، وأصاب المنطقة شلل تام، وقام المسلحون البيشمركة باحتلال مناطق واسعة من كردستان (…) كما أن قاسم فضل هو الآخر اللجوء إلى استخدام القوة، ورفض الحوار وحل المشاكل مع القيادة الكردية، وإيجاد الحلول الصائبة لل قضية الكوردية حسب ما نصت عليه المادة الثالثة من الدستور المؤقت. ودفع المزيد من قطعات الجيش في ٩ أيلول، لضرب الحركة الكردية مستخدمأً كافة الأسلحة والطائرات. وهكذا امتدت المعارك وتوسعت لتشمل كافة أرجاء كردستان، واستمرت حتى وقوع انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣”.

وأيّد الاكراد انقلاب البعثيين على قاسم، عملاً بمنطق “عدو العدو صديق”، وأملاً ان يكون النظام الجديد أفضل من النظام السابق في تعامله مع القضيّة الكرديّة. لكن الحسابات كانت خاطئة. ذلك أنه بعد ثلاثة أشهر من الانقلاب، وفي 1/5/1963، شنّ حكّام العراق الجدد هجوماً واسعاً على الاكراد، أوقعت الآلاف من الضحايا، فضلاً عن تدمير القرى وحملات التهجير القسري. لجأت القيادة الكرديّة إلى الاستفادة من التناقضات والخلافات بين العراق وإيران وأخذ الدعم العسكري من طهران في مواجهة بغداد. في هذه الفترة، وتحديداً في منتصف الستينات، حدث انشقاق خطير في قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، تزعمه رئيس المكتب السياسي إبراهيم أحمد (1914-2000) وصهره جلال طالباني.

وفي 11/3/1970 وقّع الجانبان الكردي والعراقي على اتفاقية الحكم الذاتي. واعترفت الحكومة بحق الكرد في المشاركة في الحكم، وبقيت مسألة كركوك عالقة، مع وعود بحلّها. لكن الحكومة ماطلت. أصدر الكرد بياناً يطالبون فيه بحقّهم في نقط كركوك، ما اعتبرته الحكومة المركزية اعلان حرب. قامت الحكومة في اذار 1974 بإقرار قانون الحكم الذاتي لكردستان من جانب واحد، فاعتبرت القيادة الكرديّة هذا القانون بعيد عما تم الاتفاق عليه سنة 1970. وعاد الخلاف مجدداً. وفي 5/3/1975، وعبر وساطة الرئيس الجزائري السابق هواري بومدين (1932-1978) تم التوقيع على اتفاقيّة الجزائر بين صدام حسين (1937-2006) وشاه إيران محمد رضا بهلوي (1919-1980)، بموجبها أوقفت طهران دعمها لبارزاني وانهارت الثورة الكرديّة، ولجأ بارزاني مجدداً إلى إيران، وتوفّي في واشنطن سنة 1979.

سنة 1983 دخلت الحكومة العراقية مرحلة مفاوضات مع فصيل رئيسي كردي عراقي هو الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، كادت تنتهي بالتوقيع على اتفاق سلام، لولا تدخّل تركيا لدى الحكومة العراقيّة ورفضها أي شكل من اشكال الحكم الذاتي في كردستان العراق26. وبدأت حملة جديدة من القمع والهجوم العسكري وصلت إلى ذروتها في قصف مدينة حلبجة الكردية بالاسلحة الكيماوية في 16/3/1988 وحدوث مجزرة مروّعة راح ضحيّتها 5 آلاف مدني و10 جريح. وبدأ النظام العراقي حملات قتل وتهجير جديد أطلق عليها اسم “الأنفال”، راح ضحيتها، وفق الاحصائيات الكرديّة 180 الف شخص.

بعد حرب تحرير الكويت، أعلن الكرد انتفاضتهم على نظام بغداد في آذار 1991، جوبهت بحملة قمع شديدة، أدّت إلى حدوث هجرة مليونيّة نحو الحدود التركيّة والإيرانيّة والسوريّة. فأصدر مجلس الأمن في 5/4/1991 القرار رقم 688 بموجبه تم تشكيل منطقة حظر جوي على كردستان العراق، أعلن فيها الأكراد سنة 1992 الفيدرالية من جانب واحد. ودخلت الاحزاب الكرديّة العراقيّة، بضغط من تركيا، والتنسيق مع الجيش التركي، في حالة حرب مع حزب العمال الكردستاني الذي كان يتواجد في المناطق الحدوديّة الوعرة. وذلك في خريف 1992. ولكن هذه الحملة العسكرية فشلت في تحقيق اهدافها.

نتيجة الولاءات الاقليميّة والصراع على السلطة، دخلت المنطقة الكرديّة حرباً داخليّة بين الاتحاد الوطني الكردستاني الموالي لايران والحزب الديمقراطي الكردستاني الموالي لتركيا، استمرّت من 1994 ولغاية 1998 راح ضحيتها الآلاف. انتهت باتفاق سلام بين الجانبين، رعته وزيرة الخارجية الامريكيّة السابقة مادلين أولبرايت. ومع اسقاط النظام العراقي سنة 2003، دخلت القضية الكرديّة في العراق مرحلة جديدة، بإقرار الفيدراليّة في الدستور العراقي، وحضور الأكراد في الحكومة المركزيّة، مع بقاء قضيّة كركوك عالقة دون حل. راهناً، برز الدور الكردي إقليميّاً ودوليّاً في إطار التحالف لمكافحة الإرهاب.

رابعاً: الأكراد في سورية:

تعود جذور الحركة السياسيّة الكرديّة في سوريّة إلى سنة 1927 حين تأسست جميعة “خويبون” في لبنان، حيث اتخذت من سورية والمناطق الكرديّة فيها كقاعدة انطلاق نحو تركيا. وكان للشخصيات الكرديّة التي هربت من ظلم وطغيان الدولة التركيّة إلى سورية دوره البارز في تأسيس الوعي القومي السياسي لدى الشعب الكردي في سورية، أمثال الأمير جلادت بدرخان، أوصمان صبري، شيخ محمد عيسى، ملا حسن كرد، قدري جان، قدري جميل باشا، الدكتور نوري ديرسمي وممدوح سليم بك، جكرخوين… وآخرين. وأصدر الامير جلادت بدرخان في دمشق مجلتيّ “هاوار” سنة (1932 – 1943)، و”روناهي” (1943-1945).

ولعب الكرد السوريون دوراً مهماً في الحركة السياسية والثقافية السورية، وتبوأوا مناصب عليا في الدولة، ولكن ليس بوصفهم كرداً، أو يمثّلون الكرد، بل بوصفهم سوريين، أو أكراد مستعربين. حتى أن بعضهم كان ينتمي إلى تيّارات وأحزاب قومية سورية. وعلى سبيل الذكر لا الحصر: محمد علي العابد (1867-1939) أول رئيس سوري منتخب. وحسني الزعيم (1897-1949) رئيس جمهورية سنة 1949. ومحسن البرازي (1904-1949) رئيس وزراء، وفوزي سلو (1905-1972)، رئيس جمهورية، وأديب الشيكشكلي (1909-1964) رئيس جمهورية. إبراهيم هنانو (1869-1935)، قائد ثورة الشمال السورية على الانتداب الفرنسي. خالد بكداش (1912-1995)، زعيم الحزب الشيوعي السوري.

في منتصف الخمسينات، شهدت سورية عهداً وطنيّاً، تمثّل في وجود نظام برلماني، وحرية أحزاب وصحافة، بالرغم من الانقلابات العسكرية. وقتذاك، كانت بداية الحرب الباردة، وتشهد المنطقة حالة استقطاب دولي بين الغرب الرأسمالي بزعامة امريكا وحلف الناتو، والشرق الاشتراكي – الشيوعي، بزعامة الاتحاد السوفياتي السابق وحلف وارسو. في غضون ذلك، كانت سورية في حالة صراع سياسي مع حلف بغداد والذي تشكل منتصف الخمسينات وضمّ تركيا والعراق وإيران وباكستان الموالي لأمريكا.

وتأسيساً على النشاطات الثقافيّة والمدنيّة للكرد في سورية، السالفة الذكر، وضمن أجواء ومناخات منتصف الخمسينات، بدأت تتبلور فكرة تأسيس حركة كرديّة سورية. وبدأت تدور النقاشات بين مجموعة من الشخصيات الكرديّة، كعثمان صبري (1905-1993)، الشيخ محمد عيسى قره كوئي (1924-2001)، نورالدين ظاظا (1919-1988)، عبدالحميد درويش (1936-)، حمزة نويران (1927-1996)، انضم إليهم محمد علي خوجة (1927-) ورشيد حمو (1925-2008)… وآخرين بغية تأسيس حزب سياسي كردي. وكان وقتها جلال طالباني في دمشق، وعلى تواصل مع هذه المجموعة.

وتشير العديد من المصادر أن الحزب تأسس في دمشق يوم 14/6/1957، وتمّ الإعلان عنه في حلب، وحمل اسم “الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية”، وشعاره “تحرير وتوحيد كردستان”، أسسه مجموعة من الوطنيين الكرد، متنوّعة الاتجاهات والمشارب؛ من قوميين، يساريين، متديّنين.

وبالتالي، الحزب الكردي الأوَّل، لم يكن نتاج حقبة متخلِّفة أو مجتمع متخلِّف، وأسَّسه أناس متخلِّفون، بل استند إلى أرضيّة ثقافيّة، ونشاط مدني، وضمن ظروف مهيئة. إلا أن الولادة كانت مشوَّهة، بحيث لم تكن كرديَّة سورية صرفة، بل ذات توجّه عابر للحدود، وتحت تأثير كرد من أصول تركيّة، وخضوعاً لتأثير ومصالح كرد العراق!. فثمَّة فرضيَّة تقول: إن الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، طلب مساندة التيارات القوميَّة الحاكمة في سورية، لموجهة النظام الملكي في بغداد.

وكان جلال طالباني وقتها، عضواً في اللجنة المركزيَّة للحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، برئاسة مصطفى بارزاني (1903-1979)، ولديه علاقات جيَّدة مع القوميين العرب في سورية ومصر، من ناصريين وبعثيين. فوافقت التيارات القوميَّة العربيَّة على دعم الحركة الكرديَّة، لموجهة نظام نوري السعيد (1888-1958)، وحلف بغداد، بشرط أن يؤسِّسوا حزباً كرديَّاً في سورية، يكون مهمَّته إثارة القلاقل في تركيا، التي كانت أحد أقطاب حلف بغداد، وعلى علاقة بإسرائيل، وحليفة أمريكا.

وعليه، بدأ كل من طالباني وعبدالرحمن ذبيحي (1920-1988. ناشط سياسي كردي إيراني)، وبعد أن أخذا الضوء الأخضر من عبدالحميد سرَّاج (1925-2013)27. بدأت الاتصالات مع النخب السياسيَّة والثقافيَّة الكرديَّة السوريَّة. وتمخّضت عن تشكيل حزب، حمل اسم “الحزب الديمقراطي الكردستاني السوري”. وشعاره “تحرير وتوحيد كردستان”.

هذه الفرضيَّة التي أميل إليها، تعززها وتدعمها ما جاء في مقدّمة الطبعة الثانية من كتاب “مسألة كردستان: 60 عاماً من النضال الكردي المسلح ضدّ العبوديَّة”، لقدري جميل باشا28. حيث كتب البروفسور عزالدين مصطفى رسول في مقدِّمة هذه الطبعة ما يلي: (كانت سورية في عام 1956 تعيش عهداً عرفناه نحن بالعهد الوطني والديمقراطي. إذ كانت تقف شامخة ضد حلف بغداد، وتفتح صدرها للوطنيين العرب، وتساعد المعارضين للحكومات المرتبطة بالغرب الاستعماري… (ص 17). وفي عام 1957، كان جلال الطالباني قد وضع اللبنات الأولى للحزب الديمقراطي الكردي في سورية قبل سفره للغاية نفسها إلى موسكو29. وأنهى اللمسات الأخيرة بعد عودته من موسكو، ومغادرته سرّاً إلى العراق… (ص 17). عندما فتحت الإذاعة الكردية في القاهرة، كنت نذهب (قدري جان وأنا) إلى موقع السفارة المصرية (هيئة تنسيق الوحدة)، ونسجِّل مواد إذاعية، كانت ترسل للقاهرة يومياً…(ص 19).

وفي العام 1957، أقام السيد جلال الطالباني معنا ما يقارب العام، قبل وبعد سفره إلى موسكو. وكان على اتصال مع جميع الوجوه الكرديَّة. وعمل على تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سورية… ص 19). كما ذكر الكاتب والباحث العراقي صلاح الخرسان في كتابه الضخم “التيارات السياسيَّة في كردستان العراق: قراءة في ملفات الحركات والأحزاب الكردية في العراق 1946 _ 2001”30، كتب ما يلي: “كان جلال طالباني قد توجَّه أواخر عام 1957 إلى موسكو ليمثل البارتي في مهرجان اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي (…) وخلال عودته السرَّية إلى العراق، وكانت عن طريق سورية، التقى جلال طالباني في دمشق بالكل من كمال فؤاد والدكتور عبدالرحمن الذبيحي، وهما من كوادر البارتي، حيث قام الثلاثة بزيارة العديد من السياسيين السوريين، منهم ميشيل عفلق، عميد حزب البعث العربي الاشتراكي، وعن تلك الزيارة يقول طالباني: “عند زيارتنا للأستاذ ميشيل عفلق، تحدث معنا بعموميات، لم نفهم منها شيئاً”.

ويضيف الخرسان: “كما قاموا بزارة أكرم الحوارني، رئيس البرلمان السوري، والعقيد عبدالحميد السراج، رئيس المكتب الثاني (الاستخبارات العسكرية)، وكان من أنصار الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ومن رجالاته في سورية. وقد دار حديث خلال اللقاء (ويقصد السراج) كما يورده الطالباني بالقول: “طرحنا عليه فكرة العمل المشترك، ومهمة ترتيب اللقاء بين الرئيس جمال عبدالناصر والملا مصطفى بارزاني عن زيارة الرئيس إلى الاتحاد السوفياتي، من أجل الاتفاق بينهما على العلاقة العربيَة _ الكرديّة، والأوضاع في العراق. في حين، دعا عبدالحميد السراج إلى تركيز نشاط الأكراد السوريين على العمل والتوجُّه إلى داخل تركيا، وهي الخطَّة السارية حاليّاً، على اعتبار أن أكثرية الأكراد السوريين يتحدّرون من أصول تركيّة. وأعرب عن استعداده لدعمهم في تشكيل حزب وتزويدهم ما يريدون”31.

على ضوئه، يبدو جليَّاً دور طالباني في تأسيس الحزب الكردي الأوّل في سورية، وطبيعة التأسيس وخلفياته، والتوجُّه نحو تركيا، والتغطية البعثيَّة _ الناصريَّة لهذا الحزب الكردي السوري. في مطلق الاحوال، هذا الدور، وهذه الخلفيّة، ما زالتا بحاجة إلى المزيد من المراجعة والتدقيق.

كرد سورية: 1958- 1970:

في زمن دولة الوحدة بين سورية ومصر، كانت الأحزاب محظورة، إلا أنَّ الحزب الكردي، كان ينشط، بشكل شبه علني!. لكن، سرعان ما انقلبت الطبقة الحاكمة في سورية سنة 1960 على الحزب الكردي. بعد زوال مبررات وجوده. وهي زوال النظام الملكي في بغداد، وإبطال مفعول حلف بغداد، وإعلان الملا مصطفى بارزاني الثورة على النظام العراقي سنة 1961، والخشية من أن تنتقل العدوى الكرديَّة لكردستان سورية!. بالإضافة إلى أن الحزب فشل في إحداث قلاقل داخل تركيا. وعليه، تمَّ اعتقال الكثير من قيادات هذا الحزب، بشكل سريع، وهذا يعني أنَّ الحزب الكردي السوري، كان مكشوفاً لدى السلطات السوريَّة آنئذ!.

بدأ الحزب الكردي السوري يستقطب الجماهير الكردية وتتسع دائرة نشاطه. في أول انتخابات برلمانيّة شهدتها سورية، بعد انفصالها عن مصر، والتي جرت في 1-2/12/1961، شارك الحزب الديمقراطي الكردستاني السوري بمرشّحين مستقلين، هما الشيخ محمد عيسى قره كوئي وزعيم الحزب نورالدين زازا. تزامن هذه الانتخابات مع اندلاع ثورة أيلول سنة 1961 في كردستان على الحكومة العراقيّة، زاد من مخاوف الحكومة السورية من احتمال تشكيل الكرد السوريين خطورةً عليهم مستقبلاً. لذا صدرت مذكرة طلب هلال وتبعها قرارات وإجراءات ومشاريع… عنصريّة معادية لكرد سورية. بالإضافة إلى ملاحقة قيادات الحزب الكردي والزج بهم في السجون ومحاكمتهم.

وبالتالي لا يمكن قراءة المذكرة التي أصدرها ضابط المخابرات السياسية في منطقة الجزيرة محمد طلب هلال، بتاريخ 11/12/1962 بمعزل عن هذه التطوّرات والاجواء المشحونة. تلك المذكّرة كانت عبارة عن دراسة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية، تضمّنت ما يشبه مخطط تطهير عرقي للمنطقة من سكّانها الأكراد. حيث جاء فيها:

1ـ أن تعمد الدولة إلى عمليات التهجير إلى الداخل، مع التوزيع في الداخل، ومع ملاحظة عناصر الخطر أولاً فأول ولا بأس أن تكون الخطة ثنائية وثلاثية السنين، تبدأ بالعناصر الخطرة لتنتهي إلى العناصر الأقل خطورة… وهكذا.

2ـ سياسة التجهيل: أي عدم إنشاء مدارس، أو معاهد علمية في المنطقة لأن هذا أثبت عكس المطلوب بشكل صارخ وقوي.

3ـ إن الأكثرية الساحقة من الأكراد المقيمين في الجزيرة، يتمتعون بالجنسية التركية. فلابدّ لتصحيح السجلات المدنية، وهذا يجري الآن، إنما نطلب أن يترتب على ذلك إجلاء كل من لم تثبت جنسيته، وتسليمه إلى الدولة التابع لها. أضف إلى ذلك يجب أن يدرس من تثبت جنسيته دراسة معقولة، وملاحظة كيفية كسب الجنسية، لأن الجنسية لا تكسب إلا بمرسوم جمهوري. فكل جنسية ليست بمرسوم، يجب أن تناقش، تبقي من تبقي، أي الأقل خطراً، وتنزع من تنزع عنه الجنسية، لنعيده بالتالي إلى وطنه. ثم هناك تنازع الجنسيات، فانك تجد أحدهم يحمل جنسيتين في آن واحد، أو قل ثلاث جنسيات، فلابد والحالة هذه أن يُعاد إلى جنسيته الأولى وعلى كل حال، فالمهم ما يترتب على ذلك الإحصاء والتدقيق من أعمال حيث يجب أن تقوم فوراً عمليات الإجلاء.

4ـ سد باب العمل. لابدّ لنا أيضاً مساهمة في الخطة من سدِّ أبواب العمل أمام الأكراد حتى نجعلهم في وضع، أولاً غير قادر على التحرك، وثانياً في وضع غير المستقر المستعد للرحيل في أية لحظة. وهذا يجب أن يأخذ به الإصلاح الزراعي، أولاً في الجزيرة، بأن لا يؤجر، ولا يملك الأكراد، والعناصر العربية كثيرة وموفورة.

5ـ شن حملة من الدعاية الواسعة بين العناصر العربية ومركّزة على الأكراد، بتهيئة العناصر العربية أولاً لحساب ما، وخلخلة وضع الأكراد ثانياً، بحيث يجعلهم في وضع غير مستقر.

6ـ نزع الصفة الدينية عن مشايخ الدين عند الأكراد، وإرسال مشايخ بخطة مرسومة عرباً أقحاحاً، أو نقلهم إلى الداخل، بدلاً من غيرهم، لأن مجالسهم، ليست مجالس دينية أبداً، بل وبدقة العبارة مجالس كردية، فهم لدى دعوتنا إياهم، لا يرسلون برقيات ضد البرزاني، إنما يرسلون ضد سفك دماء المسلمين، وأي قول هذا القول!

7ـ ضرب الأكراد في بعضهم، وهذا سهل، وقد يكون ميسوراً بإثارة من يدّعون منهم بأنهم من أصول عربية، على العناصر الخطرة منهم، كما يكشف هذا العمل أوراق من يدّعون بأنهم عرباً.

8ـ إسكان عناصر عربية وقومية في المناطق الكردية على الحدود، فهم حصن المستقبل، ورقابة بنفس الوقت على الأكراد، ريثما يتم تهجيرهم، ونقترح أن تكونَ هذه من “شَمّر” لأنهم أولاً من أفقر القبائل بالأرض، وثانياً مضمونين قومياً مئة بالمئة.

9ـ جعل الشريط الشمالي للجزيرة منطقة عسكرية كمنطقة الجبهة، بحيث توضع فيها قطعات عسكرية مهمتها إسكان العرب، وإجلاء الأكراد، وفق ما ترسم الدولة من خطة.

10ـ إنشاء مزارع جماعية للعرب الذين تسكنهم الدولة في الشريط الشمالي، على أن تكون هذه المزارع مدربة ومسلحة عسكرياً كالمستعمرات اليهودية على الحدود تماماً.

11ـ عدم السماح لمن لا يتكلم اللغة العربية بأن يمارس حق الانتخاب والترشيح في المناطق المذكورة.

12ـ منع إعطاء الجنسية السورية مطلقاً لمن يريد السكن في تلك المنطقة، مهما كانت جنسيته الأصلية (عدا الجنسية العربية)…إلخ. هذا، وإن هذه المقترحات ليست كافية، بل أردنا منها إثارة المسؤولين بحسب خبرتنا، لتكون تباشير مشروع خطة جذرية شاملة، لتؤخذ للذكرى بعين الاعتبار”.

هذه الدراسة صدرت في 12/11/1962، أي بعد صدور المرسوم التشريعي رقم “93” في 23/8/1962، حين كان ناظم القدسي رئيساً للدولة وبشير العظمة يرأس الحكومة، هذا المرسوم الذي يقضي بإجراء إحصاء استثنائي في محافظة الجزيرة يوم 5/10/1962 تم بموجبه تجريد عشرات الآلاف من العوائل الكرديّة من الجنسيّة السوريّة، ما يعني أن المناخ والمزاج السياسي المعادي للكرد كان موجوداً لدى الأوساط الحاكمة قبل صدور مذكرة محمد طلب هلال!. بينما يرى الكثير من المراقبين الكرد، أن الحكومات السورية التي تلت حكومة العظمة ولغاية قبيل اندلاع الثورة السورية منتصف آذار 2011، كانت تتعاطى مع الكرد السوريين سياسيّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً وأمنيّاً، طبقاً لما طالب به هلال في مذكّرته السالفة الذكر.

الانشقاق الأوّل:

في السجن، بدأت بوارد الانشقاق في الحزب الكردي السوري تظهر. وكان محور الخلاف يرتكز في كيفية مواجهة القاضي عبر الإجابة على سؤال: هل نحن حزب سياسي، وشعاره توحيد وتحرير كردستان أم نحن جمعية ثقافية؟. حيث تنازل البعض عن هوية الحزب وشعاره، وقالوا أثناء المحاكمة؛ “أنهم “ليسوا حزب سياسي يطالب بالانفصال – الاستقلال، بل هم جمعيّة ثقافية اجتماعية”. بينما أصرّ آخرون على اسم وشعار الحزب. وتزامن هذا الخلاف، مع بداية الخلافات في الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق بين المكتب السياسي بقيادة ابراهيم احمد، والملا مصطفى بارزاني.

الخلاف في الحزب الكردي السوري، استمر حتى بعد الافراج عن قيادته. وصار ينشط منقسماً ومتصارعاً، تحت اسمين: “الحزب الديمقراطي الكردي في سورية _ اليسار”، عقد مؤتمره الأول في 5/8/1965، بقيادة عثمان صبري. و”الحزب الديمقراطي الكردي في سورية _ اليمين”، بقيادة عبدالحميد درويش. وسنة 1968، تم طرد صبري من قيادة اليسار، بمكيدة من صلاح بدرالدين، بعد ان تم اتهام صبري بأنه عميل لتركيا.

الأكراد بين عامي 1970 و2011:

سنة 1970، أراد الملا مصطفى بازراني حلّ الخلاف بين جناحي الحزب الكردي السوري. ودعاهما إلى مؤتمر “ناوبردان” في كردستان العراق. وتم فصل قيادتي التيارين وأودع البعض منهم السجن. وفي المؤتمر، فرض بارزاني قيادة جديدة مؤقتة للحزب، وتنصيب وجه قبلي كردي هو دهام ميرو (1921-2010) على رأس هذه القيادة. وافق كل من عبد الحميد درويش، زعيم تيّار اليمين، وصلاح بدرالدين زعيم تيار اليسار على نتائج المؤتمر.

وبعد عودة الاطراف المختلفة من كردستان العراق إلى سورية، أعلن عبدالحميد درويش عن حزبه، تحت اسم: “الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سورية”، ولم يعترف بقيادة ميرو، وبدأ يهاجم الملا مصطفى بازراني. وكذلك فعل صلاح بدرالدين، حيث أعلن عن حزبه، حزب اليسار الكردي في سورية، ولم يعترف بقيادة ميرو، وصار يهاجم الملا مصطفى بارزاني. وحين أعلن نظام أحمد حسن البكر قانون الحكم الذاتي سنة 1974، أرسل الحزب التقدّمي برقية تهنئة إلى النظام العراقي، منتقداً من يعارض هذا القانون. من جانب آخر، حاول زعيم التيّار اليساري، صلاح بدرالدين، أثناء تواجده في لبنان، وعن طريق حركة “فتح” الفلسطينيّة، التواصل مع السفارة العراقيّة. على اعتبار أن “بعث العراق” الحاكم، كان على خلاف حاد مع “بعث سورية”، وعلى استعداد لدعم معارضي الأسد الأب في حينه. ومن جهة أخرى، النظام العراقي على خلاف مع ملا مصطفى بارزاني الذي فرض زعيم قبلي على رئاسة حزب سياسي كردي سوري، بعد إهانة قيادة هذا الحزب.

من هنا، خرج جزء مهم من الحركة السياسية الكردية من تحت عباءة الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، وبدأت أولى إرهاصات العلاقة مع نظام سياسي إقليمي جار لسورية ومعادٍ لنظامها الحاكم، هو النظام العراقي. في حين بقيت القيادة المؤقتة المرحلية للحزب الديمقراطي الكردي في سورية، بزعامة دهّام ميرو، على ولائها للديمقراطي الكردستاني العراقي وزعامة بارزاني.

الموجة الثانية من الاعتقالات التي طالت القيادات الكردية السورية، كانت سنة 1973، حيث اعتقل زعيم الحزب الديمقراطي الكردي في سورية، دهام ميرو ومجموعة من قيادات حزبه على خلفيّة إصدار الحزب بيان يندد بمشروع الحزام العربي الذي أطلقه النظام السوري. ومع تشكل الاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة جلال طالباني سنة 1975، حاول كل من صلاح بدرالدين وعبدالحميد درويش كسب ودّ الاتحاد واعتبارا الحزب الجديد بوصلتهما الآيديولوجيّة.

وبالتالي تكرّس الانقسام السياسي الكردي السوري، وتحوّل إلى ثلاث كتل: كتلة دهام ميرو. وكتلة صلاح بدرالدين وكتلة عبدالحميد درويش. ومن وقتها وحتى الآن الانشقاقات في الحركة السياسيّة الكرديّة السوريّة مستمرّة.

وفي منتصف السبعينات، بدأ النظام السوري تطبيق مشروعه العنصري الثاني، بعد الإحصاء الاستثنائي، وهو مشروع “الحزام العربي” الذي هدف إلى إجراء تغيير ديموغرافي في المنطقة الكرديّة عبر تعريب أسماء القرى والمدن، واستقدام العوائل العربيّة من محافظات الرقة ودير الزور وتوطينهم في المناطق الكرديّة. واستفاد النظام السوري من التجربة التركيّة ضدّ الكرد، بعد سحق انتفاضة ديرسم 1938.

وفي الثمانينات، كان النظام مشغولاً بصراعه مع جماعة “الإخوان المسلمين”، واتخذ الكرد وقتذاك موقفاً محايداً من الصراع. ولكن “الإخوان” فسّروا ذلك على أنه اصطفاف إلى جانب النظام، على اعتبار أن غالبية أكراد سورية مسلمون سنّة، ويجب أن يكونوا مشاركين في صراع الجماعة ضد النظام السوري (العلوي).

في هذه الفترة، خفّت الملاحقات الامنيّة بحقّ قيادات الحركة الكرديّة، مع بقاء النظام على إنكار وجود قضيّة كرديّة في سوريّة، وعدم الاعتراف بوجود شعب كردي يعيش في سوريّة. وبالإضافة إلى صراع النظام مع الإخوان، ثمة أسباب أخرى لتخفيف النظام السوري قبضته الامنيّة بحق كرد سورية، منها:

1- تطوّر علاقات النظام مع قيادتي الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، العراقيين، في إطار دعم نظام الأسد للمعارضة العراقية.

2 – دخول حزب العمال الكردستاني (التركي) على خط الصراع السياسي والآيديولوجي مع أحزاب الحركة الكردية في سورية. واستقطاب الكردستاني لآلاف العناصر من هذه الأحزاب إلى صفوفه.

3 – الانقسامات في الاحزاب الكرديّة السوريّة نفسها.

كل ذلك، كان من شأنه طمأنة النظام السوري بأن الوضع الكردي في سورية تحت السيطرة، ولا يشكل أيّ خطر عليه. ولكن بقيت آلة الدعاية والإعلام، داخل النظام، في تشويه صورة الأكراد، داخل وخارج سورية، على أنهم “انفصاليون. خونة. معادون للقوميّة العربيّة. على علاقة مع إسرائيل… يريدون سلخ جزء من الوطن وإلحاقه بدولة أجنبية…”.

وفي سنة 1990، خفف الأسد الأب من قبضته على انتخابات البرلمان السوري، وسمح لبعض التيارات السياسيّة غير المنضوية في “الجبهة الوطنيّة التقدميّة” بارسال مرشحيها إلى البرلمان السوري. فتشكل وقت ذلك تنسيق مشترك بين الاحزاب الكرديّة، مهّد في ما بعد لاعلان “التحالف الديمقراطي الكردي في سورية” من ستة أحزاب سنة 1992.  ورشّحت الاحزاب الكرديّة ثلاث من قيادتها هم كمال أحمد درويش (1939-1996)، سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سورية (البارتي)، وعبدالحميد درويش (1936-) سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سورية، وفؤاد عليكو (1950-)، القيادي في حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سورية (بزعامة صلاح بدرالدين وقتذاك) في انتخابات 1990. ونجح الثلاثة على لائحة المستقلّين في دخول البرلمان، إلاّ أن وجودهم كان كعدمه، إذ لم يتم السماح بمناقشة أي من حيثيات القضيّة الكرديّة في سورية، ولا طرح مشكلة الإحصاء والمجرّدين من الجنسية، ولا منح الحقوق الثقافية والسياسية للكرد السوريين. واكتفى النوّاب الكرد الثلاث بتسجيل الوجود تحت قبّة البرلمان لمدّة أربع سنوات. وحاول الكرد، مرّة أخرى المشاركة في الانتخابات التشريعية سنة 1994، إلاّ أن النظام فرض الوصاية والتحكّم حتى على لوائح المستقلّين، وحال دون وصل الكرد للبرلمان!.

وافد ثقيل الظلّ:

قبل سنة 1957، كان الحراك السياسي والثقافي الكردي في سورية يديره أكراد تركيا. ومنذ 1957 ولغاية مطلع الثمانينات، كان الحراك السياسي الكردي خاضع لتأثير كرد العراق. ومنذ منتصف الثمانينات عاد كرد تركيا، عبر حزب العمال الكردستاني، إلى سورية، وضرب بجذوره التنظيمية والسياسيّة والعسكريّة والثقافيّة ضمن المجتمع الكردي السوري، ودخل في صراع سياسي وآيديولوجي مع احزاب الحركة الكرديّة السوريّة، انزلق أحياناً إلى ممارسة العنف الجسدي ضد هذه الاحزاب، في مطلع التسعينات. وفي السياق ذاته، دخل العمال الكردستاني في صراع نفوذ مع الحزبين الكرديين الرئيسين في كردستان العراق، الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني، داخل الأراضي السورية. ونجح العمال الكردستاني في استقطاب آلاف الكوادر والعناصر من الاحزاب الكردية، لعدّة أسباب:

1 – حالة التخبّط والفراغ التي كانت تعيشها أحزاب الحركة الكرديّة السوريّة، نتيجة الانشقاقات. وتراجع مصداقيّة هذه الأحزاب لدى المواطن الكردي. ذلك أن كل حزب كان ينشق عن الآخر، يطرح نفس البرنامج، ونفس الشعارات، وبل يتبنّى نفس الاسم أحياناً.

2 – الشعارات البرّاقة والورديّة، الثوريّة والقوميّة الكبرى التي طرحها العمال الكردستاني، كان لها سحرها الذي جذب آلاف الشباب والفتيات الكرد السوريين إلى صفوفه.

3 – دعم النظام السوري للعمال الكردستاني، واستضافة زعيمه عبدالله اوجلان في دمشق، ومنحه وحزبهُ حرية الحركة والتنقل، في سورية ولبنان، طالما أن هذا الحزب يريد توجيه كرد سورية نحو الحرب مع تركيا. وحرف أنظارهم عن المظالم التي يعيشونها في سورية.

وفي سنة 1997، بدأ النظام السوري يطرح على الكردستاني بعض المشاريع السياسيّة، ظاهرها مصلحة الحزب وتعزيز دوره التنظيمي بين الكرد السوريين، وباطنها وضع هذه الكتلة الكرديّة تحت السيطرة الأمنيّة. وأبرز تلك المشاريع، تأسيس حزب كردي، شبه رسمي، موال للنظام، باسم التجمّع الديموقراطي الكردي السوري، بقيادة رجل المخابرات السياسيّة السوريّة، مروان زركي، (المتحدّر من أصول كرديّة) ويعاونه في قيادة الحزب، بعض الكرد السوريين المقرّبين من أوجلان. وعليه، أعلن عن تأسيس هذا الحزب بشكل رسمي في 10/12/1998، أي بعد خروج أوجلان من سورية بشهرين.

بعد اختطافه من العاصمة الكينيّة نيروبي في 15/ 2 /1999، ومحاكمته، طرح أوجلان مبادرة الحل السلمي، مطالباً حزبه بإعلان هدنة، وسحب المقاتلين خارج الأراضي التركية. هذه القرارات المفاجئة، صدمت النظام السوري الذي كان المستفيد الأبرز من استمرار الحرب الكردية – التركية، كونها تستنزف الطرفين معاً. حاول النظام السوري الضغط بشتى الوسائل على الكردستاني كي يعدل عن تبنّي مشروع وأطروحات أوجلان، لكنه فشل في ذلك.

لذا، لجأ إلى البحث عن منافذ لتطبيع الأوضاع والعلاقات مع تركيا، حتى قبل وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى السلطة سنة 2002، بالتالي، بدأ نظام الأسد الابن بزيادة الضغوط على الكردستاني، وإغلاق معسكراته الثلاثة في دمشق، واعتقال عضو اللجنة المركزية للكردستاني32، أثناء اجتماع مع المخابرات الجويّة، وتسليمهما للسلطات التركيّة ووضع اليد على كل الممتلكات العقارية التابعة للكردستاني في سورية واعتقال العشرات من عناصره وتسليمهم للأتراك. وعليه، اتجه النظام السوري إلى التنفيذ الفعلي والعملي لاتفاقية أضنا الأمنيّة التي وقعها من الجانب السوري، اللواء عدنان بدر حسن، رئيس شعبة المخابرات السياسيّة، مع الأتراك مطلع شهر تشرين الأول (أكتوبر) 1998.

حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD):

بعد اختطاف أوجلان واعتقاله، حدث تماس مباشر بينه وبين السلطات التركيّة. ووفق كتب أوجلان الصادرة من السجن، تواصلت السلطات التركيّة معه وطلبت منه تهيئة الأجواء لحل القضيّة الكرديّة داخليّاً. وقتذاك، كان بولاند آجاويد (1925 – 2006) على رأس حكومة ائتلافيّة تضمّ حزب اليسار الديموقراطي وحزب الحركة القوميّة بزعامة دولت باخشلي. وطالب أوجلان حزبه، بإعلان هدنة طويلة الأمد، وسحب المقاتلين خارج الحدود. وحل الحزب، وتشكيل أربعة أحزاب كردية تابعة للعمال الكردستاني. فاستجاب الحزب وقيادته في جبال قنديل، لكل مطالب أوجلان، وأعلن عن حلّ نفسه، وتغيير اسمه إلى مؤتمر الحرية والديموقراطيّة الكردستاني (KADEK)، ثم غيّر اسمه إلى اتحاد الجمعيات الكردستانيّة (KKK)، ثم إلى منظومة المجتمع الكردستاني (KCK).

وفي هذه الفترة، وتنفيذاً لأوامر أوجلان، سنة 2002 تأسس حزب الحل الديموقراطي الكردستاني (PÇDK)، فرع العمال الكردستاني في العراق، وسنة 2004 تأسس حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) فرع العمال الكردستاني في إيران، وسنة 2003 تأسس حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD)، فرع الكردستاني في سورية. وكل المؤتمرات التأسيسيّة لهذه الأحزاب الثلاثة، جرت في معاقل العمال الكردستاني، في جبال قنديل.

ومن 2003 ولغاية 2011، قبل اندلاع الثورة السوريّة، تعرّض حزب (PYD) لحملة قمع وملاحقة أمنيّة سوريّة شرسة، بالتنسيق مع الأتراك، استهدفت عناصره وقياداته، أسفرت عن اعتقال نحو 1400 شخص، وفق تسريبات الصحافة التركيّة، باعتبار ذلك ثمرة التنسيق الأمني السوري – التركي وقتذاك. كما لقي كثرٌ من عناصر (PYD) مصرعهم تحت التعذيب الوحشي في السجون السورية.

وفي صيف 2012، كي يجنّب نظام الأسد نفسه التصادم مع الكرد السوريين، انسحب من المناطق الكرديّة، شمال شرقي سورية، في شكل جزئي، وسلّم إدارتها لحزب العمال الكردستاني وفرعه السوري (PYD). وصف الأخير هذه العمليّة بـ «التحرير»، و«الثورة» وأنه «طرد» قوات الأسد من هذه المناطق.

وكمكافأة على الجهود السالفة الذكر التي بذلها الكردستاني، وصبّت في طاحونة نظام الأسد، غضّ الأخير الطرف عن إعلان حزب (PYD) ما أسماه «الإدارة الذاتية الديموقراطية» في «روج آفا»، وأشرك فيها بعض الأحزاب الكرديّة الصغيرة، الباحثة عن دور هامشي لها، إلى جانب إشراك بعض الشخصيات العربيّة والسريانيّة الموالية لنظام الأسد، في هذه الإدارة. ورغم اعتراف الأسد بتقديم الدعم للعمال الكردستاني وفرعه السوري، إلّا أن الأخير ينفي ذلك في شكل مطلق، متهماً النظام بأنه يحاول استثمار انتصارات المقاتلين الكرد على تنظيم «داعش» في كوباني، لمصلحته.

وقد وضعت السنوات السبع (2003 – 2010) من القمع والاضطهاد الذي تعرّض له حزب (PYD) من جانب النظام السوري، الحزب في صدارة الأحزاب المعارضة لنظام الأسد. وغطت هذه السنوات على كل سنوات التحالف بين العمال الكردستاني والنظام السوري (1980 – 1998)، قبل إبرام اتفاق أضنا الأمني بين أنقرة ودمشق. فهذان العقدان من الوئام والتحالف، كانا على حساب كرد سورية وقضيتهم. وبالتالي، الكتلة الجماهيريّة الموالية لحزب (PYD) حالياً، في الأصل تابعة للعمال الكردستاني، وينظر إليها الأخير على أنها من ممتلكاته. وما زالت هذه الكتلة، تمتلك ميولاً معارضة للنظام السوري، غير معلن عنها. لذا، لا يثق نظام الأسد بأن يتولّى قيادة هذه الكتلة، كردي سوري، بل يفضّل أن يقودها كردي تركي من العمال الكردستاني.

خلاصة: تأثير الجذور التاريخية على الواقع الراهن للقضية الكردية

على ضوء السرد السالف الذكر لجزء من تفاصيل هذه القضيّة الشائكة والمعقّدة والمتداخلة، وطبقاً لمعطيات التاريخ والجغرافيا في القضيّة الكرديّة ومدى التورّط والاشتباك الإقليمي والدولي فيها بشكل عام، وفي كل بلد من البلدان الأربع المذكورة، مما لا شكّ فيه أن هذه القضيّة هي قضيّة أرض وشعب. وكل التشكيك والطعن الذي تتعرّض له هذه القضيّة من قبل أنظمة البلدان التي تقمع الأكراد، وحتّى من معارضات هذه الأنظمة، على أن هذه القضيّة “مختلقة” من قبل إسرائيل وأمريكا والدول التي تريد تفتيت المنطقة…الخ، هذا الرفض، في أحد أوجهه، يؤكّد أن القضيّة الكرديّة هي قضيّة شعب يعيش على أرضه التاريخيّة. لذا، يُصار إلى تحريف وتشويه حقائق التاريخ، تنصّلاً وتهرّباً مما يترتّب على ذلك من استحقاقات وطنيّة وقوميّة وديمقراطيّة. وبالتالي، المحك الحقيقي والمفصلي للديمقراطيّة في تركيا، العراق، إيران وسورية، هو المعالجة المنصفة والعادلة مع القضيّة الكرديّة. باعتبار هذه القضيّة مظلمة تاريخيّة حقيقيّة لحقت بالأكراد، أسست لها الدول الاستعماريّة الكبرى، بريطانيا وفرنسا، وأتى المجتمع الدولي وصادق على ذلك، وتورّطت النظم السياسيّة الحاكمة ونخبها الثقافيّة في استمرار هذه المظلمة الكرديّة.

وكمثال على مدى الجذور التاريخيّة لهذه القضيّة؛ اتفافيّة سايكس – بيكو، كونها منحت دولاً لشعوب المنطقة، وحرمت الكرد من ذلك، وقسّمتهم على أربعة دول، مختلفة، وأحياناً متضاربة، في الأمزجة والأجندات والتوجّهات القوميّة – السياسيّة – الآيديولوجيّة…الخ.

ويمكن هنا، سرد بعض النتائج الكارثيّة لهذه الاتفاقية على الأكراد:

1 – فضلاً عن تثبيت وتكريس واقع التقسيم الجغرافي والديموغرافي للكرد، من نتائج هذه الاتفاقية؛ انها خلقت حالة تصادم بين القضايا الكرديّة في البلدان الأربع التي تقتسم كردستان. بحيث ان القضية الكرديّة في تركيا، وفصيلها الرئيس العمال الكردستاني، وبعلاقاته مع النظام السوري والايراني، وأحياناً العراقي، هذه القضيّة صارت في حالة تصادم مع القضايا الكرديّة في البلدان الثلاث الأخرى.

كذلك علاقة الاحزاب الكرديّة العراقيّة مع النظام السوري، الايراني والتركي، جعل القضيّة الكرديّة في العراق على تصام وخلاف، أو أقله، على حساب القضايا الكرديّة في تركيا، إيران وسورية. ولو بنسب متفاوتة، فالقضية الكرديّة في إيران وفصيلها الرئيس الديمقراطي الكردستاني، إبان السبعينيات والثمانينيات، بعلاقاته مع نظام صدام، جعل هذه القضيّة في تصادم مع القضيّة الكرديّة في العراق!. وعليه، كان حافظ الاسد الذي يراه طالباني وأوجلان بأنه “صديق الشعب الكردي”، يراه كرد سورية طاغية ودكتاتور. والنظام الايراني الذي يراه الاتحاد الوطني الكردستاني صديق لكرد العراق، تراه المعارضة الكرديّة الايرانيّة، نظاماً فاشياّ طائفيّاً. والنظام التركي وأردوغان الذي يراه كرد العراق، صديق لهم، يراه كرد تركيا عدواً!. وهكذا دواليك. من دون اغفال أن هذا التصادم وصل لدرجة الاحتراب الكردي – الكردي، بين كرد ايران وكرد العراق، وكرد تركيا وكرد العراق. وكرد العراق أنفسهم. هذه الاحترابات الداخليّة، حصدت أرواح الآلاف.

2- واقع التقسيم الذي تعرّض له الكرد، جعلهم يخضعون لأربعة نماذج مختلفة نوعاً ما من سياسات القمع والصهر والانكار والتذويب، مارستها الانظمة الأربعة التي تقتسم كردستان. وأثّر ذلك سلباً على التكوين النفسي، الثقافي، المعرفي، السياسي الكردي في هذه البلدان. فصار كرد تركيا، متأثرين بالموروث الاتاتوركي، بينما كرد سورية والعراق، متأثرين بالموروث البعثي، في حين أن كرد ايران تأثروا بالموروث الخميني. بمعنى، أنه مهما حاولت الفصائل الكرديّة في هذه البلدان الاربع إعلان معارضتها لأنظمتها، إلاّ أنه لا يمكن إغفال التأثير النفسي والفكري الحاصل على الكرد، بحكم الفعل ورد الفعل، وبحكم مناهج التربية والعليم والإعلام والثقافة…. الخ التي خضع لها الكرد في هذه البلدان الأربع.

3 – واقع التقسيم، وعبر تعاقب الأجيال الكرديّة، طيلة قرن، أفرز اختلاف في الأمزجة بين الأكراد. ويكفي أن نورد مثالاً واحداً فقط، هو أن كرد سورية يميلون أكثر نحو العلمنة والليبراليّة والاعتدال، قياساً بكرد تركيا والعراق وايران، الذين يميلون للتديّن والمحافظة، لدرجة وجود تيّارات اسلاميّة متطرّفة بين كرد تركيا والعراق، وانعدامها ضمن كرد سورية.

وأمام هذه الاعتبارات يمكن القول أن واقع التمزّق والتلف الجغرافي، الاجتماعي، السياسي، النفسي…، الذي احدثه اتفاقية سايكس -بيكو بحق الشعب الكردي، يمكن اعتباره جريمة ضد الانسانيّة بامتياز، ارتكبتها بريطانيا وفرنسا بحق الأكراد، وربما يستوجب إزالة هذه الآثار عن الكرد، قرن من الزمن، وضمن دولة كرديّة واحدة، يعيش فيها الكرد بحريّة واستقلال. وهذا الأمر – الحل، يبدو بعيد المنال وصعباً للغاية حاليّاً، ولكن ليس هنالك مستحيل في عالم السياسة القائم على التحوّل والتبدّل. و”ما ضاق به الماضي والحاضر، ربما ينفتح عليه المستقبل”(33).

———————————

الهامش

(1) محمد امين زكي بيك، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية، ترجمة وتعليق إلى العربية: محمد علي عوني، شركة نوابغ الفكر، القاهرة، 2009

(2) المصدر السابق

(3) صحيفة القدس العربي، العدد الصادر يوم 19/11/2013

(4) الموقع الرسمي للباحث د. أحمد خليل على شبكة الانترنت

(5) أكراد تركيا، ابراهيم الداقوقي، دار المدى للثقافة 2007

(6) أحمد داود اوغلو، العمق الاستراتيجي، الطبعة العربية، مركز الجزيرة 2010.

(7) اسماعيل بيشيجكي، كردستان مستعمرة دوليّة، الطبعة التركية، 1990، ترجمه إلى العربية: زهير عبدالملك، دار APEC السويد 1998.

(8) نفس المصدر، ص 17.

(9) نفس المصدر، ص 18.

(10) https://joshuaproject.net/google_maps

(12) لهجة الكرد العلويين في تركيا. ويقال أنها لهجة قريبة من لغة آفيستا، كتاب الديانة الزرادشتية.

(13) قلب أكراد إيران مع اوجلان وعينهم على الجمهورية الاسلامية، صحيفة الحياة 9/11/2007

(14) الأكراد الشيعة ويبلغ عددهم نحو مليون ونصف، يتوزّعون على بغداد والبصرة ومدن عراقية اخرى.

(15) تاريخ الدول والامارات الكردية في العهد الاسلامي، محمد امين زكي، ترجمة محمد علي عوني، مطبعة السعادة، مصر 1948…. هذا الكتاب هو المجلد الثاني لكتاب خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، لنفس المؤرخ

(16) ترجمها من الكردية الى العربية، رجل الدين السوري محمد سعيد رمضان البوطي. وصدرت الترجمة في طباعات متعددة

(17) الموقع الرسمي للباحث الكردي محمد ملا احمد

(18) https://en.wikipedia.org/wiki/Treaty_of_Sèvres

(19) http://bahoz.hostoi.com/simku_shikaky.html

(20) مدينة كردية جنوب شرق تركيا

(21) http://bahoz.hostoi.com/bizavakurdi_2.html

(22) والد رئيس اقليم كردستان العراق، مسعود بارزاني

(23) “يقوم الكيان العراقي على أساس التعاون بين المواطنين كافة، باحترام حقوقهم، وصيانة حرياتهم، ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن، ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية”

(24) http://bahoz.hostoi.com/bizavakurdi_4.html

(25) الصحيفة الرسمية الناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي

(26) جلال طالباني يتذكّر – 2 / مجلة الوسط اللندنية عدد 23/11/1998

(27) كان مسؤولاً أمنيَّاً، قبل أن يصبح ناب عبدالناصر في عهد الجمهوريَّة المتَّحدة، سنة 1958

(28) (زنار سلوبي)، طبعة عربيَّة ثانية، بيروت 1997، تنقيح وتقديم البروفيسور عزالدين مصطفى رسول

(29) وقتذاك كان الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني موجوداً في الاتحاد السوفياتي السابق

(30) ط 1) 2001؛ مؤسسة البلاغ للطباعة النشر _ بيروت

(31) المصدر السابق ص 61 و62

(32) خبات آمد، مسؤول التنظيم في سورية وقتذاك. يقضي حاليّاً عقوبة المؤبد في السجون التركيّة

(33) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق