الخليجتقديرات

السعودية: أبعاد استهداف الأمراء ورجال الأعمال

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

 

مقدمة :

صدرت في الفترة الأخيرة بعد تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد في المملكة العربية السعودية مجموعة من القرارات والتعميمات يجمع بينها إطاراً واحداً وأهدافاً مشتركة وإن تعددت محتوياتها ومجالاتها، ويتمثل هذا الإطار الشامل في عملية تمكين النظام الجديد وحمايته من الأخطار الداخلية و/أو الخارجية وضمان إستقراره وإستمراره، بما يصاحب ذلك من تغييرات جوهرية في بنية النظام تؤدي إلي تركيز جميع أدوات الحكم من سلطة سياسية وقوة عسكرية وموارد مالية وأدوات إعلامية في يد محمد بن سلمان .

ويمكن القول بأن القرارات الصادرة بتاريخ 4 نوفمبر 2017، والتي صدرت بشكل مفاجئ وصادم من حيث طبيعتها وحجمها والأطراف المتخذة بحقها، لن تكون القرارات ولا التعميمات الأخيرة في هذا الإطار، ذلك لتقدير محمد بن سلمان ومن يعاونه أن هناك تهديدات يجب مواجهتها والتعامل معها بحزم وحسم في الوقت المناسب، كما أن هناك فرصا قد لا تتكرر مرة أخري يمكن أن تسهم في إحكام السيطرة وتحقيق الإستقرار والإستمرار المأمول للنظام.

ونظراً لأن جميع القرارات والتوجهات البشرية عرضة إلى درجات من الصواب والخطأ سواء في المضمون أو الأسلوب فسوف يترتب علي ذلك آثار تُمثل مزيجا من السلبية والإيجابية آنية أو مستقبلية، وهذا يستدعي فهم القرارات والأحداث في إطار منهجي يقوم علي التأصيل الإطاري للأحداث والدوافع المبررة لها.

أولاً: قرارات 4 نوفمبر 2017:

أوضحت مصادر إعلامية من داخل المملكة (دون إعلان ملكي رسمي) قبل منتصف ليلة الرابع من نوفمبر 2017، صدور بعض القرارات الهامة بشكل مفاجئ ومن أهمها:

1- إعفاء الأمير: متعب بن عبدالله من منصب وزير الحرس الوطني  وتوقيفه.

2- توقيف 11 أميرا من بينهم الأمير الوليد بن طلال بن عبد العزيز والأمير تركي بن عبد الله بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض.

3- تشكيل لجنة عليا برئاسة ولي العهد لمكافحة الفساد، مع منحها المهام والصلاحيات التالية:

  • حصر المخالفات والجرائم والأشخاص والكيانات ذات العلاقة في قضايا الفساد العام
  • التحقيق وإصدار أوامر القبض والمنع من السفر وكشف الحسابات والمحافظ وتجميدها وتتبع الأموال والأصول ومنع نقلها أو تحويلها من قبل الأشخاص والكيانات، أيا كانت صفتها، ولها الحق في إتخاذ أي إجراءات إحترازية.
  • إتخاذ مايلزم مع المتورطين في قضايا الفساد العام وإتخاذ ما تراه بحق الأشخاص والكيانات والأموال والأصول الثابتة والمنقولة في الداخل والخارج وإعادة الأموال للخزينة العامة للدولة وتسجيل الممتلكات والأصول باسم عقارات الدولة، ولها تقرير ما تراه محققا للمصلحة العامة خاصة مع الذين أبدوا تجاوبهم معها.

4- إعفاء المهندس: عادل بن محمد فقيه  وزير الاقتصاد والتخطيط  وتوقيفه، كما تم توقيف عدد من  الوزراء الحاليين والسابقين، وتم الإحتجاز في أحد مجمعات الفنادق بالعاصمة السعودية، الرياض، مع منع الإتصال عنهم حتي يتم إستكمال التحقيق معهم. وأشارت وكالة الأنباء الألمانية الأحد5 نوفمبر 2017 إلي ارتفاع عدد الشخصيات الموقوفة إلى 49 شخصية. وشملت قرارات التوقيف شخصيات نافذة مثل وليد الإبراهيم صاحب شبكة قنواتMBC والشيخ صالح كامل رجل الأعمال وصاحب شبكة قنواتART وعدد من أبنائه، والشيخ بكر بن لادن رئيس مجموعة شركات بن لادن، وخالد التويجري رئيس الديوان الملكي الأسبق، وعمرو الدباغ محافظ هيئة الاستثمار وآخرين، كما تسربت أنباء أخري عن أسماء أضافية أخري لم يتم التأكد من صحتها، وعلي رأسها الأمير أحمد بن عبد العزيز وعدد من الأمراء الأخرين، ومجموعة أخري من رجال الأعمال شملت السيد سليمان الراجحي وأخرين.

5- إعادة فتح ملف سيول جدة والتحقيق في قضية وباء كورونا .

6- منع الطائرات الخاصة من مغادرة السعودية وإغلاق صالات الطيران الخاص.

ملاحظات علي القرارات :

1- قرارات الإعفاء للوزراء والتعديلات في قيادة القوات البحرية صدرت مع قرار تشكيل اللجنة العليا لمكافحة الفساد.

2- صدرت قرارات التوقيف بعد ساعات من صدور قرار تشكيل اللجنة العليا للفساد وهذا يعني أن هناك عملاً مخططاً سبق الإعداد له في طى الكتمان، حتي لا يتم إجهاض هذا الأمر، وهذا ما يخرجه عن دائرة الإجراءات المعتادة لمكافحة الفساد.

3- اللجنة العليا للفساد هي لجنة إدارية صاحبة قرار مطلق ولا إستئناف علي قراراتها إداريا أو قانونيا، وقد منحت صلاحيات ضخمة سوف يكون لها إنعكاس كبير علي الأهداف التي من أجلها صدرت هذه القرارات.

4- من ضمن صلاحيات اللجنة تقرير ما تراه محققا للمصلحة العامة خاصة مع الذين أبدوا تجاوبهم معها. وهذا النص يفتح الباب علي مصراعيه لإتمام صفقات متعلقة بالأموال والأصول في الخارج  وخاصة أن الموقوفين من الأمراء والوزراء السابقين ورجال أعمال رصيدهم يتخطى الملايين إلي المليارات.

5-  لم يتضمن قرار إنشاء اللجنة العليا حصرا بنطاق عملها بين السعوديين فقط وإنما تركت عامة وهذا يفتح الباب أمامها لممارسة صلاحياتها كاملة علي الوافدين أيضاً.

6- طبيعة صلاحيات اللجنة العليا تخطت الإطار السياسي المرتبط بالانفراد بالسلطة إلي الإطار الاقتصادي مما يستدعي بالضرورة الربط بين هذه الأحداث والوضع الإقتصادي بالمملكة سواء لمعالجة العجز في الميزانية أو مشكلات تدبير التمويل اللازم لمشاريع ومبادرات 2030 وبرنامج التحول 2020، فضلاً عن الاستحواذ علي جميع مصادر القوة الرئيسية في المملكة.

7- تضمنت الإقالات والتوقيف المهندس / عادل بن محمد فقيه وهو من الأركان الأساسية تخطيطا وإشرافا وتوجيها لرؤية 2030 وبرنامج التحول 2020 وهذا قد يعني أن النظام قد إتخذ قرارا بالتخلص منه والتضحية به والتجمل بهذا الموقف باعتباره المسئول الرئيسي عن ملف سيول جدة حين كان أمينا لمنطقة جدة وكان يوافق علي تراخيص البناء في مخرات السيول، وهذه رسالة جيدة وقوية للجميع بالداخل يتبرأ بها النظام الحالي من المسئولية، وتمنحه في نفس الوقت زخما مؤثرا في أوساط الشباب والقوي الإصلاحية التي انتقدت من قبل ترقيته وتعيينه وزيرا للعمل ثم وزيرا للصحة بدلا من محاسبته علي الفساد في ملف سيول جدة.

8- تضمنت الإقالات والإعتقالات الأمير متعب بن عبد الله وزير الحرس الوطني السابق وأخيه الأمير تركي وهذا يمثل تحقيقاً لأكثر من هدف علي النحو التالي:

  • التخلص من سيطرة آل عبد الله علي واحد من أكبر المعاقل العسكرية المسلحة بالدولة في إطار واحدة مما يقال أنها من أكبر حملات مكافحة الفساد في البلاد، وبالتالي فالأمر يمكن أن يسوق أنه ليس موجها له شخصيا وفرديا في إطار صراع على السلطه، وهذا يسهل من تبرير الموقف أمام رموز العائلة الحاكمة.
  • يعتبر هذا رسالة واضحة للذين لم يُقدموا البيعة حتي الآن، أن النظام قادر علي تجاوز هذا الأمر بل ومعاقبتهم بقضايا تمس الفساد.
  • تقديم رسالة للخارج بأن النظام قوي وقادر علي التعامل مع خصومه الذين لم يُقدموا له البيعة بمنهجية جديدة، ولا يمكن لأحد الدفاع عنهم في التهم الموجهة لهم .

9- توقيف عدد من رجال الأعمال وعلي رأسهم الوليد بن طلال يقدم رسالتين قويتين علي النحو التالي :

  • المعارضين للنظام من رجال الأعمال والذين قاموا بإخراج أموالهم خارج المملكة في الفترة السابقة إضعافا للرؤية وبرنامج التحول ليسوا في مأمن من يد السلطة وعقاب النظام في الخارج قبل الداخل.
  • الباب ليس مغلقا أمام رجال الأعمال الكبار في الداخل والخارج لتولي مسئوليتهم في تحمل الأعباء الإقتصادية الحالية والمستقبلية ومساندة النظام طوعاً، وإلا فإن السلطة قادرة علي إجبارهم علي ذلك.

وبجانب هذا فإن الإجراءات المالية المتخذة ضد هذا الكم من الأمراء ورجال الأعمال، فضلاً عن تركيز الكم الهائل من الأموال والأصول المتحصلة تحت إدارة محمد بن سلمان، يزيح أي احتمال مستقبلي لمنافسة مؤسساته الاقتصادية في الأعمال التي تتم بالمملكة.

10- حجم الموقوفين ومكانتهم كأمراء ووزراء يقدم رسالة إلي مستثمري الخارج الذين تدعوهم  الدولة للإستثمار في مشاريع السياحة والترفيه الكبرى بالمنطقة الغربية على ساحل البحر الأحمر بأن النظام الحالي يفتح صفحة جديدة مع المستثمرين يقضي فيها علي الفساد حتي وإن كان من الأمراء أو الوزراء ويدعم فيها الشفافية تماما ضمانا لوجود المستثمرين الأجانب بهذه المشاريع الضخمة .

11- تضمنت قائمة الموقوفين عدداً من ملاك كبريات الشبكات الإعلامية يضمن إسكات هذه الشبكات ويحصر الصوت الصادر في الفضائيات المرتبطة بمحمد بن سلمان وعلى رأسها قناة العربية.

وقد تلت القرارات المتخذة عدداً من الأحداث الهامة التي فُسِرَت في نطاقها مثل سقوط الطائرة المروحية التي كان علي متنها الأمير منصور بن مقرن الذي لقي حتفه وأخرين، وما تداول عن وفاة الأمير عبد العزيز بن فهد مقتولاً، فضلاً عن الشائعات التي تفيد بأتساع دائرة التوقيف بشكل أكبر من المذكور بكثير لتشمل حتي الأمير أحمد بن عبد العزيز.

ثانيا: الدوافع والأهداف لهذه القرارات

من التحليل السابق يمكن تركيز الدوافع والأهداف علي النحو التالي :

1- علي مستوى الداخل

  • تدعيم أركان النظام سياسيا واتمام عملية تمكين محمد بن سلمان وتركيز جميع السلطات والموارد والأدوات في يده بمفرده، مع توجيه رسالة عنيفة لمعارضي بيعته والإمساك بأطراف التأثير العائلي والقبلي وتوظيفها كما تم مع هيئة كبار العلماء
  • العمل علي تحقيق صورة ذهنية للنظام الحالي تقوم علي مكافحة الفساد وتحقيق الشفافية بعد أن فقدت مكافحة الإرهاب بريقها وجذوتها بالشارع، خاصة بعد الكثير مما نشر في الصحف والمجلات ومن المؤسسات الأوربية حول دور المملكة في دعمه سابقا.
  • تحويل الإهتمام من مشكلات الجنوب باليمن ومشكلات إنخفاض سعر البترول وغيرها من المشاكل الداخلية إلي قضية شديدة السخونة والأهمية خاصة وأن أحداثها قد تكون متجددة  بشكل يومي
  • تقليم أظافر المتمردين من رجال الأعمال والداعمين ماليا ومعنويا للبرامج الإعلامية المناهضة للنظام بالخارج وإجهاض أية محاولة للمساس به أو الإعداد لذلك .
  • تكوين رصيد مالي جيد من خلال مصادرة أموال الموقوفين والأصول الخاصة بهم أو من خلال التصالح معهم وسداد قيمة التصالح لخزينة الدولة وهذا سوف يدعم الموقف الاقتصادي بشكل جيد
  • تحجيم قدرات الوافدين المالية سواء في الأموال بالبنوك أو بالأصول وخاصة لأصحاب الإتجاهات غير المتوافقة مع النظام.

 وقد ذهبت بعض الأراء إلي أن القرارات التي تم اتخاذها هي في الواقع إجهاض لمحاولة انقلابية كبيرة كانت تعد لها هذه الأطراف بقيادة الأمير متعب بن عبد الله، ونقلت هذه الرواية عما قيل انه موقع سبوتنيك الروسي، الذي أتضح عدم وجود هذه الرواية عليه بالأصل، إلا أن هذا الرأي لازال يمكن اعتباره احتمالاً وارداً لكن ليس له ما يدعمه واقعياً أو معلوماتياً حتي الأن، وهو ما يمكن أن يتكشف في المستقبل إن كان صحيحاً.

2- علي المستوي الخليجي والإقليمي

إظهار قوة النظام وقدرته علي مواجهة معارضيه بالخارج وخاصة في الأزمة مع قطر وإيران في اليمن، إنعكاسا لقدرته علي تقليم أظافر الداخل حتي وإن كانوا أمراء أو وزراء.

3- علي المستوى الدولي

  • تعديل الصورة الذهنية إلي صورة إيجابية تحارب الفساد في أرض الواقع والسعي لتحقيق درجة متقدمة علي تدريج الشفافية الدولية لجذب إهتمام المستثمرين الكبار الأجانب  .
  • إيصال رسالة قوية أن محمد بن سلمان هو الحاكم القوي الأوحد للمملكه، وهو من يجب التعامل معه في كل الأمور سياسيا واقتصاديا.

ثالثا : الآثار والسيناريوهات المحتملة داخل المملكة

  1. وجود هزات في البورصة السعودية قد تؤثر علي الوضع الإقتصادي بالسلب علي مستوي الإقتصاد الكلي خاصة في حالة التطبيق الفعلي للسحب والإستيلاء علي الأصول والأموال التي يمتلكها المتهمون في قضايا الفساد
  2. صعوبات قد تواجه إسترداد الأموال والأصول بالخارج وخاصة لرجال الأعمال والأمراء المقيمين بالخارج لأنها تحتاج إلي قواعد قانونية وإجرائية لا علاقة للجنة العليا مباشرة بها وقد لا تستطيع تحقيقها مما يضعف صورتها داخليا وقد يؤدي إلي تجميد دورها.
  3. حالة الرفض والسخط القبلي والعائلي حين يتهم أبناؤهم بالفساد وخاصة أصحاب السمو منهم ورجال الأعمال الكبار.
  4. وجود مشكلة قانونية ودستورية (الممارسات القضائية حديثة) في حالة عدم الإستجابة لإجراء أية عملية تصالح في هذه القضايا إقتصاديا من الموقوفين ورفضهم لقرارات اللجنة وعدم الموافقة عليها .
  5. رد الفعل المحتمل من الذين لم تطالهم قرارات التوقيف حاليا ولديهم موقف سلبي علني أو سري من قضية البيعة.
  6. إعطاء رسالة سلبية لمستثمري الخارج بأنه لا حصانة لأية أموال في المملكة إذا وقع أي خلاف بينهم وبين السلطات الحاكمة، مما يقلل من دخول الاستثمارات الجادة كما تهدف رؤية محمد بن سلمان.
  7. حالة وفاة خادم الحرمين الشريفين ووجود توجه سلبي لدي بعض القبائل و/أو العائلات الكبرى المتضررة  ماليا وإعلاميا من عملية التوقيف قد تكون له جوانب سلبية في نقل السلطة والبيعة لها.
  8. قد تعمل هذه التغييرات الضخمة والعنيفة المتخذة بشكل مفاجئ علي تقويض دعائم الاستقرار في المملكة نظراً للإخلال المفاجئ بالتوازنات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والدينية بشكل يركز جميع السلطات والأدوات في يد فرد واحد، يعرف عنه اتخاذ القرارات السريعة والجريئة والدخول في صراعات واسعة غير مدروسة أو مضمونة العواقب.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق