تقاريرمجتمع

النوبة ـ أزمة هوية أم قضية أقلية؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

كان لطبيعة مصر والتواصل الإنساني حول وادى النيل دوراً كبيرا في ترابط المكون الوطني واندماج جميع أفراد الشعب في نسيج واحد عبر العصور غم اختلاف طبيعة الحياة بين مكان وآخر، ويصف التراث الشعبي سمات مشتركة وصفات جماعية، وثقافة ووعى جمعي مما شكل هوية متميزة ومتفردة لشعب مصر طوال تاريخه.

وإذا كان المجتمع المصري قد تكون وتشكل عبر تاريخه من روافد متعددة، وأصبح لمصر بعدان أساسيان هما البعد الأفريقي والبعد الآسيوي، وكل منهما ساهم في تكوين شخصيتها وتحديد لونها بنسبة معينة، فالبعد الأفريقي أمدنا بالحياة الماء والسكان، والبعد الآسيوي أمدنا بالحضارة والثقافة وبالدين، وهكذا تحددت لنا أربعة أبعاد في توجيه مصر، الآسيوي والأفريقي على مستوى القارات، والنيلي والمتوسطى على المستوى الإقليمي، هذا فضلا عن أن الكل يتداخل مع الاطار الوطن العربي الكبير (شخصية مصر .. تعدد الأبعاد والجوانب، د. جمال حمدان)، وتم التجانس والتوافق بين كل هذه الروافد ومنها نشأت تلك الهوية المتميزة التي صمدت طويلا في مواجهة المتغيرات الداخلية والغزوات الخارجية.

وداخل هذا الإطار والروافد المتعددة كان تواجد أهل النوبة على مر العصور باعتبارهم جزء من النسيج المصري، ولكن هذا التصور شابه شيء ما على مدى 50 عاما الماضية منذ بدء التهجير الرابع بصورته المؤلمة وتبعاته القاسية، وهنا كان لابد من وقفة لدراسة ما يسمى مشكلة النوبة والوقوف على بداياتها وأسبابها، وما مرت به من منعطفات على مدار التاريخ، ولماذا تطورت المشكلة إلى مرحلة مطالبة بعض أطرافها بالتدويل ثم التمادي إلى درجة إنشاء حركات انفصالية.

 

هل يعتبر أهل النوبة أنفسهم أقلية عرقية؟

الأقليات مصطلح يُطلق على جماعة فرعية تعيش بين جماعة أكبر، وتُكون مجتمعا تربطه ملامح تميزه عن المحيط الاجتماعي حوله، وتعتبر نفسها مجتمعًا يعاني من تسلط مجموعة تتمتع بمنزلة اجتماعية أعلى وامتيازات أعظم، لكن على مستوى المواطنة، فمن حقهم التمتع بجميع الحقوق والواجبات الممنوحة لسائر الفئات الأخرى، وفي مصر، تتنوع الأقليات بين «عرقية» كالنوبيين والأمازيغ، و«دينية» كاليهود والبهائيين، وتتلخص مطالبهم في الاعتراف بحقوقهم في المواطنة وممارسة شعائرهم، دون تضييق، ويأتي النوبيون بين أكبر الأقليات عددًا في مصر، حيث يصل عددهم إلى 4 ملايين شخص، حسب تعداد التحالف المصري للأقليات.

واستنكر سمير العربي، ممثل النوبة في التحالف المصري للأقليات، عدم ضمان تمثيلهم في الدستور بكوته تناسب تعدادهم، مضيفاً أن النوبة تواجه ظاهرة التمييز العنصري ضدهم؛ بسبب لون البشرة السمراء.

 

تاريخ النوبة:

تبدأ المنطقة النوبية من جنوبى مدينة أسوان وحتى مدينة الخرطوم وكانت تسمى ببلاد كوش، وتوجد العديد من الدلائل التي تشير بوضوح إلى كون الحضارة النوبية أقدم في الوجود من الحضارة المصرية القديمة (الفرعونية)، وقد اختلف العلماء والكتاب المعاصرين كثيرا حول الأصول القديمة للإنسان النوبي. فعلى الرغم من كثرة الدراسات والأبحاث التي أجريت في هذا الجانب إلا أنه لا يوجد حتى الآن اتفاق علمي محدد حول أصل النوبيين، ويتفرع النوبيون إلى عدة فصائل أو “بطون” صغيرة شأنهم في ذلك شأن معظم القبائل السودانية الكبيرة. وسبب هذا التقسيم يرجع ربما إلى العامل الجغرافي، وطبيعة المنطقة التي اقتضت توزع السكان في مجموعات صغيرة، استقرت كل منها في جزء معين من الإقليم النوبي بعيدا عن المجموعات الأخرى بهدف تقاسم الموارد الشحيحة للمنطقة. وبالرغم من عدم وجود أية فروق جوهرية في العادات والتقاليد بين هذه البطون، إلا أنه يمكن ملاحظة اختلافات طفيفة في اللهجة من منطقة لأخرى بدرجة طفيفة جدا لا يلحظها إلا النوبيون أنفسهم.

وعموما فإن النوبيين لا يكترثون كثيرا بهذه الفروق الطفيفة، بل يرون أنفسهم، على اختلاف لهجاتهم، نسيجاً واحداً لا يمكن التفرقة بين عناصره. ولعل روح الانتماء المشهودة لدى النوبيين وإصرارهم على التمسك بالأصالة هو ما ساعدهم على الوقوف في وجه المحاولات المتكررة التي تعرضوا لها، وما زالوا يتعرضون لها لطمس هويتهم أو فصلهم عن الجذور.

وتاريخيا فإنه مع بدايات توحيد ممالك مصر العليا في مملكة واحدة متحدة واجهت النوبة قوة لا تُقهر في الشمال بدأت تهدد وجودها واستقرارها، وبازدياد نفوذ وهيبة المملكة المصرية المتحدة اتجهت جنوبا صوب النوبة، وما لبثت أن أصبحت النوبة السفلى بكاملها تحت السيطرة المصرية وخلال عقود طويلة تالية كانت السيطرة المصرية تزيد وتنقص وسط ظهور ممالك نوبية متنوعة، وكان العرب يسمون المنطقة باسم مملكة النوباديين، وهى المملكة القوية التي أعادت السيطرة على كامل الأرض النوبية جنوب مصر وإن كانوا يستخدمون رموز الكتابة المصرية القديمة. كما أن العبادة بالنوبة كانت مرتبطة بتطور العبادات الفرعونية بمصر.

 

دخلت المسيحية إلى بلاد النوبة منذ القرن الأول الميلادي، ومرت بعدة مراحل من الانتشار والازدهار وحتى الاضمحلال، ويذكر التاريخ إن ملوك النوبة كانوا حماة للكنيسة القبطية. وبعد الفتح الإسلامي لمصر، توالت محاولات المسلمين لدخول النوبة، لكنها استعصت على الفتح نحو عشر سنين، ثم تم الصلح والموادعة، وتم الاتفاق على أن يدفع أهل النوبة إلى المسلمين، ويدفع المسلمون إلى أهل النوبة، أموالاً متقابلة في كل سنة، وكان هذا الصلح في رمضان سنة 31 هـ، وبه دخل الإسلام النوبة، فلم يمض إلا زمن قليل ليسلم أهل النوبة كلهم، وكان هذا الصلح فتحاً حقيقياً أبقى من كل قتال سبقه بين النوبة وبين المسلمين.

عندما أصبح محمد علي حاكما لمصر عام 1805 تطلع إلى فتح السودان فدخلت النوبة وسنار وكردفان في حوزة مصر. ويذكر المؤرخون دوافع عدة لفتح النوبة والسودان منها رغبة محمد على في تجنيد النوبيين والسودانيين في الجيش المصري النظامي لما اشتهروا به من الشجاعة والصبر والطاعة ورغبته في التخلص من الفرق الباقية من غزوته لجزيرة العرب، وكذلك رغبته في القضاء نهائيا على المماليك الذين لجأوا إلى النوبة بعد مذبحة القلعة فضلا عن رغبته في الاستحواذ على ذهب النوبة. وقد تقدم بنفسه عام 1815 على رأس الجيش الذي وصل إلى دنقلة وقضى على فلول المماليك بها وأعلنت بلاد النوبة ولائها للحكم المصري. ونظر المصريون للسودان والنوبة كجزء لا يتجزأ من مصر.

 

تقسيم النوبة:

عندما اشتعلت نيران الثورة المهدية في السودان قدر لبلاد النوبة أن تكون ميدانا للمعارك حتى تمت السيطرة على الخرطوم عاصمة البلاد في يناير 1885، وانتهت الأمور عام 1899 حيث تم توقيع اتفاقية الحكم الثنائي بين بريطانيا ومصر، وتم بموجبها إعلان إلغاء سيادة الدولة العثمانية في السودان.

وقد أضر الاتفاق بوحدة بلاد النوبة السياسية وقسمها إلى قسمين رئيسيين: النوبة السودانية (النوبة العليا) وتمتد داخل السودان، والنوبة المصرية (النوبة السفلى) تمتد من الحدود السودانية حتى أسوان، بالرغم من أن البلاد بقسميها تمثل وحدة جغرافية متميزة يسكنها شعب متماثل عرقيا وثقافيا واجتماعيا.

 

تهجير أهالى النوبة:

كانت بداية هجرة أول نوبي مع بناء خزان أسوان عام ‏1902‏ الذي ارتفع معه منسوب المياه خلف الخزان ليُغرق عشر قري نوبية، وتحمل أهالي هذه القري وحدهم آثار بناء الخزان وقاموا بالهجرة طواعية ودون طلب من أحد فانتقلوا إلي بعض القري في البر الغربي وإلي مختلف محافظات مصر، وبعد ذلك حدثت التعلية الأولي للخزان عام ‏1912‏ وارتفع منسوب المياه وأغرق ثماني قري أخري (الهجرة الثانية)، ثم جاءت التعلية الثانية للخزان عام ‏1933‏ وأغرقت معها عشر قري أخري (الهجرة الثالثة). وفي عام 1959 تم البدء في تنفيذ مشروع السد العالي الذي ترك خلفه مدينة حلفا الواقعة أقصى شمال السودان غارقة على إثر اتفاقية مياه النيل مع حكومة السودان.

وكان للهجرة الرابعة لأبناء النوبة تبعات فقد بدأت مشاكلها مع بداية الحصر عام ‏1960‏، الذي صنفهم ما بين مقيم ومغترب، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان وهو غرق أرض النوبة بشكل كلي، بالإضافة إلى أن المكان الجديد البعيد في صحراء كوم أمبو الشرقية كان مختلفا تماما عن البيئة التي تعود عليها السكان.

ولاحتواء الموقف، ذهب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى النوبة عام 1960 لمقابلة النوبيين وإلقاء خطابه الشهير بجوار معبد أبو سمبل، وتقديم وعده أن الحياة ستصبح أفضل، وسيشارك النوبيين في الحياة الصناعية وليس الزراعية فقط، ويعم الخير والنماء.

وبعد الخطاب الشهير بثلاث سنوات بدأت هجرة النوبيين تاركة جُرح لا يندمل حتى بعد مرور أكثر من خمسة عقود، حيث جاءت الهجرة في ظروف صعبة بالنسبة للأهالي خاصة أسلوب الشحن البدائي لهم مع حاجياتهم وأمتعتهم وماشيتهم، وزاد من معاناة الأهالي وقتها أنه في أول يوم من أيام الهجرة، تبين أن 65% من المنازل غير مكتملة الإنشاء، ووجود صنبور مياه واحد فقط كمصدر المياه لجميع أهالي القرية.

ومن المشاكل التي أثيرت وقتها أن تعويضات النوبيين عن عملية التهجير كانت ظالمة ولا تتناسب إطلاقاً مع حجم وظروف المعيشة التي كانوا يعيشون فيها سابقاً.

وأثناء حكم أنور السادات، بالرغم عما يُشاع عنه بعشقه للنوبة وزيارته مرتين لمركز نصر النوبة بمحافظة أسوان، فلم تتحسن أوضاع النوبيين كثيراً في عهده، وظل التهميش والاضطهاد الثقافي للنوبيين، وظلت الصورة النمطية عن النوبيين كما تُصورهم الأفلام العربية بأنهم جماعة من أصحاب البشرة السوداء ودائمي العمل في الوظائف الدُنيا.

ولم يتغير الوضع كثيراً في عهد مبارك الذي شهد صدور توصية من لجنة الإسكان والمرافق بمجلس الشعب 1998 حول ضرورة إعادة التوطين للنوبيين، ولكن لم يتم أي تغيير، وفي نهايات حكم مبارك ظهرت فكرة تدويل المشكلة.

 

المطالبة بتدويل مشكلة النوبة:

ظهرت فكرة تدويل مشكلة النوبة في عام 2010 وسط مطالبات من الناشطة النوبية الحقوقية “منال الطيبى” مديرة المركز المصري لحقوق السكن، والتي تزعمت تدويل المشكلة النوبية، ودعت إلى اجتماع  لحشد أصوات النوبيين ضد الحكومة المصرية أمام لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وكانت “الطيبى” قد اتخذت عدداً من التحركات الرامية لتجميع كلمة النوبيين حول موقفها الداعي لطرح المشاكل النوبية على مستوى دولي، إلا أن المشاركين رفضوا هذه الخطوة رغم محاولة الطيبى التقليل من طرح المشكلة على لجنة حقوق الإنسان ووصفها بالأمر العادي، خاصة أن مصر عضو بهذه اللجنة.ورفض العديد من القيادات النوبية وقتها فكرة التدويل.

 

النوبة والتهميش:

في يناير 2016، قالت “نجلاء أبو المجد”، مسؤول ملف النوبة في حزب المصريين الأحرار، إن النوبيين يعانون من التهميش في مصر منذ عقود، وعلى مدى سنوات، كانت أهم مطالبهم، تكمن في حق العودة إلى أراضيهم وإنشاء هيئة لتعمير منطقة النوبة تتكون من شخصيات تكنوقراط نوبيين، وتمليك منكوبي خزان أسوان لمنازلهم، وبالفعل أصدر مجلس الوزراء قرار في 2011 لعمل مشروع تنموي شامل للمنطقة، وخصص رئيس الوزراء الأسبق، عصام شرف، عددًا من الأراضي للنوبيين، لكن توقف الأمر بعدها، وأضافت أبو المجد: “قبل الانتخابات الرئاسية في 2012، جلس المرشح الرئاسى وقتها د. محمد مرسي، مع النوبيين، ووعد بإعطائهم جميع حقوقهم، لكن بعد توليه الرئاسة، وفي أول أسبوع، أصدرت وزارة الزراعة قرارا ببيع أراضي النوبة، التي وعد بها عصام شرف في المزاد العلني، ووقتها قرر النوبيون الاعتصام حتي لا ينفذ القرار”.

 

وفى دراسة بعنوان “النوبيون في مصر المعاصرة: الحشد للعودة لأراضي الأجداد”، والصادرة عن دورية Middle East Critique  في فبراير 2016 تُشير إلى أنه برغم عمليات إعادة التوطين التي بدأت لأهل النوبة في الستينيات من القن العشرين، والتي توقع البعض أنها ستثير حالة كبيرة من الاضطراب في المجتمع النوبي، فإن محاولات الحشد لرفض التهميش كانت محدودة للغاية وعلى نطاق ضيق، وهو ما يمكن إرجاعه إلى العوامل التالية:

 

1ـ القومية المصرية العربية:

والتي عزَّزت من مفهوم المجتمع الواحد المتجانس الذي يتحدث لغة واحدة ولديه تاريخ مشترك، والذي لا يتم فيه تمييز بعض الجماعات عن بعضها الآخر، فالأقليات نفسها تحصل على كافة حقوق المواطنة مثلها في ذلك مثل غالبية المواطنين. وفي ضوء ذلك المبدأ، لم تكن هناك حدود رسمية تفصل بين أهل النوبة وبقية المصريين، بل كانوا مجتمعًا واحدًا متجانسًا، ومن ثم كان من المستحيل تقدير أعداد النوبيين في مصر في ذلك الوقت.

وفي ظل تنامي تلك المشاعر القومية التي عضدَّتها الخطابات الشعبوية وقتها؛ كان العديد من النوبيين داعمين لبناء الدولة، وشعروا بأنهم يضحون ببيوتهم القديمة من أجل الصالح العام، ومن ثم كان مجرد رفع مطالب خاصة بالنوبيين في ذلك الوقت يعد خيانة لذلك المشروع القومي، وهو ما أضعف من إمكانية الحشد والتعبئة المُكثَّفة وراء مطالبهم.

 

2ـ التخوين:

ففي ظل القومية المصرية، بدت العديد من ملامح التمييز ضد النوبيين في السياسات الحكومية، ومنها محاولات إعادة توطين بعض الجماعات في المناطق والأراضي التي يتمنى النوبيون الرجوع إليها، وإعادة تسمية تلك المناطق بأسماء عربية وغيرها بعيدًا عن التراث النوبي الذي يجب المحافظة عليه. فضلا عن الأوضاع الاقتصادية المتردية للعديد منهم، حتى إن الأفلام المصرية تُظهرهم دومًا في أدوار حرَّاس العقارات أو الخدم أو السائقين. كذلك لم تكن لديهم مؤسسات عن حقوقهم، أو تعبِّر عن مشكلاتهم التي تؤثر عليهم بشكل مباشر. وارتكز عمل أغلب المنظمات الخاصة بأهل النوبة في الجانب الاجتماعي، مثل النادي النوبي في القاهرة، والذي هدِف إلى تجميع العائلات النوبية والمهاجرين منهم وتوفير أماكن إقامة لهم.

 

3ـ الانقسام النوبي:

وقد تمثلت مظاهر ذلك الانقسام في الاختلاف حول الاستراتيجية التي يجب اتباعها لتحقيق التغيير وأولوياته، فضلا عن الصراع بين النوبيين أنفسهم حول من له الحق في الحديث باسم أهل النوبة والتعبير عن مشكلاتهم ومطالبهم. أضف لذلك، الفجوة بين الأجيال النوبية والتي تُعد السبب المباشر وراء هذا الانقسام، خاصةً أن الأجيال القديمة ترى أن المشكلات التي يُعاني منها أهل النوبة كالبطالة وعدم وجود مساكن، هي مشكلات يعاني منها جميع المصريين، وأن محاولة التعبير عنها بصفتها مشكلات “نوبية” فقط، سيُعد خيانة للهُوية المصرية.

وتُؤكد الدراسة أنه برغم العراقيل التي واجهت فكرة التعبئة والحشد لأهل النوبة، فقد حدثت بعض التطورات التي سرَّعت من وتيرة التعبئة النوبية لإيجاد ممثل لهم، والتي تُمثِّل في مجملها محطات هامة في ذلك الطريق، وتتمثل تلك المحطات فيما يلي:

 

(أ) تشكيل الجمعيات الحقوقية:

والتي بدأت مع ظهور عدد من الجمعيات النوبية، مثل “الجمعية النوبية المصرية للمحامين” تحت قيادة منير بشير، والتي مهَّدت الطريق لحركة حقوق أوسع، خاصةً أنها قامت برفع عدد من الدعاوى القضائية لأهل النوبة تطالب بالعودة إلى أراضي أجدادهم، أو تطالب بتعويض عادل عن الأضرار التي تعرضوا لها. بالإضافة إلى ذلك، أضفى اهتمام “المركز المصري للحق في السكن” بمشكلات النوبيين، بُعدًا جديدًا للقضية، خاصةً في ظل توظيفه القوانين الدولية الخاصة بالسكان الأصليين لتأسيس الحق في عودة النوبيين لأراضيهم.

 

(ب) تكوين اتحاد الشباب النوبي الديمقراطي:

وبدأ حينما تمت الدعوة إلى إضراب عام اعتراضًا على انخفاض معدلات الأجور في ظل ارتفاع أسعار السلع الغذائية، عام 2009، وما ميَّز تلك الدعوة عن سابقاتها أنها استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف، واعتمد عليها النشطاء في تنظيم المظاهرات والاحتجاجات المختلفة.

وقد مثَّلت تلك الأزمة دافعًا وإلهامًا لجيل شباب النوبيين للمطالبة بحقوقهم، لذا تم تأسيس “اتحاد الشباب النوبي الديمقراطي” من مجموعة من طلاب الجامعة النوبيين من أجل الدفاع عن حقوق أهل النوبة في مصر، بل وقدَّم مجموعة من المطالب للحكومة المصرية حينها، ووظَّف وسائل التواصل للحصول على مزيد من الدعم.

 

(ج) ثورة 25 يناير 2011:

والتي مثَّلت نقطة تحول في مسيرة الحقوق النوبية، حيث لأول مرة ينزل النشطاء والشباب النوبيون إلى الشوارع للمشاركة في إسقاط نظام مبارك الذي طالما أهمل حقوقهم، ولم يعترف بها، بالإضافة إلى أنهم حتى بعد تولي المجلس العسكري السلطة في 2011، استمر الشباب في تنظيم الاحتجاجات في أسوان وغيرها، من أجل التأكيد على المطالب النوبية.

ومع وصول المجلس العسكري للسلطة وعلى رأسهم المشير طنطاوي (من قرية أبو سمبل) اختلف النوبيين حول وضع القضية، فكان البعض يتوقع أنه بوصول طنطاوي إلى الحكم يُمكن أن يُساهم بقرارات لعودة توطين النوبيين، والبعض الآخر يرى أن طنطاوي ليس سوى الابن المُدلل لنظام مبارك. ورغم تغيير الحكومة أكثر من مرة في عهد المجلس العسكري استمر الوضع على ما هو عليه لأن النظام لم يتغير.

 

(د) دستور 2012 وظهور حركة كتالة:

قامت الناشطة النوبية منال الطيبى بتقديم الاستقالة من الجمعية التأسيسية في دستور 2012، وطالب أهل النوبة بأن قضيتهم الأصلية يجب أن يتم النص عليها في الدستور وتشمل التأكيد على قوميتهم وثقافتهم ولغتيهم وتراثهم وأراضيهم وحق عودتهم إليها، وكانت هذه المطالب مثار خلاف مجتمعى وإعلامى وقتها من منطلق أنها تُكرس لفكرة الأقليات غير المألوفة في المجتمع المصري.

وبدأ ظهور بعض الجماعات (مثل حركة كتالة) على شبكات التواصل الاجتماعي متطرفًا إلى حد الدعوة إلى ضرورة استخدام القوة لتحقيق أهدافهم، وهي الدعوات التي لم يستجب لها غالبية أهل النوبة، وكذلك الدعوات لانفصال النوبة عن مصر، فضلا عن الدعوات إلى تأسيس حزب خاص بالنوبة، والذي رآه غالبية النوبيين نوعًا من العنصرية.

 

وقد تأسسّت حركة “كتالة” في نوفمبر 2012، وضمّت عدداً من سكّان النوبة، وكان أهمّ أهدافها بحسب ما يقول الرئيس التنفيذيّ للحركة “أسامة فاروق”: الدفاع عن الحقّ النوبيّ، وردّ كرامة النوبيّين بأيّ وسيلة كانت، حتّى لو باستخدام السلاح، موضحاً أنّ الحركة ترفض تدويل القضيّة النوبيّة حتّى لا تتدخّل دول خارجيّة في شأن مصريّ، لكنّها في الوقت نفسه، لا تمانع اللجوء إلى المنظّمات الحقوقيّة الدوليّة للاستعانة بها في ردّ حقوق النوبيّين.

وكانت الحركة قد هدّدت خلال فترة حكم الرئيس محمّد مرسي بأنها سوف تعلن أن المنطقة من مدينة إسنا جنوب الأقصر وحتّى حلفا جنوب أسوان، “منطقة نوبيّة مستقلّة“، وإشهار علم النوبة بألوانه الثلاثة: الأزرق الذي يمثّل النيل، والأصفر الذي يمثّل الصحراء الغربيّة، والأخضر الذي يمثّل الخضرة في النوبة، وذلك اعتراضاً على عدم تمثيلها في مجلس الشورى.

ولم يظهر للحركة نشاط واضح على الساحة بعدها إلى أن أعلن الرئيس التنفيذيّ لـ”كتالة” أنّ الحركة أوقفت نشاطها منذ تولّي عبد الفتّاح السيسي رئاسة مصر عام 2014، معلناً دعم الحركة استقرار البلاد، وذلك لما لمسوه من رغبة صادقة، على حدّ قوله، من قبل السلطة للاستجابة إلى مطالب النوبيّين. (موقع مونيتور “نبض مصر” 25 نوفمبر 2014).

وبتاريخ 17 فبراير 2014 أعلنت منال الطيبي أن حركة “كتالة النوبية”، هي من صناعة أجهزة الأمن، والدليل على ذلك، وفقاً لها؛ ظهور قيادات الحركة في العديد من الفضائيات، وأعلنوا عن أسمائهم، وأيضًا عدد الأسلحة التي يمتلكونها في شكل يظهر الحركة بأنها ظهرت باتفاق مع أجهزة أمنية.

 

(هـ) دستور 2014:

في ظل دستور 2014، تم الاعتراف لأول مرة صراحة في مواد الدستور بحقوق أهل النوبة، وتم تمثيلهم داخل لجنة الخمسين من خلال “حجاج أدول”، وهو ما مثَّل عند النوبيين خطوة إيجابية وناجحة في مسار الاعتراف الحكومي والمجتمعي بحقوقهم ومطالبهم.

حيث ينصّ في المادّة 236 على أنّه “تكفل الدولة وضع خطّة للتنمية الاقتصاديّة والعمرانيّة الشاملة للمناطق الحدوديّة والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة وتنفيذها، بمشاركة أهلها في مشاريع التنمية، وبأولويّة الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافيّة والبيئيّة للمجتمع المحلّي، خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وتعمل الدولة على وضع مشاريع وتنفيذها، تعيد سكّان النوبة إلى مناطقهم الأصليّة، وتنميتها خلال عشر سنوات، وذلك على النحو الذي ينظّمه القانون”، وهو ما يعتبر التزاماً من قبل الدولة عليها الوفاء به.

 

النوبيّون بين حق العودة والانفصال عن مصر:

يقول “أنس حامد” (مونيتور، هل استبدل النوبيّون العودة إلى أرضهم بالانفصال عن مصر، 25 نوفمبر 2014): كان النوبيّون وما زالوا يطالبون بعودتهم إلى أراضيهم الأصليّة، ولم تتحقّق تلك المطالب حتّى الآن. فهل تطوّر هذا المطلب إلى الرغبة في الانفصال عن مصر لتكوين دولة مستقلّة بهم؟ وجاءت الإجابة عن هذا التساؤل من الناشط والأديب النوبيّ “حجّاج أدول” الذي قال: “إنّه لا يعقل أن يطالب أحد من النوبيّين بالانفصال عن مصر، فحتّى لو كانت هناك رغبة لدى البعض في الاستقلال، فالتوقيت الآن غير مناسب، لأنّ أمام النوبيّين مطالب أهمّ تتمثّل في العودة إلى ديارهم التي نقلوا منها، والحديث عن استقلال أو انفصال إنّما يضعف قضيّة العودة.

وأضاف أدول: إنّ من يشيعون فكرة انفصال النوبة عن مصر، إنّما يريدون إيصال هذه الرسالة إلى الشعب المصريّ، مشبّها مزاعم الانفصال بقضيّة معاداة الساميّة، فكلّما انتقد أحد تصرّفات دولة إسرائيل، قيل له إنّه يعادي الساميّة، وكذلك في مصر، كلّما تحدّث أحدهم عن حقّ عودة النوبيّين، قيل له إنّه يسعى إلى زعزعة أمن البلاد، ويطالب بالاستقلال، وذلك حتّى تسكت الأصوات المطالبة بحقّ العودة.

وبحسب الباحث في المركز المصريّ للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة” إسماعيل الإسكندراني”، فإنّ مصدر تلك الأقاويل هو جهّات أمنيّة كوّنت شبكة مصالح مع رجال الأعمال المستفيدين من عدم عودة النوبيّين، وتضمّ شبكة المصالح تلك ضبّاطاً كباراً في الجيش، يريدون الحصول على أراضي النوبة لأنّ قيمتها الاستثماريّة عالية. وبالتالي، فإنّهم يشيعون فكرة أنّ عودة النوبيّين إلى أرضهم، ستجعلهم على مقربة من نوبيّي السودان، وبالتالي سيؤسّسون تكتّلاً عرقيّاً في منطقة الجنوب، ويدعون إلى الانفصال عن مصر، فيتكوّن رأي عامّ في مصر معادّ لمطالب العودة إلى النوبة القديمة.

 

وأوضح أنّ هناك من المسؤولين السياسيّين المصريين من يساند شبكة المصالح تلك، من خلال تصريحات تحذّر من إنشاء تجمّعات حول بحيرة ناصر الواقعة خلف السدّ، كما حدث في تصريح لوزير الموارد المائيّة وقتها، حين وصف إقامة تجمّعات زراعيّة أو سكنيّة حول البحيرة بالـ ” كارثة “على حد قوله، وهي تصريحات غير صحيحة هدفها سياسيّ في الأساس”.

 

مشكلة النوبة بعد دستور 2014:

إن طموحات النوبيين في العودة أصبحت مستحيلة بعد موافقة البرلمان على القرار بقانون رقم 444 لسنة 2014 والذى سبق أن أصدره السيسي، والقاضي باعتبار أراضي 16 قرية نوبية أراضٍ حدودية عسكرية، وهذه القرى تقع من امتداد قرية العلاقى شمالًا إلى أدندان جنوبًا. ويعتبر القرار الأرض، بطول 1110 كيلو متر شرق بحيرة السد و25 غرب بحيرة السد، أرضًا عسكرية حدودية. مما يسلب حق عودة النوبيين إلى موطنهم الأصلي.

واعتراضاً على هذا القرار قام عددً من أهالي النوبة بتنظيم وقفات احتجاجية، أمام مبنى الاتحاد النوبى بأسوان، وأمام مركز نظم المعلومات بنصر النوبة، ردًا على تمرير قانون 444 بمجلس النواب، مطالبين بإعادة مناقشة القانون بالبرلمان أو اللجوء للمجتمع الدولي، ورفع المشاركون لافتات بها عبارات مثل: “النوبة ضد قرار 444″، “القرار 444 يسرق أراضي النوبة القديمة”، “على الدولة احترام الدستور أو اللجوء للمحاكم الدولية”، “النوبة ليست للبيع”.

ثم قامت بعض القيادات النوبية برفع دعاوى قضائية للطعن على القرار الجمهوري (444 لسنة 2014) حيث أن القرار يمنع تنفيذ المادة رقم 236 من الدستور المصري، لاستقطاعه أراضي من المفترض إقامة قرى نوبية جديدة ضمن مشروعات الدولة القومية بنفس ملامح القرى النوبية القديمة في تلك المناطق الخاضعة لإدارة القوات المسلحة.

وفي المقابل بدأت الصحف القومية والإعلام الرسمي مواجهة تلك الدعاوى القضائية والتقليل من مخاطر القانون المشار إليه، ففي 8/4/2016 وتحت عنوان (ما الذي يجري في النوبة؟” كتبت الأهرام:”تبدو بعض المطالبات الجامحة مثل القول بإنشاء منطقة حكم ذاتي أو قصر مناطق جنوب مصر علي أبناء النوبة كعرق، أمرا مريبا وغير مفهوم، إذ إنه يتنافى مع وحدة إقليم الدولة ومع حق المواطنة، فالنوبيون مصريون، ولهم كافة الحقوق من أسوان إلي الإسكندرية، وهم منتشرون بالفعل، فكيف يقصرون أنفسهم وينغلقون في مساحة محدودة ويمنعون الآخرين عنها، وهل يكون لهم الحق منفردين في مصر من أقصاها إلي أقصاها وينكرون علي مواطنيهم الآخرين نفس الحق؟ وهل هذه المطالب أصلا معبرة عن أبناء النوبة في كل أنحاء مصر أم عن مجموعة أو مجموعات بعينها؟ وما هو جوهر أو دافع هذه الأطروحات وما هي الأهداف الحقيقية لها؟

 

خلاصة:

إن الانقسام الحاد الذي يعاني منه المجتمع حاليا قد أدى إلى تمزق تاريخي وتفكك اجتماعى في ظل بنية اقتصادية مختلة، وكيان ثقافى مخترق، وهرتلة إعلامية رسمية تنشر فكرة “إحنا شعب وأنتم شعب”، وما تبعها من ممارسات إقصائية، وقمع فكرى، وحديث دائم ومتواصل عن التجديد الفكرى والثقافى، مما أدى إلى أزمة حادة في مكونات الهوية المصرية، وزاد الطين بلة عرض مشروعات حكومية بإعادة تقسيم الأقاليم المصرية بطريقة جديدة أثارت الكثير من المخاوف حول إعادة صياغة مكونات الأرض مما يؤدى إلى تقسيمها جغرافيا بعيدا عن فكرة الوادى والدلتا؛ وهذا يعتبر شرخا في أهم مكونات الهوية المصرية.

هذه الأزمة في مكونات الهوية أدت إلى ظهور مطالبات من هنا وهناك بتقسيمات طائفية أو دينية وأخيراً عرقية قومية تمثلت في ارتفاع أصوات تطالب بتطوير فكرة تدويل مشكلة النوبة لتصل إلى مداها بالسعي نحو الحكم الذاتى وصولا إلى المطالبة بالانفصال عن الوطن شمالا في مصر وجنوبا في السودان(1).

 

قراءات إضافية

1ـ د. جمال حمدان، شخصية مصر في تعدد الأبعاد والجوانب، مكتبة مدبولى، القاهرة.

2ـ د. عبد الحليم نور الدين، تاريخ وآثار النوبة.

3ـ د. رفعت سيد أحمد، النوبة أرض العطر والذهب، موقع التاريخ، يناير 2016

4ـ د. محمد سليم العوا. “دخول الإسلام النوبة”، موقع الشروق، 3 أبريل 2013.

5ـ المنتدى النوبي العالمي، “تاريخ الأقباط في أرض كوش”، 4 أغسطس 2012.

6ـ محمد عادل زكى، الموجز في تاريخ السودان الحديث المعاصر، الحوار المتمدن، 22 يونيو 2011.

7ـ الجريدة الرسمية” تنشر قرار السيسي بتحديد المناطق المتاخمة لحدود مصر، صحيفة الوطن المصرية.

أنس حامد ” هل استبدل النوبيّون العودة إلى أرضهم بالانفصال عن مصر، المونيتور

النوبيون في مصر.. إشكاليات العودة لأراضي الأجداد، 22/05/2016.

9ـ البدري جلال، الأقليات: حقوق مهدرة تبدد أمنيات المواطنة، البديل، 14 يناير 2016.

10ـ محاولات تفكيك الدولة في «النوبة» لاتزال مستمرة، مجلة المصور، 6/4/2016.

11ـ أهل النوبة يطالبون بإلغاء القرار الجمهوري ٤٤٤ وتنفيذ مواد الدستور.

12ـ إعادة ترسيم حدود المحافظات… خريطة جديدة لمصر تثير الجدل، موقع أصوات مصرية.

—————————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *