
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كشفت صور أقمار صناعية وتحليل بصري لمقطع فيديو متداول، عن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية جديدة في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بالقرب من ساحل البحر المتوسط وعلى مسافة لا تتجاوز 70 مترًا من الحدود المصرية.
وبحسب تحليل الصور ومطابقة معالم الفيديو مع صور الأقمار الصناعية والخرائط، يقع الموقع عند منطقة التقاء الطرف الشمالي لمحور صلاح الدين “فيلادلفي” مع ساحل البحر المتوسط، عند إحداثيات تقريبية 31.3231284، 34.2207180.
شكل1: صورة تظهر التطور في الإنشاء بالتواريخ

وتُظهر الصور المؤرشفة أن المنطقة شهدت تحولًا تدريجيًا من موقع مراقبة ميداني إلى منشأة عسكرية أكثر ثباتًا، مع أعمال تسوية ورصف وإنشاءات دفاعية وسواتر رملية تحيط بالموقع.
وتشير صور القمر الصناعي «سنتينل-2» التابعة لبرنامج «كوبرنيكوس» الأوروبي إلى تسارع أعمال الإنشاء خلال يوليو 2026 الماضي.
ففي صورة بتاريخ 18 يوليو، تبدو المنطقة مجرفة بالكامل تقريبًا، من دون وجود منشآت رئيسية واضحة. وبعد خمسة أيام فقط، في 23 يوليو، ظهرت مؤشرات على بدء إنشاء قواعد خرسانية لمنشأة مركزية.
شكل2: صورة حديثة من المواقع العبرية

ويعزز هذا التسلسل الزمني احتمال أن تكون إسرائيل بصدد إنشاء نقطة ارتكاز عسكرية ثابتة في موقع بالغ الحساسية، عند نقطة التقاء محور صلاح الدين بالساحل، بما يثير تساؤلات جدية بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية القائمة على الحدود المصرية–الفلسطينية، ولا سيما بعد إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في المحور منذ عام 2024.
ويقع الموقع في الجانب الفلسطيني من الحدود، ضمن المنطقة التي تُعرف في الملحق الأمني لمعاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية بالمنطقة «د»، وهي إحدى المناطق التي حددت المعاهدة طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي فيها قبل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005. ولذلك فإن التطور الحالي ينبغي ربطه ليس فقط بمعاهدة السلام الموقعة عام 1979، وإنما أيضًا بالترتيبات التي أعقبت الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة واتفاق فيلادلفيا لعام 2005.
تفاصيل نقاط انتشار اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية:
طبقًا لاتفاقية كامب ديفيد التي أبرمها السادات مع العدو الصهيوني والبرتوكلات الأمنية التي أنبثقت عنها 1979، فقد قسمت سيناء وخط التماس إلى 4 مناطق (أ، ب، ج، د) وفي الملحق الأول في مادته الثانية لبروتوكول ترتيبات الأمن طبقًا للاتفاقية، تم تحديد كيفية انتشار وتوزيع القوات في تلك المناطق، وكانت على النحو التالي.
شكل 3: تقسيمات سيناء طبقًا لمعاهدة السلام وملاحقها

المنطقة أ:
تنحصر بين قناة السويس وخليج السويس إلى الخط (أ) الذي يمتد من شرق قرية قاطية (مركز بئر العبد) إلى جبل قديرة مرورًا بقريتي الجفجافة (بمركز الحسنة) وقرى صدر الحيطان، وجبل بوضيع، جبل كيد (كلها بمركز نخل) – إلى راس محمد (جَنُوب سيناء). حسب البروتوكول، توجد في المنطقة (أ) قوات عسكرية مصرية من فِرْقَة مشاة ميكانيكية واحدة ومنشآتها العسكرية وكذا تحصينات ميدانية، وحدد البروتوكول العناصر الرئيسية لهذه الفِرْقَة، وحدد عدد أفراد القوات المصرية بإجمالي 22 ألف فرد.
المنطقة ب:
تنحصر المنطقة (ب) ما بين الخط (أ) والخط (ب ) الذي يمتد من مدينة الشيخ زويد (شرق العريش) إلى قرية أبو عويقيلة (مركز الحسنة) مرورًا بجبل الحلال (نخل) ليلاقي الخط ( أ ) عند جبل كيد (نخل) ثم ينطبق عليه حتى مدينة شرم الشيخ. توفر الأمن في المنطقة (ب) وحدات حدود مصرية من أربع كتائب مجهزة بأسلحة خفيفة وبمركبات، لمعاونة الشرطة المدنية في المحافظة على النظام في المنطقة، وتتكون العناصر الرئيسية لكتائب الحدود الأربع من إجمالي حتى 4000 فرد.
المنطقة ج :
تنحصر المنطقة (ج) ما بين الخط (ب) والحدود المصرية مع كل من قطاع غزة والكيان الصهيوني (من رفح إلى طابا) والشاطئ الغربي لخليج العقبة حتى شرم الشيخ، وتتمركز فيها القوات متعددة الجنسيات والشرطة المدنية المصرية فقط. وحسب المراسم ففي المنطقة (ج) تتولى الشرطة المدنية المصرية المسلحة بأسلحة خفيفة أداء المهام العادية للشرطة داخل هذه المنطقة دون تواجد عسكري إلا بتفاهمات خاصة بين مصر والكيان الصهيوني.
المنطقة “د”:
تنحصر فيمَا بين خط الحدود المصرية والأراضي المحتلة والخط “د”يمتد من شرق رفح إلى إيلات بعرض2.5 كيلومتر وعمق4 كلم، ويسمح ملحق معاهدة السلام “المزعومة” بأن يضع العدو فيها قوة محدودة من أربع كتائب مشاة غير مزودة بدبابات أو مدفعية أوصواريخ أرض جو. يمتد محور صلاح الدين على الحدود بين مصر وغزة بطول14كم من البحر المتوسط شمالًا حتى معبر كرم أبو سالم جنوبًا. بموجب معاهدة السلام، وتأكد في اتفاقية المعابر2005 يعتبر منطقة عازلة، يقع بالكامل ضمن المنطقة د وهي مناطق يُحظر على الإسرائيلي أي تحرك عسكري فيها الإ بموافقة الجانب المصري.
مسافة 70 مترًا من الحدود المصرية
وبحسب القياسات التي أُجريت باستخدام صور الأقمار الصناعية، لا تتجاوز المسافة بين موقع المنشأة الجديدة وخط الحدود المصرية نحو 70 مترًا.
وتمنح هذه المسافة القصيرة للقاعدة أهمية استراتيجية كبيرة؛ إذ تقع في نقطة شديدة الحساسية عند الطرف الغربي لقطاع غزة، وبالقرب المباشر من الحدود المصرية وساحل البحر المتوسط.
وكان اتفاق محور فيلادلفيا لعام 2005 قد وضع ترتيبات خاصة للشريط الحدودي بين مصر وقطاع غزة في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، بما في ذلك انسحاب القوات الإسرائيلية من المحور ونشر قوات حرس حدود مصرية على الجانب المصري وفق ترتيبات أمنية محددة. وقد بدأ نشر القوة المصرية على طول الشريط الحدودي البالغ نحو 14 كيلومترًا في سبتمبر 2005، بعد الانسحاب الإسرائيلي.
لكن إسرائيل أعادت انتشار قواتها في رفح خلال الحرب على القطاع، بعد بدء عمليتها العسكرية في المدينة في مايو 2024، لتصبح المنطقة منذ ذلك الحين إحدى أبرز نقاط الاحتكاك في العلاقة الأمنية بين إسرائيل ومصر.
ومن ثم، فإن تشييد منشأة عسكرية جديدة في هذه المنطقة يمثل تطورًا ميدانيًا إضافيًا يثير تساؤلات بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية القائمة على الحدود المصرية، خصوصًا في ظل غياب معلومات معلنة عن تفاهم جديد بين القاهرة وتل أبيب بشأن طبيعة هذا الوجود.
ولا تقتصر التطورات على إنشاء المبنى الرئيسي؛ إذ تشير الصور إلى إقامة سواتر رملية حول الموقع وأعمال تسوية وتحضير للأرض، وهي إجراءات تتوافق عادةً مع الانتقال من وجود ميداني مؤقت إلى موقع أكثر ثباتًا وقابلية للاستخدام المستمر.
ويأتي ذلك في سياق أوسع يشهد إنشاء إسرائيل سواتر وتحصينات ومواقع عسكرية داخل مناطق مختلفة من القطاع، بالتزامن مع استمرار الجدل حول مستقبل انتشار القوات الإسرائيلية وإمكانية الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها.
وتكتسب القاعدة الجديدة أهمية إضافية بسبب موقعها الجغرافي، إذ يمكن أن تمنح القوات الموجودة فيها قدرة على مراقبة منطقة واسعة تشمل الساحل ومحور فيلادلفيا والمنطقة الحدودية مع مصر، وهو ما يجعل موقعها ذا قيمة عملياتية تتجاوز حجم المنشأة نفسها.
رؤية تحليلة:
إسرائيل تعيد تعريف مفهوم الحدود
إن إنشاء منشأة عسكرية ثابتة في هذه المنطقة لا ينبغي قراءته باعتباره إجراءً ميدانيًا منفصلًا عن التحولات التي شهدها مفهوم الأمن الإسرائيلي منذ حرب طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023، وإنما باعتباره جزءًا محتملًا من تحول أوسع في طريقة إسرائيل في النظر إلى حدودها مع دول الجوار (مصر، غزة، سوريا، لبنان).
فبعد «طوفان الأقصى»، والحرب الإسرائيلية على غزة، والحرب مع حزب الله، والتطورات التي شهدتها الجبهة السورية، يبدو أن إسرائيل باتت أكثر ميلًا إلى التعامل مع الحدود ليس باعتبارها خطوطًا قانونية ثابتة فحسب، وإنما باعتبارها مساحات أمنية ينبغي أن تتوسع لتضمن لها قدرًا من العمق والإنذار المبكر والقدرة على التدخل قبل وصول التهديد إلى أراضيها.
وهنا تبرز أهمية ما طرحه القائد السابق لخلية التوأمة العملياتية مع الجيش الأمريكي، العقيد الإسرائيلي أمير نيفي، الذي ذهب إلى أن الحدود المرسومة على الخرائط لا تكون بالضرورة حدودًا أمنية جيدة إذا لم توفر ظروفًا أمنية معقولة، معتبرًا أن أفضل الحدود هي التي تمنحها الطبيعة، مثل الأنهار وسلاسل الجبال والأودية والمرتفعات والعوائق الجغرافية.
وأضاف، في مقال نشرته صحيفة «معاريف»، أن إسرائيل مطالبة باستغلال الحرب لصياغة مفهوم جديد للحدود يقوم على التضاريس والعمق الاستراتيجي والمناطق العازلة والإشراف الدولي وآليات التدخل عند حدوث الانتهاكات، رابطًا ذلك بمبادئ مفهوم «الحدود الدفاعية» الذي طوره يغآل آلون بعد حرب 1967.
وأشار كذلك إلى أن دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي ترى أن الحدود الاستراتيجية الصحيحة ينبغي أن تستند إلى مسار تضاريسي يشكل عائقًا دائمًا، ويوفر عمقًا استراتيجيًا ويتيح الإنذار المبكر. وهذه الرؤية شديدة الأهمية لفهم التحرك الإسرائيلي الحالي؛ لأنها تعني أن إسرائيل قد لا تنظر إلى الحدود باعتبارها خطًا تنتهي عنده مسؤوليتها الأمنية، وإنما باعتبارها نقطة تبدأ عندها منظومة دفاعية أوسع تمتد إلى ما وراء الخط الحدودي عندما ترى أن ذلك ضروريًا لأمنها.
يعزز من هذا المفهوم أن دولة إسرائيل ليس لها حدود معرفة قانونيًا أو دستوريًا منذ إنشائها، مما يجعل مفهوم الحدود لديها مرنًا بما يخدم على أجندتها الأمنية، وكذلك أجندتها التوسعية بشكل عام.
من الخط الحدودي إلى العمق الأمني
يشير نيفي كذلك إلى أن تطور الصواريخ والطائرات المسيرة والاستخبارات الفضائية لم يُلغِ الحاجة إلى المساحة ووقت الإنذار والسيطرة على مسارات التهديد. وهذه النقطة بالذات تكتسب أهمية كبيرة في الحالة المصرية؛ فالمسألة بالنسبة إلى إسرائيل ليست فقط: أين يقع الخط الحدودي؟ وإنما: كم من الوقت تحتاجه إسرائيل لاكتشاف التهديد، وتحديد مصدره، واتخاذ القرار، ثم التعامل معه؟
ومن هنا يصبح إنشاء موقع عسكري قريب جدًا من الحدود ذو قيمة عسكرية؛ لأنه قد يوفر نقطة مراقبة وإنذار متقدمة، ويمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على جمع المعلومات ومراقبة الحركة في منطقة حساسة، بدل الاعتماد فقط على وسائل الاستطلاع الموجودة في العمق.
وبالتالي، فإن قاعدة تقع على مسافة لا تتجاوز 70 مترًا من الحدود لا ينبغي تقييم أهميتها من حيث المساحة أو عدد القوات التي يمكن أن تستوعبها، وإنما من حيث الموقع الذي تشغله داخل منظومة الاستشعار والإنذار والسيطرة الإسرائيلية.
الجبهة السورية نموذج لما بعد 7 أكتوبر
ويضرب نيفي مثالًا بالحدود السورية، معتبرًا أن انهيار نظام الأسد غيّر الواقع الميداني، وأن إسرائيل وسعت سيطرتها على المنطقة العازلة والمناطق المجاورة ودمرت أجزاء كبيرة من القدرات العسكرية السورية المتبقية.
وبغض النظر عن الموقف من هذه الرؤية، فإنها تكشف بوضوح عن التفكير الذي بدأ يفرض نفسه داخل دوائر الأمن الإسرائيلية: إذا تغيرت البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، فإن الاتفاقات والخطوط القديمة لا يُنظر إليها بالضرورة باعتبارها نقطة النهاية، وإنما باعتبارها ترتيبات قابلة لإعادة النظر عندما تتغير طبيعة التهديد.
وفي لبنان، يطرح نيفي نهر الليطاني باعتباره نموذجًا لـ«الحدود الاستراتيجية»؛ إذ يرى أن وجود عائق جغرافي واضح يوفر عمقًا ويصعّب حركة الخصم يمكن أن يمنح إسرائيل شروطًا أمنية أفضل .أما في غزة، فيعتبر نيفي، الذي يسرد مايدور في العقلية الصهيونية، أن الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب عام 2005 مثالًا على خطورة التخلي عن السيطرة الأمنية على الحدود والاعتماد على ترتيبات أخرى لضمان الأمن.
وهنا تتضح صلة هذا الطرح الذي ذكرته على لسان نيفي بما يحدث في رفح. فالتحرك الإسرائيلي في محور صلاح الدين (فيلادلفي) منذ 2024 والسيطرة عليه ، ثم الإجراءات التي تتم الأن لتثبيت مواقع عسكرية فيه، لا يبدو مجرد عودة مؤقتة لقوات دخلت المنطقة في إطار عملية عسكرية؛ بل قد يمثل، إذا استمر وتوسع، محاولة للانتقال من الوجود العملياتي المؤقت إلى التموضع الأمني المستدام.
القاعدة الثابتة أخطر من الانتشار المؤقت؛ تلك هي النقطة الأهم عسكريًا في التطور الحالي. فالانتشار العسكري المؤقت يمكن تفسيره باعتباره جزءًا من عملية عسكرية محددة الأهداف والمدة. أما إنشاء مبانٍ ثابتة، وتسوية الأرض، وإقامة سواتر وتحسين البنية التحتية، فيشير إلى احتمال مختلف: بناء قدرة عسكرية قابلة للاستمرار.
والفرق بين الحالتين كبير، فالموقع الثابت يمكن أن يتحول إلى مركز للمراقبة والاستطلاع، ونقطة قيادة وتحكم، وموقع دعم للقوات المنتشرة، ومركزًا لوجستيًا محدودًا، ونقطة تجمع أو إسناد، وربما جزءًا من منظومة إنذار مبكر تغطي المنطقة الساحلية والحدودية. وهذا لا يعني بالضرورة أن المنشأة تؤدي كل هذه الوظائف بالفعل، إذ لا تسمح المعلومات المتاحة وحدها بالجزم بطبيعة مهمتها العملياتية؛ لكن اختيار الموقع وطبيعة الإنشاءات واستمرار أعمال التحصين كلها تجعل احتمال تحويله إلى نقطة ارتكاز عسكرية أمرًا يستحق الدراسة الجادة.
والأخطر استراتيجيًا أن المنشآت العسكرية تميل إلى خلق «أمر واقع» جديد. فما يبدأ كنقطة مؤقتة يمكن أن يتحول إلى موقع دائم، وما يصبح دائمًا يمكن أن يتحول لاحقًا إلى جزء من ترتيبات أمنية توسعية جديدة، ثم إلى عنصر تفاوضي تفرض إسرائيل على الطرف الآخر التعامل معه باعتباره واقعًا قائمًا. وهذه هي آلية صناعة الأمر الواقع التي ينبغي أن تكون موضع اهتمام مصري.
ماذا يعني ذلك لمحور صلاح الدين “فيلادلفي”؟
محور فيلادلفي ليس مجرد شريط من الأرض بطول نحو 14 كيلومترًا، وإنما يمثل منطقة تماس ثلاثية الأهمية بين مصر وقطاع غزة وإسرائيل. ويمتد المحور بمحاذاة الحدود المصرية–الغزية، من ساحل البحر المتوسط غربًا إلى منطقة كرم أبو سالم شرقًا، ويتقاطع مع معبر رفح، ولذلك فإن السيطرة على المحور تمنح قيمة عملياتية في إدارة حركة القوات والمراقبة والسيطرة على المجال الحدودي. ولهذا لم يكن الانسحاب الإسرائيلي من المحور عام 2005 مجرد انسحاب جغرافي؛ فقد ارتبط بترتيبات أمنية وسياسية معقدة، كان من بينها نشر قوات مصرية على الجانب المصري من الحدود، مع تحديد طبيعة القوة ومهامها.
ومن هنا فإن إعادة تثبيت الوجود العسكري الإسرائيلي في المحور بعد نحو عقدين من الانسحاب تكتسب أهمية تتجاوز العمليات الجارية في غزة. إنها تعيد فتح سؤال أُغلق عام 2005: من يملك حق الوجود الأمني والعسكري على هذه المنطقة، وما حدود هذا الوجود، ومن يحدد طبيعة الترتيبات الأمنية فيها؟.
جدير بالذكر أن إسرائيل قامت بالسيطرة الكاملة على محور صلاح الدين في خضم حرب طوفان الأقصى، في مخالفة صريحة لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية. ولا تزال هذه السيطرة مستمرة حتى الآن، كما تسيطر إسرائيل على معبر رفح من الجانب الفلسطيني، وهو وضع مستمر حتى الآن، إلى أن نرى ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية، وفقًا لاتفاق شرم الشيخ، للانتقال إلى المراحل اللاحقة، التي تشهد تعقيدات كبرى. وعليه، فإن السيطرة الإسرائيلية على محور صلاح الدين ومعبر رفح من الجانب الفلسطيني لا تزال قائمة حتى الآن.
القاعدة جزء من منظومة أوسع
قبل تشييد هذه المنشأة العسكرية الثابتة، كانت إسرائيل قد أعلنت في نوفمبر 2025 تحويل الحدود مع مصر إلى منطقة عسكرية مغلقة، معللة ذلك بازدياد عمليات تهريب الأسلحة عبر الأراضي المصرية. وبغض النظر عن التبرير الإسرائيلي، فإن هذه الخطوة تكتسب دلالة أكبر إذا وُضعت إلى جانب التطورات اللاحقة في رفح ومحور صلاح الدين “فيلادلفي”؛ فإذا بدأ الأمر بالسيطرة على محور صلاح الدين بمخالفة صريحة لإتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، ثم بإعلان المنطقة منطقة عسكرية مغلقة، ثم تلاه انتشار عسكري، ثم إنشاء تحصينات، ثم إنشاء مواقع أكثر ثباتًا، فإننا أمام تدرج في بناء بنية أمنية وعسكرية جديدة. وهذا هو ما يجعل التعامل مع كل خطوة باعتبارها إجراءً منفصلًا خطأً في التقدير. فالخطورة لا تكمن فقط في القاعدة الجديدة، وإنما في احتمال أن تكون القاعدة حلقة ضمن سلسلة من الخطوات التي تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية على الحدود المصرية–الغزية.
جغرافيا الحدود المصرية مع الأراضي المحتلة
تمتد الحدود المصرية مع إسرائيل على مسافة تقارب 200 كيلومتر، من منطقة إيلات وخليج العقبة جنوبًا وحتى منطقة رفح وقطاع غزة شمالًا، وتشكل هذه الحدود واحدة من أكثر الحدود استقرارًا من الناحية العسكرية في المنطقة منذ توقيع معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية عام 1979. ولهذا تحديدًا تكتسب التطورات الحالية أهمية استثنائية.
فأي انتقال من حالة الاستقرار العسكري النسبي إلى إعادة بناء انتشار عسكري إسرائيلي متقدم بالقرب من الحدود المصرية لا يمثل مجرد تغير تكتيكي، وإنما قد يكون مؤشرًا على محاولة إعادة تعريف طبيعة البيئة الأمنية التي قامت عليها هذه الحدود طوال العقود الماضية.
أما محور صلاح الدين «فيلادلفي» ومعبر رفح، فعلى الرغم من أنهما يقعان داخل قطاع غزة وليس داخل الأراضي المصرية، فإنهما يمثلان نقطة التماس الحيوية بين مصر وقطاع غزة وإسرائيل، ولذلك فإن أي ترتيبات إسرائيلية جديدة فيهما تنعكس بصورة مباشرة على الأمن القومي المصري، والإنتشار العسكري في تلك المناطق له شكل خاص ومحدد، وهذا طبقًا لاتفاقية السلام، فضلًا عن اتفاق المعابر، وأي تغيير في أشكال الانتشار يعني إختراق للمعاهدة، إلا إذا كانت هناك تفاهمات بين الجانبان، ومن خلال قراءة المعلن لا يبدوا ان هناك تفاهمات مصرية إسرائيلية على ما تقوم به إسرائيل الأن.
الأهداف العسكرية المحتملة للوجود الإسرائيلي
من منظور عسكري، يمكن أن يخدم إنشاء مواقع ثابتة في هذه المنطقة عدة أهداف محتملة، أبرزها:
- تثبيت وجود عسكري إسرائيلي عند نقاط التماس الحساسة.
- توفير قدرة متقدمة على المراقبة والاستطلاع على طول جزء من الحدود.
- مراقبة محور فيلادلفي ومعبر رفح والمنطقة الساحلية.
- تقليص زمن الاستجابة أمام أي تهديد ترى إسرائيل أنه يأتي من المنطقة الحدودية.
- توفير نقاط إسناد للقوات الإسرائيلية العاملة في رفح.
- إنشاء شبكة من المواقع العسكرية يمكن ربطها بمنظومات الاستطلاع والإنذار والمراقبة.
- دعم استمرار السيطرة العملياتية على محور فيلادلفي.
- تحويل الوجود العسكري الذي بدأ باعتباره جزءًا من عملية عسكرية إلى واقع أمني أكثر استدامة.
ولا يعني ذلك أن كل هذه الأهداف تتحقق في المنشأة التي يجري الحديث عنها تحديدًا، وإنما تمثل الوظائف المحتملة التي يمكن أن تؤديها المواقع العسكرية الثابتة في مثل هذه البيئة العملياتية.
المسألة ليست قاعدة فقط.. وإنما مفهوم أمني جديد
وهنا نصل إلى جوهر التطور المرصود. فمن خلال قراءة التحركات الإسرائيلية مع دول الجوار ، إذا كان إنشاء القاعدة مجرد قرار تكتيكي مرتبط بالعمليات الحالية في المنطقة المعنية، فإن أهميته ستبقى محدودة نسبيًا. أما إذا كان جزءًا من تصور إسرائيلي جديد للحدود، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة.
فإسرائيل، وفق هذا التصور ، لا تريد حدودًا تمنع الخصم من عبورها فقط، وإنما تريد حدودًا توفر لها الإنذار المبكر، والعمق، والقدرة على المراقبة، والمساحة اللازمة لاتخاذ القرار، والقدرة على التدخل قبل وصول التهديد إلى مستوطناتها. وهذا ما يجعل التحرك الإسرائيلي في غزة وسوريا ولبنان وعلى الحدود المصرية مترابطًا من زاوية التفكير الأمني، رغم اختلاف طبيعة كل جبهة.
ففي سوريا، ظهر مفهوم المنطقة العازلة والوجود المتقدم. وفي لبنان، يظهر التركيز على الحواجز الطبيعية والعمق جنوب الليطاني والمناطق العازلة. وفي غزة، يبرز محور صلاح والمناطق العازلة والانتشار العسكري المتقدم. ومن ثَمَّ فإن ما يحدث في رفح يمكن أن يكون جزءًا من إعادة صياغة أوسع لمفهوم الحدود الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر.
المشكلة المصرية ليست في القاعدة وحدها؛ فبالنسبة إلى مصر، فإن التحدي الاستراتيجي لا يتمثل فقط في وجود منشأة إسرائيلية على مسافة قريبة جدًا من حدودها، وإنما في احتمال تحول هذه المنشأة إلى سابقة. فالقاعدة الثابتة تعني وجودًا دائمًا، والوجود الدائم يعني قدرة مستمرة على المراقبة، والمراقبة المستمرة تمنح صاحبها معرفة أفضل بالبيئة المحيطة، ثم يمكن أن تتطور هذه المعرفة إلى نفوذ عملياتي، ثم إلى ترتيبات أمنية جديدة.
وهنا يصبح السؤال المصري الأهم ليس فقط: هل توجد قاعدة إسرائيلية بالقرب من الحدود؟ بل: هل تتحول الحدود المصرية–الغزية تدريجيًا من خط فصل متفق عليه إلى منطقة نفوذ أمني إسرائيلي متقدم؟ وهذا سؤال مختلف تمامًا.
التجربة الإسرائيلية في الجبهات المختلفة تظهر أن المناطق العازلة والمواقع العسكرية المتقدمة لا تكون بالضرورة مجرد ترتيبات مؤقتة، وإنما يمكن أن تتحول إلى عناصر تفاوضية وأمنية طويلة المدى. ولهذا فإن السماح بتحول الوجود العسكري المؤقت إلى منشآت ثابتة يرفع تكلفة العودة إلى الوضع السابق. فكلما زادت المنشآت، والتحصينات، والطرق العسكرية، ونقاط المراقبة، أصبح الانسحاب منها أكثر تعقيدًا سياسيًا وعسكريًا، وأصبح الطرف الذي أنشأها قادرًا على التعامل معها باعتبارها جزءًا من “الواقع الأمني الجديد”. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالخطر ليس فقط في المكان الذي أقامت فيه إسرائيل القاعدة، وإنما في احتمال أن تصبح القاعدة أساسًا لمواقع أخرى، وأن تتحول المواقع الأخرى إلى شبكة، وأن تتحول الشبكة في النهاية إلى منظومة أمنية جديدة على الحدود.
ماذا يعني ذلك للأمن القومي المصري؟
من المنظور المصري، فإن أي إعادة تشكيل للانتشار العسكري الإسرائيلي بالقرب من الحدود تستحق التعامل معها باعتبارها قضية أمن قومي، ليس لأن المنشأة الحالية تمثل في حد ذاتها تهديدًا عسكريًا مباشرًا لمصر، وإنما لأن تغيير طبيعة البيئة العسكرية المقابلة للحدود يمكن أن يغير معادلة الأمن التي حافظت على استقرار الجبهة المصرية–الإسرائيلية لعقود. كما أن القرب الشديد من الحدود يعني أن أي تطور في طبيعة هذه المنشأة، أو توسعها، أو ربطها بمواقع أخرى، سيؤدي إلى تقليص المسافة الفاصلة بين القوات الإسرائيلية والمنظومة الأمنية المصرية في منطقة شديدة الحساسية. ومن هنا ينبغي أن يكون التقدير المصري مبنيًا على مراقبة الاتجاه لا على مراقبة المنشأة وحدها. هل ستظل نقطة منفردة؟ هل ستتوسع؟ هل ستنشأ مواقع أخرى على امتداد محور فيلادلفيا؟ هل ستُربط هذه المواقع بشبكة مراقبة واستطلاع؟ هل ستظهر طرق عسكرية وبنية لوجستية تدل على نية البقاء طويلًا؟ وهذه المؤشرات أهم من شكل المبنى نفسه.
الخلاصة
نحن أمام إعادة رسم للحدود الأمنية.
إن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية جديدة بالقرب من الحدود المصرية، إذا تأكد استمرار تطورها وتحولها إلى منشأة ثابتة، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل في حرب غزة. فالموقع الجغرافي، والتوقيت، وطبيعة الإنشاءات، والعودة الإسرائيلية إلى محور فيلادلفي، إلى جانب التحولات التي طرأت على العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر، كلها تجعل التطور جديرًا بالقراءة ضمن سياق أوسع.
والمؤشر الأخطر هنا هو الانتقال من فكرة السيطرة العسكرية المؤقتة إلى بناء بنية تحتية عسكرية قابلة للاستمرار. فإسرائيل التي عانت في 7 أكتوبر من فشل منظومة الإنذار والحدود والعمق، يبدو أنها تعمل على إعادة بناء تصورها للأمن الحدودي على أساس مختلف: حدود أكثر عمقًا، ومناطق عازلة، ونقاط مراقبة متقدمة، وقدرة على اكتشاف التهديد قبل وصوله إلى أراضيها، وحرية أكبر في التعامل مع البيئة المحيطة بها عندما ترى أنها تشكل تهديدًا لأمنها.
غير أن تطبيق هذا التصور في مواجهة مصر يختلف جذريًا عن تطبيقه في غزة أو سوريا أو لبنان؛ لأن الحدود المصرية–الإسرائيلية ليست جبهة مفتوحة أو منطقة نزاع غير محسومة، وإنما حدود دولية قامت عليها ترتيبات أمنية ومعاهدة سلام مستمرة منذ عقود. ولهذا فإن أي محاولة لتحويل الجانب الفلسطيني من الحدود إلى منطقة انتشار عسكري إسرائيلي دائم تضع سؤالًا أكبر من سؤال القاعدة نفسها: هل تحاول إسرائيل، بعد 7 أكتوبر، إعادة تعريف حدودها الأمنية مع دول الجوار بحيث لا تعود الحدود القانونية هي الحد النهائي للحركة العسكرية الإسرائيلية، وإنما يصبح «العمق الأمني» هو المعيار الحاكم؟
إذا كان هذا هو الاتجاه فعلًا، فإن ما يجري في رفح لا يمثل مجرد قاعدة عسكرية جديدة، وإنما حلقة في إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، وقد يكون من أخطر تطبيقات هذا التصور عندما يقترب من الحدود المصرية.
ومن هنا، فإن التحدي أمام مصر لا يتمثل في التعامل مع منشأة واحدة، وإنما في منع تحول المنشأة إلى نقطة ارتكاز، ونقطة الارتكاز إلى شبكة، والشبكة إلى واقع أمني جديد يصعب التراجع عنه لاحقًا. وهذه تحديدًا هي النقطة التي تستحق أن تكون موضع متابعة مصرية دقيقة: ليس فقط أين تبني إسرائيل، وإنما ماذا تبني، ولماذا تبني، وهل تبنيها مؤقتًا أم لكي تبقى؟ ويجب ان يكون هناك تعامل مصر جاد لوقف هذا التمدد والإنتشار الذي يخالف بالأساس اتفاقية السلام، لأن الفارق بين الانتشار والتموضع هو في النهاية الفارق بين عملية عسكرية تنتهي بانتهاء مهمتها، وبين تغيير طويل المدى في الخريطة الأمنية للحدود.
وأخيرًأ: إن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية على بُعد لا يتجاوز 70 مترًا من الحدود المصرية، لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً ميدانيًا منفصلًا، وإنما يأتي في سياق أوسع تتجه فيه إسرائيل، منذ فشل منظومتها الأمنية في 7 أكتوبر 2023، إلى إعادة بناء مفهومها للحدود على أساس الدفاع المتقدم، وإنشاء مواقع عسكرية كاشفة ونقاط ارتكاز ومناطق عازلة على مختلف جبهاتها. فإسرائيل لا تسعى فقط إلى تأمين حدودها، وإنما تعمل على خلق عمق أمني متقدم يمنحها قدرة أكبر على المراقبة والإنذار والتدخل قبل وصول التهديد إلى حدودها.
وتقوم هذه الاستراتيجية، في جوهرها، على تحويل الوجود العسكري المؤقت إلى تموضع أكثر استدامة؛ فالمنطقة العازلة تتحول إلى نقطة ارتكاز، ونقطة الارتكاز إلى شبكة من المواقع العسكرية والتحصينات ووسائل المراقبة، ثم تتحول الشبكة تدريجيًا إلى واقع أمني جديد يصعب التراجع عنه لاحقًا.
وهنا تكمن أهمية القاعدة التي يجري إنشاؤها قرب الحدود المصرية؛ فالخطر الاستراتيجي لا يكمن فقط في المنشأة ذاتها، وإنما في أن تصبح جزءًا من نمط أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، بحيث لا تعود الحدود بالنسبة إليها مجرد خط قانوني، وإنما تصبح مساحة أمنية متقدمة تسعى إلى التحكم فيها أو التأثير في طبيعة ما يجري على الجانب الآخر منها.
فما يحدث في رفح يتقاطع، من حيث المنطق العسكري، مع ما فعلته إسرائيل في الجنوب السوري وجنوب لبنان: إنشاء مساحات فاصلة، وإقامة مواقع متقدمة، وتثبيت وجود عسكري، ثم التعامل مع هذا الوجود باعتباره ضرورة أمنية مستمرة. ونحن نصف هذا الاتجاه بأنه تحول نحو عقيدة أوسع للمناطق العازلة، تجمع بين العمق العسكري والتغيير المادي للحدود والوجود العسكري المباشر.
إن ما قامت به إسرائيل في محور صلاح الدين 2024، وما تقوم به في رفح الان، من إنشاء قواعد ونقاط عسكرية على بُعد 70 مترًا من الحدود المصرية، يمثل اختراق مباشر لمعاهدة السلام 1979 واتفاقية المعابر 2005. وتمتلك مصر، من الناحية القانونية، ما يمكنها الاستناد إليه كخطوة أولى لوقف مثل هذه المخططات والمساعي الإسرائيلية. لكن المشكلة أن إسرائيل أصبحت تتعامل مع الاتفاقيات باعتبار أن مقتضيات أمنها القومي تبرر تجاوزها أو إعادة تفسيرها. ومن ثم، يطرح ذلك تساؤلًا مهمًا أمام صانع القرار المصري: هل تمتلك مصر خيارات أخرى، إلى جانب المسار الدبلوماسي الذي قد لا يكون وحده كافيًا لوقف التحركات الإسرائيلية، لحماية أمنها القومي ومنع فرض واقع عسكري جديد على حدودها؟
وتُعد هذه القاعدة، من الناحية العسكرية، مصدر خطر على الأمن القومي المصري، نظرًا لقربها الشديد من الأراضي المصرية؛ إذ يمكن أن تتحول إلى محطة عمل دائمة لرصد الحدود المصرية ومراقبة ما يجري في شرق البلاد من تحركات عسكرية، بما يتيح للعدو الإسرائيلي متابعة التحركات والانتشار العسكري المصري، ليس على الحدود الشرقية فقط، بل في العمق الشرقي أيضًا، وقراءة أنماطها وتحليلها بصورة مستمرة، بما يفرض على مصر تحديًا استخباراتيًا وأمنيًا متزايدًا، ويزيد من مستوى انكشاف تحركاتها العسكرية أمام إسرائيل.
أخيرًا، ومن خلال قراءتي للعقلية الصهيونية، فإنها تقوم على الاختبار والتحسّس؛ فإذا لم ترَ رد فعل قويًا يوقف خططها، تندفع أكثر وتتحمّس لاتخاذ خطوات لاحقة لتثبيت الواقع الذي تريد تحقيقه. فالسيطرة على محور صلاح الدين، ثم إعلان منطقة الحدود منطقةً مغلقة من جانبها، ثم إنشاء قواعد ونقاط عسكرية على بُعد 70 مترًا من الأراضي المصرية، يعني أن إسرائيل تتدرج في خطواتها وتختبر الواقع، وكلما لم ترَ رد فعل قويًا ومناسبًا للفعل، زادت من إجراءاتها لفرض واقع أمني جديد على الحدود المصرية، دون النظر إلى اتفاقية السلام الموقعة عام 1979.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




