البنتاغون يراجع استراتيجيته النووية بزيادة دور الأسلحة التكتيكية في صراع محتمل مع الصين أو روسيا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
يعمل البنتاغون على إعداد استراتيجية نووية أميركية سرية جديدة تمنح اهتمامًا أكبر لاحتمال استخدام أسلحة نووية قصيرة المدى وأقل قوة في نزاع إقليمي مع الصين أو روسيا، وفق تقرير نقلته شبكة NBC News عن مصادر مطلعة على المراجعة الجارية داخل وزارة الدفاع الأميركية.
ولا تعني المراجعة أن واشنطن اتخذت قرارًا باستخدام السلاح النووي أو أنها تستعد لضربة وشيكة، لكنها تكشف تحولًا مقلقًا في التفكير العسكري الأميركي: من التعامل مع الترسانة النووية أساسًا بوصفها أداة ردع لمنع حرب كبرى، إلى دراسة كيفية توظيف بعض الأسلحة النووية فعليًا داخل حرب محدودة، مع محاولة إبقاء التصعيد دون مستوى تبادل الضربات الاستراتيجية الشاملة.
وتأتي الأنباء بالتزامن مع مراجعة نووية يجريها البنتاغون لتقييم حجم القوات الاستراتيجية الأميركية والحاجة إلى تطوير قدرات نووية إضافية مخصصة لمسارح العمليات الإقليمية. وكان مسؤولون في وزارة الدفاع قد أبلغوا الكونغرس في مارس/آذار 2026 بأن المراجعة ستتناول احتمالات إضافة أنظمة نووية إقليمية، في ظل ما تصفه واشنطن بتنامي التهديد المتزامن من روسيا والصين.
ماذا تعني الأسلحة النووية التكتيكية؟
يُستخدم مصطلح «النووية التكتيكية» عادة لوصف أسلحة أقل قوة وأقصر مدى من الصواريخ الاستراتيجية العابرة للقارات، ويمكن إطلاقها من طائرات أو صواريخ ميدانية أو منصات بحرية ضد قوات عسكرية أو قواعد أو موانئ أو مراكز قيادة داخل مسرح حرب محدد.
لكن وصفها بأنها «صغيرة» أو «محدودة» قد يكون مضللًا. فحتى السلاح منخفض القوة يمكن أن يقتل أعدادًا هائلة من المدنيين، وينشر الإشعاع، ويدمر مدنًا أو منشآت حيوية، فضلًا عن احتمال دفع الطرف المقابل إلى رد نووي أوسع. والفرق بين التكتيكي والاستراتيجي يتعلق أساسًا بالمهمة والمدى، لا بكون أحدهما آمنًا أو قابلًا للاستخدام دون عواقب كارثية.
وتملك روسيا، وفق تقديرات أميركية، ما يصل إلى نحو ألفي رأس نووي مخصص لأنظمة إقليمية، وهو عدد يفوق بكثير المخزون الأميركي من الأسلحة غير الاستراتيجية. وتخشى واشنطن من أن تستخدم موسكو ضربة نووية محدودة إذا واجهت هزيمة عسكرية كبيرة، ثم تراهن على أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي سيتجنبان التصعيد إلى حرب شاملة.
لماذا الصين وروسيا معًا؟
كانت الاستراتيجية النووية الأميركية خلال الحرب الباردة موجهة أساسًا لمعادلة الاتحاد السوفيتي. أما اليوم، فتقول واشنطن إنها تواجه للمرة الأولى قوتين نوويتين كبيرتين في الوقت نفسه.
روسيا تملك أكبر ترسانة نووية في العالم، وتواصل تحديث صواريخها وغواصاتها وقدراتها النووية الإقليمية. أما الصين، فقد وسعت ترسانتها بوتيرة سريعة، وقدّر البنتاغون أنها تجاوزت 600 رأس عامل بحلول منتصف 2024، مع توقعات أميركية بارتفاعها إلى أكثر من ألف بحلول 2030.
وتخشى الولايات المتحدة من سيناريوهين رئيسيين:
- الأول، حرب في أوروبا تبدأ تقليدية ثم تلجأ فيها روسيا إلى سلاح نووي محدود لوقف تقدم قوات خصومها أو فرض تسوية.
- والثاني، نزاع حول تايوان أو غرب المحيط الهادئ، تجد فيه القوات الأميركية نفسها أمام قواعد صينية محصنة، وأعداد كبيرة من الصواريخ التقليدية، وقدرات متطورة لمنع الوصول البحري والجوي.
وفي هذا السياق، قد يرى بعض المخططين أن وجود خيارات نووية منخفضة القوة يجعل التهديد الأميركي أكثر قابلية للتصديق من التهديد برد استراتيجي شامل، لأن الخصم قد يشك في استعداد واشنطن للمخاطرة بتدمير مدنها دفاعًا عن قاعدة أو حليف بعيد.
من الردع إلى مفهوم «الحرب النووية المحدودة»
المشكلة الأساسية في هذا التوجه هي أنه يفترض وجود إمكانية لاستخدام سلاح نووي ثم التحكم في الخطوات اللاحقة. ويُعرف هذا التفكير بمفهوم «إدارة التصعيد»: أي استخدام ضربة محدودة لإجبار الخصم على التراجع بدل دفعه إلى رد شامل.
يقول المدافعون عن هذا المفهوم إن عدم وجود خيار نووي محدود يترك الرئيس الأميركي أمام اختيارين غير مقنعين: عدم الرد، أو شن حرب نووية استراتيجية واسعة. لذلك يرون أن تنويع الترسانة يعزز الردع ويمنح واشنطن استجابة متناسبة.
أما منتقدوه فيحذرون من أن زيادة الخيارات تجعل استخدام السلاح النووي أكثر احتمالًا، لأنها تخفض الحاجز النفسي والسياسي الذي منع استخدامه منذ هيروشيما وناغازاكي. كما أن الطرف الآخر قد لا يعرف أن الضربة محدودة، أو قد يفسر إطلاق صاروخ على أنه بداية هجوم أوسع، خصوصًا عندما تحمل بعض المنصات رؤوسًا تقليدية ونووية معًا.
وقد تناولت دراسات حديثة هذا الخلاف، محذرة من أن افتراض إمكانية «الفوز» في حرب نووية محدودة قد يؤدي إلى سوء حسابات كارثي، لأن كل طرف قد يتوقع أن يتراجع الآخر، بينما يستعد في الواقع للتصعيد.
نهاية مرحلة ضبط التسلح
تأتي المراجعة في توقيت بالغ الخطورة بعد انتهاء معاهدة نيو ستارت في فبراير/شباط 2026، وهي آخر اتفاقية رئيسية كانت تضع سقوفًا على الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة لدى الولايات المتحدة وروسيا، وتوفر عمليات تفتيش وآليات تبادل معلومات.
ومع انتهاء المعاهدة، تراجعت مستويات الشفافية والقيود المتبادلة، بينما لا تخضع الترسانة الصينية لأي نظام مماثل. ويخشى خبراء الحد من التسلح من أن يؤدي ذلك إلى سباق ثلاثي مفتوح، لا تكتفي فيه الدول بزيادة أعداد الرؤوس، بل تطور أسلحة أسرع وأصغر وأكثر مرونة في الاستخدام.
وكانت إدارة بايدن قد أقرت في 2024 توجيهات نووية سرية أعطت أهمية متزايدة للصين، مع تأكيد البيت الأبيض حينها أن الخطة لم تكن موجهة إلى دولة واحدة. أما المراجعة الحالية فتبدو، وفق التقارير، أكثر تركيزًا على الأسلحة المخصصة للاستخدام الإقليمي، لا على الردع الاستراتيجي وحده.
هل الاقتراب من الاستخدام يعني اقتراب «الشتاء النووي»؟
ليس بالضرورة أن يؤدي استخدام سلاح نووي تكتيكي واحد تلقائيًا إلى شتاء نووي عالمي. الشتاء النووي هو سيناريو مناخي يرتبط عادة باحتراق واسع للمدن ودخول كميات ضخمة من السخام إلى طبقات الجو العليا، ما قد يخفض درجات الحرارة ويضرب الزراعة عالميًا.
لكن الخطر الحقيقي هو سلسلة التصعيد. فضربة واحدة قد تؤدي إلى رد مماثل، ثم هجمات على قواعد ومراكز قيادة، ثم إلى توسيع قائمة الأهداف وصولًا إلى المدن والقوات الاستراتيجية. وعند هذه المرحلة يصبح احتمال نشوء آثار مناخية عالمية، ونقص غذاء واسع، وانهيار اقتصادي وحضاري، أكثر واقعية.
لذلك، فإن العبارة التي ترى أن «الشتاء النووي هو النهاية المنطقية» تعبّر عن تحذير مشروع من المسار، لكنها ليست نتيجة حتمية لكل استخدام نووي محدود. الأدق أن يقال إن دمج الأسلحة النووية التكتيكية في خطط الحرب الإقليمية يزيد خطر الانتقال من صراع محدود إلى تبادل نووي واسع قد تكون له نتائج مناخية وإنسانية عالمية.
ماذا تريد واشنطن من المراجعة؟
يمكن تلخيص أهداف المراجعة الأميركية في أربع نقاط:
- توفير خيارات رد على استخدام روسي أو صيني محدود.
- طمأنة الحلفاء في أوروبا وآسيا إلى أن المظلة النووية الأميركية ما تزال قابلة للتطبيق.
- تعويض التفوق الروسي في الأسلحة النووية غير الاستراتيجية.
- الاستعداد لعالم نووي ثلاثي يضم الولايات المتحدة وروسيا والصين، بدل المعادلة الثنائية القديمة.
لكن هذه الأهداف تحمل تناقضًا جوهريًا: فالولايات المتحدة تقول إنها تريد تعزيز الردع ومنع الحرب، بينما توسع في الوقت نفسه قائمة الأسلحة والسيناريوهات التي يمكن استخدام السلاح النووي فيها.
الدلالة الأوسع
الأخطر في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ليس مجرد تطوير رأس نووي جديد، بل تغير اللغة التي تحيط بالسلاح النووي. فعندما يبدأ صناع القرار في الحديث عن سلاح «قابل للاستخدام»، و«ضربة محدودة»، و«تصعيد يمكن التحكم فيه»، يتحول النووي تدريجيًا من المحرم الأخير إلى أداة عسكرية ضمن مجموعة الخيارات.
وهذا التحول لا يقتصر على واشنطن. روسيا وسعت شروط الاستخدام في عقيدتها، والصين تزيد حجم ترسانتها واستعدادها، وكوريا الشمالية تعمل على أسلحة تكتيكية، بينما تتصاعد داخل دول مثل كوريا الجنوبية واليابان نقاشات بشأن ردع نووي مستقل أو مشاركة نووية أوسع.
النتيجة هي أن العالم ينتقل من استقرار نووي ثنائي هش لكنه منظم نسبيًا، إلى نظام متعدد القوى، أقل شفافية، وأكثر اعتمادًا على الصواريخ السريعة والإنذار المبكر والذكاء الاصطناعي. وفي مثل هذا النظام، قد لا تبدأ الكارثة بقرار متعمد لإفناء العالم، بل بإنذار خاطئ أو تفسير سيئ أو اعتقاد كل طرف بأنه يستطيع استخدام قنبلة واحدة وإجبار خصمه على التراجع.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.



