fbpx
الشرق الأوسطتحليلات

المسارات المستقبلية للعلاقات الإسرائيلية السعودية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

تظهر القراءة اليومية لوسائل الإعلام ومراكز البحث الإسرائيلية أن الموضوع السعودي بات جزءا لا يتجزأ من متابعاتها، سواء في قراءة المشهد السعودي داخليا من جهة، ومن جهة أخرى خارطة العلاقات السعودية الإقليمية والدولية، ومن جهة ثالثة مستقبل العلاقات السعودية الإسرائيلية، في جانبيها العلني السري، ومختلف مجالاتها: الأمنية والسياسية والاقتصادية.يبدو مهماً التأكيد على أن أساس التقارب بين تل أبيب والرياض هو دافعهما المشترك في وقوفهما ضد المشروع النووي الإيراني، وربما ينطبق المثل العربي القائل أن “توضيح الواضحات من الفاضحات” على العلاقات بين الرياض وتل أبيب، لاسيما في ظل ما تشهده من تنامي وانكشاف أكثر من ذي قبل، خلال العامين الأخيرين بالذات، مما رفع الحجاب عن قضايا كانت مستورة إلى وقت قريب، ولم يكن الحديث فيها متاحا ومسموحا، على الأقل في ضوء عدم امتلاك أحدنا لمعلومات دقيقة وملموسة تثبت هذا التعاون السعودي الإسرائيلي، حتى ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أسابيع قنبلته السياسية بالقول أنه “لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة”.

فيما دأب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على المفاخرة بأن لدى إسرائيل شبكة علاقات قوية مع عدد من الدول العربية، من بينها السعودية، التي تربطها بإسرائيل مصالح مشتركة على رأسها تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، وزيادة تأثيرها على عدد من دول الشرق الأوسط.

يعتقد الإسرائيليون على اختلاف مشاربهم السياسية وتوجهاتهم الفكرية، أن دور السعودية أكبر من أن يتم إخفاؤه في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، والحاجة لزيادة الاتصالات الإسرائيلية بها، واتضح ذلك جليا بحديث وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو حين دافع عن الحلف الأمريكي السعودي، رغم مقتل الصحفي جمال خاشقجي، لأن المملكة تساعد في الحفاظ على استقرار المنطقة والوضع في الشرق الأوسط.

في المقابل، يعبر المسار الإسرائيلي السعودي عن قلقه من فتور المسار الموازي بين واشنطن والرياض بسبب مقتل الصحفي جمال خاشقجي، لأن هذا الفتور قد يضر بالعلاقات القائمة بين الرياض وتل أبيب، وبالتالي فإن البرود القائم اليوم بين السعودية والولايات المتحدة قد يلقي بظلال سلبية على معارضة السعودية لصفقة القرن، وبجانب ذلك قد تؤثر على مواصلة الاتصالات السعودية الإسرائيلية، وربما تعمل على وقفها.

مع العلم أن مقتل خاشقجي قابله حتى الآن صمت إسرائيلي مطبق، رغم أن الموقف الرسمي ما زال يؤمن برواية السعودية حول مقتله، ولأن التهديد الإيراني يحتل أولويات إسرائيل، فمن الطبيعي أن تكون القضايا الداخلية السعودية أقل أهمية بالنسبة لها، حتى أن الوزراء وأعضاء الكنيست والمسئولين بوزارة الخارجية، كلهم تقريبا اختفوا فجأة، ولم يعقبوا على الحادثة، باستثناء تصريح لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حول انزعاجه من مقتل خاشقجي، وفي الوقت ذاته حرصه على العلاقات مع السعودية.

تزامنا مع قضية خاشقجي، نشرت وسائل الإعلام العالمية خبر لقاء قائد هيئة الأركان الإسرائيلي غادي آيزنكوت بنظيره السعودي فياض الرويلي في مؤتمر بالولايات المتحدة، مما يؤكد أن التقييم الإسرائيلي يتمحور حول أن الصراع مع إيران يتفوق على أي اعتبار لديها، فالأمن القومي الإسرائيلي يتصدر جدول اهتماماتها، فيما قضايا السعودية الداخلية أقل أهمية لديها، حتى ترامب يعلم تمام أن الديمقراطية بإمكانها الانتظار.

لكن اللافت أن قضية خاشقجي أعادت إلى الأذهان أن إسرائيل وجدت نفسها عدة مرات في الجانب الخاطئ من التاريخ، من أهمها تحالفها السابق مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، حين كانت إسرائيل معزولة في العالم، وتريد أي إسناد، واليوم تتحالف مع السعودية المتهمة بقتل أحد مواطنيها بهذه الصورة البشعة.

كما أن العامين الأخيرين شهدا وصول العلاقات السعودية الإسرائيلية مستويات من الذروة غير المسبوقة، مع تقارير تحدثت عن زيارة عدد من المسئولين السعوديين إلى إسرائيل، ولقاء جمع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، مما يعني أن العداء المتزايد بين إيران والسعودية زاد من الدفء في علاقات الأخيرة مع إسرائيل.

كما أن القمة الأمنية في العقبة الأردنية العام المنصرم بحضور رئيس جهاز الموساد يوسي كوهين مع نظرائه من الدول العربية، تؤكد الأنباء المتواترة عن نشوء علاقات سرية بين إسرائيل والسعودية، استمراراً للكشف عن لقاء سابق جمع رئيس الموساد الراحل مائير داغان مع نظيره السعودي، واجتماع آخر لرئيس الحكومة الأسبق إيهود أولمرت مع الأمير السعودي بندر بن سلطان الرئيس السابق لجهاز المخابرات السعودية.

الجديد في القراءات الإسرائيلية لمستقبل العلاقات مع السعودية، خروج أصوات إسرائيلية متزايدة ترى أنه منذ سنوات طويلة تقيم إسرائيل علاقات مع دول الخليج العربي بصورة سرية، على رأسها السعودية، وحان الوقت لإعلان عنها بصفة رسمية، لأن الآونة الأخيرة شهدت تلقي العديد من الإسرائيليين موجة من الابتسامات من جانب السعودية، قليل منها تجد طريقها لوسائل الإعلام، لكن المتابع يرى ويقرأ جملة مقالات تبدي تعاطفا مع إسرائيل تنشرها من حين لآخر صحف سعودية.

كما أن العديد من رواد شبكات التواصل السعوديين لا يترددون في إقامة علاقات واتصالات مع إسرائيليين عبر مواقع فيسبوك وتويتر وغيرهما، بعضهم يتحدث العبرية بصورة معقولة، تعلموها في جامعات المملكة، وتجلى ذلك في التهاني بالأعياد اليهودية الأخيرة التي أرسلت من داخلها.

بل إن بعض الكتاب السعوديين، زعموا أن السعودية لن تقف على طول الخط ضد إسرائيل، بل ستدعمها في حال هاجمت قوات إيرانية في سوريا، وهنا يمكن التنبؤ أن هؤلاء حصلوا على ضوء أخضر من جهات سعودية عليا، ويعني أننا أمام روح جديدة تسري في المملكة.

لا تتجاهل إسرائيل “الرسمية” ما تقرأه وتسمعه في السعودية، فنتنياهو يردد في خطاباته عن تفهمه لمخاوف السعودية من إيران، ما يعني أننا أمام عهد جديد من العلاقات الإسرائيلية مع الأصدقاء الجدد في المنطقة، مع أن نتنياهو حين يتحدث عن آفاق جديدة تفتح أمام إسرائيل في المنطقة، لا يقصد رؤية السياحة الإسرائيلية في البحرين، أو أكاديميين إسرائيليين في دبي الإماراتية، أو صحفيين إسرائيليين بشوارع أربيل العراقية، بل يقصد أن المسئولين من الجانبين الإسرائيلي والسعودي يجرون نقاشات ومداولات مهمة في أطر مغلقة.

تتزايد هذه الدعوات حول ضرورة الحديث المباشر بين تل أبيب والرياض، وإقامة علاقات واتصالات ثنائية، باعتبارها جزءا من واقع جديد تشهده المنطقة، وعنصرا محوريا في علاقات إسرائيل الخارجية في المنطقة، ولعل الشخصية الأهم في إسرائيل التي تحدثت بصراحة ووضوح هو يوفال شتاينيتس عضو المجلس الوزاري المصغر ووزير الطاقة، الذي اعترف بوجود هذه العلاقة في لقاء مع إذاعة الجيش الإسرائيلي قبل أشهر، حيث قال: “تتفهم إسرائيل رغبة السعودية بإبقاء علاقاتهما خلف الكواليس لعدم إثارة الرأي العام العربي والسعودي، لكنها اليوم 2019 باتت دولة مؤثرة في الجوانب: التكنولوجية، الاقتصادية، الاستخبارية، العلمية، والدبلوماسية، والعديد من دول المنطقة تسعى للتقارب معها، ومنها السعودية، ولذلك على إسرائيل أن تطلب من الدول العربية الراغبة بإيجاد علاقات معنا أن تكون علنية، وفوق الطاولة، وإلا فلن يحصلوا على ما يطلبونه منا”.

لعل من المؤشرات الخطيرة في تنامي العلاقات السعودية الإسرائيلية، أنه في الوقت الذي تم تشييع فيه عشرات الشهداء الفلسطينيين في غزة يوم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، لم تخرج كلمة واحدة من السعودية!

أخيرا.. فإن الإسرائيليين يقرأون في شبكات التواصل العديد من المنشورات السعودية التي تنتقد الفلسطينيين، وتتهمهم بأنهم أذرع إيرانية، وبتنا نرى أوساطا سعودية من النخب الثقافية أكثر إيجابية تجاه إسرائيل، ولعل خطاب المندوب السعودي في الأمم المتحدة خلال جلسة إدانة حماس عبرت عن الروح السائدة في الرياض تجاه إسرائيل، حين أدان إطلاق القذائف الصاروخية الفلسطينية تجاه المستوطنات الإسرائيلية، ولم يأت على ذكر القصف العدواني الإسرائيلي على المدنيين في غزة [1].


[1] الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close