قلم وميدان

عسكر مصر وحصار غزة: الأنفاق والخنادق

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر 2016 تم رصد قيام قوات الجيش المصري بحفر برك مائية جديدة على الشريط الحدودي الممتد مع قطاع غزة، حيث قامت الحفارات بتجريف وحفر مساحات من الأراضي قبل أن يتم غمرها بالمياه، وقامت إحدى الصفحات الخاصة بالوضع في سيناء بنشر صور لتلك الحفارات أثناء قيامها بالعمل، قبل أن يتم لاحقاً إيقاف الصفحة من على موقع التواصل الاجتماعي الـ Facebook .

ليستكمل النظام العسكري المصري طريقه في مسألة هدم الأنفاق التجارية، والتى كان من أثرها ما حدث 28 شهر نوفمبر 2016، حيث نشرت جريدة الوطن (1) المصرية خبر نقل عن موقع “قدس برس” يتحدث عن فقدان 4 عمال فلسطينيين داخل أحد الأنفاق التجارية على الحدود المصرية ـ الفلسطينية.

 

بداية الأزمة:

البداية كانت في شهر يناير 2006 حيث شكل فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي بواقع 76 مقعدًا من أصل 132، مفاجأة ثقيلة للنظام المصري والعربي والغربي، ورغم محاولات حركة حماس بعدها تشكيل حكومة ائتلاف وطني موسعة تشمل جميع القوى والفصائل الفلسطينية، إلا أنها لم تنجح، لتنفرد حركة حماس بتشكيل أول حكومة لها في مارس 2006، مع تسمية إسماعيل هنية رئيساً لوزرائها.

ولكن في ظل الضغوط العربية والصهيونية، تم إعادة تشكيل حكومة وحدة وطنية في مارس 2007 بعد اجتماعات بين محمود عباس وإسماعيل هنية، وتم الاتفاق على اسناد حقيبة الداخلية لهاني القواسمي كشخصية مستقلة، ولكن وزير الداخلية هاني القواسمي فشل في إعادة الانضباط للشارع الداخلي الفلسطيني خصوصاً في قطاع غزة في ظل تدخلات محمد دحلان مستشار الأمن القومي لمحمود عباس، لينتهي الأمر في يونيو 2007 باشتعال الأوضاع وسيطرة حركة حماس على كامل قطاع غزة وإعلان ما يسمى بالحسم العسكري.

ويتم فرض حصار اقتصادي بعدها، كان أكثره إيلاماً ما تم فرضه من قبل النظام المصري حينها، والذي لم يكن من ضمن توقعاته أن تكون له حدود مشتركة مع قطاع غزة تحت حكم إدارة ذات توجهات إسلامية صريحة تنتمي فكرياً لجماعة الإخوان المسلمين المؤسسة بمصر، وكان من أبرز مظاهر الحصار هو غلق معبر رفح البري ورفض استقبال المسئوليين الفلسطينيين التابعين لحركة حماس.

وفي ظل هذه الأوضاع تعاظم دور الأنفاق بين الحدود المصرية الفلسطينية في منطقة رفح والتى كانت تستخدم بشكل أساسي في مسائل نقل السلع والبضائع لقطاع غزة، ليتعاظم دورها في ظل الأزمة الإقتصادية التى يعاني منها قطاع غزة، ليتزايد عدد الأنفاق التجارية في ظل غض الطرف من قبل النظام المصري عنها كمتنفس يمنع انفجار الأوضاع، وكورقة ضغط يتم التعامل بها مع حركة حماس ومع الكيان الإسرائيلي. وهكذا صارت الأنفاق رئة تنفس يعتمد عليها جزء من سكان قطاع غزة.

 

أزمة الأنفاق:

يظن البعض ان أزمة الأنفاق التجارية هي وليدة اللحظة، ولكن حقيقة الأمر أن بداية مواجهة الأنفاق كان في عهد النظام العسكري التابع للرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، والذي رغم أنه كان يغض الطرف عن الكثير من الأنفاق التجارية كورقة ضغط يتم التعامل بها. لكنه تحت الضغوط الإسرائيلية الأمريكية بدأ في انشاء جدار من الفولاذ على الحدود مع قطاع غزة مدعوم من ساحل البحر الأبيض المتوسط بأنبوب ضخم لضخ المياه يمتد لمسافة عشرة كلم، هدفه جعل التربة رخوة والقضاء على إمكانية حفر الأنفاق من هذه المنطقة، وكان هذا الجدار سيزود بأنبوب ضخم يمتد من ساحل البحر الأبيض المتوسط لمسافة عشرة كلم ويتفرع من هذا الأنبوب إلى باطن الأرض عدد كبير من الأنابيب بقطر ست بوصات مثقوبة من كل الجهات وبعمق ثلاثين مترا (2).

ولكن بعد أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، تم التوقف عن هذه الخطة، لتُستأنف بشكل جديد بعد أحداث الثالث من يوليو 2013، ومجىء النظام العسكري الحالي وتنمية علاقات شراكة استراتيجية مع الكيان الإسرائيلي، حيث بدأ نظام الانقلاب في النظر إلى الأنفاق كسلاح تركيع لحركة حماس في قطاع غزة، في ظل رغبته في انهاء وجودها بشكل عملي في القطاع.

ويظهر هذا بوضوح فيما ذكرته الدبلوماسية الإسرائيلية السابقة لدى القاهرة “رون فرسمان ليندا” عن حجم الشراكة المصرية الإسرائيلية حيث قالت: “إن النظام المصري تعامل مع جماعة الإخوان المسلمين  وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) على أنهما عدواه الأساسيان” (3)، وهو ما يظهر أيضاً في تصريح الخبير العسكري الإسرائيلي “يوآف ليمور”، والذي ذكر أيضاً: “أن إسرائيل ترى في مصر شريكاً حتى لو التزمت الصمت ولم تردد ذلك، لأن لديهما مصالح مشتركة من شأنها المحافظة على استقرار المنطقة، في ظل تهديدات مشتركة تتمثل أحداها بحركة المقاومة الإسلامية   (حماس) في قطاع غزة (4).

وقد قام النظام العسكري المصري بالعمل على تفريغ الشريط الحدودي من الناحية المصرية من السكان مع تدمير منازلهم، مع البدء في حفر خندق يتم ضخ مياه البحر الأبيض المتوسط فيه، ثم القيام بحفر خندق بطول الشريط الحدودي ليتم ضخ مياه البحر الأبيض المتوسط فيه، مما أدى لإنهيارات في التربة في المناطق الحدودية من قطاع غزة، وتحديداً في منطقة حي السلام ومنطقة شرق معبر رفح، وسط تحذيرات من سلطة المياه الفلسطينية في قطاع غزة من أن حفر السلطات المصرية لقناة مائية على الحدود مع القطاع، من شأنه أن يشكل “تهديدا خطيرا على الأمن القومي المائي للمصريين والفلسطينيين على حد سواء، لاشتراكهم في الخزان الجوفي ذاته (5).

الدلالات:

النظام المصري الحالي لم يكتف فقط بتشديد الحصار على قطاع غزة عبر إغلاق معبر رفح لفترات طويلة ومنع عبور احتياجات القطاع مما يساهم في تفاقم الأوضاع الإنسانية بالداخل بشكل مأساوي، بل عمد أيضاً وعكس نظيره السابق محمد حسنى مبارك إلا محاولة القيام بإغلاق جميع الأنفاق التجارية على الجانب المصري من الحدود.

وجاء نظام السيسي، ليقوم بإغلاق جميع الأنفاق لتشديد الخناق على حركة حماس وافقادها شعبيتها نتيجة تدهور الأحوال الاقتصادية والمعيشية، كما شرع في إنشاء قناة مائية وقام بضخ مياه البحر بها، يدعمه في ذلك وضع إقليمي ودولي يصب في صالحه، وأيضاً عدم استقرار سياسي فلسطيني داخلي في ظل صراع داخل حركة فتح بين محمود عباس رئيس السلطلة وبين محمد دحلان الطامح في رئاسة كرسيه.

وفي ظل هذا أرى أن هناك عدد من الخطوات المتوقعة في المرحلة القادمة: استمرار الضغط الاقتصادي على قطاع غزة في ظل حكومة حماس، لدفع الحاضنة الشعبية لقبول أى حل فلسطيني آخر يتم دعمه إقليمياً، في سبيل تحسن الأوضاع المعيشية لسكان القطاع، وزيادة النشاط الإغاثي الذي تمارسه زوجة محمد دحلان وجمعيات خيرية تابعه له داخل القطاع، مع استمرار الدعم الإماراتي المصري لصالح محمد دحلان، والرغبة الإسرائيلية الظاهرة في أن يكون هو الرئيس القادم لحركة فتح، تقوية وتدعيم البنية التحتية والشبكات العاملة لصالح محمد دحلان في قطاع غزة، لساعة الحسم، وفي المقابل تراجع الحالة السياسية الإقليمية المساندة لحركة حماس.

وبناء عليه فإن عامل الوقت حتى الآن يسير في صالح فريق محمد دحلان، حيث أنه في حالة وفاة محمود عباس تواجه حركة فتح تشرذم لايستطيع رأبه حالياً سوى محمد دحلان، أيضاً وصول قوى يمينية أو معادية للإسلام السياسي ومساندة للكيان الإسرائيلي لسدة الحكم في أكثر من دولة غربية، ردة في بلدان ثورات الربيع العربي لصالح أنظمة ديكتاتورية ترغب في انهاء حكم حركة حماس وتواجدها في قطاع غزة، التلويح بدعم عسكري عربي ضد حركة حماس في حالة مجىء محمد دحلان على رأس السلطة في فتح ورفض حماس ترك قطاع غزة. وهنا قد تكون المطالبة بالأسير مروان البرغوثي كرئيس لحركة فتح والعمل على تعزيز هذا، والعمل عليه شعبياً هو أحد أطواق النجاة في الفترة القادمة لصالح الشعب الفلسطيني (6).

—————————————-

الهامش

(1) – فقدان 4 عمال فلسطينيين على الحدود المصرية ـ الفلسطينية، الوطن

(2) – جدار مصر مدعوم بأنبوب من البحر، الجزيرة.

(3) – كاتبة إسرائيلية تنوه بعداء السيسي لحماس والإخوان، الجزيرة.

(4) – إسرائيل ترى في مصر شريكا حتى لو التزمت الصمت، الجزيرة.

(5) – الجيش المصري يستأنف عملية إغراق الحدود مع غزة، قدس برس.

(6) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *