من المؤثرين إلى «المواقع الإخبارية» والكتب.. شبكة تأثير رقمية إماراتية تتشكل حول سرديات موحدة من الخليج إلى أوروبا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
بين أواخر عام 2024 والأشهر الأولى من 2025، ظهر على منصات التواصل عدد من الوجوه الإماراتية الشابة بوتيرة لافتة؛ حسابات أُنشئت أو أعيد تنشيطها في فترة زمنية متقاربة، مقاطع مصورة بإنتاج متشابه، مقالات رأي في مواقع حديثة العهد، ثم مشاركات متكررة في مؤتمرات ومراكز أبحاث في لندن ونيويورك وواشنطن وجنيف. وبحلول منتصف 2025، كان عدد من هذه الأسماء قد أصدر كتبًا باللغة الإنجليزية، معظمها عبر دار النشر نفسها وخلال ثلاثة أشهر فقط.
ظاهريًا، تبدو هذه الأنشطة منفصلة؛ مؤثرون، مواقع إخبارية، كتب، مؤتمرات وشركة دعاية. لكن تتبع الروابط بينها يكشف بنية أكثر ترابطًا، تدور فيها مجموعة محدودة من الأسماء والمنصات حول مجموعة شبه ثابتة من القضايا: الإخوان المسلمون، الحرب في السودان، الهجرة والإسلام في أوروبا، إسرائيل، والاحتجاجات والحركات المدنية الغربية. وفي قلب هذه الدائرة يظهر بصورة متكررة اسم أمجد طه وشركته Crestnux Media.
لا توجد، في المقابل، أدلة علنية تثبت أن جميع هذه الشخصيات تعمل ضمن جهاز واحد أو تتلقى تعليمات من جهة حكومية، كما لا يعرف بصورة موثقة من يمول السفر والإنتاج والظهور الدولي لجميع أفراد المجموعة. ما هو قابل للتوثيق حتى الآن هو تزامن الظهور، وتكرار التعاون، وتشابك البنية الإعلامية والإعلانية، والتقارب الشديد في السرديات التي تنتقل بين الحسابات والمواقع والمنشورات.
ظهور متزامن
بدأت القصة الرقمية بصورة يصعب تجاهلها. سبعة من الحسابات التي تناولها تحقيق الباحث في التضليل الرقمي مارك أوين جونز أُنشئت على منصة X خلال ديسمبر/كانون الأول 2024 ويناير/كانون الثاني 2025، بينها حسابات روضة الطنيجي، ومريم المزروعي، وعبيد الزعابي، وعبدالقادر المنهالي، وميرا زايد، وماجد الساعدي. وفي حالات أخرى، لم تكن الحسابات جديدة، لكنها عادت إلى النشاط فجأة أو تغير أسلوبها ومضمونها في الفترة نفسها.
سرعان ما انتقل النشاط من المنشورات النصية إلى مقاطع فيديو ذات قالب بصري متقارب. ويظهر عدد من الشخصيات في استوديوهات تحمل الديكور نفسه تقريبًا، فيما يرتبط جزء من الإنتاج بمنصة OnePodcastAE التي ظهرت هي الأخرى في الفترة ذاتها واستضافت عددًا من أفراد المجموعة.
ثم بدأت الأسماء نفسها تظهر خارج الإمارات. ففي فبراير/شباط ومارس/آذار 2025 شارك عدد منها، برفقة أمجد طه في حالات عدة، في فعاليات في بريطانيا والولايات المتحدة، بينها مؤتمر Alliance for Responsible Citizenship في لندن، ومركز Pinsker في كامبريدج، وفعاليات في نيويورك وسان دييغو وجامعة جورجتاون، إضافة إلى لقاءات مرتبطة بمؤسسة Heritage. تكررت هذه المشاركات لاحقًا في جنيف ومناسبات أخرى، من دون إعلان واضح عن الجهة التي نظمت أو مولت جميع الرحلات.
الانتشار لم يكن قائمًا على الحضور وحده. تحليل منشورات عشرة من الحسابات أظهر تركيزًا استثنائيًا على مصطلحي «الإسلام» و«الإخوان المسلمين»، إلى درجة أن «Muslim Brotherhood» كانت أكثر العبارات المركبة تكرارًا في المحتوى الذي جرى تحليله. وامتدت هذه العدسة إلى ملفات لا ترتبط بالإخوان بصورة مباشرة، من السودان وغزة إلى الهجرة الأوروبية والاحتجاجات وحتى القضايا البيئية.
مواقع إخبارية ظهرت في التوقيت نفسه
بالتوازي مع صعود الحسابات، ظهرت مجموعة من المواقع ذات التصميم الإخباري والأسماء الغربية: The Washington Eye، Daily Euro Times، Brieflex، AfricaLix وInfoFlix.
أربعة من هذه النطاقات سُجلت في يوم واحد، الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بينما سُجل AfricaLix قبل ذلك بأسبوعين تقريبًا. كما أن حساباتها على X، باستثناء InfoFlix، أُنشئت خلال ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، أي في الفترة التي بدأت فيها حسابات المؤثرين بالظهور.
المواقع لا تتطابق تمامًا في مستوى التحرير أو طبيعة العمل. بعضها وظف محررين وكتابًا معروفين ونشر مقابلات ومقالات أصلية، لكن الجزء الأكبر من الإنتاج يقوم على تدفق مرتفع من المواد القصيرة أو العامة، مع بنية تحريرية محدودة أو غير واضحة. وفي حالة Daily Euro Times مثلًا، لا يزال الموقع يعرض قائمة لكتاب ومساهمين بأسمائهم، بينما تؤكد صفحة مهنية لمحرره السابق جاس أندرسون أنه شغل منصب رئيس التحرير بين ديسمبر 2024 ونوفمبر 2025 وعمل لدى Crestnux.
وتوفر بعض المواد المنشورة مثالًا مباشرًا على التقاطع في الخطاب. ففي يوليو/تموز 2025 نشر Daily Euro Times مقالًا لأحمد شريف العامري بعنوان عن «تمدد الإخوان المسلمين في أيرلندا»، يقدم فيه الجماعة باعتبارها شبكة تسعى إلى اختراق المؤسسات التعليمية والدينية والمدنية الأوروبية، ثم ينتقل إلى الدفاع عن النموذج الإماراتي في الفصل بين الدين والسياسة. المقال ما يزال منشورًا على الموقع.
أما Washington Eye فنشر مقالات لعدد من الشخصيات نفسها، بينها روضة الطنيجي، التي كتبت عن تحالف I2U2 الذي يضم الإمارات والهند وإسرائيل والولايات المتحدة. وتظهر صفحة المقال الأصلية اسمها بوضوح بوصفها الكاتبة.
المشكلة لا تكمن في وجود توجه سياسي للمواقع؛ فهذا أمر شائع في الإعلام. ما أثار الاهتمام هو استخدامها أحيانًا لإضفاء مظهر صحفي على ادعاءات يصعب توثيقها، ثم انتقال هذه الادعاءات إلى شبكات التواصل باعتبارها «تقارير منشورة».
أبرز مثال ورد في التحقيق يتعلق بخبر نشره Washington Eye في مايو/أيار 2025، زعم أن رئيس الوزراء الليبي حول 400 مليون دولار إلى تركيا وربط المسألة بالإخوان المسلمين. نُسبت القصة إلى اسمين لم يجد الباحث لهما سجلًا صحفيًا واضحًا، ثم اختفت المادة من الموقع بعد نفيها، بينما ظل أثرها متداولًا على X.
هذه الآلية هي ما يصفه باحثو التضليل بـ«غسل السردية»؛ لا يحتاج الادعاء إلى مؤسسة إعلامية كبيرة؛ يكفي أن يُنشر في موقع يحمل تصميمًا إخباريًا وعنوانًا ورابطًا، ثم يعاد تداوله من حسابات أخرى بوصفه مصدرًا مستقلًا.
أمجد طه وشركة Crestnux
في نقطة التقاء عدد من هذه المسارات يظهر أمجد طه، الذي يُعرّف في فعاليات عامة بصفته الرئيس التنفيذي لشركة Crestnux Media. وهذا الوصف ليس مستندًا فقط إلى التحقيق؛ فالموقع الرسمي لمؤتمر IDCT في أبوظبي قدم طه بهذه الصفة ضمن قائمة المتحدثين.
والشركة نفسها مسجلة في أبوظبي تحت اسم Crestnux Advertising and Marketing LLC منذ سبتمبر/أيلول 2024، وتشمل أنشطتها المسجلة تصميم وإنتاج الإعلانات والاستشارات الإعلامية والإعلانات الرقمية، بحسب بيانات تجارية منشورة تستند إلى سجلات غرفة تجارة أبوظبي.
الفاصل الزمني هنا لافت: تأسيس الشركة في سبتمبر 2024، ثم تسجيل عدد من المواقع الإعلامية في أكتوبر ونوفمبر، ثم إنشاء دفعة من حسابات المؤثرين في ديسمبر ويناير.
لكن الرابط الأهم ليس زمنيًا فقط.
تظهر بيانات مكتبة الإعلانات في غوغل، وفق التحقيق، أن Crestnux دفعت ثمن حملات إعلانية لصالح Washington Eye وDaily Euro Times خلال فبراير ومارس 2025. وهذه نقطة مالية مباشرة تربط شركة طه بمنصتين من المنصات التي نشرت محتوى لأفراد المجموعة.
كما تظهر علاقة تنظيمية أكثر وضوحًا في السيرة المهنية للمحرر السابق لـDaily Euro Times؛ إذ يصف وظيفته نفسها بأنها “Chief Editor at The Daily Euro Times, Crestnux”، وهو ما يقدم رابطًا يتجاوز مجرد شراء الإعلانات إلى علاقة مهنية بين الموقع والشركة على الأقل خلال الفترة التي عمل فيها هناك.
وتظهر الشركة أيضًا في نشاط المجموعة خارج الإعلام. ففي سبتمبر/أيلول 2025 زار وفد من 14 شخصًا رواندا تحت اسم Crestnux، ووصفت تغطية الزيارة المجموعة بأنها تضم «قادة رأي إماراتيين شباب» من مجالات السياسة والذكاء الاصطناعي والطب والمصارف والإعلام والزراعة، يقودهم أمجد طه. ويشير التحقيق إلى أن المجموعة سبق أن قامت برحلات مماثلة إلى الولايات المتحدة وأوروبا.
كل ذلك يجعل طه عقدة واضحة داخل الشبكة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أنه يدير كل حساب أو يحدد كل رسالة تصدر عنها. حتى التحقيق الأصلي يترك الدور الفعلي لـCrestnux، ومصادر التمويل، وطريقة اتخاذ القرارات التحريرية والإعلانية، أسئلة مفتوحة.
عندما يتحول الكتاب إلى أداة لبناء «الصفة»
الطبقة الأكثر غرابة في هذه المنظومة جاءت في النصف الثاني من 2025.
ثمانية من الأسماء المرتبطة بالدائرة أصدروا كتبًا خلال فترة قصيرة بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول، وجميعها تقريبًا عبر دار AuthorHouse، وهي منصة للنشر المدفوع والطباعة عند الطلب. التحقيق يلفت إلى التشابه الكبير في الأسلوب والبنية وغياب المراجع عن عدد من الكتب، ويرى أنها تحمل مؤشرات قوية على الاستعانة بنماذج لغوية في إنتاجها، لكن لا يوجد إثبات مستقل يتيح الجزم بأن الكتب كتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وجود الكتب نفسه قابل للتحقق. فـAuthorHouse تعرض بالفعل كتاب Andalusion لروضة الطنيجي، كما تعرض The Emirati Model لعبيد الزعابي، وكتاب From Falcon to Flag لأحمد شريف العامري، الذي صدر في يوليو/تموز 2025، إلى جانب عناوين أخرى لأفراد المجموعة.
والأهمية هنا ليست أدبية بقدر ما هي رقمية.
فمجرد صدور كتاب يجعل صاحبه يظهر في نتائج البحث بوصفه «مؤلفًا»، وتلتقط محركات البحث ونماذج الذكاء الاصطناعي هذه الصفة لاحقًا عند بناء ملفات تعريف الأشخاص. بذلك يمكن أن يتحول النشر نفسه إلى وسيلة لبناء سلطة رمزية قابلة لإعادة التدوير: مؤثر ينشر كتابًا، ثم يُقدم في مؤتمر بوصفه كاتبًا أو محللًا، فتتحول صفة اكتسبها عبر النشر المدفوع إلى أحد عناصر المصداقية في ظهوره اللاحق.
من الخليج إلى اليمين الأوروبي
الحلقة الأخرى في الشبكة تمتد باتجاه منظومة إعلامية يمينية في أوروبا.
يتتبع التحقيق علاقة عدد من هذه الشخصيات بمنصة Visegrad24 وشبكتها الشرق أوسطية Middle East 24، التي بدأت خلال 2025 في نشر واستضافة محتوى لعدد منهم. كما أجرى مؤسس Visegrad24 ستيفان تومبسون مقابلة مع أمجد طه، بينما تكرر في هذا الفضاء الإعلامي التركيز على الهجرة والإسلام السياسي والأمن الأوروبي والسرديات المؤيدة لإسرائيل.
التقاطع هنا لا يعني بالضرورة وجود غرفة عمليات مشتركة. الأوضح هو تقارب المصالح والخطاب: الرسائل المناهضة للإخوان والإسلام السياسي التي تنتج في السياق الخليجي تجد جمهورًا جاهزًا داخل قطاعات من اليمين الأوروبي القلقة من الهجرة والإسلام، فيما يتيح هذا اليمين بدوره للمعلقين العرب منصات غربية تعزز حضورهم وشرعيتهم.
وهكذا تتحرك السردية في الاتجاهين: خطاب ينتج أو يضخم في المنطقة، ثم يظهر في منصة أو مؤتمر غربي، وبعد ذلك يعود إلى الجمهور العربي وقد اكتسب صفة «الرأي الذي يناقش في واشنطن أو لندن».
التضليل لا يحتاج إلى «جيش إلكتروني» تقليدي
الأكثر أهمية في هذه القصة ليس إثبات وجود قيادة سرية واحدة بقدر ما هو شكل البنية التي تكشف عنها.
عمليات التأثير الحديثة لم تعد تحتاج بالضرورة إلى آلاف الحسابات الوهمية التي تنشر الجملة نفسها. يمكن بناء منظومة أكثر إقناعًا من وجوه حقيقية، ومواقع تبدو صحفية، ومقالات تحمل أسماء مؤلفين، ومؤتمرات حقيقية، وإعلانات مدفوعة، وكتب قابلة للشراء، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة حجم المحتوى وخفض تكلفة إنتاجه.
بهذه الطريقة لا تبدو الرسالة وكأنها صادرة من جهة واحدة. تظهر في البداية كرأي لمؤثر، ثم كمقال في موقع آخر، ثم يناقشها كاتب ثالث، أو يعاد تقديم صاحبها في مؤتمر بصفته مؤلفًا ومحللًا.
وهذا ما يجعل مفهوم «غسل السرديات» أكثر دقة من الصورة التقليدية للدعاية: المطلوب ليس فقط إقناع الجمهور بالمعلومة، بل بناء سلسلة من المراجع الظاهرية تجعل المعلومة تبدو وكأنها جاءت من مصادر مستقلة متعددة.
وتوفر إحدى القضايا مثالًا على خطورة هذه الآلية. ففي فبراير/شباط 2025، أطلق أمجد طه خلال مقابلة على GB News اتهامات ضد منظمة Islamic Relief تتعلق بتمويل الإرهاب. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه اعتذرت القناة رسميًا، وسحبت المواد، ودفعت تعويضات بعد إقرار أمام المحكمة بأن الادعاء كان غير صحيح.
هنا تصبح المسألة أكبر من اختلاف سياسي حول الإخوان أو الإمارات أو إسرائيل. فهي تتعلق بقدرة منظومة إعلامية منخفضة الكلفة على نقل الادعاء من حساب إلى موقع، ومن الموقع إلى شاشة تلفزيون أو مؤسسة غربية، قبل أن يخضع أصل الادعاء نفسه للفحص.
ولا يزال الجزء الحاسم من الصورة مجهولًا. لا يوجد حتى الآن دليل علني يحدد من يمول كامل الشبكة، أو يثبت أنها برنامج رسمي تابع للدولة الإماراتية، أو أن جميع أعضائها يتلقون تعليمات موحدة. كما أن التشابه في المواقف السياسية لا يكفي وحده لإثبات التنسيق. التحقيق نفسه يقر بأن دوافع الأفراد وعلاقاتهم المالية وآلية اتخاذ القرار داخل المنظومة لم تُحسم.
لكن ما يمكن توثيقه يظل ذا دلالة: حسابات ظهرت في توقيت متقارب، مواقع سجلت في الفترة نفسها، استوديوهات وفعاليات مشتركة، مقالات وسرديات تتكرر بين المنصات، شركة إعلانات ترتبط ماليًا وإداريًا بجزء من هذا النشاط، ودفعة من الكتب صدرت خلال أشهر قليلة لتضيف إلى أصحابها صفة المؤلف والخبير.
ليست هذه بالضرورة «حملة مركزية» بالمعنى التقليدي، لكنها تمثل نموذجًا لما يمكن أن تصبح عليه صناعة النفوذ في عصر الذكاء الاصطناعي: بدل شراء وسيلة إعلام كبرى، يمكن بناء عشرات الطبقات الصغيرة من المصداقية، وربطها ببعضها، ثم ترك الخوارزميات ومحركات البحث ومنصات التواصل تتولى إعادة إنتاجها.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.



