من “حرب القواعد” إلى “صيد الأهداف الثمينة”..
قراءة في تحليل الخبير العسكري الصيني دو وينلونغ لتحول العقيدة الإيرانية في مواجهة الولايات المتحدة

مقدمة
تشهد طبيعة الصراعات العسكرية الحديثة تحولًا عميقًا في طريقة إدارة الحروب، فلم تعد القوة العسكرية تقاس فقط بحجم القوات أو عدد المنصات القتالية التقليدية، وإنما بمدى قدرة الدولة على حماية منظوماتها الحيوية، وتعطيل شبكات خصمها، واستهداف مراكز الثقل التي تمنحه القدرة على اتخاذ القرار وإدارة العمليات.
وفي هذا السياق، قدم الخبير العسكري الصيني البارز دو وينلونغ تحليلًا استراتيجيًا لطبيعة التحول الذي طرأ على أسلوب إيران في إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة، معتبرًا أن طهران لم تعد تعتمد فقط على نمط استهداف القواعد العسكرية التقليدية، وإنما انتقلت إلى استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على الضربات الاستباقية، واستهداف الأهداف عالية القيمة، وتعطيل الشبكات العملياتية للخصم.
ويركز تحليل دو وينلونغ على فكرة أساسية مفادها أن إيران تحاول الانتقال من مرحلة الرد على الهجمات إلى مرحلة منع تشكل التفوق الأمريكي قبل اكتماله، وذلك عبر استهداف عناصر القوة الجديدة التي تعتمد عليها الولايات المتحدة، خصوصًا في مجال الأنظمة غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي، وشبكات القيادة والسيطرة.
وتكتسب قراءة الخبير الصيني أهميتها من كونها تأتي من زاوية مدرسة عسكرية صينية تهتم بشكل خاص بمفاهيم الحرب غير المتماثلة، والحرب الشبكية، وإضعاف الخصم عبر استهداف منظوماته بدلًا من الاشتباك المباشر مع قوته الرئيسية.
أولًا: من هو الخبير العسكري الصيني دو وينلونغ؟
يعد دو وينلونغ (Du Wenlong) أحد أبرز المحللين العسكريين الصينيين الذين يظهرون بصورة متكررة في وسائل الإعلام الصينية لتحليل القضايا العسكرية والاستراتيجية، وهو متخصص في الدراسات العسكرية وتفسير تطورات الصراعات الحديثة، خصوصًا ما يتعلق بالتكنولوجيا العسكرية، وتطور أساليب القتال، والتحولات في عقائد استخدام القوة.
ينتمي دو وينلونغ إلى المدرسة التحليلية الصينية التي تولي اهتمامًا كبيرًا بمفهوم الحرب المعلوماتية والشبكية، حيث ترى أن التفوق العسكري في القرن الحادي والعشرين لم يعد قائمًا فقط على امتلاك الأسلحة المتطورة، بل على القدرة على دمج المعلومات والاستخبارات والأنظمة غير المأهولة والقدرات الصاروخية في منظومة عملياتية واحدة.
وقد برز اسمه خلال السنوات الماضية في تحليل العديد من الصراعات الدولية، خاصة الحرب الروسية الأوكرانية، والتنافس العسكري بين الولايات المتحدة والصين، وتطورات الشرق الأوسط، حيث يركز عادة على كيفية تغير طبيعة الحرب نتيجة دخول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة كعناصر رئيسية في ميدان المعركة.
ومن هنا تأتي أهمية تحليله للمواجهة الأمريكية الإيرانية، إذ إنه لا ينظر إليها فقط باعتبارها مواجهة بين دولتين، وإنما باعتبارها نموذجًا لصراع بين نمطين عسكريين مختلفين: الأول يعتمد على التفوق التقليدي والتكنولوجي الأمريكي، والثاني يعتمد على استراتيجية الاستنزاف والحرب غير المتماثلة الإيرانية.
ثانيًا: نص تحليل الخبير الصيني دو وينلونغ
المحور الأول: إيران تنتقل من “حرب القواعد” إلى “صيد الأهداف الثمينة”
يقول الخبير العسكري الصيني دو وينلونغ:
“إيران تتبع ثلاثة نهج استراتيجية، أولًا الضربة الاستباقية، فإيران استهدفت الزوارق الأمريكية المسيرة للجيش الأمريكي التي جرى استخدامها للمرة الأولى بالإضافة إلى مركز الذكاء الاصطناعي، فإذا تم نشر هذه الأجهزة المسيرة في الخليج ونقاط أخرى وشنت هجومًا على بندر عباس وقواعد البحرية الإيرانية فقد يصير وضع الخليج مشابهًا لمصير البحر الأسود.
وإذا تم توظيف هذا الحجم الهائل من المعدات المسيرة وفق تكتيك الحرب اللامتماثلة “غير التقليدية” ضد الأهداف الساحلية الإيرانية فإنها قد تشكل تهديدًا كبيرًا، لذا فإن الاستباق ضد تدمير هذه الزوارق المسيرة ومراكز الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحول دون تحقيق الإجراءات الأمريكية اللاحقة ويكبح عملياتها بشكل وقائي.
وإذا ما لجأت أمريكا إلى مزيد من التوتر، فرغم أن أدوات الحرب التقليدية لا تزال قائمة، إلا أنه إذا طبقت أمريكا شبكاتها الذكية المسيرة ونفس الأساليب المستخدمة في معركة أوكرانيا بشكل كامل في الخليج فقد يصعب على إيران مواجهتها.
وعليه فإن ضرب هذه النقاط في الخطوة الأولى له دور فعال في تحييد تشكيل القدرات الجديدة والتكتيكات العملياتية الحديثة للعدو، وإذا تطورت هذه الحرب عبر الإجراءات العسكرية باتجاه (الأكرنة) فإن أمريكا لن تكون قادرة على تحملها وسيكون عامل الزمن لصالح إيران تمامًا.”
المحور الثاني: الهجوم الشبكي والمنظم
يقول دو وينلونغ:
“الهجمات الإيرانية الحالية المتعددة المحاور ليست إجراءات متفرقة أو عشوائية، بل استهدفت بدقة أهدافًا مثل مركز العمليات الخاصة الأمريكية في سوريا وقاعدة الدعم اللوجيستي في عمان وأنظمة الرادار في نقاط مختلفة.
وبالتالي فإن الهدف هو إضعاف القدرات الهجومية الأمريكية في آن واحد، سواء في مجال الاطلاع الاستخباراتي أو القدرات النيرانية أو الطبقات الدفاعية.
وحينئذ حتى لو عقدت أمريكا العزم على تكرار إجراءاتها خلال الأربعين يومًا الماضية، فإن شدتها وفعاليتها التشغيلية ستنخفض.”
المحور الثالث: الرد المتناظر ضد الأهداف عالية القيمة
يقول الخبير الصيني:
“فخلافًا للماضي حيث كانت إيران تستهدف القواعد الاعتيادية، فهي الآن تضع في دائرة أهدافها مراكز القيادة والمحطات الرادارية ونقاط الاختناق الاتصالية وشبكات القيادة الذكية، كلها في دائرة استهدافها.
وهذا يشير إلى أنه إذا نجحت الردود الاستراتيجية ضد الأهداف عالية القيمة وفعلت تأثيرها، فإنها يمكن أن تلعب دورًا محوريًا ومهمًا في كسر الهيمنة المطلقة.”
ثالثًا: القراءة العسكرية الاستراتيجية لتحليل دو وينلونغ
يمثل تحليل الخبير العسكري الصيني دو وينلونغ محاولة لقراءة التحول في طريقة تفكير إيران العسكرية خلال المواجهة مع الولايات المتحدة، حيث يرى أن طهران لم تعد تتعامل مع القوة الأمريكية وفق النمط التقليدي القائم على الرد على القواعد والمنشآت العسكرية بعد تعرضها للهجوم، وإنما بدأت في تبني مفهوم أكثر تعقيدًا يقوم على استهداف منظومات القوة التي تمنح الخصم قدرته على المبادرة وإدارة الحرب.
وهذا التحول يعكس أحد أهم دروس الحروب الحديثة، وهو أن السيطرة على ميدان المعركة لم تعد مرتبطة فقط بامتلاك أسلحة أكثر عددًا أو منصات أكثر تطورًا، وإنما بالقدرة على الحفاظ على تكامل المنظومة العسكرية بأكملها؛ بدءًا من الاستطلاع وجمع المعلومات، مرورًا بالقيادة والسيطرة، وصولًا إلى تنفيذ الضربات الدقيقة.
وبالتالي فإن ضرب مركز قيادة أو منظومة رادار أو شبكة اتصالات قد يكون في بعض الحالات أكثر تأثيرًا من ضرب قاعدة عسكرية تقليدية، لأن الهدف هنا ليس تدمير جزء من القوة، وإنما إضعاف قدرة الخصم على استخدام قوته بكفاءة.
1- التحول من استهداف القواعد إلى استهداف مراكز الثقل العملياتية
تعد الفكرة الأساسية في تحليل دو وينلونغ هي انتقال إيران – من مفهوم “حرب القواعد” إلى مفهوم “صيد الأهداف الثمينة”. وهي قراءة واقعية ودقيقة من خلال تتبع معدلات الاطلاق ونقاط الاستهدافات التي تستهدفها إيران.
في العقيدة العسكرية التقليدية، كان استهداف القواعد الجوية أو البحرية يمثل الهدف الرئيسي خلال النزاعات الكبرى، لأن تعطيل القاعدة يعني تقليل قدرة الخصم على إطلاق الطائرات أو تحريك القوات. لكن تطور طبيعة الحرب الحديثة أدى إلى تغير مفهوم “الهدف الحاسم”، فلم تعد القاعدة العسكرية وحدها هي مركز الثقل، بل أصبحت هناك منظومة مترابطة تضم:
(مراكز القيادة والسيطرة. شبكات الاتصالات العسكرية. أنظمة الاستطلاع والإنذار المبكر. الرادارات. مراكز تحليل المعلومات والذكاء الاصطناعي. منظومات الحرب الإلكترونية)
ولهذا فإن أي ضربة ناجحة ضد هذه العناصر قد تؤدي إلى إحداث تأثير يتجاوز حجم الضرر المادي المباشر، لأنها تضرب قدرة الجيش على الرؤية واتخاذ القرار والتنسيق والتنفيذ. وهنا يظهر مفهوم مهم في الحروب الحديثة وهو شلّ المنظومة قبل تدمير المنصات، أي أن الهدف ليس دائمًا تدمير الطائرة أو السفينة أو القاعدة، وإنما منعها من العمل بكفاءة.
2- الضربة الاستباقية: منع تشكل التفوق قبل اكتماله
يشير دو وينلونغ إلى أن إيران لجأت إلى الضربة الاستباقية من خلال استهداف الزوارق المسيرة ومراكز الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن الهدف هو منع الولايات المتحدة من بناء قدرة مستقبلية يمكن أن تستخدم ضد إيران. عسكريًا، يرتبط هذا المفهوم بمبدأ الحرمان العملياتي (Operational Denial)، أي حرمان الخصم من تطوير قدرة تمنحه تفوقًا في مرحلة لاحقة.
فالولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة ركزت بصورة متزايدة على استخدام الأنظمة غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي، والشبكات الذكية، باعتبارها جزءًا من مستقبل الحرب. وقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية أهمية هذه العناصر بصورة واضحة، حيث أصبحت الطائرات المسيرة والأنظمة البحرية غير المأهولة قادرة على تهديد قوات أكبر حجمًا وأكثر تقدمًا تقنيًا.
ومن هنا يأتي القلق الإيراني؛ فإيران تدرك أن دخول منظومات أمريكية غير مأهولة بكثافة إلى الخليج قد يمنح واشنطن قدرة إضافية على:
(مراقبة السواحل الإيرانية. استهداف المنشآت البحرية. متابعة تحركات القوات. تنفيذ عمليات دقيقة بتكلفة بشرية منخفضة) لذلك فإن ضرب هذه القدرات في مرحلة مبكرة يهدف إلى منع تحولها إلى عنصر حاسم خلال مرحلة التصعيد الحالي أو عند نشوب حرب شاملة بين الطرفين مجددًا.
3- إسقاط تجربة البحر الأسود “والأكرنة” على الخليج: هل يمكن أن يتكرر السيناريو؟
تكتسب الإشارة إلى تجربة البحر الأسود أهمية كبيرة في تحليل دو وينلونغ، لأنها تعكس تحولًا جوهريًا في طبيعة التهديدات البحرية الحديثة؛ فلم تعد القطع البحرية الكبرى، رغم قدراتها القتالية المتقدمة، بمنأى عن التهديد من قبل منظومات صغيرة منخفضة التكلفة قادرة على العمل ضمن مفهوم الحرب غير المتماثلة.
ففي البحر الأسود، أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية أن انتشار الطائرات المسيرة البحرية والجوية، إلى جانب الصواريخ المضادة للسفن، استطاع فرض قيود كبيرة على حركة القطع البحرية الروسية، وأجبرها على إعادة حساباتها العملياتية، رغم الفارق الكبير في القدرات التقليدية بين الطرفين.
ومن هذا المنظور، فإن إمكانية انتقال بعض ملامح هذا النموذج إلى الخليج ليست أمرًا مستبعدًا، بل قد تكون أكثر تعقيدًا بسبب طبيعة البيئة البحرية الخليجية نفسها. فانتشار القطع البحرية الأمريكية، والسفن الداعمة، والمنشآت اللوجستية في مياه الخليج قد يجعلها أمام تحدٍ متزايد من منظومة إيرانية تعتمد على الإغراق العددي، والضربات الدقيقة، والمفاجأة العملياتية.
فإيران لا تحتاج إلى امتلاك قوة بحرية تقليدية مماثلة للولايات المتحدة حتى تهدد وجودها البحري، وإنما يمكنها الاعتماد على مزيج من:
الزوارق السريعة المسلحة القادرة على الاقتراب من القطع البحرية الكبيرة في بيئة بحرية ضيقة.
الطائرات المسيرة البحرية والجوية القادرة على الاستطلاع وتنفيذ هجمات منخفضة التكلفة.
الصواريخ المضادة للسفن من الساحل أو المنصات المتحركة.
الحرب الإلكترونية لتعطيل منظومات الاتصال والاستطلاع والتوجيه.
وهنا تظهر معادلة الحرب غير المتماثلة؛ إذ تحاول إيران تحويل ميزان القوة من مواجهة بين منصات بحرية ضخمة عالية التكلفة وبين منظومات صغيرة موزعة ومنخفضة التكلفة، بحيث يصبح السؤال ليس قدرة الولايات المتحدة على تدمير هذه الوسائط، وإنما قدرتها على حماية كامل انتشارها البحري في بيئة جغرافية محدودة ومعقدة.
ففي حال نجحت إيران في دمج هذه الأدوات ضمن شبكة عملياتية واحدة تعتمد على الاستطلاع، وتحديد الأهداف، والهجوم المتزامن، فقد تصبح القطع البحرية الأمريكية أمام تحدٍ يشبه جزئيًا ما واجهته البحرية الروسية في البحر الأسود، حيث لم يكن الخطر ناتجًا عن قوة بحرية تقليدية منافسة، وإنما عن قدرة الخصم على اصطياد الأهداف عالية القيمة باستخدام وسائل غير متماثلة.
ومع ذلك، فإن المقارنة لا تعني تطابق الحالتين بالكامل؛ فبيئة الخليج تختلف عن البحر الأسود من حيث طبيعة الانتشار العسكري، وقدرات الاستطلاع والمراقبة التي تمتلكها واشنطن. لكن الدرس الأساسي من البحر الأسود يظل قائمًا: في عصر الحرب المسيرة والصواريخ الدقيقة، أصبحت القطع البحرية الكبرى تواجه تحديًا متزايدًا من خصوم يمتلكون وسائل أقل تكلفة وأكثر انتشارًا وقدرة على تنفيذ هجمات مفاجئة.
في سياق متصل، استخدم دو وينلونغ مفهوم “الأكرنة” في إشارة إلى إمكانية تحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة شبيهة بالحرب الروسية الأوكرانية، حيث تلعب الطائرات المسيرة والصواريخ والضربات المتبادلة دورًا رئيسيًا في إدارة المعركة وإبقاء حالة الاستنزاف مستمرة بين أطراف الصراع.
وهنا توجد نقطة مهمة؛ فإيران قد تستطيع بالفعل محاولة تحويل أي مواجهة مع الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف طويلة، فمن خلال قراءة الاستراتيجية الإيرانية الحالية، يتضح أنها تحاول أن تثبت بالنار للجانب الأمريكي أن إيران ليست مستعدة فقط للرد على الهجمات، وإنما جاهزة للدخول في مواجهة ممتدة ترفع تكلفة الحرب على منطقة الخليج ككل، وعلى المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وعلى الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة.
فإيران تدرك أن قدرتها على خوض حرب تقليدية شاملة مع الولايات المتحدة محدودة، لكنها في المقابل تمتلك أدوات الحرب غير المتماثلة التي تمكنها من إلحاق أضرار كبيرة بالخصم، سواء من خلال استهداف القواعد والمنشآت الأمريكية في المنطقة، أو تهديد حركة الملاحة في الخليج عبر استخدام ورقة مضيق هرمز، أو التأثير على خطوط التجارة والطاقة العالمية، بالإضافة إلى قدرتها على توسيع نطاق الصراع عبر حلفائها في مناطق أخرى، مثل البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما ظهر في استهداف جماعة الحوثي للسفن السعودية.
ومن ثم، فإن مفهوم “الأكرنة” الذي أشار إليه دو وينلونغ يعد مفهومًا دقيقًا في توصيف طبيعة الحرب التي قد تسعى إيران إلى فرضها، فهو لا يعني بالضرورة تكرار التجربة الأوكرانية بكل تفاصيلها، وإنما يشير إلى تحويل الصراع إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات، تعتمد على الصواريخ والمسيرات والهجمات غير المتناظرة، بهدف منع الولايات المتحدة من تحقيق حسم سريع ورفع تكلفة استمرار الحرب عليها وعلى حلفائها.
ولذلك، فإن تكرار هذا النموذج في منطقة الخليج يظل احتمالًا قائمًا إذا استمر الجانب الأمريكي في مواصلة عملياته العسكرية وتصعيده ضد إيران، حيث قد تجد واشنطن نفسها أمام حرب طويلة ومعقدة تختلف عن نمط الحروب التقليدية التي اعتادت خوضها.
4- الهجوم الشبكي: ضرب دورة القرار العسكري الأمريكي
يعد مفهوم “الهجوم الشبكي” أحد أهم النقاط في تحليل الخبير الصيني. ففي الحروب الحديثة، لا تعمل الوحدات العسكرية بشكل منفصل، وإنما ضمن شبكة مترابطة تعتمد على تدفق المعلومات بين:
(الأقمار الصناعية. الطائرات الاستطلاعية. الرادارات. مراكز القيادة. وحدات الإطلاق. أنظمة الدفاع) وبالتالي فإن إضعاف هذه الشبكة يمكن أن يؤدي إلى خفض فعالية القوة العسكرية حتى لو بقيت الأسلحة نفسها موجودة. فعلى سبيل المثال، قد تمتلك دولة عددًا كبيرًا من الطائرات والصواريخ، لكن إذا تعرضت شبكات الاتصال أو الاستطلاع للتعطيل فإن قدرتها على استخدامها تصبح أقل بكثير. ولهذا فإن الضربات التي تستهدف الرادارات ومراكز العمليات والقواعد اللوجستية لا تهدف فقط إلى إحداث خسائر مادية، بل إلى إبطاء دورة القرار العسكري وإجبار الخصم على العمل في بيئة أقل معلومات وأكثر غموضًا.
5- استهداف الأهداف عالية القيمة: استراتيجية تعويض فجوة القوة
تأتي النقطة الثالثة في تحليل دو وينلونغ، وهي الرد ضد الأهداف عالية القيمة، لتكشف جوهر الاستراتيجية الإيرانية المحتملة. فإيران تدرك أنها لا تستطيع الدخول في مواجهة تقليدية طويلة مع الولايات المتحدة على مستوى القوة الجوية والبحرية والتكنولوجية. لذلك تعتمد على استراتيجية مختلفة تقوم على: رفع تكلفة الحرب ومنع تحقيق نصر سريع واستهداف نقاط الضعف واستخدام أسلحة منخفضة التكلفة مقابل أهداف مرتفعة القيمة، وهذا يمثل جوهر الحرب غير المتماثلة.
فبدلًا من محاولة تدمير أسطول كامل، قد يكون الهدف هو تعطيل قطعة بحرية أو مركز قيادة أو منظومة اتصالات، لأن التأثير العملياتي الناتج قد يكون أكبر من حجم الضربة نفسها.
وهنا يظهر مفهوم “معادلة التكلفة غير المتكافئة”؛ حيث تحاول إيران جعل تكلفة العمليات الأمريكية أكبر من المكاسب العسكرية والسياسية المتوقعة.
أخيرًا: هل يمكن أن يكون عامل الزمن فعلًا لصالح إيران في مواجهة الولايات المتحدة؟
يمثل حديث دو وينلونغ عن أن “عامل الزمن سيكون لصالح إيران تمامًا” إحدى أكثر النقاط أهمية في تحليله، لأنها تتعلق بالسؤال المركزي في أي مواجهة بين قوة عظمى إقليمية وقوة عسكرية عالمية: من يستطيع تحمل حرب طويلة، ومن يستطيع فرض إيقاع المعركة؟
فإيران تبني جزءًا كبيرًا من استراتيجيتها العسكرية على فكرة أن منع الولايات المتحدة من تحقيق نصر سريع وإدخالها في حرب استنزاف ممتدة ، وهذا قد يكون بحد ذاته إنجازًا استراتيجيًا، لأن واشنطن تاريخيًا تواجه صعوبة في الحروب الطويلة ذات التكلفة المرتفعة سياسيًا واقتصاديًا.
تستند الاستراتيجية الإيرانية إلى عدد من المزايا التي تجعلها خصمًا صعبًا، رغم الفجوة في القدرات التقليدية بينها وبين الولايات المتحدة.
أولًا: العمق الجغرافي والبيئة العملياتية المعقدة
تمتلك إيران مساحة جغرافية واسعة، وتضاريس متنوعة تشمل الجبال والمناطق الصحراوية والسواحل الطويلة على الخليج وبحر عمان، وهو ما يمنحها قدرة على توزيع قواتها ومنشآتها وتقليل تأثير الضربات الجوية.
كما أن طبيعة الخليج نفسها تمنح إيران أدوات ضغط، خصوصًا بسبب قربها من الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية.
ثانيًا: ترسانة الصواريخ والطائرات المسيرة
تمثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة العمود الفقري للاستراتيجية الإيرانية. فإيران لا تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة في مجال الطائرات المقاتلة أو حاملات الطائرات، وإنما تعتمد على أسلحة يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة نسبيًا، وتستخدمها لاستهداف: القواعد العسكرية، المنشآت اللوجستية، مراكز القيادة، البنية التحتية الحيوية.
وهذا ينسجم مع مفهوم الحرب غير المتماثلة، حيث تستخدم قوة أقل حجمًا أدوات قادرة على إلحاق أضرار مؤثرة بالخصم،
بقراءة عسكرية، فإن الثبات الناري واعتماد مبدأ الرد بالمثل المباشر الذي تنتهجه قوات الحرس الثوري الإيراني يعكسان امتلاك إيران قاعدة صاروخية كبيرة ومتنوعة، ويُحسب لها أنها نجحت في بناء هذه القوة وتطويرها على مدار أكثر من أربعة عقود، رغم ما تعرضت له من حصار وعقوبات وضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية متواصلة. كما تشير قراءة معدلات الإطلاق الإيرانية عبر أكثر من مسرح عمليات إلى امتلاكها مخزونًا وقدرة إنتاجية تمنحها إمكانية خوض حرب استنزاف طويلة الأمد، على غرار ما شهدته المنطقة خلال حرب الخليج الأولى، إذا ما اقتضت الظروف ذلك.
إيران تبنّت، منذ سنوات، رؤية استراتيجية قائمة على الاستعداد المبكر للمواجهة، فعملت على تطوير الأدوات والقدرات التي رأت أنها ضرورية لمعادلة أعدائها، وفي مقدمتها القوة الصاروخية الفعالة، والطائرات المسيّرة، ومنظومات الإنتاج العسكري المحلية. وهذا يعكس أحد المبادئ الأساسية في بناء القوة الاستراتيجية للدول، وهو الاستثمار طويل المدى في القدرات التي تعزز الأمن القومي، وتوفر وسائل الردع، وتمنح صانع القرار خيارات أوسع في إدارة الصراعات وحماية المصالح الوطنية.
ثالثًا: القدرة على توزيع ساحات الضغط:
تمتلك إيران شبكة من الشركاء والحلفاء الإقليميين، وهو ما يمنحها قدرة على توسيع نطاق المواجهة وعدم حصرها في الجغرافيا الإيرانية فقط. وهذا يجعل الولايات المتحدة أمام تحدي التعامل مع بيئة عملياتية متعددة الجبهات، وهو أمر يزيد من تعقيد أي حملة عسكرية طويلة.
خاتمة:
تكمن أهمية تحليل الخبير الصيني ليس في أنه يكشف عن اتجاه مهم في تطور التفكير العسكري الإيراني. فإيران تدرك أنها لا تستطيع مواجهة الولايات المتحدة بمنطق القوة التقليدية، ولذلك تحاول بناء استراتيجية تقوم على ثلاثة مبادئ رئيسية:
أولًا: منع تشكل التفوق الأمريكي قبل اكتماله عبر الضربات الاستباقية.
ثانيًا: استهداف الشبكات ومراكز الثقل بدلًا من التركيز فقط على القواعد والمنشآت التقليدية.
ثالثًا: جعل الحرب طويلة ومكلفة بما يمنع الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية بسرعة.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد على عدة عوامل، أبرزها:
قدرة إيران على حماية منشآتها الحيوية.
قدرتها على الحفاظ على مخزون الصواريخ والطائرات المسيرة.
قدرتها على مواجهة التفوق الأمريكي في المجال الجوي والاستخباراتي.
قدرة الولايات المتحدة على تحمل حرب طويلة سياسيًا واقتصاديًا.
يعكس تحليل دو وينلونغ تحولًا مهمًا في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد المواجهة تدور فقط حول تدمير القوات، بل حول شل قدرة الخصم على استخدام قوته. فإيران لا تسعى إلى تحقيق تفوق عسكري تقليدي على الولايات المتحدة، وإنما إلى بناء قدرة ردع تجعل أي حرب معها مكلفة ومعقدة وغير قابلة للحسم السريع وشل قدرة أمريكا على استخدام قوتها.
وبذلك فإن المعركة الحقيقية خلال مرحلة التصعيد الجاري ليس بين الصواريخ والطائرات، وإنما بين شبكات القتال الأمريكية المتقدمة ومنظومة الحرب غير المتماثلة الإيرانية، وهو ما يجعل الصراع نموذجًا مهمًا لفهم شكل الحروب القادمة في القرن الحادي والعشرين.




