ترجمات

الدور المحتمل لمصر في مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا “إيميك”

قد تصبح البنية التحتية للطاقة في مصر جزءا من صميم خطط واشنطن للممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (إيميك IMEC فقد أقرت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي الأسبوع الماضي مشروع قانون يحظى بدعم الحزبين، ويدرج خط الربط الكهربائي المزمع إنشاؤه بين مصر واليونان (جريجي)، وعددا من مرافق الغاز الطبيعي المسال المصرية، ضمن حلقات الوصل الرئيسية لربط الهند بالخليج وأوروبا.

يحمل مشروع القانون اسم بوابة شرق المتوسط ويضع مصر واليونان وقبرص وإسرائيل كبوابة استراتيجية ضمن ممر إيميك، حيث يحدد عدة مشروعات، مثل خط جريجي وعدد من محطات الغاز الطبيعي المسال الإقليمية، ضمن منظومة البنية التحتية التي يمكن أن يرتكز عليها الممر. ويطرح التشريع المقترح الممر الاقتصادي كبديل استراتيجي لمبادرات البنية التحتية التي تدعمها الصين، ويسعى إلى إضفاء الطابع المؤسسي على الدعم الأمريكي لتعزيز الترابط في جميع أنحاء المنطقة.

يعزز التشريع الجديد الأهمية الاستراتيجية لمشروع جريجي والبنية التحتية للغاز الطبيعي المسال في مصر عبر وضعها ضمن رؤية واشنطن للممر، وهو ما يتيح لها دعما سياسيا، دون تخصيص تمويل مالي. لكن التشريع ما زال بحاجة إلى موافقة مجلسي الشيوخ والنواب بكامل هيئتيهما ليصبح قانونا نافذا.

تم الإعلان عن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) لأول مرة خلال قمة مجموعة العشرين التي عُقدت في نيودلهي في سبتمبر 2023، حيث يهدف الممر إلى ربط الهند ومنطقة الخليج وأوروبا عبر مزيج من الطرق البحرية والسكك الحديدية والبنية التحتية للطاقة والاتصالات الرقمية؛ ويُنظر إليه جزئياً كقوة موازنة لمشروع البنية التحتية الدولي الصيني، مبادرة الحزام والطريق (BRI).

وقد برز الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) كواحد من أكثر المبادرات الجيواقتصادية طموحاً في السنوات الأخيرة، مما يعكس الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة وشركاؤها لإعادة تشكيل التجارة والترابط عبر أوراسيا؛ حيث يسعى المشروع إلى إنشاء شبكة نقل وبنية تحتية حديثة تربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط.

ويرى الكثيرون من منتقدي المشروع أن هدفه الرئيس، إضافة إلى منافسة مبادرة الحزام والطريق الصينية، هو دمج إسرائيل مع المشاريع الإستراتيجية في المنطقة بما يتيح المزيد من التطبيع بينها وبين الدول العربية، ويزيد من الاعتماد عليها في مشاريع الممرات التجارية الدولية التي تشكل عصب الحياة الاقتصادية. بهذا يكون المشروع جزءًا من الرؤية الأمريكية الإسرائيلية للمنطقة في إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد.

ورغم أن مصر لم تكن من بين الدول الموقعة على المشروع، إلا أن نقاشات الكونجرس الأمريكي الأخيرة والتطورات الإقليمية تشير إلى أن القاهرة قد تلعب دوراً محورياً في المشروع مستقبلاً. حيث أعاد هذا الزخم إشعال النقاشات حول مكانة مصر المحتملة ضمن إطار مبادرة ممر شرق المتوسط ​​الأوسع على الرغم من حقيقة أن مصر لم تكن من بين الدول الموقعة الأصلية على المبادرة.

وقد سلطت الموافقة على تشريع من الحزبين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي الضوء بشكل أكبر على الأهمية الاستراتيجية لشرق المتوسط، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان بإمكان مصر أن تصبح في نهاية المطاف جزءاً من رؤية أمريكا حول هذا الممر، الذي ينظر إليه البعض جزئياً على أنه قوة موازنة لمشروع البنية التحتية الدولي الصيني، مبادرة الحزام والطريق (BRI)؛ وأنه طريق حرير عصري، يربط أسرع اقتصادات العالم نموًا على طول ممر من الازدهار المشترك والطاقة النظيفة والابتكار الرقمي – حيث تم تصميم الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا كطريق تجاري متعدد الوسائط يربط الهند ومنطقة الخليج وأوروبا، مرورًا بإسرائيل، من خلال مزيج من خطوط الشحن البحري والسكك الحديدية والبنية التحتية للطاقة والشبكات الرقمية.

ويتألف المشروع من جزأين رئيسيين: حيث سيربط الممر الشرقي الموانئ الهندية بموانئ الخليج عبر الطرق البحرية، بينما سيربط الممر الشمالي دول الخليج بأوروبا عبر خطوط السكك الحديدية وموانئ البحر الأبيض المتوسط. بالإضافة إلى البنية التحتية للنقل، تتضمن المبادرة ربط الكهرباء، وخطوط أنابيب الهيدروجين، وكابلات البيانات، وأنظمة لوجستية متطورة.

ويجادل مؤيدو المشروع بأن ممر النقل الدولي بين الهند وأوروبا (IMEC) يمكن أن يقلل بشكل كبير من أوقات النقل بين الهند وأوروبا، ويعزز مرونة سلسلة التوريد، ويوفر إطار ربط بديل لمبادرة الحزام والطريق الصينية. وإلى جانب الجوانب الاقتصادية، يُنظر إلى الممر أيضاً على أنه مشروع جيوسياسي يهدف إلى تعميق التعاون بين الولايات المتحدة والهند وأوروبا وشركاء رئيسيين في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل.

دعم الكونجرس

تلقى الزخم وراء الممر دفعة قوية في عام 2026 مع تقدم قانون بوابة شرق البحر الأبيض المتوسط في الكونجرس الأمريكي. ويهدف التشريع الذي قدمه السيناتوران كوري بوكر وديف ماكورميك، والذي يحظى بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إلى تعزيز البنية التحتية والتعاون في مجال الطاقة والترابط الاقتصادي في جميع أنحاء شرق البحر الأبيض المتوسط. ويشجع مشروع القانون الاستثمارات في الموانئ وشبكات النقل والبنية التحتية الرقمية وسلاسل التوريد الاستراتيجية التي يمكن أن تدعم تنفيذ مبادرة IMEC.

ويعكس إقرار لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ للتشريع الدعم المتزايد من الحزبين في واشنطن لتوسيع العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين الدول الواقعة على طول الممر المقترح. والأهم من ذلك، أن المناقشات في الكونجرس حول مشروع القانون قد أكدت بشكل متزايد على دور منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ​​الأوسع بدلاً من التركيز فقط على مسار IMEC الأصلي. وقد أدى هذا التحول بطبيعة الحال إلى دخول مصر في النقاش.

الغائب الحاضر

قد تبدو مصر للوهلة الأولى غائبة عن التصميم الأصلي لمشروع الممر الاقتصادي البحري الدولي (IMEC)؛ حيث يتجاوز المسار المقترح قناة السويس إلى حد كبير، وهو ما أثار تخوفات مصرية مشروعة حول التأثير السلبي للمشروع على المرور في القناة، حيث سيتم نقل البضائع من الهند إلى موانئ الخليج، ثم عبور شبه الجزيرة العربية بالسكك الحديدية، والوصول إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط، ومن ثم مواصلة الرحلة إلى أوروبا بحراً. وبسبب هذا التكوين، نظر بعض المراقبين في البداية إلى مشروع الممر الاقتصادي البحري الدولي (IMEC) كمنافس محتمل لقناة السويس، التي تُعد من أهم الأصول الاقتصادية لمصر ومصدراً رئيسياً لعائدات العملات الأجنبية. إلا أن الواقع أكثر تعقيداً.

وعلى الرغم من استبعادها من الخريطة الأصلية للمشروع، فإن مصر لا تزال من أهم الدول استراتيجياً في التجارة العالمية. فقناة السويس لا تزال بمثابة شريان مائي حيوي يربط آسيا بأوروبا، ولا يمكن لأي مبادرة إقليمية كبرى للربط أن تتجاهل المزايا الجغرافية لمصر إلى أجل غير مسمى. ومع تزايد تركيز صانعي السياسات على المرونة والتكرار في سلاسل التوريد العالمية، تطرح الولايات المتحدة من خلال مشروع القانون، أن دور مصر قد يصبح مكملاً لدور مبادرة الربط البحري الدولي (IMEC) بدلاً من منافس له. ويطرح مقدمو مشروع القانون عدة عوامل لسبب تزايد الاهتمام بمصر في النقاشات الدائرة حول الممر:

أولاً، تُسيطر مصر على قناة السويس، إحدى أهم الممرات التجارية الحيوية في العالم. ورغم أن الممر الدولي للطاقة البحرية (IMEC) يهدف إلى إنشاء طريق بديل، يتفق الخبراء عموماً على أنه لا يُمكنه أن يحل محل حجم وكفاءة التجارة البحرية التي تمر عبر القناة بشكل كامل.

ثانياً، برزت مصر كلاعب رئيسي في قطاع الطاقة في شرق المتوسط. فقد استثمرت بكثافة في البنية التحتية للغاز الطبيعي، وشبكات الكهرباء، ومشاريع الطاقة المتجددة، مما جعلها مركزاً إقليمياً محتملاً للطاقة. وبما أن ربط الطاقة يُشكل ركيزة أساسية للممر الدولي للطاقة البحرية، فإن البنية التحتية المصرية القائمة قد تُصبح ذات أهمية متزايدة لهذه المبادرة.

ثالثاً، أدى تركيز واشنطن المتزايد على شرق المتوسط ​​إلى توسيع قائمة الدول التي تُعتبر مهمة لنجاح الممر على المدى الطويل. وقد شملت المناقشات الأخيرة في الكونجرس الأمريكي مصر إلى جانب اليونان وقبرص وإسرائيل والهند، كجزء من شبكة استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الربط الإقليمي وأمن الطاقة.

وأخيراً، أبرزت التطورات الجيوسياسية أهمية التنويع في خيارات النقل والدعم اللوجستي. فقد عززت الاضطرابات في البحر الأحمر، وعدم الاستقرار في أجزاء من الشرق الأوسط، والمخاوف المستمرة بشأن سلاسل التوريد العالمية، الحاجة إلى خيارات نقل ولوجستيات متعددة. وتوفر موانئ مصر ومناطقها الصناعية وبنيتها التحتية للنقل إمكانيات يمكن أن تُكمّل الممر مع تطوره.

المشاركة المصرية المحتملة:

لماذا إذن، طبقًا لمقدمي القانون، يكون الدور المحتمل لمصر مهم لهذا المشروع؟ فعلى الرغم من أن مصر من غير المرجح أن تصبح ممر العبور المركزي، كما هو مُخطط له في المخطط الأصلي لمشروع ممر النقل البحري الدولي (IMEC)، إلا أن هناك عدة مسارات ممكنة للمشاركة:

– فأحد السيناريوهات يتمثل في أن تعمل مصر كمركز لوجستي مُكمّل، مُرتبط بشبكات التجارة التابعة لمشروع ممر النقل البحري الدولي عبر موانئها المتوسطية ومناطقها الصناعية.

– وثمة احتمال آخر يتمثل في التعاون في مجال الطاقة. إذ يُمكن لمصر أن تلعب دوراً هاماً في مشاريع نقل الكهرباء، ومبادرات الهيدروجين الأخضر، وبنية تصدير الطاقة الأوسع نطاقاً التي تربط شمال أفريقيا وشرق المتوسط ​​وأوروبا.

– وهناك سيناريو ثالث يتمثل في التوسع التدريجي للممر بما يتجاوز تصميمه الأولي. فمع تطور مشروع ممر النقل البحري الدولي، قد تُشجع الحقائق الاقتصادية والجيوسياسية الدول المشاركة على دمج البنية التحتية المصرية في المراحل المستقبلية للمشروع.

الخلاصة

يبدو لنا أنه من ضمن الأهداف الرئيسية لمشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا المزيد من دمج إسرائيل في المنطقة العربية من خلال الرؤية الأمريكية الإسرائيلية للشرق الأوسط الجديد، وذلك بتكريس المزيد من المصالح الاقتصادية بينها وبين باقي دول المنطقة.

وعلى الرغم من أن مصر في الوقت الراهن لا تزال خارج هيكل المشروع، إلا أن الجهود التشريعية الأمريكية الأخيرة والتركيز المتزايد على شرق المتوسط ​​يشير إلى أن واشنطن تحاول أن توحي بشكل متزايد أنها تنظر إلى القاهرة كشريك إقليمي مهم، حيث يمكن لموقعها الاستراتيجي ومواردها في مجال الطاقة وبنيتها التحتية اللوجستية أن تسهم في نجاح الممر على المدى الطويل. يبدو لنا أن ذلك التوجه مدفوع بالأساس بالاعتراضات المصرية على المشروع لما سيكون له من أثار سلبية على المرور في قناة السويس، ولذلك ظهر هذا الاقتراح كجزرة تلقى لمصر لتحقيق بعض المصالح الفرعية من المشروع مقابل الصمت وعدم الاعتراض عليه.

وبدلاً من أن يكون الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا بديلاً لقناة السويس، فقد يتعايش المشروع في نهاية المطاف مع شبكات التجارة المصرية القائمة، مما يمكنه من خلق نظام أكثر ترابطاً من الطرق يربط بين الهند والشرق الأوسط (بما فيها إسرائيل) وأفريقيا وأوروبا. وإذا تحقق هذا الدمج للبنية التحتية المصرية في الممر، فقد تبرز مصر كركيزة أساسية في بنية الربط الأوسع التي تسعى الولايات المتحدة وشركاؤها إلى بنائها، في إطار تصورها الأهم للشرق الأوسط الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى