ترجمات

هل تستطيع اليابان إيقاف الصين؟

في 27 مايو 2026، قدم سيمون ويسلر، وهو صانع محتوى ومقدم برامج بريطاني شهير على يوتيوب، معروف بظهوره في العديد من القنوات والبودكاست التي تغطي التاريخ والجريمة والشؤون العالمية، في على قناة WarFronts التي يبثها على موقع يوتيوب، حلقة هامة يناقش فيها إمكانية أن تتخذ اليابان خطوات حقيقية على طريق مواجهة تنامي الهيمنة الصينية، متسائلاً عما إذا كانت اليابان تستطيع إيقاف الصين، عدوها القديم، في أي حروب قد تنشب مستقبلاً.

والمعروف أن قناة ”WarFronts” هي قناة تبث على موقع يوتيوب، حيث تقدم سلسلة من الحلقات المتعمقة، يستكشف فيها مواضيع متنوعة بسياقها الكامل، وتحليلاتها المفصلة، وسردها القصصي الغني، كما تقدم موجز أسبوعي حول الصراعات التي تشكل العالم. وتتناول القناة الصراعات العسكرية الماضية والحاضرة، والحروب الحديثة، والعوامل الجيوسياسية الكامنة وراءها.

والحلقة التي تم بثها في السابع والعشرين من مايو 2026، جاءت بعنوان: “هل تستطيع اليابان إيقاف الصين؟”، حيث تناول سيمون ويسلر فيها إمكانية أن تتخذ اليابان خطوات حقيقية على طريق مواجهة تنامي الهيمنة الصينية، متسائلاً، “هل تستطيع اليابان إيقاف الصين في أي صراع مستقبلي؟”، حيث يحاول ويسلر في هذه الحلقة الهامة استكشاف “توازن القوى المتفجر الذي يشكل مستقبل آسيا، من التوترات العسكرية المتصاعدة إلى الأسلحة المتطورة والتحالفات في المحيط الهادئ”.

يبدأ سيمون ويسلر هذه الحلقة بتقديم عرض سريع لمقال نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، في الثاني عشر من مايو 2026 للبروفيسور ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، يحذر فيه من أن صعود الصين، على الأقل في آسيا، كان يبدو حتميًا. 

كما يجادل د. والت في مقاله بمجلة فورين بوليسي بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الذي قدّم المنطقة بأسرها للصين على طبق من فضة، من خلال سلسلة من القرارات التي اتخذها عندما تولى السلطة، في فترته فترته الرئاسية الثانية، بما في ذلك: الانسحاب من المنظمات الدولية، وفرض تعريفات جمركية على جميع دول العالم تقريبًا، وبدء الحرب في على إيران، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود ومنتجات هامة أخرى  عالمياً. 

ويقتبس ويسلر من أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد ستيفن والت قوله: “لقد فعل ترامب كل ما قد يفعله أي شخص يرغب بوعي تام في أن تحل الصين محل الولايات المتحدة وتؤسس لها موقعًا مهيمنًا في منطقتها المجاورة مباشرةً“.

ويقول ويسلر: “إن والت ليس الوحيد الذي حذر من صعود الصين. فقد قدم كيشور محبوباني، الدبلوماسي السنغافوري الذي شغل منصب رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أطروحة مماثلة لسنوات، بما في ذلك في كتابه “هل انتصرت الصين؟“. 

ويضيف: “لكن ما يجعل هذه اللحظة جديرة بالذكر بالاعتبار هو أن جزءًا كبيرًا من السياسة الخارجية الأمريكية تجاه آسيا كان قد تَشكَّل بفعل الحاجة إلى وقف صعود الصين، أو على الأقل تأخير ذلك. والتخلي عن هذا الهدف سيكون ربما أكبر تحول في سياسة فريق دونالد ترامب حتى الآن”. 

ويجادل ويسلر بأن أفضل أمل للمنطقة حاليًا قد يكمن في “اليابان”، الشمس الصاعدة والقوة العسكرية السابقة، تلك الدولة الجزرية التي تصغر عن الصين بخمس وعشرين مرة. وفي هذا الصدد، يقول ويسلر: “على مدى سنوات عديدة، اضطرت العديد من الحكومات الآسيوية إلى قبول التجارة والاستثمارات الصينية في البنية التحتية، وفي الوقت نفسه محاولة مقاومة النفوذ الصيني وحماية نفسها من العدوان الصيني المحتمل.” 

فعلى سبيل المثال، ورغم الخلافات بين مانيلا وبكين في بحر الصين الجنوبي، تُعد الصين أكبر شريك تجاري لمانيلا. كما تُعد الفلبين نقطة ارتكاز رئيسية في مبادرة الحزام والطريق الصينية، حيث تم إنشاء العديد من المشاريع البنية الأساسية، بما في ذلك مطار سانجلي بوينت الدولي وجسر بيناندو إنتراموروس، بتمويل وخبرة صينية.  

وإزاء ذلك، تحاول طوكيو بالفعل إتاحة خيار “طوكيو أو بكين” للدول الآسيوية بدلاً من خيار “بكين أو بنية تحتية متداعية”، وذلك من خلال مبادرات مثل “باور آسيا”. “ولكن ربما يكون أفضل ما يُمكن أن تفعله طوكيو هو جمع دول المنطقة الأخرى في تحالف على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو) قادر على التصدي للعدوان الصيني. 

ويشير ويسلر إلى أن “الإطار لذلك موجود بالفعل. فقد عززت اليابان علاقاتها العسكرية مع جميع دول المنطقة تقريباً. ومع انفتاح صناعتها الدفاعية على الأعمال التجارية، فمن المؤكد أن هذه العلاقات ستتعزز أكثر. ومعظم هذه الدول مرتبطة بالفعل، بدرجات متفاوتة، باتفاقياتها الدفاعية الثنائية مع الولايات المتحدة.”

وفي النهاية، يخلص ويسلر إلى أنه على الرغم من التحول العسكري والدبلوماسي الملحوظ الذي شهدته اليابان خلال العقد الماضي، إلا أنها لا تزال بعيدة كل البعد عن القدرة على مجاراة الصين بشكل مباشر. وبدلاً من ذلك، فقد يكون المسار الأكثر واقعية أمام اليابان لتحقيق النجاح هو بناء تحالف إقليمي يوفر للدول الآسيوية بديلاً عن الهيمنة الصينية. 

ولكنه يتساءل: “هل توجد الإرادة السياسية لتأسيس مثل هذا التحالف؟“، مستدركاً بأن أي دولة تُلمّح فقط إلى الانضمام إلى تحالف كهذا أو تشكيله ستواجه مستويات غير مسبوقة من المضايقات الصينية؛ وفي أسوأ الأحوال، قد ترفض الصين حتى التعامل التجاري معها. ولكنه يرى أنه “مع ذلك، قد يكون هذا ثمنًا يستحق الدفع لإنشاء تحالف قادر على مواجهة الصين بفعالية. لأنه لا تستطيع دولة واحدة، مهما بلغت قوتها، أن تفعل ذلك بمفردها، على الأقل في آسيا”.

وفيما يلي نستعرض بالتفصيل هذا المحتوى الهام الذي قدمه سيمون ويسلر حول هذا الطرح بشكل مجمل وشامل، وذلك على النحو التالي:

في هذه الحلقة التي بثها سيمون ويسلر في السابع والعشرين من مايو 2026 تحت عنوان: “هل تستطيع اليابان إيقاف الصين؟” على قناة ”WarFronts” على منصة يوتيوب، يتناول صانع المحتوى ومقدم البرامج البريطاني الشهير سيمون ويسلر تحولاً جيوسياسياً محتملاً بدأت معالمه تتكشف في شرق آسيا، وهو: احتمال بروز اليابان كقوة إقليمية رائدة قادرة على مواجهة النفوذ الصيني المتنامي، بشكل ما، في وقت تبدو فيه الإدارة الأمريكية الحالية أقل التزاماً باحتواء بكين. 

وعلى الرغم من أنه على مدى عقود، استند التوازن الاستراتيجي في آسيا على افتراض أن الولايات المتحدة تبقى القوة العسكرية المهيمنة في المحيط الهادئ، وستمنع أي منافس من تحقيق الهيمنة الإقليمية، إلا أن هذا الافتراض أصبح موضع تساؤل مؤخراً. فوفقًا لتقرير “وور فرونتس”، يعتقد عدد متزايد من المحللين أن التحولات الأخيرة في السياسة الخارجية الأمريكية قد أتاحت للصين فرصًا لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء آسيا. فبينما يبدو أن واشنطن منشغلة بشكل متزايد بشؤونها الداخلية والصراعات في أماكن أخرى من العالم، تُعزز بكين باستمرار موقعها العسكري والاقتصادي والدبلوماسي في المنطقة.

ومع ذلك، يُشير التقرير إلى أن صعود الصين لا يمر دون تحدٍّ. فبينما قد تتراجع الولايات المتحدة عن دورها القيادي التقليدي، تبرز دولة أخرى هناك للقيام بدور هام في هذا الصدد، وهي: اليابان. فبعد أن كانت اليابان مُقيدة بدستور سلمي تم إقراره بعد الحرب، وتعتمد اعتمادًا كبيرًا على الحماية الأمريكية، فإنها تشهد اليوم أحد أهم التحولات الاستراتيجية في تاريخها الحديث، من خلال الإصلاحات العسكرية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وعقد شراكات أمنية جديدة، وإطلاق مبادرات اقتصادية. كما أن طوكيو تسعى في الوقت نفسه إلى بناء تحالف إقليمي قادر على مقاومة الهيمنة الصينية. فهل ستنجح اليابان في ذلك؟

يبدأ التقرير بتسليط الضوء على أطروحات قدمها عدد من المفكرين الجيوسياسيين البارزين الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة قد أضعفت موقعها في آسيا. إذ يرى البروفيسور ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، في مقال نشرته له مجلة فورين بوليسي الأمريكية أن القرارات الأمريكية الأخيرة، بما في ذلك الانسحاب من المؤسسات الدولية، وفرض تعريفات جمركية على الحلفاء والمنافسين على حد سواء، والانخراط المتزايد في صراعات الشرق الأوسط، قد عززت، دون قصد، موقف الصين. 

ووفقًا لذلك، فعلى الرغم من أن السياسة الخارجية الأمريكية قد أمضت عقودًا في محاولة منع الصين من أن تصبح القوة المهيمنة في آسيا، إلا أن الإجراءات الأخيرة يبدو أنها قوضت هذا الهدف من خلال الإضرار بالعلاقات مع الحلفاء وتقليل الثقة في التزام واشنطن طويل الأمد تجاه المنطقة.

كما يعضد ويسلر هذا الرأي بالاستشهاد بالدبلوماسي السنغافوري كيشور محبوباني، الذي شغل منصب رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في كتابات عديدة، من بينها كتابه، “هل انتصرت الصين؟“. حيث جادل محبوباني كثيراً بأن صعود الصين قد يثبت في نهاية المطاف أنه لا يمكن إيقافه. وإذا كان النفوذ الأمريكي يتراجع بالفعل، فإن العبء الاستراتيجي لموازنة الصين يقع بشكل متزايد على عاتق القوى الإقليمية نفسها؛ ومن بين هذه القوى، تبرز اليابان كأكثر المرشحين قدرةً على ذلك.

اليابان

يقول التقرير إنه خلال معظم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حافظت اليابان على دورٍ سلبي نسبيًا فيما يخص الشؤون الأمنية الإقليمية. حيث كان جيشها مقيدًا بقيود دستورية، واعتمد دفاعها الوطني بشكل كبير على التحالف الأمريكي الياباني. وقد خدم هذا الترتيب اليابان جيدًا طوال فترة الحرب الباردة وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين. إلا أن المخاوف المتزايدة بشأن التوسع العسكري الصيني والغموض الذي يكتنف الالتزامات الأمريكية المستقبلية دفعت القادة اليابانيين إلى إعادة النظر في نهجهم. وجاءت نقطة التحول في عهد رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي Shinzo Abe.

ففي عام 2015، أصدرت حكومة شينزو آبي تشريعًا يسمح لليابان بالانخراط في أشكال محدودة من الدفاع الجماعي عن النفس. وقبل هذا التغيير، لم يكن بإمكان القوات اليابانية استخدام القوة العسكرية إلا في حالة تعرض اليابان نفسها لهجوم مباشر. لكن التشريع الجديد سمح بالتدخل (خارج الحدود) عندما تهدد الهجمات على الدول الحليفة بقاء اليابان. وأثار التشريع جدلًا داخليًا حادًا، حيث اعتبره النقاد تآكلًا خطيرًا لتقاليد اليابان السلمية، بينما جادل المؤيدون بأنه يعكس واقع بيئة أمنية متزايدة الخطورة. ولكن في نهاية المطاف، تم إقرار تلك الإصلاحات التشريعية وأصبحت أساسًا لتحول عسكري أوسع. 

وبعد عامين، قام آبي بإلغاء الحدّ غير الرسمي الذي فرضته اليابان لفترة طويلة على الإنفاق الدفاعي، والذي كان يقيد النفقات العسكرية بنحو واحد بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم أن هذا الحدّ لم يكن ملزمًا قانونًا، إلا أنه كان يرمز طويلًا إلى التزام اليابان بضبط النفس العسكري. حيث فتح إلغاؤه الباب أمام زيادات كبيرة في الاستثمار الدفاعي.

كما شهدت السنوات اللاحقة مزيدًا من الإصلاحات بهذا الشأن. حيث أنشأت اليابان لواء الانتشار السريع البرمائي، وهي قوة متخصصة مصممة للدفاع عن الجزر النائية واستعادتها. وقد فُسِّر إنشاء هذه الوحدة على نطاق واسع على أنه ردّ على التوترات مع الصين بشأن الأراضي المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي.

كما بدأت طوكيو بتحويل مدمراتها من فئة إيزومو  Zumoلتشغيل طائرات إف-35 بي الشبحية المقاتلة. ورغم تصنيفها رسميًا كمدمرات، إلا أن التعديلات حوّلت هذه السفن فعليًا إلى حاملات طائرات خفيفة، لتكون بذلك أول سفن يابانية تمتلك هذه القدرات منذ الحرب العالمية الثانية. وشكلت هذه التطورات مجتمعة بداية عودة اليابان إلى الظهور كقوة عسكرية مؤثرة.

وبينما أطلق آبي شرارة النهضة العسكرية اليابانية، يشير التقرير إلى أن رئيسة الوزراء الحالية ساناي تاكايتشي Sanae Takaichi قد سرّعت وتيرتها بشكلٍ ملحوظ. وتولت تاكايتشي منصبها وسط تصاعد التوترات الإقليمية، واتبعت أجندة طموحة تهدف إلى تعزيز القدرات العسكرية اليابانية وتوسيع نفوذها الاستراتيجي. وكان من أبرز إصلاحاتها تخفيف القيود المفروضة على صادرات الدفاع. 

فعلى مدى عقود، كانت اليابان قد فرضت قيودًا صارمة على مبيعات الأسلحة في الخارج. وبموجب الإطار الجديد، بات بإمكان الشركات اليابانية تصدير الصواريخ والسفن الحربية وغيرها من المعدات العسكرية المتطورة إلى الشركاء الأجانب. ويحمل هذا التغيير تداعيات هائلة، فهو لا يُعزز صناعة الدفاع اليابانية فحسب، بل يُمكّن طوكيو أيضًا من تعميق العلاقات الأمنية في المنطقة من خلال تزويد الحلفاء بالتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.

وفي الوقت نفسه، رفعت تاكايتشي الإنفاق الدفاعي إلى ما يقارب 2% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعل اليابان أقرب إلى مستويات الإنفاق العسكري الشائعة بين أعضاء حلف الناتو. وتعكس هذه الإصلاحات تحولًا أوسع في الفكر الياباني، فبدلًا من الاعتماد كليًا على الولايات المتحدة في الأمن، تسعى طوكيو بشكل متزايد إلى أن تصبح عنصرًا فاعلًا في بناء الاستقرار الإقليمي.

وكان أهمّ جوانب استراتيجية اليابان المتطورة هو ما يتعلق بتايوان: حيث يسلط هذا التقرير الضوء على تصريحات لتاكايتشي أشارت إلى أن أي هجوم صيني على تايوان قد يُشكّل “وضعًا يُهدد بقاء” اليابان. وقد يُؤدي هذا التحديد إلى تفعيل قانون الدفاع الجماعي عن النفس الذي أُقرّ عام 2015، ويُبرّر التدخل العسكري الياباني. وبالنسبة للصين، يُمثّل هذا احتمالًا مُقلقًا للغاية.

ولكن تايوان تحتل مكانة محورية أيضاً في طموحات “بكين” الاستراتيجية. إذ ينظر القادة الصينيون إلى إعادة توحيد تايوان كهدف وطني أساسي، ويُعارضون بشدة أيّ تلميح إلى تدخل عسكري أجنبي. وبإشارتها إلى أن اليابان قد تُساعد تايوان خلال حدوث أزمة، تكون تاكايتشي قد تحدّت فعليًا إحدى أهمّ أولويات بكين الاستراتيجية.

ردّ الصين

يصف هذا التقرير الذي قدمه سيمون ويسلر على قناة ”WarFronts” على يوتيوب رد فعل الصين بأنه كان سريعاً ومتعدد الأوجه: 

  • فعلى الصعيد الدبلوماسي، اتهمت بكين اليابان بإحياء النزعة العسكرية ومحاولة تلميع جوانب من ماضيها الإمبراطوري. حيث تحمل هذه الاتهامات ثقلاً عاطفياً كبيراً على اليابان، نظراً للإرث التاريخي للاحتلال الياباني والفظائع التي ارتُكبت خلال الحرب في جميع أنحاء آسيا. 
  • وعلى الصعيد الاقتصادي، أفادت التقارير أن الصين قامت بتثبيط حركة السياحة إلى اليابان، كما فرضت قيوداً على واردات المأكولات البحرية منها، واستهدفت شركات يابانية معينة بضوابط تصدير. 
  • وعلى الصعيد العسكري، تصاعدت التوترات العسكرية بين الصين واليابان. حيث يشير التقرير إلى حوادث يُزعم فيها أن طائرات صينية قامت بتثبيت أنظمة الرادار الخاصة بها على طائرات يابانية (حيث تُوجّه الطائرات الصينية راداراتها نحو الطائرات اليابانية عن طريق التحوّل من نظام المراقبة القياسي إلى نظام رادار التحكم النيراني. حيث يُصدر هذا النظام شعاعًا مركّزًا عالي التردد لتتبّع الهدف باستمرار، مما يُفعّل إنذارات فورية بالتهديد في قمرة قيادة الطيارين اليابانيين)، مما أجبر المقاتلات اليابانية على التحليق مع التشويش (على الرادارات الصينية) رداً على ذلك.

وعلى الرغم من هذه الإجراءات من جانب الصين، لم تُبدِ رئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشي أي مؤشر يُذكر على التراجع عن موقفها. وبحسب التقرير، تشير استطلاعات الرأي العام بأن هناك دعم محلي كبير لموقفها الأكثر صرامة تجاه الصين.

التحالف 

يقول التقرير إن اليابان تُدرك جيداً أنها لا تستطيع منافسة الصين بمفردها. وبدلاً من محاولة مجاراة بكين بشكل مباشر، يبدو أن طوكيو تُركز على بناء شبكة من الشراكات القادرة على موازنة النفوذ الصيني. 

ومن أبرز التطورات المفاجئة تحسن العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية. ولطالما شكلت المظالم التاريخية عائقًا أمام العلاقات بين البلدين. فقد أدى الحكم الاستعماري الياباني لكوريا والنزاعات العالقة بشأن العمل في زمن الحرب والذاكرة التاريخية إلى أزمات دبلوماسية متكررة. 

ومع ذلك، شجعت المخاوف المتزايدة بشأن الأمن الإقليمي على توثيق التعاون. فوفقًا للتقرير، التقى القادة اليابانيون والكوريون الجنوبيون مرارًا واتفقوا على تعزيز العلاقات الأمنية. ويمثل هذا التقارب تحولًا ملحوظًا بالنظر إلى عمق التوترات التاريخية بين البلدين.

كما برزت الفلبين كشريك رئيسي لليابان. فقد وسعت طوكيو ومانيلا التعاون العسكري من خلال اتفاقيات تُسهّل التدريب المشترك والدعم اللوجستي والوصول العسكري المتبادل. وتكتسب هذه الترتيبات أهمية خاصة في ظل النزاعات المستمرة بين الفلبين والصين في بحر الصين الجنوبي.

كما عززت اليابان علاقاتها مع أستراليا جنوباً من خلال اتفاقيات دفاعية رئيسية ومبادرات للتعاون البحري. حيث تشير هذه الشراكات مجتمعة إلى ظهور شبكة أمنية مترابطة بشكل متزايد تمتد عبر جزء كبير من منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

في الحقيقة، لا تمثل الشراكات العسكرية سوى بُعد واحد من استراتيجية اليابان. حيث يؤكد التقرير أن الصين تستمد جزءًا كبيرًا من نفوذها من قوتها الاقتصادية. فمن خلال العلاقات التجارية واستثمارات البنية التحتية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، نسجت بكين شبكات نفوذ واسعة النطاق في آسيا وخارجها. ومن جانبها، شرعت اليابان في بذل الجهود لتقديم البديل لدول المنطقة. ومن الأمثلة على ذلك مبادرة “باور آسيا”، وهي برنامج تمويل ضخم مصمم لتعزيز أمن الطاقة وتطوير البنية التحتية في جميع أنحاء المنطقة.

وكان المنطق وراء هذه الجهود واضح. حيث تعتمد العديد من الدول الآسيوية اعتمادًا كبيرًا على الاستثمارات الصينية، ليس لأنها تفضل النفوذ الصيني، بل لأن البدائل محدودة. فإذا استطاعت اليابان توفير خيارات اقتصادية جذابة، فقد تكتسب هذه الدول حرية أكبر في مقاومة الضغوط الصينية.

وعلى الرغم من أن التقرير يشيد بتحول اليابان هذا، إلا أنه يخلص في النهاية إلى أن طوكيو لا تزال أضعف بكثير من بكين، وذلك لأسباب جوهرية: 

  • فالصين تمتلك ميزانية عسكرية أكبر بكثير، فهي تنفق مئات المليارات من الدولارات سنويًا على الدفاع مقارنة بنفقات اليابان الأقل من ذلك بكثير. كما أن الأسطول البحري الصيني أكبر بكثير من نظيره الياباني ويستمر في التوسع بوتيرة لا تستطيع اليابان مجاراتها.
  • وتمثل القدرة الصناعية تحديًا آخر أمام اليابان. حيث تُنتج أحواض بناء السفن الصينية سفنًا حربية على نطاقٍ قلّما تُضاهيه دولٌ أخرى. وحتى مع زيادة الإنفاق، تفتقر اليابان إلى القاعدة الصناعية اللازمة للمنافسة المباشرة.
  • وعلى الصعيد الاقتصادي، لا تزال الصين الشريك التجاري الأكبر للعديد من دول آسيا. وسيكون من الصعب للغاية استبدال دور الصين في التجارة الإقليمية.
  • كما تزيد التركيبة السكانية من تعقيد موقف اليابان، إذ تواجه البلاد انخفاضًا حادًا في عدد السكان نتيجة انخفاض معدلات المواليد وشيخوخة المجتمع. وبينما تواجه الصين أيضًا تحديات ديموغرافية، فإن أزمة السكان في اليابان حاليًا أشدّ وطأة.

وبالنظر إلى هذه العوامل مجتمعة، فإنه يصبح من غير الواقعي أن نتوقع أن تُعادل اليابان قوة الصين في المستقبل المنظور. حيث يخلص التقرير في نهاية المطاف إلى أن السؤال: “هل تستطيع اليابان إيقاف الصين؟” هو سؤال خاطئ؛ فالسؤال الأنسب في هذه الحالة هو: هل تستطيع اليابان تقديم بديل عملي للهيمنة الصينية؟

وتجد العديد من الدول في أنحاء آسيا نفسها في موقف صعب، إذ تعتمد اعتمادًا كبيرًا على التجارة والاستثمار الصينيين، بينما تشعر في الوقت نفسه بالقلق إزاء النفوذ الصيني المتزايد وسلوك الصين الحازم. فإذا استطاعت اليابان تقديم بدائل موثوقة، سواء من خلال التعاون الأمني، أو صادرات الدفاع، أو تمويل البنية التحتية، أو الشراكات الاقتصادية، فقد يُسهم ذلك في إرساء نظام إقليمي أكثر توازنًا. في الحقيقة، لا يتطلب نجاح اليابان في المهمة، بحسب التقرير، أن تتجاوز الصين، بل يتطلب الأمر فقط ضمان عدم قدرة بكين على الهيمنة على المنطقة دون منازع.

الخلاصة

يخلص تقرير “WarFronts” الذي قدمه اليوتيوبر البريطاني سيمون ويسلر إلى أن اليابان وحدها لا تستطيع وقف صعود الصين، فالفوارق في عدد السكان، والناتج الاقتصادي، والإنفاق العسكري، والقدرة الصناعية لا تزال كبيرة جدًا. ومع ذلك، يُمثل التحول الذي شهدته اليابان خلال العقد الماضي أحد أهم التطورات الجيوسياسية في آسيا. فمن خلال التحديث العسكري، وصادرات الدفاع، والتواصل الدبلوماسي، وبناء التحالفات، تُرسخ طوكيو مكانتها كرائدة للمقاومة الإقليمية للهيمنة الصينية. لذا، قد يعتمد مستقبل آسيا بشكل أقل على مدى قدرة اليابان على منافسة الصين بشكل مباشرة، وبشكل أكبر على قدرتها على حشد عدد كافٍ من الشركاء من دول المنطقة لخلق توازن قوى جماعي؛ حيث لا يتسنى لأي دولة أن تقف بمفردها، ولا حتى الصين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى