ترجمات

الصين تبني في هدوء خط سكة حديد بطول 10,400 كم إلى إيران

كيف تهدد الصين البنية التحتية الغربية للتجارة العالمية

بثت قناة “Core Insights” على يوتيوب، التابعة لمؤسسة “Vision Times” الإعلامية الدولية المستقلة الناطقة باللغة الصينية، في 17 أبريل 2026 حلقةً بعنوان: “الصين تبني في هدوء خط سكة حديد بطول 10,400 كيلومتر إلى إيران – والولايات المتحدة في حالة رعب”. 

يقول التقرير إن ما يجعل هذا الخط الحديدي مثيراً للقلق حقاً بالنسبة لواشنطن يتجاوز مجرد السرعة واللوجستيات، إذ إنه جزء من استراتيجية أوسع بكثير. فقد وقّعت الصين وإيران في عام 2021 اتفاقية تعاون بقيمة 400 مليار دولار لمدة 25 عاماً. وتشتري الصين الآن 77% من نفط إيران، مدفوعةً مسددةً باليوان الصيني، متجاوزةً بذلك الدولار الأمريكي بشكل متعمَّد. 

كما أنه يجري حالياً توسيع شبكة ممر السكك الحديدية للدول الخمس لتشمل مناطق أبعد في آسيا الوسطى، حيث يشير هنا التقرير إلى شبكة سكك حديدية مقترحة تربط هذه الدول الخمس: الصين، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأفغانستان، وإيران. 

وفي القطب الشمالي المتجمد، تعمل روسيا والصين على إنشاء طريق تجاري بديل ثانٍ يقلل وقت السفر إلى أوروبا بمقدار 15 يوماً.

 وتمثل هذه التحركات مجتمعةً أخطر تحدٍّ يواجه البنية التحتية للتجارة العالمية التي تسيطر عليها الدول الغربية منذ أجيال.

ويقول التقرير إنه في الخامس والعشرين من مايو 2025، أرسلت الصين 32 حاوية شحن إلى إيران، التي تبعد عنها بمسافة تُقدّر بـ 10,400 كيلومتر. ولم يكن ذلك عبر سفينة، ولا عبر أي محيط، بل عبر قطار شحن اجتاز صحاري لافحة، وشق طريقه عبر سلاسل جبلية، ومرّ بأربع دول مختلفة، ووصل في غضون 15 يوماً فقط. ولكن الرحلة نفسها تستغرق بحراً ما يصل إلى 40 يوماً. و

هذا ليس مجرد إنجاز هندسي، بل هو رسالة قوية للولايات المتحدة. 

فعلى مدى سنوات، لم يكن سلاح أمريكا الأقوى ضد دول مثل إيران مرتبطاً بالصواريخ أو الجنود، بل كان الخنق الاقتصادي: ؛ من حيث حجب مبيعات النفط (عن دولة ما)، وتجميد حساباتها المصرفية، وعزلها عن الأسواق العالمية، ومراقبة نفاد خياراتها تدريجياً. وتنجح هذه الاستراتيجية لأن أمريكا تسيطر على المحيطات. وإذا كنت بحاجة إلى نقل شيء ما بكميات كبيرة، فغالباً ما يكون عليك استخدام هذه المياه. 

وبالنسبة لإيران، فقد كانت كل محاولاتها للتحرر من هذا هذه الهيمنة قد باءت بالفشل، إلى أن أثبت قطار شحن تم بناؤه بهدوء أن المحيط ليس ضرورياً على الإطلاق لتحقيق ذلك. فقد شيدت الصين خطاً برياً بالكامل، يمر عبر أراضٍ لا تستطيع أي بحرية غربية تسيير دوريات فيها، ويصل إلى إيران دون أن يتم تبادل دولار واحد. وهكذا، تم اختراق الحاجز الاقتصادي الذي استغرق بناؤه عقوداً، وهذه الثغرة تتسع باستمرار.

ويقول التقرير أيضاً إن هناك خطة توسع لخمس دول (الصين، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأفغانستان، وإيران) قيد التنفيذ بالفعل، وأنه يجري تطوير طريق جليدي في القطب الشمالي بالتوازي، في إطار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحويل التجارة العالمية بعيداً عن السيطرة الغربية. إذ وبالتالي يُعدّ هذا الخط الحديدي مجرد الخطوة الأولى بهذا الخصوص. 

وفيما يلي نستعرض بشكل مُجمل هذا المحتوى الهام الذي قدمته قناة “Core Insights” على يوتيوب، التابعة لمؤسسة “Vision Times” الإعلامية الدولية المستقلة، حول هذا الموضوع، وذلك على النحو التالي:

في الحلقة التي بثتها قناة “Core Insights” على يوتيوب في السابع عشر من شهر إبريل 2026 ، بعنوان “الصين تبني بهدوء خط سكة حديد بطول 10400 كيلومتر إلى إيران – الولايات المتحدة في حالة رعب”، يُصوّر التقرير ممر الشحن الجديد الذي أنشأته الصين إلى إيران على أنه أكثر بكثير من مجرد مشروع هندسي للنقل. ؛ إذ إنه إنما يُمثل هذا الخط جزءاً من استراتيجية جيوسياسية طويلة الأمد تهدف إلى تقليل الاعتماد على أنظمة التجارة التي تسيطر عليها الدول الغربية، وإضعاف فعالية العقوبات الأمريكية، وإعادة تشكيل ميزان القوى الاقتصادية العالمية في أوراسيا.

النقل

يبدأ التقرير بذكر مثالٍ هام يهدف منه إلى توضيح حجم هذا المشروع وأهميته. ففي الخامس والعشرين من مايو 2025، قطع قطار شحن صيني يحمل 32 حاوية مسافة تزيد عن 10,400 كيلومتر من الصين إلى إيران في غضون 15 يوماً تقريباً. وقد عبر القطار عدة دول براً بشكل كامل، متجنباً طرق الشحن البحري التقليدية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة وبالتالي تخضع للعقوبات الاقتصادية على الدول، وخاصة إيران في هذه الحالة. 

ويقارن التقرير هذا الطريق البري بالنقل البحري، الذي يُزعم أنه يستغرق ما بين 30 و40 يوماً لإتمام الرحلة نفسها التي استغرقت 15 يوماً فقط. ولذلك، لا يُقدَّم خط السكة الحديد هذا هنا كمجرد إنجازٍ في مجال البنية التحتية، بل كإعلانٍ استراتيجيٍّ بأن الصين وحلفاءها يُنشئون طرقاً تجاريةً خارج نطاق الهيمنة البحرية والأنظمة المالية الغربية.

و يقول التقرير إن الولايات المتحدة مارست تاريخياً نفوذاً عالمياً ليس فقط من خلال القوة العسكرية، بل أيضاً من خلال السيطرة على طرق التجارة البحرية والتمويل الدولي. وبناءً على ذلك، فإن العقوبات الأمريكية تكون فعّالة في الحقيقة لأن معظم التجارة العالمية تعتمد على الشحن البحري والأنظمة المالية القائمة على الدولار. 

وبالتالي، فقد واجهت دولٌ مثل إيران، التي خضعت لعقوبات أمريكية لفترة طويلة، قيوداً على صادرات النفط، والوصول إلى الخدمات المصرفية، والتجارة الدولية. وبهذا الخصوص، يُصوَّر التقرير خط السكة الحديد الممتد إلى إيران، والذي أنشأته الصين مؤخراً، على أنه محاولة لتجاوز هذه الآليات تماماً.

“ولفهم سبب اضطرار الصين لاتخاذ هذه الخطوة، لا بد من معرفة الإنتباه إلى ممر مائي ضيق واحد يُشغّل العالم بهدوء. إنه الممر الذي لا يتحدث عنه أحد. إذ يوجدالممر ممر المائي في جنوب شرق آسيا، الذي ربما لم يسمع به معظم الناس، لكن يعتمد عليه كل سكان الأرض تقريباً دون أن يدركوا ذلك،. حيث يُسمى هذا الممرهو مضيق ملقا، ويقع بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو أحد أكثر الممرات المائية ازدحاماً على كوكب الأرض”.

“ويعبر هذا المضيق أكثر من 94 ألف سفينة سنوياً، من ناقلات النفط وسفن الشحن وسفن الحاويات، جميعها تتدفق عبر ممر ضيق واحد للتنقل بين المحيط الهندي والمحيط الهادئ. وبالنسبة للصين، لا يُعد هذا الممر المائي مجرد ممر مهم، بل هو شريان حياة يُبقي اقتصادها بأكمله مزدهراً. إذ يمر حوالي 80% من واردات الصين من النفط عبر هذا الممر. فكل شيء يعتمد على الطاقة، ومعظم هذه الطاقة يعتمد على بقاء هذا الممر المائي مفتوحاً. ولنا أن نتخيل حجم الخسائر التي قد تتكبدها الصين لو أُغلق مضيق ملقا لمدة أسبوع واحد فقط، لكانت الصين قد خسرت ما يصل إلى 64 مليون دولار”.

وبحسب التقرير، فإن اعتماد الصين على مضيق ملقا، الممر المائي الضيق بين ماليزيا وإندونيسيا والذي يمر عبره جزء كبير من واردات الطاقة الصينية، يُشكّل محوراً أساسياً في الإطار الجيوسياسي للتقرير. حيث يوصف المضيق بأنه أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم، حيث يمر عبره ما يقرب من 80% من واردات الصين من النفط. 

وبهذا الخصوص، يُشير التقرير إلى أن صانعي السياسات الصينيين ينظرون إلى هذا الاعتماد (على مضيق ملقا) على أنه نقطة ضعف استراتيجية خطيرة، نظراً للنفوذ العسكري القوي للولايات المتحدة في المنطقة المحيطة، بما في ذلك الوصول البحري إلى سنغافورة. وفي حال نشوب صراع كبير، يُلمّح التقرير إلى أن الولايات المتحدة قد تُعطّل إمدادات الطاقة الصينية من خلال السيطرة على الوصول إلى المضيق.

لذلك، كانت الصين بحاجة إلى طريق لا يمكن لأي قوة بحرية تهديده، ولا يمكن لأي عقوبات الوصول إليه، ولا يمكن لأي حصار أن يوقفه. وكان الحل هو التخلي تماماً عن المحيط وبناء خط سكة حديد بري. والدولة الوحيدة التي سمحت جغرافيتها بذلك هي إيران. خط السكة الحديد الذي لا يمكن لأحد إيقافه. ويبدو بناء خط سكة حديد من الصين إلى إيران أمراً بسيطاً على الورق. لكن في الواقع، يعني ذلك عبور بعض أصعب التضاريس على وجه الأرض..

وهكذا يعتبر التقرير أن مشروع خط السكة الحديد إلى إيران يأتي كاستجابة صينية لهذه النقطة تحديداً، أي عدم الاعتماد كثيراً على الممرات البحرية، على غرار مضيق ملقا. فمن خلال تطوير شبكات نقل برية تعبر آسيا الوسطى، تستطيع الصين تقليل اعتمادها على الممرات البحرية المعرضة للخطر، وإنشاء ممرات بديلة للطاقة والتجارة محصنة ضد الحصار البحري. 

وفي هذا السياق، يُضفي الموقع الجغرافي لإيران كما أسلفنا أهمية خاصة على هذه الاستراتيجية، إذ يربط آسيا الوسطى بالخليج العربي وشبكات الطاقة في الشرق الأوسط.

ويبدو بناء خط سكة حديد من الصين إلى إيران أمراً بسيطاً على الورق، لكن في الواقع، يعني ذلك عبور بعض أصعب التضاريس على وجه الأرض. 

ويولي حيث يولي التقرير قناة “Core Insights” على يوتيوب اهتماماً كبيراً بالتعقيد الهندسي لخط السكة الحديد الذي أنشأته الصين إلى إيران. حيث يبدأ المسار من غرب الصين ويمر عبر كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان قبل أن يصل إلى إيران.

وقد بلغت تكلفة المشروع أكثر من ملياري دولار. وجاء التمويل من بنوك السياسات الصينية، وبنك الاستثمار الآسيوي في البنية التحتية، ومجموعة من اتفاقيات القروض الثنائية. وكان حل مشكلة اختلاف مقياس عرض السكك الحديدية بين الدول بحد ذاته مهمة هندسية ضخمة. إذ تستخدم روسيا وآسيا الوسطى عرضاً أوسع من الصين، مما يعني ضرورة نقل البضائع فعلياً إلى عربات مختلفة عند الحدود، أو تركيب أنظمة تبديل عربات متخصصة لتمكين الحاوية نفسها من السير على مسارات بعرض مختلف. لذلك فقد

 وقد بُنيت محطات تبديل عربات آلية عند المعابر الحدودية الرئيسية خصيصاً لهذا الممر، مما قلل الوقت الضائع في عمليات النقل من ساعات إلى أقل من 30 دقيقة.

 ونظراً لخطورة التضاريس في بعض المقاطع، بُنيت أجزاء رئيسية من خط السكة الحديدية في إيران تحت الأرض، ليس فقط لمواجهة الظروف الجوية القاسية، بل لحماية الخط من الغارات الجوية المحتملة. 

ووفقاً اللتقرير، فقد تطلّب المشروع التغلب على عقبات جغرافية وتقنية كبيرة، بما في ذلك الصحاري والسلاسل الجبلية ودرجات الحرارة القصوى والمناطق المعرضة للزلازل. وشكّل اختلاف مقاييس السكك الحديدية بين الصين وأنظمة السكك الحديدية السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى تحدياً آخر. ولحل هذه المشكلة، تم تركيب أنظمة تبديل عربات آلية عند المعابر الحدودية، مما سمح للقطارات بمواصلة سيرها بأقل قدر من التأخير.

ويقول التقرير إن خط السكة الحديد شقّ طريقه على اليابسة دون وجود محيطات أو دوريات بحرية أو موانئ خاضعة للسيطرة الغربية أو عقوبات فعّالة. وقد وصفت وسائل الإعلام الصينية الرسمية هذا الطريق بأنه شريان الحياة النفطي بين البلدين. لكن ما يعنيه هذا الخط لإيران يتجاوز بكثير مجرد تسريع مواعيد التسليم. إنه شريان حياة لإيران، ولاستراتيجية الصين طويلة الأمد. 

حيث تُثقل العقوبات الغربية كاهل الاقتصاد الإيراني منذ سنوات. فقد قُطعت البنوك عن الشبكات المالية العالمية، وواجهت الشركات التي حاولت التعامل مع إيران عقوبات قاسية من واشنطن، وحُذّر مشتري النفط من التعامل معها بالتهديد بمنعهم من دخول الأسواق الأمريكية.

ويدّعى التقرير بأن بعض أجزاء خط السكة الحديد هذا داخل إيران قد تم تشييدها تحت الأرض، جزئياً لحماية البنية التحتية من أي ضربات عسكرية محتملة. وسواء أكان هذا الادعاء صحيحاً أم لا، فإن هذه الأمر يُعزز الصورة الأوسع لخط السكة الحديد هذا باعتباره بنية تحتية استراتيجية بُنيت مع وضع الصراع الجيوسياسي في الاعتبار، وليس لمجرد تحقيق مكاسب تجارية.

الاقتصاد 

ثم ينتقل التقرير من نطاق التركيز على مسألة النقل الذي بدأت به الحلقة إلى تناول الاقتصاد والتمويل الدولي، حيث ناقش اتفاقية التعاون الصينية الإيرانية الممتدة لخمسة وعشرين عاماً، والتي تم توقيعها عام 2021، والتي تُقدر قيمتها بنحو 400 مليار دولار. وتشمل الاتفاقية التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتصنيع والتكنولوجيا. ووفقاً للتقرير، فقد اشترت الصين ما يقارب 77% من صادرات النفط الخام الإيرانية عام 2024، حيث تم إجراء جزء كبير من المعاملات باليوان الصيني بدلاً من الدولار الأمريكي.

وقد بلغ إجمالي عائدات النفط الإيرانية في عام 2024 نحو 67 مليار دولار، وهو مستوى لم تشهده البلاد منذ أكثر من عشر سنوات. ورغم استمرار العقوبات رسمياً، إلا أن تأثيرها الفعلي يتضاءل بسرعة. ومع تشغيل خط السكة الحديد، لم تعد شحنات النفط بحاجة إلى المرور عبر أي مسار يمكن للغرب مراقبته أو تعطيله. فإيران تقوم بتحميل النفط على القطارات، التي تنطلق شرقاً عبر ريف آسيا الوسطى، لتصل إلى الصين دون أي تدخل من بنك أو مؤسسة غربية في أي مرحلة من مراحل النقل. هذا ليس مجرد تجارة.؛

“إنه نظام اقتصادي موازٍ تماماً يعمل خارج القواعد التي وضعتها واشنطن. ويُعد جزء كبير من آلية عمل هذا النظام هو العملة. حيث تدفع الصين ثمن النفط الإيراني باليوان منذ عام 2012، متجاوزةً الدولار الأمريكي بشكل متعمد. قد يبدو هذا تفصيلاً مالياً تقنياً، لكن تأثيره على المدى الطويل هائل. فمكانة الدولار كعملة افتراضية في تجارة الطاقة العالمية تُعدّ من أهم ركائز النفوذ الأمريكي العالمي.”

وهكذا يُقدّم التقرير هذا التحول عن التجارة القائمة على الدولار كأحد أهم جوانب الشراكة الصينية الإيرانية. فلطالما كانت هيمنة الدولار الأمريكي على أسواق الطاقة العالمية إحدى ركائز القوة الجيوسياسية الأمريكية. ومن خلال تسوية تجارة الطاقة باليوان، فإن الصين وإيران إنما تُسهمان معاً في الظهور التدريجي لنظام مالي بديل يعمل خارج المؤسسات المصرفية الغربية التقليدية. وفي هذا السياق، يُشير التقرير إلى روسيا باعتبارها إحدى الدول التي تقوم بشكل متزايد بإجراء تجارة الطاقة خارج نطاق الدولار، لا سيما بعد عام 2023. 

التكامل الإقليمي والنفوذ الصيني

ويرتبط خط السكة الحديد الذي أنشأته الصين أيضاً بمشاريع التكامل الإقليمي الأوسع نطاقاً المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق الصينية. إذ يسلط التقرير كذلك الضوء على خطط إنشاء “ممر سكك حديدية خماسي” يربط بين الصين وقيرغيزستان وطاجيكستان وأفغانستان وإيران. ومن شأن هذه الشبكة أن توسع نطاق التجارة البرية الصينية في عمق آسيا الوسطى، وأن توفر للدول غير الساحلية منفذاً جديداً إلى الأسواق العالمية عبر الموانئ الإيرانية. وتُعتبر أفغانستان منطقة عبور رئيسية ضمن هذه الشبكة المستقبلية.

ويقول التقرير بأن مشاريع البنية التحتية هذه تُعزز النفوذ السياسي للصين في جميع أنحاء آسيا الوسطى، من خلال توفير بدائل للدول التي تعتمد على المؤسسات والشراكات الغربية. وفي هذا السياق، يُعتبر تمويل البنية التحتية الصينية، المدعوم غالباً بقروض طويلة الأجل واتفاقيات استثمارية، آلية لبناء نفوذ إقليمي مستدام على المدى البعيد.

طريق القطب الشمالي

وإلى جانب خطوط السكك الحديدية البرية، يُسلِّط التقرير الضوء على تطور استراتيجي رئيسي آخر، وهو: طريق بحر الشمال عبر القطب الشمالي. والذي يُشير إلى تعاون الصين وروسيا في تطوير ممرات ملاحية في القطب الشمالي، والتي يُمكن أن تُوفِّر في نهاية المطاف بديلاً لقناة السويس بين آسيا وأوروبا. ، بما يقلل من فترة الشحن البحري وبالتالي يقلل تكاليف الشحن، والأهم أنه يبعد السفن عن الطرق والممرات الخاضعة للنفوذ الأمريكي، حيث يُعتبر تغير المناخ وانحسار وارتفاع درجات الحرارة بما يؤدي إلى زيادة فترة ذوبان الجليد على مدار العام الجليد في القطب الشمالي عوامل هامة تجعليجعل مثل هذه الطريق أكثر جدوى للشحن التجاري.

ويُناقش التقرير كذلك أسطول روسيا من كاسحات الجليد التي تعمل بالطاقة النووية، ولا سيما السفن من فئة “أركتيكا”، باعتبارها بنية تحتية حيوية تُتيح توسيع التجارة في القطب الشمالي، حيث يمكنها العمل ذاتيًا على مدار العام دون الحاجة للتزود بالوقود، ما يطيل من الفترة التي يمكن فيها الشحن باستخدام ذلك الطريق. وباستخدام ممرات الشحن في القطب الشمالي، يُمكن للصين وروسيا تقليل الاعتماد على الطرق التجارية المرتبطة بالنفوذ المالي واللوجستي الغربي المُحيط بنظام قناة السويس ومضيق ملقا، أو الاضطرابات الأمنية المتعلقة بمضيق هرمز. تجدر الإشارة إلى أن ذلك يعد أهم أحد الأسباب لسعي الولايات المتحدة للسيطرة على جزيرة جرينلاند، وذلك لقطع الطريق على التجاوز الصيني الروسي للنفوذ الغربي على طرق الشحن البحري.

عقبات

ويشير التقرير إلى عقبات يمكن أن تعوق طرق السكك الحديدية، مما يحول دون الإفراط في التفاؤل بخصوص مثل هذه المشاريع وعدم النظر إليها على أنها تشكل بديلاً كاملاً: 

  • فالنقل عن طريق السكك الحديدية لا يُضاهي القدرة الاستيعابية الهائلة للشحن البحري. إذ تستطيع ناقلة نفط عملاقة واحدة نقل ما يُعادل مئات النقلات عبر قطارات الشحن، مما يجعل السكك الحديدية غير مناسبة كبديل كامل للتجارة البحرية في المستقبل القريب. 
  • كما تبقى السكك الحديدية عُرضةً للاضطرابات اللوجستية، والتآكل البيئي، وعدم الاستقرار السياسي، والهجمات العسكرية. حيث يشير التقرير إلى أنه بعد إطلاق خدمة الشحن بالسكك الحديدية، استهدفت غارات إسرائيلية البنية التحتية الإيرانية للنفط والغاز، وبالتالي لم تُنشر أي عمليات شحن أخرى على هذا الممر بعد ذلك.

ومع ذلك، يقول التقرير إن أهمية السكك الحديدية لا تعتمد على استبدال التجارة البحرية بالكامل، بل تكمن أهميتها في خلق بدائل ذات شأن. فحتى طرق التجارة البرية المحدودة تُقلل من النفوذ المطلق للعقوبات والحصار البحري. وتكتسب دول آسيا الوسطى خيارات اقتصادية إضافية، وتحصل إيران على مسارات تصدير بديلة، وتكتسب الصين مرونة استراتيجية.

إن ما تُشيّده الصين وإيران وروسيا ودول آسيا الوسطى معاً هو ردٌّ موازٍ لنظام قائم على الهيمنة البحرية، والاعتماد على الدولار، والسيطرة على مفترقات التجارة العالمية. نعم ما تدشنه الصين وإيران وروسيا ودول آسيا الوسطى هو نظامٌ غير مكتمل، ويواجه عقباتٍ حقيقيةً وخطيرة، ولكنه ينمو ويتوسع في مناطق لا تصل إليها تلك القواعد القديمة. ؛ إذ إن “البنية التحتية ليست مجرد بنية تحتية، فكل نفقٍ يُحفر، وكل كيلومترٍ يُمدّ من السكك الحديدية، وكل كاسحة جليدٍ تعمل بالطاقة النووية تُدشّن، تحمل رسالةً مفادها أن العالم ليس مُضطراً للعمل بالطريقة التي كان عليها دائماً”.

خلاصة

يشير التقرير إلى ضرورة فهم التطورات في إنشاء البنية التحتية كأداة للتحول الجيوسياسي. فالسكك الحديدية والموانئ وممرات الشحن في القطب الشمالي والترتيبات المالية لا تُعرض كمشاريع اقتصادية معزولة، بل كجزء من جهد أوسع لبناء نظام تجاري أوراسي موازٍ أقل اعتماداً على المؤسسات الغربية وهياكل السلطة. 

ووفقاً للتقرير، فإن ما يُقلق واشنطن ليس خط سكة حديد واحد، بل الظهور التدريجي لبدائل مترابطة لنظام عالمي تشكّل تاريخياً بفعل الهيمنة البحرية الأمريكية، والتمويل القائم على الدولار، والسيطرة على نقاط الاختناق التجارية الاستراتيجية.

ويخلص التقرير في النهاية بأن الصين، إلى جانب إيران وروسيا، تُرسّخ بثبات أسس نظام اقتصادي جديد يتمحور حول أوراسيا، وتبقى الفكرة الرئيسية التي دار حولها التقرير واضحة: فالسكك الحديدية ترمز إلى تحول أوسع نحو شبكات تجارية متعددة الأقطاب، وتحدٍ متزايد للنفوذ الغربي الراسخ على التجارة والتمويل العالميين.

ويظهر من هذا العرض الأهمية الإستراتيجية لإيران بالنسبة للصين، فإيران لا تشكل فقط أحد التحديات المهمة أمام التمدد والنفوذ الأمريكي والعالمي، بل تشكل عقدة مهمة في مخططات الصين لتجاوز السيطرة الأمريكية على طرق التجارة العالمية. ومن هنا فإنه لا يمكن أن تسمح الصين بالسيناريو الذي يتم فيه تدمير مقدرات إيران، أو إخضاعها الكامل للنفوذ الغربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى