القيادة الاستراتيجية والأوكتاجون في القوات المسلحة المصرية.. رؤية عسكرية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
بمناسبة افتتاح مجمع القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية (الأوكتاجون) خلال شهر يوليو 2026، برزت تساؤلات حول طبيعة هذه القيادة ومهامها. وهل مقر مجمع القيادة الاستراتيجية هو نفسه هيئة القيادة الإستراتيجية؟

أُنشئت القيادة الاستراتيجية للقوات المسلحة المصرية في ديسمبر 2021، وكان الفريق أحمد خالد حسن سعيد، قائد القوات البحرية الأسبق وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة (على قائمة الاستدعاء)، أول من تولى قيادتها عقب إنشائها، وذلك بعد أن ترددت في عام 2019 أحاديث عن مطالبات من بعض الأطراف بتعيينه نائبًا لرئيس الجمهورية، إلا أنه بعد انتهاء فترة قيادته، عُين محافظًا للأسكندرية إلى أن تم تغييره، وتولى اللواء أركان حرب محمد عز الدين جحوش قيادة القيادة الاستراتيجية بدلًا منه.
وتُعد القيادة الاستراتيجية إحدى القيادات الرئيسية المستحدثة داخل القوات المسلحة المصرية، شأنها شأن قيادة القوات الجوية، والقوات البحرية، وقوات الدفاع الجوي، والمنطقة المركزية العسكرية، وغيرها من القيادات الرئيسية. وبالتالي من المهم الإشارة إلى أنها ليست كيانًا بديلًا عن وزارة الدفاع، ولا تحل محلها أو محل وزير الدفاع؛ فوزارة الدفاع تظل المؤسسة المسؤولة عن إدارة القوات المسلحة، ويظل وزير الدفاع القائد العام للقوات المسلحة، وصاحب الاختصاص في الإشراف على مختلف الأفرع والقيادات الرئيسية، ويتمتع بصلاحيات أوسع من أي قيادة عسكرية أخرى.
وتتمثل أبرز مهام القيادة الاستراتيجية، كما جاء في قرار إنشائها في إدارة منظومات القيادة والسيطرة على المستوى الاستراتيجي، والتنسيق بين الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة وبين المؤسسات الأخرى في الدولة، ودعم عملية اتخاذ القرار من خلال جمع المعلومات وتحليلها، ووضع الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى، وإدارة الأزمات والطوارئ، وربط شبكات القيادة والسيطرة والاتصالات بين مختلف مستويات القيادة، بما يحقق سرعة الاستجابة والتكامل بين التشكيلات العسكرية في مختلف مسارح العمليات؛ بمعني أنه لا تقتصر مهام القيادة الاستراتيجية على التنسيق بين القيادات والأفرع والهيئات العسكرية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى تعزيز التكامل والتنسيق بين مختلف مؤسسات وأجهزة الدولة المدنية والعسكرية، خاصة في أوقات الأزمات والطوارئ والكوارث.
وتضطلع القيادة بإعداد التقديرات الاستراتيجية، ووضع الخطط والسيناريوهات التي تضمن تشابك وتكامل جهود جميع أجهزة الدولة، بما يكفل توحيد إدارة الأزمات ورفع كفاءة الاستجابة للتهديدات العسكرية والأمنية، فضلًا عن الكوارث والأزمات المدنية، وفق منظومة قيادة وسيطرة موحدة على المستوى الاستراتيجي.
أما مبنى مقر القيادة الاستراتيجية (الأوكتاجون)، أو الكيان العسكري كما يطلق عليه داخل الجيش المصري، فهو المقر الجديد لوزارة الدفاع المصرية، ويقع داخل العاصمة الإدارية الجديدة. بدأ العمل على إنشائه منذ سنوات ضمن خطة الدولة المصرية الشاملة لإنشاء عاصمة إدارية جديدة تضم أهم وأبرز المؤسسات السيادية، ونقل الوزارات والهيئات إلى العاصمة الجديدة بعيدًا عن قلب القاهرة، مع تعزيز مستويات التأمين وصعوبة الوصول إليها، بما يحول دون تكرار ما حدث خلال ثورة يناير 2011 من وصول المتظاهرين إلى عدد من المؤسسات السيادية.
وقد جرى تخطيط وبناء الأوكتاجون وتنفيذه بالشراكة بين القوات المسلحة وعدد من كبرى الشركات الوطنية، ليحاكي في كفاءته وتأمينه أحدث مراكز القيادة والسيطرة في العالم، معتمدًا التصميم الهندسي المثمن الأضلاع (الأوكتاجون) رمزًا للقوة الاستراتيجية والترابط الوثيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة ومنظومات الدولة السيادية، بما يدعم كفاءة العمل المؤسسي المشترك، ويعزز سرعة القيادة والسيطرة وإدارة المواقف والأزمات الطارئة بكفاءة وفاعلية.
وبناء على ذلك، يتبين الفرق بين هيئة “القيادة الاستراتيجية” و”مقر القيادة الاستراتيجية (الأوكتاجون)”. فالقيادة الاستراتيجية هي إحدى القيادات الرئيسية داخل القوات المسلحة المصرية، شأنها شأن غيرها من القيادات الرئيسية، وتختص بمهام القيادة والسيطرة والتنسيق الاستراتيجي. أما مقر القيادة الاستراتيجية، المعروف باسم “الأوكتاجون”، فهو مجمع القيادة والسيطرة الرئيسي الذي يضم وزارة الدفاع وعددًا كبيرًا من الهيئات والإدارات والقيادات العسكرية، وتوجد القيادة الاستراتيجية داخله بوصفها إحدى الجهات العاملة في هذا المجمع، وليست هي الشاغلة للمجمع بأكمله.
ويعتقد البعض أن القيادة الاستراتيجية أصبحت بمثابة وزارة دفاع جديدة أو كيان موازٍ لها، ويرجع ذلك إلى أن مقرها يقع داخل مجمع القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية (الأوكتاجون)، الذي يُعد أحد أكبر مجمعات القيادة والسيطرة العسكرية الحديثة في المنطقة. كما يضم المجمع عددًا كبيرًا من مراكز القيادة والإدارة العسكرية، ما دفع البعض للإعتقاد بأن القيادة الاستراتيجية أصبحت الجهة العليا لإدارة القوات المسلحة. إلا أن هذا الفهم غير دقيق؛ فالمجمع يمثل مقرًا للقيادة والسيطرة الاستراتيجية للدولة، ويقع فيه فرع القيادة الاستراتيجية من القوات المسلحة، وليس بديلًا عن وزارة الدفاع ولكن تابعًا لها، كما أن وجود القيادة الاستراتيجية داخله لا يغير من هيكل القيادة الرسمي للقوات المسلحة أو توزيع الاختصاصات داخلها.
ومن المهم أيضًا التمييز بين أهمية القيادة الاستراتيجية، وبين مكانتها القانونية والتنظيمية. فالقيادة الاستراتيجية تؤدي دورًا محوريًا في إدارة منظومة القيادة والسيطرة والتنسيق الاستراتيجي، إلا أنها تبقى واحدة من القيادات الرئيسية داخل القوات المسلحة.
كما أن مكانة المنصب لا ترتبط بالضرورة برتبة شاغله، إذ قد يشغله ضابط برتبة فريق في مرحلة ما، أو ضابط برتبة لواء في مرحلة أخرى، وفقًا لاعتبارات تنظيمية وإدارية تتعلق بحركات التنقلات وهيكل القيادة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييرًا في اختصاصات القيادة، أو هيكل التراتبية بين القادة، أو مكانتها داخل القوات المسلحة.
وفي المجمل، فإن إنشاء القيادة الاستراتيجية يعكس توجهًا نحو تطوير منظومة القيادة والسيطرة وتحديث أساليب إدارة العمليات المشتركة داخل القوات المسلحة المصرية، بما يتوافق مع المفاهيم العسكرية الحديثة، مع بقاء وزارة الدفاع المؤسسة العليا المسؤولة عن إدارة القوات المسلحة، وبقاء وزير الدفاع القائد العام للقوات المسلحة، في حين تؤدي القيادة الاستراتيجية دورها كإحدى القيادات الرئيسية المتخصصة في التخطيط والتنسيق والقيادة والسيطرة على المستوى الاستراتيجي.
رؤية عسكرية للمعهد المصري:
من وجهة نظر عسكرية، فإن إنشاء مجمع يضم إدارات القيادة والسيطرة في موقع واحد، كما في حالة “الأوكتاجون”، يحقق مزايا مهمة من حيث سرعة التنسيق، وتكامل المعلومات، وسهولة الوصول إلى صورة موحدة للموقف، بما يساعد على تسريع دورة اتخاذ القرار وربط المستويات المختلفة للقيادة.
غير أن تجميع هذا القدر من وظائف القيادة والسيطرة في مركز واحد يفرض في الوقت ذاته تحديًا يتعلق باستمرارية وكفاءة إدارة العمليات في حال تعرض المركز لتهديد مباشر. فالحروب الحديثة لم تعد تقتصر على استهداف الوحدات القتالية وخطوط المواجهة، وإنما أصبحت مراكز القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات من الأهداف ذات الأولوية، باعتبارها مراكز ثقل يؤدي تعطيلها إلى إرباك عملية اتخاذ القرار وإبطاء دورة الاستجابة العملياتية. ولذلك يتجه العديد من الجيوش الحديثة إلى إنشاء مراكز قيادة بديلة، ومنظومات قيادة وسيطرة احتياطية، وتوزيع بعض عناصر القيادة جغرافياً، بما يضمن استمرار إدارة العمليات حتى في حال تعرض أحد المراكز الرئيسية للاستهداف، بدلاً من الاعتماد على مركز واحد رئيس للقيادة والسيطرة، بما يعرضه لمخاطر جمة.
ولا تكمن خطورة استهداف مركز القيادة والسيطرة في تدمير المنشأة ذاتها فقط، وإنما في احتمال تعطيل سلسلة القيادة، وقطع تدفق المعلومات بين المستويات المختلفة، والتأثير في قدرة القيادة على بناء صورة دقيقة ومحدثة للموقف العملياتي واتخاذ القرار في الوقت المناسب. ولهذا تتجه الجيوش الحديثة إلى بناء منظومات قيادة وسيطرة مرنة، لا تعتمد على مركز واحد، من خلال إنشاء مراكز قيادة بديلة واحتياطية، وتوفير وسائل اتصال متعددة ومستقلة، وتوزيع بعض وظائف القيادة والسيطرة جغرافيًا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على القدرة على دمج المعلومات وتوحيد القرار.
وهنا تظهر أهمية مفهوم “استمرارية القيادة والسيطرة” باعتباره أحد المتطلبات الأساسية للحرب الحديثة؛ فالمنظومة الناجحة ليست التي تستطيع إدارة العمليات بكفاءة في الظروف الطبيعية فقط، وإنما التي تستطيع مواصلة عملها بعد تعرض أحد مراكزها الرئيسية للاستهداف أو التشويش أو العزل. ولذلك فإن قيمة “الأوكتاجون” لا ينبغي أن تُقاس فقط بحجم المنشأة أو مستوى تجهيزاتها التقنية، وإنما بمدى ارتباطه بمنظومة أوسع تضمن وجود بدائل قادرة على تولي وظائف القيادة والسيطرة بصورة فورية إذا تعرض المركز الرئيسي للخطر.
كما أن تطور وسائل الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية والصواريخ بعيدة المدى والمسيّرات يجعل حماية مراكز القيادة مسألة تتجاوز التحصين المادي للمنشأة؛ إذ أصبحت المعركة تستهدف أيضًا شبكات الاتصال وتدفق البيانات والقدرة على الوصول إلى المعلومات في الزمن الحقيقي. ومن ثم، فإن التحصين الحقيقي لمنظومة القيادة والسيطرة يتحقق من خلال الجمع بين الحماية المادية، والتوزيع الجغرافي، والتكرار الوظيفي، وتأمين الاتصالات، ووجود بدائل قادرة على العمل بصورة مستقلة عند فقدان جزء من الشبكة.
ومن ثَمَّ، فإن نجاح أي منظومة للقيادة والسيطرة لا يعتمد فقط على تطورها التقني، أو قدرتها على جمع المعلومات وتحليلها وإصدار القرار من مركز واحد، وإنما يجب عند اتخاذ قرار تجميع وظائف القيادة والسيطرة أن يُبنى التقييم على متطلبات فترات السلم والحرب معًا. فالمعيار الحقيقي لكفاءة هذه المنظومة لا يظهر في الظروف الاعتيادية، وإنما في قدرتها على العمل تحت ضغط العمليات العسكرية، وفي ظل تعرض مراكز القيادة والاتصالات والاستطلاع للحرب الإلكترونية والتشويش والهجمات السيبرانية والاستهداف بالصواريخ والطائرات والمسيّرات. ولذلك يجب أن تكون مرونة منظومة القيادة والسيطرة واستمراريتها جزءًا أصيلًا من تصميمها، بحيث لا يؤدي تعطيل مركز رئيسي إلى فقدان القدرة على إدارة العمليات أو إبطاء دورة اتخاذ القرار بصورة تمنح الخصم أفضلية عملياتية.
ومن المنظور الاستراتيجي، فإن تجميع وظائف القيادة والسيطرة في موقع واحد يجب أن يترافق مع بناء منظومة موازية من مراكز القيادة البديلة والاحتياطية، وتوزيع بعض الوظائف الحيوية جغرافيًا، وتوفير وسائل اتصال متعددة ومستقلة وقادرة على العمل في حال انقطاع الشبكات الرئيسية. فالحرب الحديثة تقوم بدرجة كبيرة على سرعة انتقال المعلومات من المستشعرات ووحدات الاستطلاع إلى مراكز القرار ثم إلى الوحدات المنفذة، وبالتالي فإن استهداف عقدة رئيسية في هذه الشبكة لا يستهدف منشأة مادية فقط، وإنما قد يستهدف «دورة القرار» بأكملها. وكلما كانت هذه الدورة شديدة المركزية، زادت أهمية وجود بدائل قادرة على استيعاب وظائف المركز المتضرر دون فترة انتقال طويلة.
كما أن المرونة لا تعني بالضرورة التخلي عن المركزية أو تفكيك منظومة القيادة، وإنما تعني القدرة على الجمع بين مركزية القرار الاستراتيجي ومرونة التنفيذ العملياتي والتكتيكي. فوجود مركز رئيسي متطور يمكن أن يوفر صورة موحدة للموقف وإدارة أكثر كفاءة للموارد، لكن ينبغي في الوقت ذاته أن تمتلك المستويات الأدنى من القيادة قدرًا مناسبًا من القدرة على اتخاذ القرار ومواصلة تنفيذ المهام عند فقدان الاتصال بالمستويات الأعلى. وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في بيئة قتال قد تشهد انقطاع الاتصالات أو التشويش عليها، بما يجعل الاعتماد الكامل على الاتصال المستمر بالمركز الأعلى مخاطرة عملياتية.
ومن هنا، فإن التحصين الحقيقي لمنظومة القيادة والسيطرة لا يقاس فقط بقدرة المنشأة على مقاومة الاستهداف، وإنما بقدرتها على مواصلة العمل حتى بعد تعرض جزء منها للضربة. وهذا يتطلب التكرار الوظيفي للأنظمة الحيوية، وتعدد مسارات الاتصالات، ووجود مراكز بديلة، وإمكانية نقل وظائف القيادة، والحفاظ على تدفق المعلومات واتخاذ القرار حتى في أكثر ظروف الحرب تعقيدًا. فالمطلوب عسكريًا ليس منع الخصم من استهداف مراكز القيادة، وهو أمر قد يكون متعذرًا في الحروب الحديثة، وإنما منعه من تحويل نجاح تكتيكي في استهداف مركز قيادة إلى تأثير عملياتي أو استراتيجي واسع.
وبالتالي، فإن أي تقييم لمنظومة مثل «الأوكتاجون» ينبغي ألا يتوقف عند حجم المنشأة أو مستوى تجهيزاتها أو قدرتها على استيعاب مؤسسات القيادة والسيطرة، وإنما يمتد إلى السؤال الأهم: ماذا يحدث للمنظومة إذا تعرض المركز الرئيسي للاستهداف أو العزل أو التشويش؟ وهل تستطيع بقية مكونات القيادة مواصلة إدارة الحرب بصورة شبه طبيعية؟ فكلما كانت الإجابة أكثر إيجابية، أصبحت المركزية أقل خطورة، وتحولت المنشأة من مجرد مركز قيادة ضخم إلى جزء من منظومة قيادة وسيطرة مرنة وموزعة وقادرة على الاستمرار. أما إذا كانت الوظائف الحيوية متركزة بصورة تجعل فقدان المركز يؤدي إلى اضطراب واسع في عملية اتخاذ القرار، فإن حجم المركز وتطوره التقني قد يتحولان في ظروف الحرب إلى عامل مخاطرة بدلًا من أن يكونا مصدر قوة.
وهذه هي القيمة العسكرية الحقيقية لمفهوم «المرونة القيادية» في الحروب الحديثة: أن تكون القيادة قادرة على الاستمرار بعد الضربة، وأن تفقد منشأة أو عقدة في الشبكة دون أن تفقد الدولة قدرتها على إدارة الحرب.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.



