IISS: التحدي الذي يواجه دول الخليج – إعادة التسلح بعد انتهاء الحرب

نشر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، وهو مؤسسة بحثية بريطانية رائدة عالمياً في الشؤون السياسية والعسكرية والصراعات الدولية، ويقع مقره الرئيسي في لندن وله عدة فروع دولية، ويتبع للمنتدى الاإقتصادي العالمي (WEF) – المعروف بمنتدى دافوس،حيث يقع مقره الرئيسي في لندن وله عدة فروع دولية، ويُعد مرجعاً عالمياً موثوقاً في التحليلات الاستراتيجية والدفاعية، في 12 مايو 2026 مقالاً بعنوان: “التحدي الذي يواجه دول الخليج: إعادة التسلح بعد انتهاء الحرب” لـ “ألبرت فيدال ريبي”، وهو باحث مشارك في صناعة الدفاع والمشتريات في الشرق الأوسط.
يقول ريبي إن دول الخليج العربي تسعى بشكل متسارع إلى تعزيز دفاعاتها الجوية والصاروخية في أعقاب الهجمات الإيرانية التي استهدفتها مطلع هذا العام في إطار الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة و “إسرائيل” ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ولكن عملية إعادة التسلح ستتطلب من دول الخليج التغلب على تحديات عديدة، أهمها على الإطلاق هو العمل على دمج هذه الأنظمة الدفاعية في قواتها، وإنشاء برامج تدريب مناسبة، وتعديل عقائدها وخططها الدفاعية بشكل كبير.
تجدر الإشارة إلى أن المقال يتعرض بالأساس لخيارات دول الخليج لشراء أسلحة من أطراف خارجية بهدف سد الفجوات الناتجة عن الصراع الأخير. ويعد هذا الاإقتراب طبيعيًااً عندما يصدر عن مركز دراسات مقره بريطانيا، ويتبع منتدى دافوس، حيث أنه لا يتطرق بالتالي لكيفية تأسيس منظومات صناعات عسكرية يمكن انتاجها محليًااً ما يجعل هذه الدول تقلل بالتدريج من اعتمادها على الخارج في شراء السلاح، خاصة وأن هذه الدول لا تنقصها الإمكانيات المادية اللازمة لتأسيس مثل هذه الصناعات. لننظر مثلًااً إلى إيران أو تركيا، التي تعمل منذ فترة لتحقيق درجة عالية من الاإعتماد على الذات في انتاج أنظمة السلاح الملائمة لها.
الملاحظة الثانية، أن الدراسة، وهي تقدم الدول التي يمكنها تقديم أسلحة بديلة لتعويض الفاقد، ذكرت دولًااً مثل كوريا الجنوبية وأوكرانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، ولم تشر مطلقًااً إلى دول إسلامية لها تجارب مهمة في صناعة السلاح كتركيا وباكستان، رغم أن هناك توجه ومباحثات لعدد من دول الخليج للاتجاه لهما، سواء لشراء منظومات أسلحة، أو لتأسيس صناعات عسكرية مشتركة. لا يمكن أن يكون هذا الإغفال من قبيل السهو، حيث من الواضح أن التوجه الغربي لن يكون مع توجه كهذا، يتضمن تعاونًااً مشتركًااً فيما بين دول عربية وإسلامية لتقليل الاإرتهان للخارج للحصول على احتياجاتها من السلاح.
وقد جاء المقال على النحو التالي:
تسعى دول الخليج العربي إلى تعزيز دفاعاتها الجوية والصاروخية في أعقاب الهجمات الإيرانية التي وقعت مطلع هذا العام. ورغم النشاط المكثف الذي شهدته هذه الدول، فإن إعادة التسلح ستتطلب ضرورة التغلب على تحديات عديدة من قِبل دول الخليج.
فعلى الرغم من قيام معظم دول الخليج العربي بالاستثمار بكثافة في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي خلال العقد الماضي، إلا أن هجمات إيران الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة في عام 2026 قد استنزفت مخزوناتها وكشفت عن ثغرات في قدراتها تسعى هذه الدول الآن إلى سدّها. ومع ذلك، فإن الطلب على هذه الأنظمة في أعلى مستوياته على الإطلاق، بينما لا يزال إنتاج العديد منها بطيئاً.
دول الخليج تتجه نحو الشراء
لكن دول الخليج كثّفت جهودها في الأسابيع الأخيرة للبحث عن أنظمة دفاع جوي جديدة بعد تعرضها لآلاف الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية. وتُعدّ كوريا الجنوبية وأوكرانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة من بين الدول التي تواصلت معها دول الخليج المهتمة بعمليات شراء قريبة الأجل، تشمل صواريخ اعتراضية وطائرات مسيّرة اعتراضية وأنظمة دفاع نقطي ورادارات وأنظمة صواريخ أرض-جو (انظر الجدول 1 أدناه).
الجدول 1:

وتبحث بعض دول الخليج إمكانية تسريع تسليم الطلبات القائمة. وكانت الولايات المتحدة قد وافقت على مبيعات أسلحة طارئة لدول الخليج بقيمة تزيد عن 41 مليار دولار أمريكي منذ 19 مارس (لم يُعلن منها عن 17 مليار دولار أمريكي)، خُصص نصفها تقريباً لصواريخ باتريوت الاعتراضية.
وفي الوقت نفسه، عقدت الحكومة البريطانية في 18 مارس اجتماعاً ضمّ 13 شركة دفاعية وسفراء وملحقين عسكريين من دول الخليج لبحث سبل دعم صناعة الدفاع البريطانية لشركائها في المنطقة. كما شكّلت لندن فريق عمل للمساعدة في تسريع تمويل وترخيص صادرات الدفاع إلى شركائها في الخليج.
وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد زار دول الخليج العربي في شهر مارس، ثم في شهر إبريل وفي شهر مايو، ووقع اتفاقيات دفاعية مع كل من دولة قطر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. ويمكن لهذه الاتفاقيات أن تُشكل أساساً لشراكات إنتاجية مشتركة، وأن تُسهم في بناء القدرات التصنيعية في أوكرانيا ودول الخليج. وصرح زيلينسكي في العاشر من إبريل بأن المحادثات جارية أيضاً مع البحرين والكويت وعُمان.
التحديات
وعلى الرغم من هذا النشاط المكثف، فإن تجديد مخزونات الأسلحة الأكثر تطوراً، مثل نظام باتريوت الأمريكي للدفاع الجوي والصاروخي بعيد المدى، لن يكون أبداً بالأمر الهين، إذ يتطلب توفير تمويل إضافي سريع في ظل الضغوط الاقتصادية.
كما تشكل فترات الانتظار الطويلة، واختناقات سلاسل التوريد، ونقص القوى العاملة، وتوافر المواد تحديات أمام التصنيع السريع. وقد أدى تقليص حجم الصناعات الدفاعية في الولايات المتحدة وأوروبا خلال التسعينيات إلى انخفاض معدلات الإنتاج وانكماش سلاسل التوريد. وفي مجال الأسلحة الموجَّهة، كان هذا الاتجاه واضحاً بشكل خاص بالنسبة لمحركات الصواريخ في الولايات المتحدة.
وقد بذلت الإدارة الأمريكية الثانية للرئيس دونالد ترامب جهوداً مؤخراً لتوسيع الإنتاج، إلا أن النمو كان أبطأ من المأمول. وتسببت جائحة كوفيد-19 في مشاكل في الإنتاج وسلاسل التوريد، وشهدت تقاعد العديد من الموظفين ذوي الخبرة مبكراً.
كما أدى ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف الطاقة إلى تآكل جزء كبير من الاستثمارات الإضافية الأخيرة. وفي أوروبا، غالباً ما تحدد السياسات الصناعية الإنتاج متعدد الجنسيات بدلاً من الكفاءة الاقتصادية، وقد تسببت القيود الصينية على تصدير المواد الخام الأساسية في عامي 2023 و 2025 في تفاقم المشاكل. وفي الوقت نفسه، يستغرق تشغيل المصانع الجديدة وتوظيف كوادر جديدة عدة سنوات.
وبعد تجاوز فترات الانتظار الطويلة ومعوقات سلاسل التوريد، ستكون الولايات المتحدة و “إسرائيل” في حاجة أولاً إلى إعادة ملء مخزوناتهما من صواريخ الاعتراض، بعد أن استخدمتا المئات منها لأغراض الدفاع ضد الهجمات الإيرانية خلال الحرب.
وحتى قبل الحرب الأخيرة، عانى عملاء الأنظمة الأمريكية من تأخيرات في التسليم نتيجةً لإعطاء الولايات المتحدة الأولوية لإعادة ملء مخزوناتها وتزويد أوكرانيا وتايوان. في أوروبا، غالباً الطلبات الأوكرانية لها الأولوية في عمليات التسليم. وبالإضافة إلى ذلك، تخطط العديد من الدول الأوروبية لزيادة قوات دفاعها الجوي وسعة مخازنها بشكل كبير، مما قد يزيد من صعوبة وضع العملاء من خارج المنطقة.
لطالما كانت لدى دول الخليج العربي طموحات كبيرة لصناعاتها الدفاعية، والتي شملت تطوير وإنتاج أنظمة الدفاع الجوي. ومع ذلك، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تُعد هي الدولة الوحيدة في مجلس التعاون الخليجي التي تُطوّر أنظمة دفاع جوي محلياً، ولا تزال معظم البرامج ذات الصلة قيد التطوير، وبعضها في مراحله الأولى. وحتى لو وصلت بعض البرامج، مثل طائرة الاعتراض بدون طيار “شادو-3″، إلى مرحلة الإنتاج ودخلت الخدمة في نهاية المطاف، فقد تواجه صعوبة في منافسة نظيراتها التي أثبتت جدارتها في القتال.
حلول منخفضة التكلفة لسد الفجوة
وبينما لا تزال جميع الدول تواجه تحديات إنتاجية لأنظمة الدفاع الجوي الأكثر تعقيداً، تتوفر الآن مجموعة من الأنظمة منخفضة التكلفة. ورغم وجود تحديات إنتاجية لبعض هذه الأنظمة، مثل هيمنة الصين على إنتاج المكونات ذات الاستخدام المزدوج اللازمة للطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، إلا أنها أقل تكلفةً وغالباً ما يتم تسليمها بسرعة أكبر.
وقد أثبتت العديد من هذه الأنظمة فعاليتها ضد طائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه مماثلة في أوكرانيا. ولكن لا يمكن لهذه الطائرات المسيّرة الاعتراضية، أو أنظمة الليزر، أو أنظمة المدفعية أن تحل محل القدرات التي توفرها أنظمة الدفاع الصاروخي الباليستي مثل نظام الدفاع الصاروخي الطرفي عالي الارتفاع (THAAD)، لكنها قادرة على التعامل مع أنظمة إيران الهجومية منخفضة التكلفة مثل طائرات شاهد المسيّرة. ونظراً لأن القدرات الصناعية لدول الخليج لا تزال محدودة في هذا المجال، فإنها سيتعين عليها مواصلة الشراكة مع جهات خارجية.
وينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات الرسمية التي تطلقها دولة الإمارات العربية المتحدة بأنها قد عطّلت 85% من الطائرات المسيّرة التي استهدفت البلاد باستخدام أجهزة تشويش محلية الصنع مثل NAVCONTROL، ولكنها قد تمثل بصيص أمل بهذا الخصوص.
ويُعدّ إعلان المملكة المتحدة مؤخراً عن عقدٍ لشراء طائرة “سكاي هامر” Skyhammer الاعتراضية من شركة “كامبريدج إيروسبيس”، لصالحها ولشركائها الخليجيين، مثالاً على ذلك. وتُعتبر طائرة “APKWS-II” من شركة “بي إيه إي سيستمز” BAE Systems، التي وافقت الولايات المتحدة على بيع 11,500 منها لدول الخليج منذ شهر مارس، حلاً آخر منخفض التكلفة لمواجهة الطائرات المسيّرة.
وتُمثّل جولة زيلينسكي في المنطقة وإبرام العديد من الاتفاقيات الدفاعية جانباً آخر من هذا التوجه. ورغم عدم الكشف عن تفاصيل هذه الصفقات، إلا أن خبرة أوكرانيا في النزاعات، وكفاءتها في معدات الدفاع الجوي، وقدرتها على تنسيق مختلف أنظمة الاستشعار والتسليح، قد تُشكّل قيمةً كبيرة في هذا المجال.
ومنذ أواخر عام 2024، بدأت كييف تبرز مجدداً كمصدر محتمل لتكنولوجيا الدفاع والمعرفة الفنية، بدلاً من كونها مجرد متلقٍ لها، إلا أن طلبها لا يزال مرتفعاً، ويبقى أن ننتظر ونرى كيف سيُطبّق عرض أوكرانيا للمساعدة عملياً.
المتوقع
من المتوقع أنه لن ينتهي التحدي الذي يواجه دول الخليج بانتهاء عمليات التسليم (للأنظمة الدفاعية) لها. إذ سيتحتم عليها بعد ذلك دمج هذه الأنظمة في قواتهم، وإنشاء مسارات تدريب مناسبة، وتعديل عقائدهم وأوضاعهم الدفاعية كذلك.




