من المتاجر إلى البيت الأبيض: كيف تحولت مقاطعة كندا للسلع الأمريكية إلى ورقة ضغط اقتصادية؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
بعد نحو ثمانية عشر شهرًا من بدء المواجهة التجارية بين كندا والولايات المتحدة، لم تعد دعوات الكنديين إلى تجنب السلع الأمريكية والسفر إلى الولايات المتحدة مجرد موجة احتجاج مؤقتة. فقد أظهرت بيانات التجارة والسياحة وتدخلات السياسيين الأمريكيين أن التحول في سلوك المستهلك الكندي بدأ يترك آثارًا قابلة للقياس على قطاعات أمريكية، أبرزها السيارات والمشروبات الكحولية والسياحة.
بدأت المواجهة رسميًا في فبراير/شباط 2025، عندما أعلنت الحكومة الكندية اعتزامها فرض رسوم مضادة بنسبة 25% على واردات أمريكية تصل قيمتها إلى 155 مليار دولار كندي، ردًا على الرسوم التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب. ودخلت المرحلة الأولى، التي استهدفت سلعًا أمريكية بقيمة 30 مليار دولار كندي، حيز التنفيذ في 4 مارس/آذار 2025، وشملت النبيذ والمشروبات الروحية والبيرة والقهوة والملابس والأجهزة المنزلية وغيرها. وفي 9 أبريل/نيسان، أضافت كندا رسومًا على المركبات الأمريكية.
وبالتوازي مع الإجراءات الحكومية، أوقفت مجالس المشروبات الكحولية التابعة للمقاطعات شراء المنتجات الأمريكية وأزالتها من المتاجر. وأكد البيت الأبيض نفسه أن جميع المقاطعات والأقاليم الكندية أوقفت في مارس/آذار 2025 شراء المشروبات الأمريكية أو توزيعها أو بيعها، قبل أن تتراجع ألبرتا وساسكاتشوان لاحقًا، بينما استمرت أسواق كبرى مثل أونتاريو وكيبيك في القيود.
لذلك، فإن القول إن «أحدًا لم ينظم المقاطعة» ليس دقيقًا بالكامل. فهناك شق شعبي لامركزي تمثل في قرارات المستهلكين، لكنه تزامن مع رسوم حكومية وإجراءات اتخذتها سلطات المقاطعات وشركات بيع الكحول المملوكة للدولة. الأدق وصف ما حدث بأنه مقاطعة هجينة جمعت بين الاحتجاج الاستهلاكي والسياسة التجارية الرسمية.
تراجع التجارة مع الولايات المتحدة
تكشف بيانات وزارة الشؤون العالمية الكندية أن واردات كندا من السلع الأمريكية انخفضت خلال عام 2025 بنحو 14.6 مليار دولار كندي، أي 3%، بينما ارتفعت واردات الخدمات الأمريكية ارتفاعًا طفيفًا بنحو 300 مليون دولار. وبذلك بلغ صافي الانخفاض في واردات السلع والخدمات من الولايات المتحدة نحو 14.3 مليار دولار كندي، وليس رقمًا مفتوحًا من «عشرات المليارات» كما توحي بعض المنشورات. وفي المقابل، ارتفعت واردات كندا من الدول الأخرى بنحو 44.5 مليار دولار، ما يشير إلى انتقال جزء من الطلب إلى موردين بديلين، وليس مجرد تراجع عام في الاستهلاك.
وكان قطاع السيارات من أكثر القطاعات تأثرًا. وتقول بيانات الحكومة الكندية إن قيمة واردات المركبات وقطعها من الولايات المتحدة انخفضت في 2025 بمقدار 5.2 مليارات دولار كندي، أو 6.3%. كما أعلن البيت الأبيض أن واردات كندا من المركبات الأمريكية انخفضت بين أبريل/نيسان 2025 ومارس/آذار 2026 بنحو 22%، من 25.9 مليار دولار إلى 20.3 مليار دولار، أي بانخفاض يقارب 5.6 مليارات دولار.
أما الادعاء المتداول بأن كندا استوردت «94,148 سيارة أمريكية أقل، بانخفاض 12%»، فلم نجد له مصدرًا رسميًا موثوقًا بهذه الصيغة. البيانات الحكومية المتاحة تقيس الانخفاض أساسًا بالقيمة المالية، وتظهر تراجعًا أكبر بلغ 22% خلال فترة الاثني عشر شهرًا الممتدة من أبريل/نيسان 2025 إلى مارس/آذار 2026.
السياحة تضرب المناطق الحدودية
امتد أثر المقاطعة إلى السفر. فقد انخفضت زيارات الكنديين إلى الولايات المتحدة بنحو 22% خلال 2025، مقارنة بالعام السابق. وبالاستناد إلى إنفاق الكنديين البالغ 20.5 مليار دولار أمريكي في 2024، قُدّرت خسارة الاقتصاد الأمريكي من هذا التراجع بنحو 4.5 مليارات دولار. لكن الرقم تقديري، ناتج عن ضرب نسبة تراجع الزيارات في مستوى الإنفاق السابق، وليس حصيلة محاسبية نهائية لجميع الشركات الأمريكية.
واستمر التراجع خلال مطلع 2026؛ إذ سجل مارس/آذار الشهر الخامس عشر على التوالي من الانخفاض السنوي في رحلات الكنديين إلى الولايات المتحدة. وعلى الرغم من عودة نمو محدود في أبريل ومايو مقارنة بالمستويات المنخفضة لعام 2025، ظلت الرحلات أقل بنحو 15% إلى 27% من مستويات 2024، ما يرجح حدوث تحول أطول أمدًا في الوجهات التي يختارها الكنديون.
وفي دراسة أكاديمية نشرت في دورية «جورنال أوف إنترناشونال إيكونوميكس»، قدّر باحثون أن انخفاض الزيارات الكندية تسبب في فقدان ما بين 13,900 و42,100 وظيفة في الولايات المتحدة، تركزت في عدد محدود من المناطق والقطاعات الأكثر اعتمادًا على الزوار الكنديين. ولذلك فإن رقم 42,100 يمثل الحد الأعلى لتقدير إحصائي، وليس عددًا نهائيًا مؤكدًا للوظائف التي اختفت.
النبيذ يحول المقاطعة إلى أزمة سياسية
ظهر الأثر السياسي للمقاطعة بوضوح في صناعة النبيذ الأمريكية. ففي 6 يوليو/تموز 2026، أعلن السيناتور الديمقراطي عن كاليفورنيا آدم شيف أنه طلب من رئيسة وزراء كيبيك كريستين فريشيت إنهاء القيود المفروضة على النبيذ الأمريكي، محذرًا من أن القطاع فقد الوصول إلى سوق تقدر قيمتها بـ434 مليون دولار. وأكد شيف معارضته لسياسات ترامب التجارية، لكنه قال إن مزارعي النبيذ لا يملكون تأثيرًا في قرارات الإدارة الفيدرالية ويتحملون تبعاتها.
ولم تكن رسالة شيف التحرك الأمريكي الوحيد؛ إذ سبق أن وجهت مجموعة من المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين في كاليفورنيا رسالة مماثلة إلى كيبيك. كما أظهرت بيانات لاحقة أن صادرات المشروبات الكحولية الأمريكية إلى كندا انخفضت من نحو 718 مليون دولار إلى 137 مليونًا بين مارس/آذار 2025 وفبراير/شباط 2026، أي بنسبة 81%.
وتشير هذه النتائج إلى أن اختيار المشروبات الكحولية لم يكن عشوائيًا. فالمنتجات النهائية مثل النبيذ والويسكي يسهل استبدالها بمنتجات كندية أو أوروبية، بخلاف المكونات الصناعية المعقدة. وقد ارتفعت مبيعات النبيذ المنتج في أونتاريو بنحو 44%، بينما تراجعت صادرات الكحول الأمريكية إلى كندا بصورة حادة، ما جعل المقاطعة مصدر ضغط مباشر على دوائر انتخابية أمريكية.
هل شارك 99% من الكنديين؟
لا تدعم استطلاعات الرأي الادعاء بأن 99% من الكنديين شاركوا في المقاطعة. ففي فبراير/شباط 2025 قال 67% إنهم يعتزمون تجنب السلع الأمريكية، وارتفعت النسبة إلى 72% في يونيو/حزيران. وفي سبتمبر/أيلول قال 58% إنهم تجنبوا منتجات أو خدمات أو استثمارات أو سفرًا أمريكيًا خلال الأسبوعين السابقين، بينما ذكر 56% أنهم اشتروا مزيدًا من المنتجات الكندية.
وتشير هذه النسب إلى مشاركة واسعة، لكنها ليست إجماعًا وطنيًا. كما أن السعر وتوافر البدائل ظلا عاملين مهمين، خصوصًا لدى الفئات الأصغر سنًا. ومع ذلك، قال 82% ممن غيروا سلوكهم الشرائي إنهم سيواصلون شراء المنتجات الكندية حتى بعد انتهاء الأزمة، وهي إشارة إلى أن بعض التحول قد يصبح دائمًا.
من رد فعل عاطفي إلى تغير هيكلي
اقتصاديًا، لا تستطيع مقاطعة كندية وحدها إحداث انهيار شامل في الاقتصاد الأمريكي، خصوصًا في ظل ضخامة التجارة بين البلدين وتشابك سلاسل الإمداد. لكنها أثبتت قدرة المستهلكين والمقاطعات على إلحاق أذى مركز بقطاعات محددة تعتمد على السوق الكندية، مثل النبيذ والسيارات والسياحة الحدودية.
والأهم أن التأثير لم يعد يقتصر على انخفاض المبيعات؛ فقد دفع أعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين إلى مخاطبة حكومات المقاطعات مباشرة، وأصبح حظر الكحول والقيود على السيارات من المبررات التي استخدمتها إدارة ترامب لفرض رسوم أمريكية جديدة بنسبة 50% على منتجات كندية في يوليو/تموز 2026.
تكمن قوة المقاطعة، إذن، في استهدافها منتجات يمكن استبدالها بسهولة، وفي استمرارها مدة كافية لدفع الشركات إلى تغيير الأسواق وسلاسل التوريد. لكنها ليست حركة عفوية بنسبة 100%، ولا يشارك فيها 99% من السكان، كما أن بعض الأرقام المتداولة عن السيارات والوظائف تُعرض من دون توضيح منهجيتها.
ومع ذلك، تثبت البيانات أن المقاطعة تحولت من تعبير رمزي عن الغضب تجاه رسوم ترامب وتهديداته للسيادة الكندية إلى عنصر مؤثر في التجارة والسياحة والسياسة الأمريكية، وأن إصلاح الضرر في العلاقة بين البلدين قد يكون أصعب من مجرد إلغاء رسوم جمركية.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




