قمة الناتو في أنقرة 2026: تحولات الحلف وصعود الدور التركي في بنية الأمن الأوروبي والإقليمي

مثّلت قمة حلف شمال الأطلسي التي استضافتها أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026 لحظة انتقالية في مسار الحلف؛ إذ لم تنشغل أساسًا بوضع أهداف دفاعية جديدة، بقدر تركيزها على تحويل التعهدات التي أقرها الحلفاء في قمة لاهاي عام 2025 إلى قدرات عسكرية وإنتاج صناعي وتسليح مشترك. وعكست القمة ما أطلق عليه الأمين العام للحلف مارك روته مفهوم «الناتو 3.0»، أو النسخة الثالثة من الناتو، أي إعادة موازنة المسؤوليات داخل الحلف عبر بناء ركيزة أوروبية أقوى، مع استمرار الولايات المتحدة بوصفها القوة العسكرية والاقتصادية المركزية في المنظومة الأطلسية.
أعادت القمة تأكيد الالتزام بالمادة الخامسة من معاهدة واشنطن، وبالمقاربة الدفاعية الشاملة بزاوية 360 درجة، كما أعلنت عن مشتريات دفاعية جديدة تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، واستثمارات بقيمة 40 مليار دولار في قدرات مكافحة الأنظمة غير المأهولة، و27 مليار يورو لتحديث البنية التحتية للوقود والتوزيع العسكري، إلى جانب تعهد بتقديم 70 مليار يورو من المعدات والتدريب والمساعدات العسكرية لأوكرانيا خلال عام 2026، والحفاظ على مستوى مماثل على الأقل في عام 2027.
بالنسبة لتركيا، تجاوزت أهمية القمة مجرد استضافتها للمرة الثانية في تاريخ البلاد، والأولى في العاصمة أنقرة. فقد سعت القيادة التركية إلى إعادة تعريف موقع البلاد داخل الحلف، بحيث لا تبقى مجرد دولة يستفاد من موقعها الجغرافي لحماية الجناح الجنوبي الشرقي، وإنما تتحول إلى قاعدة إنتاج وتسليح، ومركز لوجستي، وقوة إقليمية قادرة على العمل في البحر الأسود والشرق الأوسط والقوقاز وشرق المتوسط. وقد دعمت القمة جزئيًا هذا التوجه من خلال إشراك شركات ومؤسسات تركية في خمسة مجالات استراتيجية أطلسية، وإبراز القدرات التركية في المسيّرات والدفاع الجوي والصواريخ والأنظمة البحرية والفضائية.
كما حققت أنقرة اختراقًا سياسيًا في علاقاتها مع واشنطن، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه رفع العقوبات المفروضة على تركيا بموجب قانون «مواجهة خصوم أمريكا من خلال العقوبات – CAATSA»، وأبدى انفتاحًا على دراسة بيع مقاتلات «إف-35» لها. غير أن هذا الاختراق لم يتحول حتى تاريخ إعداد التقرير إلى قرار قانوني وتنفيذي نهائي؛ إذ ما تزال عودة تركيا إلى البرنامج مرتبطة بمصير منظومة «إس-400» الروسية (التي يجري الحديث عن بيعها لدولة ثالثة، قد تكون دولة الإمارات، وبموقف الكونجرس الأمريكي، وبالاعتراضات الإسرائيلية على أي تغيير محتمل في التوازن العسكري الإقليمي.
وتشير نتائج القمة إلى أن الدور التركي القادم داخل الناتو سيقوم على خمسة محاور مترابطة: التحول إلى ركيزة صناعية للحلف، وتولي مسؤوليات أكبر في الجناح الجنوبي، وضبط التوازن الأمني في البحر الأسود، والمشاركة في بناء الركيزة الأوروبية للحلف، واستخدام الموقع الأطلسي لتوسيع هامش الحركة التركية في الشرق الأوسط والقوقاز وشرق المتوسط. ومع ذلك، ستبقى هذه الأدوار محكومة بتناقض دائم بين رغبة تركيا في الاندماج في المنظومة الدفاعية الغربية، وتمسكها بسياسة خارجية مستقلة، وعلاقات متشعبة مع روسيا ودول الخليج وآسيا وأفريقيا، وتنافس مستمر على النفوذ في المنطقة مع إسرائيل.
لماذا تعد قمة أنقرة محطة مختلفة؟
انعقدت قمة أنقرة في بيئة دولية اتسمت بتراجع الثقة بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، وتصاعد المخاوف من خفض الوجود العسكري الأمريكي في القارة، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، واتساع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واضطراب الملاحة والطاقة في مضيق هرمز. لذلك لم تكن القمة مجرد اجتماع دوري، بل اختبارًا لقدرة الناتو على التكيف مع عالم تصبح فيه القيادة الأمريكية أقل استقرارًا، وتضطر أوروبا إلى تحمل حصة أكبر من أعباء الدفاع التقليدي عن القارة.
أعلن الناتو أن هدف القمة الرسمي هو مراجعة التقدم المحقق منذ قمة لاهاي لعام 2025، ووضع خريطة طريق لمواصلة تنفيذ أهداف الحلف، ولا سيما رفع الإنفاق الدفاعي، وزيادة الإنتاج الصناعي، وتعزيز الابتكار والتعاون مع القطاع الخاص. وهذا يعني أن قمة أنقرة كانت «قمة تنفيذ» أكثر منها قمة تأسيس لمفاهيم استراتيجية جديدة؛ رغم أن شعار «أوروبا أقوى داخل ناتو أقوى» منحها بعدًا سياسيًا يتصل بإعادة توزيع القيادة والمسؤولية داخل الحلف.
تزامنت القمة كذلك مع ارتفاع القيمة الاستراتيجية لتركيا. فأنقرة تسيطر بموجب اتفاقية مونترو على الممر البحري بين البحر الأسود والبحر المتوسط (خلال مضايق البوسفور والدردنيل)، وتجاور روسيا وأوكرانيا والقوقاز والعراق وسوريا وإيران، وتملك أحد أكبر الجيوش داخل الحلف، ثاني أكبر جيش في الواقع بعد الولايات المتحدة، إضافة إلى صناعة دفاعية متنامية وقدرة على التواصل مع أطراف لا تستطيع العواصم الغربية الوصول إليها بسهولة. لذلك باتت تركيا بالنسبة إلى واشنطن وبروكسل عنصرًا في إعادة تشكيل الأمن الأوروبي، لا مجرد طرف في خلافات ثنائية حول الديمقراطية أو قبرص أو شراء الأسلحة الروسية.
أولًا: السياق الاستراتيجي للقمة
- أزمة الثقة عبر الأطلسي
دخل الأوروبيون القمة وهم يخشون أن تتحول التوترات مع الرئيس الأمريكي إلى مواجهة علنية تهدد تماسك الحلف. فقد سبق لترامب أن انتقد مساهمات الدول الأوروبية، ولوّح بمراجعة الوجود العسكري الأمريكي في القارة، وهاجم مواقف حلفاء رفضوا دعم الحرب على إيران أو استخدام قواعدهم في العمليات الأمريكية، كما استمر خلافه مع الدنمارك بشأن جرينلاند، ومع إسبانيا بشأن الإنفاق الدفاعي والتعاون العسكري.
أصبحت المحافظة على مشاركة ترامب وتأكيده الالتزام بالمادة الخامسة معيارًا رئيسيًا لنجاح القمة. وقد رأى تحليل المجلس الأطلسي قبل انعقادها أن أهم إنجاز محتمل قد لا يكون قرارًا استراتيجيًا جديدًا، بل مجرد انعقاد القمة بحضور الرئيس الأمريكي وخروجها بإعادة تأكيد واضحة للدفاع الجماعي. وبذلك انخفض سقف النجاح من إنتاج اختراقات كبرى إلى منع حدوث انقسام علني داخل الحلف.
بعد بداية متوترة، أعلن ترامب مجددًا التزامه بالحلف، ووقّع القادة على إعلان يتضمن التمسك بالمادة الخامسة. لكن رويترز و«وول ستريت جورنال» رصدتا أن الارتياح الأوروبي نبع أساسًا من تجنب الأسوأ، لا من زوال أزمة الثقة؛ إذ بقيت مراجعة الوجود الأمريكي في أوروبا قائمة، وظلت الدول الأوروبية تستعد لمزيد من التقلبات في العلاقة مع واشنطن.
- انتقال العبء الدفاعي من الولايات المتحدة إلى أوروبا
استندت قمة أنقرة إلى التعهد الذي أقره أعضاء الناتو في لاهاي عام 2025 برفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، موزعًا بصورة عامة بين 3.5% للإنفاق الدفاعي الأساسي و1.5% للبنية التحتية والمرونة والأمن السيبراني والمجالات المرتبطة بالأمن. وكان هدف أنقرة إظهار أن الزيادة في الميزانيات بدأت تتحول إلى معدات ومصانع وقدرات قابلة للاستخدام.
أفاد إعلان أنقرة بأن الحلفاء الأوروبيين وكندا زادوا استثماراتهم في المتطلبات الدفاعية الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار خلال عام 2025. كما قال روته إن إجمالي الإنفاق الدفاعي والأمني بات يقترب من 4% بعد عام واحد فقط من بدء تنفيذ الخطة الممتدة لعشر سنوات، وهو ما استخدمه الحلف لإقناع واشنطن بأن الأوروبيين بدأوا تحمل مسؤولية أكبر.
لكن رفع الميزانيات لا يعني تلقائيًا امتلاك قدرات عسكرية جاهزة؛ فزيادة الإنتاج تحتاج إلى وقت وخطوط تصنيع وعمالة ماهرة وسلاسل إمداد مستقرة، فيما تعاني الصناعات الأمريكية والأوروبية من تراكم الطلبات ونقص الذخائر والصواريخ الاعتراضية. ولهذا تحولت الصناعة الدفاعية إلى المحور الأبرز في قمة أنقرة، بدل الاكتفاء بقياس المساهمات كنسبة من الناتج المحلي.
- الحرب في أوكرانيا والتهديد الروسي
أعاد إعلان أنقرة توصيف روسيا باعتبارها تهديدًا طويل الأمد للأمن والاستقرار في المنطقة الأوروبية الأطلسية، وربط رفع الإنفاق بضرورة ردع موسكو ومواجهة الإرهاب والتهديدات الهجينة. كما أكد القادة استمرار الدعم السياسي والعسكري لأوكرانيا، مع تحميل الحلفاء الأوروبيين وكندا الجزء الأكبر من التمويل في ظل تراجع المساهمة الأمريكية المباشرة.
تعهد الحلفاء بتقديم 70 مليار يورو من المعدات والتدريب والمساعدات العسكرية لأوكرانيا خلال عام 2026، والمحافظة على مستوى مكافئ على الأقل في عام 2027. غير أن بعض الصحف الغربية أشارت إلى أن جزءًا من المبلغ يمثل إعادة تجميع لتعهدات ثنائية وأوروبية قائمة، لا تمويلًا جديدًا بالكامل، ما يجعل القيمة السياسية للالتزام أكبر من أثره المالي الجديد المباشر.
حققت كييف مكسبًا إضافيًا عندما أعلن ترامب استعداد الولايات المتحدة لمنحها ترخيصًا لإنتاج صواريخ اعتراضية مرتبطة بمنظومة «باتريوت». إلا أن التفاصيل التقنية والتجارية ظلت غير مكتملة، بما في ذلك نوع الصاروخ الذي سيجري إنتاجه، والشركات المعنية، والجدول الزمني، الأمر الذي يجعل الإعلان خطوة سياسية مهمة لكنها غير مكتملة التنفيذ.
- إيران ومضيق هرمز والجناح الجنوبي
جاءت القمة بعد أن أصبحت الحرب مع إيران واستخدام القواعد والمجالات الجوية الأوروبية موضوع خلاف داخل الحلف. وأدرج إعلان أنقرة موقفًا ينص على أن إيران يجب ألا تمتلك سلاحًا نوويًا، ودعاها إلى احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز، ما عكس انتقال قضايا الشرق الأوسط من هامش أجندة الناتو إلى صلب النقاش بشأن أمن الدول الأعضاء والطاقة والتجارة العالمية.
أكد أردوغان استعداد تركيا للمساهمة في إزالة الألغام من مضيق هرمز، وشدد على أن أنقرة لا تريد تحوله إلى «بحيرة حرب». كما شكر الولايات المتحدة وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا على المساهمات المرتبطة بالدفاع الجوي التركي في مواجهة التهديدات الصاروخية، وركز على أهمية توسيع التعاون مع دول مبادرة إسطنبول للتعاون الخليجية.
يمثل هذا التطور فرصة لتركيا؛ لأن أنقرة تستطيع تقديم نفسها بوصفها حلقة اتصال بين الحلف ودول الخليج، وعضوًا أطلسيًا له مصالح مباشرة في استقرار إيران والعراق وسوريا ولبنان وممرات الطاقة. لكن ذلك يضع تركيا أيضًا أمام مخاطر الانخراط في سياسات ردع أو عمليات إقليمية قد تتعارض مع رغبتها في المحافظة على علاقات عمل مع طهران.
ثانيًا: النتائج والقرارات الرسمية لقمة أنقرة
- تثبيت المادة الخامسة والدفاع بزاوية 360 درجة
استهل إعلان أنقرة بالتأكيد أن الهجوم على دولة عضو يعد هجومًا على جميع الدول الأعضاء، وأن وحدة الحلف وتضامنه وقوته الجماعية تمثل أساس أمن نحو مليار شخص يعيشون في دول الناتو. كما أعاد الإعلان تأكيد المقاربة الدفاعية بزاوية 360 درجة، أي عدم حصر التهديدات في روسيا والجناح الشرقي، بل التعامل أيضًا مع الإرهاب وعدم الاستقرار والصواريخ والمسيّرات والأخطار القادمة من الجنوب.
تكتسب صيغة 360 درجة أهمية خاصة لتركيا وإيطاليا وإسبانيا ودول جنوب الحلف، لأنها تمنع انحصار التخطيط الأطلسي في البلطيق وبولندا وحدهما، وتتيح إدراج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والساحل وأمن البحر المتوسط ضمن مفهوم الأمن الجماعي. ومن هذه الزاوية، وفرت القمة أساسًا سياسيًا لزيادة الوزن التركي داخل عملية تحديد التهديدات والأولويات.
- مشتريات واتفاقات دفاعية تتجاوز 50 مليار دولار
أعلن الناتو عن مشتريات واتفاقات صناعية ودفاعية تتجاوز 50 مليار دولار. وشملت الإعلانات بدء مفاوضات لشراء ما يصل إلى عشر طائرات «جلوبال آي» للإنذار المبكر من شركة ساب السويدية، ومذكرة بين لوكهيد مارتن وراينميتال لإنتاج صواريخ «أتاكمز» في ألمانيا، وإنشاء منشأة أوروبية لصيانة صواريخ «باتريوت »PAC-3.
تضمنت الحزمة كذلك شراء بريطانيا صواريخ «PrSM» بعيدة المدى بقيمة تقارب 254 مليون دولار، وإعلان أربع دول أوروبية نيتها شراء ما يصل إلى خمس طائرات استطلاع مسيّرة من طراز «MQ-4C Triton»، وإطلاق أسطول نقل استراتيجي يعتمد على طائرات «A400M»، وتوسيع أسطول طائرات التزود بالوقود «A330 MRTT».
وشملت الاتفاقات أيضًا إنشاء منصة إطلاق صاروخية في كندا بالتعاون مع شركة «إيزار إيروسبيس» الألمانية، وتوقيع عقد بنحو 200 مليون يورو بين «أكسنتشر» و«ليوناردو» لتطوير وتشغيل شبكة اتصالات أطلسية آمنة، فضلًا عن الاتفاق الأمريكي الألماني المتعلق بصواريخ «توماهوك». ومع ذلك، أوضحت رويترز أن بعض هذه الإعلانات عقود نهائية، بينما لا يزال بعضها مذكرات أو خططًا تحتاج إلى مفاوضات وموافقات لاحقة.
تعكس هذه الحزمة تحولًا في وظيفة القمم الأطلسية؛ إذ أصبحت مناسبة لربط السياسة الدفاعية بالمجمع الصناعي العسكري، وإظهار أن الإنفاق الدفاعي ينتج عقودًا وفرص عمل وقدرات ملموسة. كما استخدمت قيادة الحلف هذه الصفقات في مخاطبة ترامب، عبر التأكيد أن الناتو لا يحمّل الولايات المتحدة أعباء إضافية فقط، بل يولد أيضًا طلبًا كبيرًا على الشركات الأمريكية.
- مبادرة مواجهة المسيّرات
أطلق الحلف مبادرة «NATO Drone Edge»، التي تتضمن استثمار أكثر من 40 مليار دولار خلال خمس سنوات في قدرات مكافحة الطائرات والأنظمة غير المأهولة بشرياً. وتهدف المبادرة إلى تطوير وسائل الرصد والاعتراض والحرب الإلكترونية والقيادة والسيطرة، استنادًا إلى الدروس المستخلصة من أوكرانيا والشرق الأوسط.
تشكل هذه المبادرة مجالًا مناسبًا للصناعة التركية؛ إذ تملك شركات مثل أسيلسان وروكيتسان وبايكار خبرة في المسيّرات والرادارات والحرب الإلكترونية والذخائر الذكية. كما طرحت تركيا فكرة إنشاء مركز تميز لمواجهة الأنظمة غير المأهولة والحصول على اعتماد الناتو، وإن كان المسار المؤسسي للمقترح لم يكتمل حتى تاريخ إعداد التقرير.
- تحديث شبكة الوقود والبنية اللوجستية
أعلن الناتو عن استثمار بقيمة 27 مليار يورو لتحديث منشآت تخزين الوقود وشبكات توزيعه وإنشاء بنى جديدة، تشمل خطوطًا تمتد باتجاه الجزء الشرقي من الحلف. والهدف هو ضمان قدرة القوات على الحركة والاستمرار في القتال خلال الأزمات الكبرى، بدل الاعتماد على شبكات مدنية أو بنى تحتية غير مهيأة للحرب.
تمثل تركيا في هذا المجال عقدة محتملة بين الموانئ والمطارات والقواعد العسكرية في البحر المتوسط والبحر الأسود والشرق الأوسط. ومن شأن تطوير البنية اللوجستية الأطلسية أن يزيد أهمية الأراضي التركية في عمليات النقل والتخزين والتزود بالوقود، لكنه قد يثير في الوقت نفسه نقاشًا داخليًا بشأن حدود استخدام المنشآت التركية في أزمات لا ترغب أنقرة في الانخراط المباشر فيها. ويظل هذا استنتاجًا مرتبطًا بموقع تركيا وبنية خطط الحلف، وليس قرارًا معلنًا بتخصيص استثمارات الوقود لتركيا.
- توسيع العلاقة مع الصناعة والابتكار
أطلق الحلف «البوابة الأمامية للصناعة»، واعتمد استراتيجية لتعزيز التعاون بين الناتو والقطاع الصناعي، وتوسيع القدرة التصنيعية وإزالة العوائق أمام التجارة الدفاعية بين الحلفاء. وتنسجم هذه الآليات مع مطالبة تركيا المستمرة بإنهاء القيود المفروضة على صادرات الأسلحة ونقل التكنولوجيا والتعاون بين الشركات الأطلسية.
كما ربطت القمة بين التصنيع التقليدي والفضاء والذكاء الاصطناعي والمراقبة والاستطلاع والاتصالات الآمنة والمواد الخام الحرجة. ويدل ذلك على أن مفهوم الردع الأطلسي لم يعد يقتصر على الدبابات والطائرات، بل بات يتضمن سلاسل التوريد والرقائق والبيانات والأقمار الصناعية وشبكات القيادة والتحكم.
ثالثًا: الأهداف التركية في القمة
- إنهاء القيود الدفاعية بين الحلفاء
جعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رفع القيود الدفاعية بين أعضاء الناتو مطلبًا مركزيًا، مؤكدًا أن استبعاد الدول الأطلسية غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من المبادرات الدفاعية الأوروبية يخلق انقسامات مصطنعة. كما أشار إلى أن بعض القيود على تجارة المنتجات الدفاعية التركية تراجعت، لكنها لم تختفِ، وطالب بإزالتها من دون شروط.
نجحت تركيا في إدخال إشارة إلى إزالة العوائق التجارية الدفاعية في إعلان القمة، الذي تعهد بمواصلة العمل على إنهاء حواجز التجارة الدفاعية بين الحلفاء. ولا يعني ذلك إلغاء القيود الوطنية تلقائيًا، لكنه يمنح أنقرة وثيقة أطلسية تستطيع استخدامها في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة وكندا وألمانيا وفرنسا ودول أخرى.
يرتبط هذا الملف أيضًا بآلية «SAFE» الأوروبية لتمويل الصناعات الدفاعية، التي تسعى تركيا إلى دخولها أو إقامة صيغة مشاركة خاصة فيها. وتواجه أنقرة اعتراضات مرتبطة بقبرص واليونان والخلافات السياسية مع الاتحاد الأوروبي، رغم أن عددًا من مراكز الأبحاث يرى أن استبعاد صناعة دفاعية كبيرة مثل الصناعة التركية يضعف قدرة أوروبا على إعادة التسلح بسرعة.
- الاعتراف بتركيا كقوة إنتاج لا مجرد قوة بشرية
ركز الخطاب التركي على أن الردع الحقيقي يحتاج إلى ثلاثة عناصر: التكنولوجيا المتقدمة، وحجم إنتاج كافٍ، واستدامة سلاسل التصنيع. وأكد أردوغان أن تركيا تنتج طائرات وسفنًا ودبابات وأنظمة دفاع جوي ومسيّرات، وتوفر في الوقت نفسه معدات إلى عدد من الحلفاء.
هذا الخطاب يعكس تحولًا في تعريف أنقرة لمساهمتها في الناتو. ففي العقود السابقة، استند الثقل التركي إلى عدد الجنود والموقع الجغرافي والقواعد العسكرية؛ أما الآن فتسعى تركيا إلى إدخال قيمة الصادرات الدفاعية والقدرة على الإنتاج السريع والتكنولوجيا المحلية في حساب مكانتها السياسية داخل الحلف.
- الاندماج في خمسة مجالات استراتيجية
أعلنت رئاسة الصناعات الدفاعية التركية توقيع اتفاقات مرتبطة بخمسة مجالات مشتركة: قدرات الضرب، والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والفضاء والاستطلاع والمراقبة، والمواد الخام الحرجة للصناعات الدفاعية، والتفوق في الأنظمة الجوية غير المأهولة.
تشارك في هذه المشروعات شركات ومؤسسات تركية، من بينها أسيلسان وروكيتسان وSTM ومجلس البحوث العلمية والتكنولوجية التركي «توبيتاك». وقد وصف رئيس رئاسة الصناعات الدفاعية هذه البرامج بأنها مرشحة للمساهمة في تشكيل بنية الردع الأطلسية خلال السنوات المقبلة.
من الناحية التحليلية، يمثل دخول المؤسسات التركية إلى برامج متعددة الجنسيات مكسبًا أكبر من مجرد عقد تصدير منفرد؛ لأنه يتيح لها المشاركة في تصميم المعايير وتبادل الخبرة والدخول إلى سلاسل الإمداد طويلة الأمد. لكن حجم المكسب سيعتمد على حصة الشركات التركية الفعلية، ومستوى نقل التكنولوجيا، ومدى تحول الاتفاقات الأولية إلى عقود إنتاج ملزمة.
- القبة الفولاذية والإنفاق الدفاعي
أعلن أردوغان تخصيص ميزانية إضافية بنحو 24 مليار دولار لمشروع «القبة الفولاذية» للدفاع الجوي، وربط المشروع بتعزيز منظومة الدفاع الجوي والصاروخي للحلف. كما قال إن تركيا تستهدف بلوغ نسبة الإنفاق الدفاعي والأمني البالغة 5% بحلول عام 2030، أي قبل الموعد الأطلسي المحدد في عام 2035.
يتكون مشروع القبة الفولاذية من شبكة متعددة الطبقات من الرادارات والصواريخ والمستشعرات ومراكز القيادة والسيطرة، ويهدف إلى ربط الأنظمة التركية المحلية ضمن بنية واحدة. لكنه مشروع طويل الأمد لم يكتمل نشر تفاصيل عنه بعد، ولذلك ينبغي التمييز بين قدراته المخططة وما أصبح جاهزًا للاستخدام العملياتي.
يمنح المشروع تركيا فرصة لتقديم دفاعها الجوي المحلي بوصفه جزءًا من أمن الناتو الجنوبي، خصوصًا بعد التهديدات الصاروخية والمسيّرة المرتبطة بإيران وسوريا ولبنان. وفي المقابل، ستظل مسألة التوافق التقني وتبادل البيانات مع الأنظمة الأطلسية عاملًا أساسيًا في تحديد مستوى إدماجه في دفاعات الناتو.
- زيادة المساهمات العملياتية
أعلنت تركيا أن طائرات «إف-16» تابعة لسلاحها الجوي ستنتشر في إستونيا ابتداء من أغسطس/آب 2026 في إطار مهمة الشرطة الجوية للناتو. كما أكدت استمرارها في قيادة قوة الناتو في كوسوفو حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2026، واستعدادها لقيادة قوة الرد التابعة للحلف خلال عامي 2028 و2029.
تخدم هذه المساهمات هدفًا سياسيًا واضحًا، هو إثبات أن تركيا لا تركز على الجناح الجنوبي وحده ولا تستخدم عضويتها للحصول على مكاسب فقط، بل تشارك أيضًا في ردع روسيا وحماية المجال الجوي لدول البلطيق واستقرار البلقان. وهذا يعزز حجتها بأن استبعادها من برامج الأمن الأوروبي يتناقض مع مساهمتها الفعلية في الدفاع عن القارة.
- الشراكة الأمنية والدفاعية مع بريطانيا
وقعت تركيا والمملكة المتحدة على هامش القمة شراكة جديدة في مجالي الأمن والدفاع، ووصفتها الحكومة البريطانية بأنها محطة مهمة في العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. وتكتسب الشراكة أهمية في ظل اهتمام الطرفين بالصناعات الجوية والبحرية، وتعاون أنقرة ولندن في ملف مقاتلات «يوروفايتر» والتكنولوجيا الدفاعية.
تعكس هذه الخطوة اتجاه تركيا إلى تنويع شراكاتها داخل الناتو وعدم حصرها في الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. كما يمكن لبريطانيا، بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، أن تصبح شريكًا مناسبًا لتركيا في بناء شبكة دفاع أوروبية أوسع من مؤسسات الاتحاد، وهو ما ينسجم مع مفهوم الركيزة الأوروبية داخل الناتو.
رابعًا: ملف العقوبات الأمريكية ومقاتلات «إف-35»
- خلفية الأزمة
أخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف-35» وفرضت عليها عقوبات بموجب قانون «CAATSA» بعد شرائها منظومة «إس-400» الروسية. وتقول واشنطن إن تشغيل المنظومة الروسية إلى جانب المقاتلات الأمريكية قد يعرض بيانات «إف-35» الحساسة للخطر، بينما تصف أنقرة إخراجها من البرنامج بأنه قرار غير عادل، ولا سيما أنها كانت شريكًا ومساهمًا ماليًا وصناعيًا فيه.
أقر الكونغرس الأمريكي في أواخر عام 2019 قيودًا قانونية تمنع نقل مقاتلات «إف-35» إلى تركيا ما دامت تحتفظ بمنظومة «إس-400» أو تشغلها. ولهذا لا يستطيع إعلان رئاسي وحده إتمام الصفقة من دون معالجة الوضع القانوني للمنظومة الروسية والحصول على دعم أو قبول من الكونغرس.
- تصريحات ترامب في أنقرة
قال ترامب خلال لقائه أردوغان في أنقرة إن إدارته ستعمل على رفع العقوبات المفروضة على تركيا، وإنه سيتخذ قرارًا بشأن بيع مقاتلات «إف-35». وقد مثّل ذلك أوضح إشارة أمريكية منذ سنوات إلى احتمال تغيير السياسة المتعلقة بتركيا، لكنه لم يتضمن جدولًا زمنيًا أو صيغة قانونية نهائية.
صرّح أردوغان بعد القمة بأن ترامب أبدى موقفًا إيجابيًا من ملف «إف-35»، وأعرب عن أمله في تسليم الطائرات إلى تركيا. كما قال إن العقوبات لم تعد تطبق عمليًا بصورة واسعة، إلا أن تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان اللاحقة أكدت أن المفاوضات ما تزال مستمرة للوصول إلى نتيجة، وأن الجانب الروسي يجب إشراكه في الأمر باعتباره الجهة التي باعت الصواريخ لأنقرة، بما يدل على أن الرفع القانوني الرسمي لم يكتمل بعد.
وعليه، يجب التمييز بين ثلاثة مستويات: وجود إرادة سياسية معلنة لدى ترامب، ومفاوضات تنفيذية بين المسؤولين، وتغيير قانوني نهائي يسمح بعودة تركيا إلى البرنامج. وقد تحقق المستوى الأول، وبدأ الحديث عن الثاني، بينما لم يتحقق الثالث بصورة مؤكدة حتى 11 يوليو/تموز 2026.
- مصير منظومة «إس-400»
نشرت وسائل إعلام تركية تقارير عن احتمال نقل منظومة «إس-400» إلى دولة خليجية (قيل أنها دولة الإمارات) بهدف تسهيل تسوية ملف العقوبات و«إف-35». وأكد الكرملين وجود اتصالات مع أنقرة بشأن مصير المنظومة، واصفًا الموضوع بأنه شديد الحساسية، لكنه لم يعلن وجود اتفاق نهائي على نقلها أو بيعها.
لذلك لا يمكن التعامل مع سيناريو نقل المنظومة بوصفه قرارًا تركيًا مؤكدًا، كما أن أي نقل محتمل سيحتاج إلى موافقة أو تفاهم مع روسيا، وإلى قبول أمريكي بأن الترتيب الجديد يزيل المخاطر التقنية والقانونية، فضلًا عن ترتيبات مع الدولة التي قد تستقبل النظام.
- موقف الكونغرس وإسرائيل
من المرجح أن تواجه أي صفقة «إف-35» لتركيا مقاومة داخل الكونغرس، إذ يرى عدد من المشرعين أن امتلاك أنقرة منظومة روسية وعلاقات متوترة مع إسرائيل واليونان يجعل إعادة الطائرات إليها مخاطرة أمنية. وقد أشار ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية إلى وجود عقبات قانونية وتشريعية لم تحسم بعد.
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معارضته بيع تركيا المقاتلات، معتبرًا أن ذلك سيغير توازن القوة في الشرق الأوسط. وأفادت رويترز بأن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ألغى اجتماعًا كان سيبحث الملف مع نتنياهو، في مؤشر إلى حساسية القضية داخل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
يظهر الاعتراض الإسرائيلي أن ملف «إف-35» ليس مسألة تركية أمريكية ثنائية فقط، بل جزء من التوازن العسكري في شرق المتوسط والشرق الأوسط، ومن سياسة واشنطن المتعلقة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي. ومن ثم قد تتحول الصفقة إلى اختبار لمدى استعداد ترامب لتقديم العلاقة مع أردوغان على اعتراضات إسرائيل وبعض أعضاء الكونغرس.
- محركات «إف-110» ومشروع «قآن»
تحركت الإدارة الأمريكية قبيل القمة للمضي في صفقة تتجاوز قيمتها 700 مليون دولار لبيع محركات «F110» لتركيا، وهي محركات ضرورية للمراحل الأولى من إنتاج المقاتلة التركية «قآن» قبل تطوير محرك محلي. وشكلت الصفقة مؤشرًا عمليًا إلى تحسن التعاون الدفاعي، من دون أن تعني حل أزمة «إف-35».
قال أردوغان إنه ناقش شراء المحركات مع ترامب، وإن الأخير أبدى موقفًا إيجابيًا. وتفيد هذه الخطوة بأن واشنطن قد تتجه إلى فك الارتباط بين بعض ملفات التعاون الصناعي وبين النزاع الأكبر بشأن «إس-400»، بما يسمح بتوسيع العلاقة تدريجيًا حتى لو تأخرت العودة الكاملة إلى «إف-35».
خامسًا: كيف قرأت الصحافة الدولية القمة؟
- رويترز: نجاح في منع الانفجار لا في حل أزمة الحلف
خلص تحليل رويترز إلى أن الناتو تجاوز عاصفة جديدة مرتبطة بتقلبات ترامب، لكن الأوروبيين يستعدون لمزيد من الاضطراب. فقد بدأت القمة بتهديدات وانتقادات أمريكية، ثم انتهت بتأكيد الالتزام بالمادة الخامسة والإشادة بالوحدة، ما جعل مجرد عدم تدهور الوضع يُقدّم بوصفه تقدمًا.
أشار التحليل إلى استمرار تفوق الولايات المتحدة داخل الحلف؛ إذ تمثل نحو نصف اقتصاده، وتوازي قوتها العسكرية تقريبًا قوة بقية الأعضاء مجتمعين. ولذلك، حتى الدول التي تريد تقليل اعتمادها على واشنطن لا ترى إمكانية الاستغناء السريع عنها، بل تسعى إلى إدارة انتقال تدريجي يرفع قدرات أوروبا من دون تفكيك الناتو.
- فايننشال تايمز: تركيا بين أكبر المستفيدين
رأت «فايننشال تايمز» أن تركيا كانت من أكبر المستفيدين سياسيًا من القمة، بعدما أعاد ترامب فتح ملف العقوبات ومقاتلات «إف-35»، فيما تمكن أردوغان من تقديم بلاده بوصفها شريكًا أمنيًا وصناعيًا مركزيًا. لكنها اعتبرت أن القمة بقيت تحت تأثير تقلبات الرئيس الأمريكي وتصريحاته تجاه إيران وإسبانيا وجرينلاند.
تعكس هذه القراءة مفارقة أساسية: كلما زادت الشكوك الأوروبية في واشنطن، ازدادت حاجة أوروبا إلى قوى عسكرية كبيرة مثل تركيا؛ لكن التقارب الشخصي والسياسي بين أردوغان وترامب قد يثير في الوقت نفسه حذر بعض الأوروبيين الذين يخشون استخدام أنقرة علاقتها بواشنطن لممارسة ضغوط عليهم.
- أسوشيتد برس: القمة بين الوحدة والاعتماد على أمريكا
ركزت وكالة أسوشيتد برس على التناقض بين إعلان الوحدة الأطلسية وتراجع الدور الأمريكي التقليدي في حماية أوروبا. كما رصدت انتقال مطالب ترامب من تقاسم الأعباء المالية إلى المطالبة بولاء سياسي وعسكري أوسع للولايات المتحدة، ولا سيما في الملفات الإقليمية مثل إيران.
وبعد القمة، اعتبرت الوكالة أن ترامب غادر أنقرة متحدثًا عن المحبة والوحدة، رغم البداية الصعبة. كما رصدت مكاسب أوكرانيا والإشارات الإيجابية لتركيا، لكنها أشارت إلى استمرار الغموض بشأن مستقبل الوجود الأمريكي وبعض القمم المقبلة.
- وول ستريت جورنال: سقف نجاح منخفض
وصفت «وول ستريت جورنال» القمة بأنها مثال على انخفاض سقف توقعات الحلفاء؛ إذ أصبح تجنب صدام علني مع ترامب نجاحًا بحد ذاته. كما ربطت بين العلاقة الشخصية بين ترامب وأردوغان وتراجع حدة الانتقادات الغربية الموجهة إلى الرئيس التركي.
وفي ملف «إف-35»، أبرزت الصحيفة احتمال حدوث مواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس، لأن انفتاح ترامب لا يلغي المخاوف التشريعية من «إس-400» ولا الاعتراضات المتعلقة بإسرائيل واليونان.
- الجارديان: بقاء الحلف رغم تقلب القيادة الأمريكية
رأت «الجارديان» أن الناتو نجا مرة أخرى من أثر السياسة المتقلبة لترامب، لكن القمة كشفت هشاشة الثقة بقيادة الولايات المتحدة. كما ركزت على نقص المخزونات الأمريكية وتأخر تسليم الصواريخ والذخائر، وهو ما يدفع أوروبا إلى البحث عن إنتاج محلي أكبر وقدرات مستقلة نسبيًا.
تدعم هذه القراءة فرضية أن الصناعة التركية قد تستفيد من فجوة الإنتاج الغربية؛ فالدول الأوروبية لا تحتاج إلى زيادة الميزانيات فقط، بل إلى موردين قادرين على إنتاج الذخائر والمسيّرات والسفن والأنظمة الإلكترونية خلال مدد أقصر.
سادسًا: اتجاهات التغطية العربية
- القمة بوصفها صعودًا تركيًا
ركزت تحليلات عربية، على أن انعقاد القمة في أنقرة وحضور ترامب يعكسان اعترافًا متزايدًا بالموقع الاستراتيجي التركي. وقدمت بعض المقالات تركيا باعتبارها حليفًا لا يستطيع الناتو تجاوزه، وشريكًا قادرًا على التأثير في توازنات الشرق الأوسط والبحر الأسود.
ذهبت بعض القراءات إلى القول إن تركيا انتقلت من دولة حدودية تحمي الجناح الجنوبي إلى دولة «تنتج الأمن» وتشارك في إدارة الأزمات ضمن نطاق يمتد من البحر الأسود والقوقاز إلى الخليج والقرن الأفريقي والبلقان. وتمثل هذه الصياغة قراءة مؤيدة للصعود التركي، ومتمنية لحدوثه، أكثر منها وصفًا رسميًا متفقًا عليه داخل الناتو.
- القمة بوصفها اختبارًا لتماسك الحلف
كما ركزت بعض التغطيات على التوترات العابرة للأطلسي، وخلافات الإنفاق وإيران وغرينلاند، أكثر من تركيزها على المكاسب التركية. وقدمت القمة بوصفها اختبارًا لقدرة الأوروبيين على إرضاء ترامب مع المحافظة على مصالحهم ومواقفهم المستقلة.
تعكس التغطية العربية بذلك اتجاهين: اتجاه يرى القمة لحظة صعود استراتيجي لأنقرة، واتجاه يرى أن الأهمية التركية لا يمكن فصلها عن أزمة أوسع تتعلق بضعف الثقة داخل الناتو. والجمع بين الاتجاهين أقرب إلى الواقع؛ إذ استفادت تركيا من القمة، لكن استفادتها جاءت داخل حلف يمر بعملية إعادة توزيع للقيادة والأعباء.
- الصناعة الدفاعية التركية
حظيت شركة أسيلسان والمنظومات التركية المضادة للمسيّرات باهتمام عربي، مع التركيز على استعداد تركيا للتصدير ونقل التكنولوجيا إلى دول الناتو والخليج. كما ربطت التغطيات بين القمة والنمو المتسارع لصادرات الدفاع التركية وقدرتها على الدخول إلى برامج أطلسية واسعة.
ومع أن هذه التغطية تسلط الضوء على فرص حقيقية، فإن الحكم على تحول تركيا إلى مركز تصنيع أطلسي يحتاج إلى متابعة العقود الفعلية وحجم الإنتاج ونسب المكونات التركية في البرامج المشتركة، لا الاكتفاء بالإعلانات السياسية والعروض المقدمة خلال المنتدى الصناعي.
سابعًا: اتجاهات الصحافة والمراكز التركية
- الخطاب الرسمي
قدمت الرئاسة التركية القمة باعتبارها تأسيسًا لمرحلة جديدة يصبح فيها الأوروبيون أكثر تحملًا للمسؤولية، بينما تكتسب تركيا دورًا أكبر بفضل جيشها وصناعتها وموقعها. وأكد أردوغان أن مشاركة جميع الحلفاء على مستوى القادة تعكس الثقة بتركيا ومكانتها الدبلوماسية.
رأت صحيفة «يني شفق» وكتّاب مقربون من الحكومة أن القمة أكدت «الثقل الاستراتيجي» التركي في تحول الناتو، وأن أنقرة لم تعد مجرد دولة جناح، بل طرفًا يسهم في تشكيل رؤية الحلف تجاه أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود.
كما خلص تحليل لوكالة الأناضول إلى أن القمة فتحت احتمال صفحة جديدة في علاقات تركيا مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خصوصًا في مجالات العقوبات و«إف-35» و«SAFE» والصناعة الدفاعية، لكنه أقر بأن الكونغرس و«إس-400» وقبرص والخلافات السياسية تبقى عقبات رئيسية.
- التغطية التركية المستقلة والنقدية
ركزت منصة «بيانت» على أن الصحافة العالمية قرأت القمة من خلال دور ترامب، واحتمال بيع «إف-35» لتركيا، وقلق أوروبا بشأن المظلة الأمريكية. كما ربطت القمة بالقيود المفروضة على التظاهر والتجمع والاعتراض السياسي في أنقرة.
قدمت صحيفة «سول» اليسارية قراءة معارضة تعتبر أن القمة تدفع تركيا إلى أدوار عسكرية جديدة ضد روسيا وإيران وربما الصين، وأن الحكومة تسعى إلى استخدام الحدث للحصول على شرعية دولية ومكاسب دفاعية. وهذه قراءة أيديولوجية شديدة النقد للناتو وللسياسة التركية، لكنها مهمة لإظهار وجود اعتراض داخلي على توسيع الالتزامات الأطلسية.
يعكس التباين بين المنابر التركية صراعًا حول معنى الدور الأطلسي نفسه: فالحكومة تراه مضاعفًا للقوة والاستقلال، بينما ترى المعارضة اليسارية أن زيادة الاندماج قد تقيد القرار الوطني وتدفع البلاد إلى صراعات لا تخدم مصالح المجتمع والاقتصاد التركي.
ثامنًا: رؤية مراكز الأبحاث الدولية للدور التركي
- مؤسسة كارنيغي
رأت كارنيغي أن المزاج السلبي الذي حكم علاقة تركيا بعدد من حلفائها بدأ يتراجع نتيجة تعديلات في السياسات التركية وتجدد التقدير المتبادل بينها وبين الولايات المتحدة ودول غربية. كما اعتبرت أن أنقرة تسعى إلى تعزيز مكانتها بوصفها طرفًا محوريًا في تشكيل الأمن الأوروبي ومحيطها الإقليمي.
لكن كارنيغي أشارت إلى معضلة محتملة: فكلما تحسنت علاقة تركيا بواشنطن، ازداد احتمال قلق الأوروبيين من استخدام أنقرة هذه العلاقة في مواجهة أوروبا. وفي المقابل، قد تفضل إدارة ترامب موقفًا تركيًا أقل خضوعًا للتوجهات الأوروبية، ما يفرض على أنقرة إدارة توازن دقيق بين علاقتها بالولايات المتحدة وطموحها للمشاركة في الركيزة الدفاعية الأوروبية.
- المجلس الأطلسي
وصف المجلس الأطلسي تركيا بأنها الدولة الأطلسية الأوروبية الكبرى الوحيدة التي تملك صناعة دفاعية متقدمة، لكنها لا تزال خارج بعض آليات التمويل والمشتريات التابعة للاتحاد الأوروبي. ورأى أن عدم الاستقرار على الجناح الجنوبي يجعل من الضروري التعامل مع المنطقة بوصفها أولوية استراتيجية لا ملفًا ثانويًا.
كما اقترح توسيع الحوار مع شركاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتعزيز الدفاع الجوي ومواجهة المسيّرات في الجنوب، وتطوير الأمن البحري في المتوسط والممرات الحساسة، وتوسيع مهمات التدريب ومكافحة الإرهاب. تجدر الإشارة إلى أن بعض هذه البنود توصيات بحثية وليست قرارات أقرتها قمة أنقرة.
- مركز السياسة الأوروبية
دعا مركز السياسة الأوروبية إلى استغلال القمة لإعادة ضبط العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي عبر شراكة استراتيجية في الأمن والدفاع، معتبرًا أن الحرب الروسية وتراجع الدور الأمريكي وصعود الصين تدفع بروكسل وأنقرة إلى التعاون.
تبنَّى المركز مقاربة براغماتية مثيرة للجدل، مفادها أن أهمية تركيا العسكرية والجغرافية والصناعية تفرض على أوروبا تقديم حوافز للتعاون معها، رغم الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان والحكم الداخلي. كما حذر من أن استمرار العرقلة المتبادلة بين تركيا وقبرص واليونان يضعف التعاون بين الناتو والاتحاد الأوروبي.
- المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
تؤكد دراسات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن تركيا تستطيع أداء دور محوري في البحر الأسود بسبب سيطرتها على المضائق وعلاقاتها المتوازية مع روسيا وأوكرانيا، لكنها تواجه صعوبة في الجمع بين دعم خطط الناتو والحفاظ على التعاون الاقتصادي والسياسي مع موسكو.
وتشير هذه القراءة إلى أن قيمة تركيا لا تأتي من اصطفافها الكامل مع الغرب، بل من قدرتها على الجمع بين الردع والحوار. إلا أن هذه السياسة قد تفقد فعاليتها إذا تصاعدت المواجهة الروسية الأطلسية إلى مستوى لا يسمح بالمساحات الرمادية.
تاسعًا: الدور التركي القادم داخل الناتو
- ركيزة صناعية وتسليحية
الدور الأكثر ترجيحًا هو تحول تركيا إلى أحد مراكز الإنتاج الدفاعي داخل الحلف، خصوصًا في مجالات المسيّرات والذخائر والصواريخ والرادارات والحرب الإلكترونية والسفن المدرعة وغير المأهولة. وتزداد هذه الفرصة مع عجز المصانع الأمريكية والأوروبية عن تلبية جميع الطلبات بالسرعة المطلوبة.
لن يكون هذا التحول تلقائيًا؛ إذ يحتاج إلى رفع القيود على المكونات والتكنولوجيا، ودخول الشركات التركية في المشتريات المشتركة، واعتماد معايير تشغيل متوافقة مع أنظمة الناتو، وضمان عدم تعرض البرامج المشتركة لأزمات سياسية متكررة.
إذا تحققت هذه الشروط، ستنتقل تركيا من موقع المشتري والمورد المنفرد إلى موقع الشريك الذي يشارك في تصميم القدرات والمعايير وسلاسل التوريد. وسيمنحها ذلك نفوذًا داخل الحلف أكبر من النفوذ المستند فقط إلى حجم الجيش أو الموقع الجغرافي.
- قائد عملي للجناح الجنوبي
تركيا هي الدولة الأكثر تعرضًا بصورة مباشرة لتداعيات ما يحدث في سوريا والعراق وإيران وشرق المتوسط والقوقاز، ولذلك ستسعى إلى جعل الناتو أكثر اهتمامًا بالصواريخ والمسيّرات والإرهاب والهجرة وأمن الطاقة والممرات البحرية في الجنوب.
يوفر اجتماع وزراء خارجية الناتو مع دول مبادرة إسطنبول للتعاون، ولقاءات هاكان فيدان مع مسؤولين خليجيين وأوروبيين وأمريكيين، أساسًا لتوسيع دور أنقرة كحلقة وصل بين الحلف والخليج. لكن تركيا ستفضل غالبًا شراكات دفاعية مرنة وتدريبًا وتبادل معلومات، بدل تحويل الناتو إلى طرف عسكري مباشر في جميع أزمات المنطقة.
- ضابط توازن في البحر الأسود
ستواصل تركيا دعم سيادة أوكرانيا والمشاركة في خطط الردع الأطلسية، مع الإستمرار في تطبيق اتفاقية مونترو وتقييد حركة السفن الحربية في المضائق التركية بما يمنع التصعيد المباشر مع روسيا. ويمثل هذا التوازن مصدر نفوذ، لأن كلًا من الناتو وروسيا وأوكرانيا يحتاج إلى التعاون التركي في قضايا الملاحة والأمن البحري والتفاوض.
لكن اتساع القواعد والبنى العسكرية الأطلسية في البحر الأسود، أو تعرض تركيا لهجمات روسية أو ضغوط غربية حادة، قد يجعل المحافظة على التوازن أصعب. ولذلك سيكون البحر الأسود أحد الاختبارات الأساسية لمدى قابلية «الاستقلالية الاستراتيجية» التركية للاستمرار.
- شريك في بناء الركيزة الأوروبية للناتو
تحتاج أوروبا إلى تركيا بسبب حجم جيشها وصناعتها وموقعها، بينما تحتاج تركيا إلى التمويل والتكنولوجيا والأسواق الأوروبية. ويخلق هذا الاعتماد المتبادل أساسًا لشراكة أمنية حتى في ظل تجمد مفاوضات العضوية في الاتحاد الأوروبي.
مع ذلك، لا ترغب أنقرة في الاندماج في بنية أوروبية تعاملها كشريك من الدرجة الثانية أو تخضعها لاعتراضات قبرص واليونان. لذلك ستسعى إلى صيغة تمنح الدول الأطلسية غير الأعضاء في الاتحاد حقًا أوسع في التمويل والمشتريات واتخاذ القرار.
- حليف تفاوضي لا تابع استراتيجي
من المستبعد أن تتحول تركيا إلى دولة تنفذ السياسة الأطلسية بصورة تلقائية؛ فنهجها يقوم على ربط المشاركة في العمليات والتحالفات بحسابات المصلحة الوطنية، والحفاظ على علاقات مع روسيا والخليج وآسيا وأفريقيا.
سيجعل ذلك تركيا حليفًا مطلوبًا لكنه صعب التوقع والضبط. فهي قد تدعم أوكرانيا عسكريًا وتواصل التجارة مع روسيا، وتشارك في الناتو وتنتقد سياسات بعض أعضائه، وتتعاون مع أوروبا دفاعيًا من دون التخلي عن مطالبها في شرق المتوسط وقبرص.
- زيادة الأدوار القيادية والعملياتية
تشير قيادة قوة كوسوفو، والمشاركة في الشرطة الجوية في إستونيا، والقيادة المقررة لقوة الرد في 2028-2029، إلى أن تركيا ستسعى إلى الجمع بين التصنيع والقيادة العملياتية. وبذلك تحاول إثبات أنها لا توفر المعدات فقط، بل تستطيع إدارة تشكيلات متعددة الجنسيات والمشاركة في الردع على الجناحين الشرقي والجنوبي.
عاشرًا: الدور التركي القادم في الإقليم
- سوريا والعراق
تمنح الجغرافيا والوجود العسكري والعلاقات مع الحكومة السورية الجديدة تركيا دورًا أساسيًا في أي ترتيبات أمنية تخص سوريا. وقد شهدت الفترة المحيطة بالقمة اتصالات تركية مع المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا والعراق توم باراك، كما شهد هامش القمة اجتماعاً بين الرئيس السوري أحمد الشرع والأمريكي دونالد ترامب في العاصمة التركية، كانت من أبرز نتائجه إعلان ترامب المضي في إزالة سوريا من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، التي أدرجت عليها منذ عام 1979. وأبلغت الإدارة الأمريكية الكونغرس رسميًا بقرار إلغاء التصنيف، على أن يخضع الإجراء لمراجعة قانونية مدتها 45 يومًا قبل دخوله حيز التنفيذ النهائي.
ويتجاوز لقاء أنقرة ملف رفع التصنيف الأمريكي؛ إذ يعكس تحول سوريا من دولة معزولة وخاضعة للعقوبات إلى شريك يجري إدماجه تدريجيًا في الترتيبات السياسية والأمنية الإقليمية. كما أن انعقاد اللقاء على هامش قمة الناتو في تركيا يمنح أنقرة موقعًا مركزيًا في إدارة التقارب بين دمشق وواشنطن، ويعزز الدور التركي بوصفه وسيطًا وضامنًا في مسار إعادة تأهيل سوريا دوليًا.
وفي هذا السياق ستركز تركيا من خلال موقعها على أمن الحدود، ومكافحة التنظيمات المسلحة، ومستقبل القوى الكردية، وبناء المؤسسات الأمنية السورية. لكن تحويل هذه الملفات إلى مهمة رسمية للناتو لم يُقرر في قمة أنقرة؛ إذ إن فكرة قيام الحلف بتدريب القوات السورية وردت في توصيات للمجلس الأطلسي، لا في إعلان القمة.
في العراق، يمكن أن يتوسع الدور التركي عبر التدريب ومكافحة الإرهاب وتأمين طرق التجارة والطاقة، مستفيدًا من وجود مهمة الناتو التدريبية في البلاد. لكن الخلافات المتعلقة بحزب العمال الكردستاني والوجود العسكري التركي والعلاقات مع بغداد وأربيل ستظل تؤثر في حدود هذا الدور.
- الخليج وإيران
من المرجح أن تزداد الشراكات التركية الخليجية في الدفاع الجوي والصواريخ والمسيّرات والأمن البحري، خصوصًا مع رغبة دول الخليج في تنويع مصادر التسليح وعدم الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. وتملك الشركات التركية ميزة تتعلق بالأسعار والمرونة والاستعداد للإنتاج المشترك ونقل بعض التكنولوجيا.
في المقابل، ستحاول أنقرة المحافظة على قنوات مع إيران وتجنب الانخراط في سياسة تغيير النظام أو حرب شاملة. ولذلك قد تقدم نفسها وسيطًا ومساهمًا في أمن الملاحة، مع المشاركة في الدفاع عن الأراضي التركية والخليجية ضد الصواريخ والمسيّرات.
- شرق المتوسط
يزيد صعود تركيا داخل الناتو قدرتها على الاعتراض على أي ترتيبات دفاعية أوروبية أو أطلسية في شرق المتوسط تتجاهل مصالحها. كما يمنحها مجالًا للربط بين تعاونها الدفاعي مع أوروبا ومطالبها المتعلقة بقبرص واليونان والحدود البحرية ورفع القيود عن صناعاتها.
لكن ملف «إف-35» قد يعيد تنشيط سباق التسلح في المنطقة، خصوصًا مع اعتراض إسرائيل واليونان واحتمال سعيهما إلى تعزيز تعاونهما الدفاعي. ولهذا قد تصبح المقاتلات والتفوق الجوي عنصرًا إضافيًا في التنافس التركي الإسرائيلي اليوناني، ما دفع تركيا لمحاولة التخلص من صوراريخ ال إس – 400 لكي يمكن تجاوز هذه العقبة.
- القوقاز وآسيا الوسطى
تستطيع تركيا استخدام مكانتها الأطلسية وشبكاتها مع أذربيجان ودول آسيا الوسطى لتعزيز دورها في ممرات الطاقة والنقل والتجارة بين أوروبا وآسيا. كما يمنحها موقعها فرصة للمساهمة في الاستقرار بين أرمينيا وأذربيجان وتوسيع الربط عبر جنوب القوقاز.
وبينما تخشى دول أوروبية من استفزاز روسيا، تفضل أنقرة إدارة معظم هذه الملفات عبر علاقات ثنائية ومنظمة الدول التركية وتفاهمات إقليمية. ومن ثم سيظل الدور في القوقاز تركيًا في المقام الأول، مع الاستفادة من عضوية الناتو سياسيًا وردعيًا.
حادي عشر: القيود والتحديات أمام الصعود التركي
- عدم حسم «إس-400» و«إف-35»
يبقى ملف المنظومة الروسية أكبر عقبة أمام التحول السياسي الذي بدأ في أنقرة. فإذا لم تتوصل تركيا وروسيا والولايات المتحدة إلى صيغة مقبولة، قد تبقى تصريحات ترامب غير قابلة للتحويل إلى صفقة، وقد يعود التوتر إلى العلاقات الدفاعية.
- الكونغرس الأمريكي
حتى إذا رفع البيت الأبيض العقوبات التنفيذية، يمتلك الكونغرس أدوات لتعطيل أو تأخير صفقات السلاح. كما أن المخاوف من السياسة التركية تجاه إسرائيل وروسيا وشرق المتوسط تجمع معارضين من الحزبين، ما يعني أن أنقرة تحتاج إلى تفاهم مؤسسي أوسع من علاقتها الشخصية مع ترامب.
- قبرص واليونان وآليات الاتحاد الأوروبي
تستطيع قبرص واليونان استخدام عضويتهما في الاتحاد الأوروبي لعرقلة مشاركة تركيا في بعض البرامج، بينما تستطيع أنقرة عرقلة جوانب من التعاون بين الناتو والاتحاد. ويجعل ذلك الدفاع الأوروبي رهينة نزاع سياسي مزمن ما لم يجر التوصل إلى صيغ مشاركة تتجاوز شرط الإجماع أو تفصل التعاون الدفاعي عن مفاوضات العضوية.
- العلاقة مع روسيا
كلما زاد اندماج تركيا في خطط الردع الأطلسية والإنتاج الدفاعي الأوروبي، ازدادت الضغوط الروسية عليها في مجالات الطاقة والسياحة وسوريا والبحر الأسود. وقد تضطر أنقرة إلى الاختيار بين التزامات أطلسية أكثر وضوحًا والمحافظة على سياسة التوازن الحالية. تزداد أهمية هذه الاعتبارات بالنظر إلى الهواجس الأوروبية الشديدة نحو روسيا، وما تعتبره مخططات لغزو روسي لها، ما يجعل احتمال المناوشات العسكرية بين الطرفين قائما ومتناميًا. في هذه الحالة ستجد تركيا نفسها في موقف حرج بين التزاماتها تجاه الناتو، وبين مصالحها المشتركة مع روسيا، وحرصها على عدم تخريب العلاقة معها.
- التنافس مع إسرائيل
أصبحت العلاقة التركية الإسرائيلية عنصرًا مباشرًا في ملف «إف-35» وفي التوازن الإقليمي. وإذا استمر التوتر بشأن غزة وسوريا ولبنان، فقد تسعى إسرائيل إلى استخدام نفوذها في واشنطن لمنع أو تقييد الصفقات الدفاعية مع تركيا. لكن بشكل عام، فإنه وبرغم أن إسرائيل ليست عضوًا في الناتو، إلا أن علاقتها الإستراتيجية بالولايات المتحدة بشكل خاص، وبالغرب بشكل عام، تفوق أهميتها العلاقات داخل حلف الناتو نفسه، ما يضع علامة استفهام كبيرة حول تعامل الحلف مع أي تعارض في المصالح بين الدور التركي من جهة، وبين العلاقة الإستراتيجية مع إسرائيل من جهة أخرى.
ويدلل على ذلك تهرب أمين عام الحلف مارك روتة من الإجابة عن سؤال في مقابلة إعلامية حول موقف الحلف إذا حدث نزاع عسكري بين تركيا وإسرائيل، هل سيتم تطبيق المادة الخامسة من نظام الحلف؟ بكل تأكيد الإجابة أوضح من أن يصرح بها روتة أو أي مسئول غربي أخر، وهو ما سيشكل على الدوام عقبة كبيرة أمام تنامي أي دور تركي حقيقي في إطار الحلف، خاصة في إطار المجال الحيوي الذي تهتم به إسرائيل.
- الفجوة بين الإعلان والتنفيذ
تضمنت قمة أنقرة عددًا كبيرًا من الإعلانات ومذكرات التفاهم وخطابات النوايا. غير أن بعض المشروعات يحتاج إلى سنوات من التفاوض والتطوير والإنتاج، ما يفرض متابعة مؤشرات التنفيذ، مثل توقيع العقود النهائية، وتخصيص الميزانيات، وبدء خطوط الإنتاج، وتسليم الأنظمة للقوات.
ثاني عشر: السيناريوهات المحتملة للدور التركي
السيناريو الأول: الاندماج الدفاعي المتسارع
يفترض هذا السيناريو الوصول إلى تسوية بشأن «إس-400»، ورفع العقوبات رسميًا، وفتح مسار لعودة تركيا إلى «إف-35»، مع إدخال الشركات التركية في برامج «SAFE» والمشتريات الأوروبية، مع ضعف الاعتراضات من إسرائيل وداعميها في الكونجرس وفي الدوائر الرسمية الغربية. وسيؤدي ذلك إلى اندماج صناعي وعسكري غير مسبوق، وتحول تركيا إلى أحد أعمدة الركيزة الأوروبية للناتو.
تظل احتمالية هذا السيناريو متوسطة إلى منخفضة في المدى القصير، بسبب الكونجرس وقبرص واليونان وإسرائيل وصعوبة حل منظومة «إس-400»، لكنه قد يتحقق تدريجيًا عبر صفقات جزئية وشراكات ثنائية قبل الوصول إلى تسوية شاملة، خاصة إذا ما برزت الحاجة الشديدة في أوروبا لدور تركي حقيقي وفعال.
السيناريو الثاني: الشراكة الانتقائية
نرى هذا السيناريو أكثر رجحانًا، ويقوم هذا السيناريو على تقدم التعاون في مجالات محددة، مثل المحركات والمسيّرات والصواريخ والسفن والدفاع الجوي والقيادة العملياتية، مع بقاء ملفات «إف-35» و«إس-400» وعضوية البرامج الأوروبية من دون حل نهائي.
في هذه الحالة، ستبقى تركيا حليفًا مركزيًا لكنه تفاوضي، تتعاون مع الناتو عندما تتقاطع المصالح، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع روسيا وعلى استقلالية سياستها في سوريا والخليج وشرق المتوسط. ويعد هذا السيناريو الأقرب إلى النمط التركي خلال السنوات الماضية وإلى النتائج الفعلية المرصودة لقمة أنقرة.
السيناريو الثالث: عودة التوتر البنيوي
قد يعود التوتر إذا فشلت تسوية العقوبات، أو توسعت الخلافات مع إسرائيل واليونان، أو تعرضت العلاقات الأمريكية الأوروبية لهزة جديدة، أو ضغطت روسيا على تركيا بشدة. وقد يؤدي ذلك إلى تجميد التعاون الصناعي وعودة الخطاب المتبادل بشأن عدم الثقة والانحراف عن التزامات الحلف.
إلا أن اعتماد الطرفين المتبادل يجعل الانفصال الكامل غير مرجح؛ فالناتو يحتاج إلى تركيا في البحر الأسود والجناح الجنوبي، وتركيا تحتاج إلى التكنولوجيا والأسواق والردع الذي توفره العضوية الأطلسية. ولذلك يرجح أن يجري احتواء الخلافات حتى في حال عودة التوتر.
الخاتمة والتقدير الاستراتيجي
رغم أن قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة لم تنه الخلافات مع الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. لكنها ثبتت تحولًا مهمًا في الطريقة التي ينظر بها الحلفاء إلى أنقرة: من دولة تعتمد قيمتها أساسًا على موقعها وعدد جنودها إلى دولة تملك صناعة دفاعية وقدرات عملياتية وشبكات إقليمية يحتاج إليها الحلف في مرحلة إعادة التسلح وتقليص الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
المكسب التركي الأهم لم يكن وعد ترامب وحده برفع العقوبات أو إعادة فتح ملف «إف-35»، بل نجاح أنقرة في ربط مطالبها الثنائية بتحول أوسع داخل الناتو. فدعوتها إلى إزالة قيود التجارة الدفاعية باتت جزءًا من إعلان القمة، وشركاتها دخلت في برامج متعددة الأطراف، ومساهماتها العسكرية شملت الجناحين الشرقي والجنوبي.
سيكون الدور التركي المقبل مزيجًا من ست وظائف: مورد صناعي، وقائد عملياتي، وحارس للجناح الجنوبي، وضابط توازن في البحر الأسود، وجسر بين الناتو ودول الخليج، وحليف يحتفظ باستقلالية تفاوضية. لكن هذا الدور سيظل عرضة للتقييد ما لم تحل أزمة «إس-400»، وتتجاوز تركيا اعتراضات الكونجرس وإسرائيل واليونان وقبرص، وتثبت قدرتها على تمويل خططها الدفاعية وتحويل الإعلانات إلى إنتاج قابل للاستمرار.
يمكن وصف النتيجة الاستراتيجية لقمة أنقرة بأنها انتقال من مرحلة التساؤل عما إذا كانت تركيا تبتعد عن الناتو، إلى مرحلة التفاوض على الشروط التي ستندمج بها في الناتو في نسخته الجديدة. فالمشكلة لم تعد في حاجة الحلف إلى تركيا، بل في طبيعة الدور الذي ستؤديه، وحجم النفوذ والتمويل والتكنولوجيا التي ستحصل عليها مقابل مساهماتها.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس عودة تركيا الكاملة إلى موقع الحليف الغربي التقليدي، ولا انفصالها عن الحلف، بل صعود نموذج «الحليف المحوري المستقل»: دولة يصعب على الناتو تجاوزها، لكنها لا تقبل أن تكون مجرد منفذ لسياسات واشنطن أو بروكسل، وتستخدم عضويتها العسكرية وصناعتها الدفاعية وموقعها الجغرافي لبناء مجال أوسع للمناورة في أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز. (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر)




