المجاهد، القائد، الفيلسوف علي عزت بيجوفيتش
القيادة معنًى يُصنع، لا سلطةً تُمنح — في ذكرى ميلاده (8 آب/أغسطس 1925 – 19 تشرين الأول/أكتوبر 2003)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
في سيرة علي عزت بيجوفيتش مفارقةٌ لا تُرى من أول نظرة؛ لقد حوكم مرّتين، بفارقٍ يقارب أربعة عقود، وتحت رايتَيّْ نظامَين مختلفين، والتهمة في المرّتين واحدة في جوهرها: أنه كان يفكّر، وأنه تجرّأ فكتب ما فكّر فيه. سُجن شابًّا في أواخر الأربعينيات لانتمائه إلى حلقةٍ من الشبّان لم تكن تملك سوى الكتب والأسئلة، وسُجن كهلًا في مطلع الثمانينيات بسبب نصٍّ نظريٍّ لم يحمل سلاحًا ولم يُرِق دمًا. ثم جرى ما هو أغرب من ذلك كله: النظام الذي حاكمه تبخّر من التاريخ، والنصّ الذي حوكم من أجله ظلّ يُقرأ ويُترجم؛ وحين انهار ذلك البناء الضخم على رؤوس أصحابه، لم تجد بلادُه في لحظة مصيرها مَنْ تُسلّمه أمرها سوى ذلك السجين نفسه. المفارقة هنا ليست طرفةً من طرائف التاريخ، بل دلالةٌ تستحقّ التأمّل: ثمة سلطةٌ تملك كلّ شيء إلا الشرعية، وثمة رجلٌ لا يملك شيئًا إلا المعنى — والزمن، في المدى الطويل، ينحاز إلى المعنى.

وفي ربيع عام 1992 وقف بيجوفيتش أمام خيارٍ لا ثالث له: أن يُسلّم بلادًا لم يبقَ لها من مقوّمات الدولة إلا الاسم، أو أن يقاوم بما لا يكفي للمقاومة. واختار الثاني، وهو يعلم كلفة ما اختار. جيشٌ لا وجود له تقريبًا، وسلاحٌ يمنعه حظرٌ دوليٌّ فُرض على يوغوسلافيا كلها فأصاب الضحية أكثر مما أصاب الجلّاد، وعاصمةٌ حوصرت نحو ألفٍ وأربعمئة يوم في واحدٍ من أطول حصارات المدن في التاريخ الحديث، ومجتمعٌ دوليٌّ سخيٌّ في المؤتمرات والبيانات، بخيلٌ في الحماية. كلّ ما تعدّه كتب السياسة مقوّمات «السلطة» كان غائبًا: لا احتكار للقوة، ولا سيطرة كاملة على الإقليم، ولا موارد، ولا حلفاء أقوياء. ومع ذلك بقيت البوسنة. لم تبقَ لأن رئيسها كان يملك أدوات القوة، بل لأنه كان يملك ما هو أندر منها وأبقى: القدرة على أن يُقنع شعبًا محاصرًا بأن بقاءه ممكن، وأن لهذا البقاء معنى يستحقّ كلفته الباهظة. وهنا تحديدًا يبدأ الدرس الذي أحسبه أثمن ما تركه لنا.
نحن نخلط كثيرًا بين القيادة والسلطة، ونظنّ أن الأولى فرعٌ من الثانية. والحقّ أنهما مختلفتان في الجذر. السلطةُ موقعٌ يُمنح ويُنزع، وأدواتها الأمر والمنع والثواب والعقاب، ومداها ينتهي حيث ينتهي الخوف أو المصلحة. تُمنح في يومٍ وتُنتزع في يوم. أما القيادة فلا تُمنح أصلًا، وإنما تُصنع صنعًا في عقود: قدرةٌ على حمل جماعةٍ على مواجهة واقعها والعمل فيه، وأدواتها المعنى والثقة والوجهة؛ ولذلك تسقط الأولى بمرسوم، ولا تسقط الثانية بمرسوم ولا بسجن. لم يكن بيجوفيتش يملك من أدوات السلطة إلا أقلّها، لكنه كان يملك أدوات القيادة كاملةً، وهي ثلاثٌ لا تُشترى ولا تُمنح: سيرةً متّسقة مع فكرة — فالرجل الذي تحدّث عن الحرية كان قد دفع ثمنها سنواتٍ من عمره خلف الجدران، فلم يكن في وسع أحد أن يتّهمه بأنه يعظ من فوق؛ ووضوحًا في الوجهة حين اضطربت البوصلات؛ وشجاعةً ذات وجهين، شجاعةِ أن يقول ما لا يحبّ الناس سماعه، وشجاعةِ أن يقرّر حين يتهيّب الجميع القرار. الشرعية التي حملته لم تصدر عن صندوق اقتراعٍ وحده، بل عن رصيدٍ أخلاقيٍّ تراكم في الظلّ عقودًا، ثم صُرف دفعةً واحدة يوم الاختبار.

ومن هنا تنبع الملاحظة الثانية: التكوين الطويل. لم يظهر بيجوفيتش فجأةً سنة 1990 كما تُصوّره الصحافة. وراء الرجل الذي جلس على مقعد الرئاسة أربعون سنةً من صناعة القائد إنسانيًّا وفكريًّا وروحيًّا، صنعتها القراءة والحوار والسجن والكتابة. حلقةٌ صغيرة من الشباب في زمن الحرب العالمية، وكتبٌ تُتداول في الخفاء، ونقاشاتٌ عن الفلسفة والدين والحضارة لا يُنتظر منها مكسبٌ قريب، ثم زنزانةٌ تحوّلت إلى مكتبةٍ ومحرابٍ ومعمل تفكير. الفكرة سبقت الدولة بأربعين عامًا، والدولة لم تكن سوى لحظة امتحانٍ للفكرة. وهذا قانونٌ حضاريٌّ يكاد لا يعرف استثناءً، وقد صاغه فيلسوف الحضارة مالك بن نبي في تمييزه بين عالم الأفكار وعالم الأشياء: فعالم الأفكار يسبق عالم الأشياء، والأمم لا تُهزم في الميدان أولًا، بل تُهزم في عالم أفكارها قبل ذلك بجيلٍ أو جيلين، ولا تنهض في الميدان إلا بعد أن تكون قد نهضت هناك أولًا، في المكان الذي لا تصوّره الكاميرات.

أما مشروعه الفكري فقد قام على رفضٍ عميقٍ لمفاضلةٍ زائفة فُرضت على الإنسان الحديث: أن يختار بين نصفَين من نفسه. رأى في الشرق نزوعًا إلى روحٍ تهجر العالَم والعلم والإنجاز، وتترك التاريخ لغيرها، ورأى في الغرب براعةً في العلم والتقنية وتنظيم المادة، مع إفلاسٍ متزايد في المعنى؛ ورفض الاثنين معًا لا مجاملةً ولا حيادًا، بل لأن الإنسان في تقديره ليس طينًا خالصًا ولا روحًا خالصة، وإنما هو الكائن الوحيد الذي جُمع فيه الطرفان. وكلّ نظامٍ يتجاهل أحد الطرفين ينتهي إلى إنتاج إنسانٍ بلا معنى أو معنًى بلا إنسان. والإسلام عند بيجوفيتش ليس حلًّا وسطًا ملفّقًا بين المذهبين، ولا تسويةً بين خصمَين، بل تركيبٌ من رتبةٍ أعلى يستوعبهما ويتجاوزهما: يقيم الصلاة ويقيم العمران، ويُصلح القلب ويُصلح السوق، ولا يرى في الأرض عدوًّا للسماء.
وليست هذه فلسفةً مجرّدة كما قد يُظنّ؛ إنها في صميمها نظريةٌ في النضج. فمقياس نضج القائد — كما مقياس نضج الأمة — هو مقدار التوتّر الذي يستطيع أن يحمله دون أن ينهار إلى تبسيطٍ مريح. القادة الصغار يُريحون أتباعهم: يختارون قطبًا ويشيطنون الآخر، ويقدّمون العالم في صورة معسكرَين، فيكسبون التصفيق ويخسرون الحقيقة. أما القيادة الراشدة فتحتمل أن تكون الحقيقة موزّعةً على أكثر من جهة، وأن يكون الطريق مركّبًا: أن تقاوم وتتفاوض، أن تتمسّك بالمبدأ وتحسب الموازين، أن تحبّ قومك ولا تكذب عليهم. هذا الاحتمال للتوتر، لا الحسم السريع، هو ما يبني الحضارات؛ وهو أندر ما في سوقنا اليوم.
ثم يأتي الامتحان الأصعب، وهو امتحانٌ أخلاقيٌّ لا سياسي: أخلاق المظلوم. فقد شهد بيجوفيتش على قومه ما لا يشهده قائد: مذابح ومقابر جماعية، وسربرنيتشا التي بقيت وصمةً في جبين العالم الذي وعد بالحماية ولم يحمِ. وليس ثمة ما يمنع أمّةً جُرحت إلى هذا الحدّ من أن تتحوّل إلى نسخةٍ مشوّهة من جلّادها — لا شيء يمنعها إلا الرشد. وتشهد ابنته أنه لم يسعَ يومًا للانتقام لسنوات سجنه التسع، وأنه لم يسمح لجيش البوسنة بأن يثأر لما ارتُكب في حقّ قومه؛ وهو موقفٌ يبدو للوهلة الأولى ضربًا من المثالية، وهو في الحقيقة عين الواقعية. فبين الذاكرة والثأر فرقٌ جوهري: الذاكرة تحفظ العدل وتؤسّس لمحاسبةٍ ممكنة وعدالةٍ انتقالية، والثأر يستهلك العدل ويسوّي بين الضحية والجلاد في نظر العالم، ثم يستنزف الأمة في هدم خصمها بدل أن ينطلق بها إلى بناء نفسها. والأمّة التي تخسر تفوّقها الأخلاقي في معركةٍ غير متكافئة تكون قد خسرت أثمن سلاحٍ تملكه، وربما السلاح الوحيد.
وحين حلّت اللحظة التي يكرهها القادة أكثر مما يكرهون الحرب — لحظة التوقيع على سلامٍ ناقص — لم يتجمّل بيجوفيتش ولم يخدع قومه. خاطب شعبه بجملةٍ لم يحاول تلطيفها: «هذا ليس سلامًا عادلًا، لكنه أعدل من استمرار الحرب»، ثم أردف أن سلامًا أفضل لم يكن ممكنًا في ظروفٍ كهذه وعالمٍ كهذا. وفي هذا التصريح المرير درسٌ في التمييز الذي طالما اختلط علينا: فرقٌ بين من يتنازل عن خطوةٍ وهو محتفظٌ بالأفق، ومن يتنازل عن الأفق نفسه ثم يسمّي ذلك واقعية. وهذا قريبٌ ممّا يسمّيه الأستاذ وضّاح خنفر «الواقعية المقاصدية»: أن تُدرك الواقع كما هو بلا أوهام، ثم لا تستسلم لشروطه، بل توجّهه إلى ما ينبغي أن يكون؛ وهي بذلك نقيض الميكافيلية التي تجعل الواقع حكمًا نهائيًّا والغاية مبرّرًا لكلّ وسيلة. القائد الراشد يشتري بالوقت حياةً لفكرته، ولا يبيع الفكرة ليشتري وقتًا. والفارق بين الأمرين دقيقٌ إلى حدّ الخطورة، ولا يحسمه إلا وضوح الوجهة وصدق القائد مع نفسه أولًا، ثم مع الناس.

فماذا عنّا نحن اليوم؟ لا ينقصنا في هذه الأمة فائضُ المظالم ولا عدالةُ القضايا، ولا حتى الشجاعة — فأهلنا في أكثر من ساحةٍ يقدّمون من الصبر والبذل ما يعجز عنه غيرهم. الذي ينقصنا هو الرشد: تلك الطاقة التي تحوّل الانفعال إلى بناء، والقضية إلى مشروع، والغضب إلى مؤسسة، والشعار إلى قدرة. عندنا وفرةٌ في الخطباء وندرةٌ في المتّسقين، وفائضٌ في التشخيص وعجزٌ في التدبير، وميلٌ قديم إلى انتظار المنقذ بدل صناعة الشروط التي تُنبت الرجال. ونحن نستعير من الغرب أدواته ونعيب عليه معناه، أو نرفض أدواته ومعناه معًا ثم نجلس ننتظر، ونادرًا ما نمارس ذلك التركيب الصعب الذي مارسه بيجوفيتش: أن نأخذ العلم والتنظيم والمساءلة، وأن نحتفظ بروحنا كاملةً غير معتذرة.
ولهذا فإن السؤال الأجدى في ذكرى ميلاده ليس: أين بيجوفيتش اليوم؟ فالسؤال بهذه الصيغة كسولٌ ويائس. السؤال الصحيح: ما الظروف التي تجعل قائدًا كبيجوفيتش ممكنًا؟ وأوّل ما ينبغي أن نتحرّر منه هنا أوهامٌ ثلاثة: أن القيادة موهبةٌ فكريةٌ تُصقل بالقراءة وحدها، أو سماتٌ نُولد بها ولا سبيل إلى تنميتها، أو بعدٌ فكريٌّ وروحيٌّ فحسب لا شأن له بالتدبير والقرار. القيادة نسيجٌ لا خيط، وأبعادها متضافرةٌ يشدّ بعضها بعضًا، فإذا انفرط بعدٌ منها اختلّ البناء كلّه؛ ورجلٌ كبيجوفيتش لا يُفهم بوصفه عقلًا نابهًا، ولا فيلسوفًا مفكّرًا، ولا سياسيًّا محنّكًا، بل بوصفه حصيلةَ ذلك التضافر كلّه.
انظر إلى زنزانة فوتشا لترى النسيج كلّه مجتمعًا في مكانٍ واحد. هناك عقلٌ رفض أن يصمت حين مُنع من الكلام، فأدار الحوار داخل ذاته أوّلًا، ثم دوّن ثلاثة عشر دفترًا صغيرًا بخطٍّ دقيقٍ جعله غير مقروءٍ عن قصد — وذاك هو البعد الفكري حين يصير عادةً يوميّة لا موهبةً موروثة. وهناك رجلٌ لم يتجمّل حين حدّثنا عن نفسه، فاعترف أنه كان يسأل في الأيام الأولى للحكم عليه: هل أملك الشجاعة التي تحتمل ما ينتظرني؟ ثم كتب عن تلك الأيام في «هروبي إلى الحرية»: «وعندما كان الموت هو الأمل الوحيد، أخفيت هذا الأمل بداخلي مثل سرٍّ كبير» لا يعرفه سواه، ولا يستطيعون تجريده منه. وفي هذه الجملة تعريفٌ للشجاعة أصدق من كلّ ما يُكتب عنها: ليست غياب اليأس، بل رفض تسليمه إلى الخصم. وذاك جهادٌ لا تراه الكاميرات ولا تُحصيه التقارير، وهو أصل ما ظهر بعده في الميدان؛ ولا تصمد في مثل ذلك الموضع إلا روحٌ تجد للألم معنى. وذاك هو البعد الروحي على حقيقته: ليس شعورًا يُستدعى ساعة الشدّة، بل يقينٌ مقيمٌ يجعل الصبر ممكنًا حين ينقطع كلّ سند.
وهناك بعدٌ إنسانيٌّ لعلّه أثمنها جميعًا: فقد قرأ في محبسه اعترافات تولستوي ودوستويفسكي وروسو، فخرج منها بأنه لا يوجد بين البشر إنسانٌ كامل، وأن الفارق بين الناس إنما هو في مقدار استعدادهم للاعتراف بنقصهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم. ومن وزن نفسه بهذا الميزان لا يسهل عليه أن يتحوّل إلى صنم، ولا أن يرى في مخالفيه شياطين. وهذا التواضع — الإنسانيّ والفكريّ معًا — يعدّه دارسو القيادة اليوم من أمتن مرتكزات القيادة الراشدة، لا خصلةً في الأخلاق الشخصية وحدها.
وما بقي من الأبعاد صنعته المواقف لا الدفاتر: شجاعةٌ من نوعٍ آخر، شجاعةُ من يوقّع باسمه على قرارٍ يعلم أنه سيُحاسَب عليه وحده، وحكمةُ من يزن الممكن من غير أن يفرّط في الأفق، وخدمةٌ يفهم صاحبها الموقعَ أمانةً وتكليفًا لا غنيمةً وتشريفًا، فيدفع الثمن من نفسه قبل أن يطلبه من غيره، ثم يغادر الموقع بقدميه حين يرى أن وقته قد انقضى. وهذه الأبعاد لا تُصنع في دورةٍ ولا تُستدعى ساعة الأزمة؛ إنما تُنسج نسجًا بطيئًا عبر عقودٍ لا تُرى ثمارها، وتُختبر في المواقف الصغيرة قبل الكبيرة، فمن لم يصدُق في الصغير لم يصمد في الكبير. وفي هذا بشارةٌ لا ينبغي أن تفوتنا: لا شيء منها يحتاج إلى إذنٍ من سلطة، ولا إلى تمويل، ولا إلى ظرفٍ تاريخيٍّ استثنائي. كلّها في متناول من أراد، اليوم، في أيّ مدينةٍ من مدننا.
في الثامن من آب/أغسطس من كلّ عام لا نحتفل برجلٍ بقدر ما نجدّد سؤالًا. ولو كان بيننا لما سرّه المديح؛ الأرجح أنه كان سيسأل سؤالًا واحدًا بسيطًا وثقيلًا: ماذا قرأتم؟ وماذا بنيتم؟ ومَن خدمتم؟ الرجال يمضون، والألقاب تتساقط، ويبقى الأثر، وتبقى الأفكار التي دُفع ثمنها من لحمٍ ودم. وهذه هي البشرى الهادئة في سيرته: أن أعزل يمكن أن يقود، وأن سجينًا يمكن أن يصنع دولة، وأن فكرةً كُتبت في الظلمة يمكن أن تُضيء بعد صاحبها بعقود. لسنا مطالبين بانتظار بيجوفيتش آخر؛ نحن مطالبون بأن نصنع، في صمتٍ وصبر، الشروط التي جعلت إنسانًا وقائدًا مثل بيجوفيتش ممكنًا. وذاك عملٌ يبدأ اليوم، وفي أضيق دائرةٍ يملكها كلٌّ منّا.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




