مارك لينش: نهاية الشرق الأوسط الأمريكي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية في 18 أغسطس 2026 مقالاً بعنوان: “نهاية الشرق الأوسط الأمريكي” لـ “مارك لينش”، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، والذي يشغل منصب مدير مشروع العلوم السياسية في الشرق الأوسط، والمدير المشارك لبرنامج البحوث الاجتماعية الأفريقية. يتناول لينش في مقاله الآثار المترتبة على فشل الحرب على إيران، وأبرزها بوادر نهاية الهيمنة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

ويرى مارك لينش أن النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد انهار تقريباً في أعقاب فشل الولايات المتحدة و ”إسرائيل” في تحقيق أهدافهما من وراء الحرب على إيران حتى الآن، مما أدى إلى إفلاس عقود من الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. ويضيف لينش أن عجز الولايات المتحدة عن حماية حلفائها في الخليج أو الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحاً قد أدى إلى فقدان الثقة في الولايات المتحدة، وتزايد حالة عدم الاستقرار الإقليمي، واحتمالية إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة تماماً.
وقد جاء المقال على النحو التالي:
لقد انتهى دور الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وأضحى النظام الإقليمي الذي ساد منذ عام 1991 أحد ضحايا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وكان فشل الولايات المتحدة و ”إسرائيل” في إزاحة النظام الحاكم في طهران دليلاً على إفلاس عقود من العقوبات والعنف. كما أن عجز الولايات المتحدة عن حماية حلفائها الخليجيين من الهجمات الإيرانية أو الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحاً قد قوّض بشكلٍ خطير الاتفاق الأمني الأساسي الذي برر شبكة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. وأنهى الموقف الإسرائيلي المتزايد التهديد وتخلي تل أبيب عن حتى التظاهر بالرغبة في التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، المهمة التي أخذتها واشنطن على عاتقها على مدى عقود في الجمع بين “إسرائيل” وحلفائها العرب في شراكة أمنية دائمة.
وكان الهدف الرئيسي للولايات المتحدة على مدى ثلاثة عقود ونصف هو إنشاء نظام يقوم على حماية “إسرائيل” وإبقاء حلفائها المتباينين داخله، مع احتواء إيران والعراق في البداية، ثم إيران وحلفائها من غير الدول (القوى الفاعلة الموالية لها) في الآونة الأخيرة. وبعيداً عن كونها انحرافاً عن تلك الاستراتيجية، فقد أوصلت الحرب التي بدأها الرئيس دونالد ترامب هذه الاستراتيجية إلى نهايتها المنطقية، من خلال السعي إلى إزالة التهديد الإيراني بالقوة دفعة واحدة.
وكما فعل القادة الأمريكيون قبل غزو العراق عام 2003، وكما فعلت “إسرائيل” في حروبها ضد حزب الله و حركة حماس، بالغ مهندسو هذه الحرب بشكل كبير في تقدير ما يمكن أن تحققه القوة العسكرية، وفي نفس الوقت قللوا من شأن قدرة الخصوم على التكيف مع الحرب، وافترضوا أن حلفاء الولايات المتحدة سيلتزمون بمواقفهم، وتجاهلوا بلا مبالاة أرواح عموم الناس (من المدنيين). ولم تكن مغامرة واشنطن المتهورة شذوذاً (عن المنطق) بقدر ما كانت التعبير النهائي عن الخلل المتأصل في استراتيجيتها في الشرق الأوسط.
وقد لا يبدو للوهلة الأولى أن الحرب قد أثرت بشكل كبير على التحالفات التي تُشكل النظام الأمريكي. ففي مواجهة حرب غير حاسمة وبقاء إيران مُعزّزة النفوذ، قد تُكثف دول الخليج مشترياتها من الأسلحة ومطالبها بضمانات أمنية مُجدّدة، مُوهِمةً البعض باستمرارية الوضع القائم. لكن النظام القديم في الواقع يفسح المجال لتدشين نظام جديد في المنطقة. وفي هذا السياق، تُذكر أزمة قناة السويس عام 1956 (حرب العدوان الثلاثي على مصر بعد الإعلان عن تأميم قناة السويس) اليوم باعتبارها آخر أنفاس القوة الإمبريالية البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط، لكن الوصول إلى تلك النهاية الحتمية استغرق سنوات. ولن تختفي الهيمنة الأمريكية فجأة، لكن الشكوك المتراكمة منذ زمن طويل حول القوة الأمريكية وغاياتها قد بلغت ذروتها. حيث غيّرت وقائع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والحرب الإسرائيلية على غزة حسابات حلفاء الولايات المتحدة وخصومها في آن واحد. ولن تُصلح جولة أخرى من القتال أو انتخاب رئيس أمريكي آخر هذا الشرخ الذي حدث.
وتنذر السنوات المقبلة بمزيد من الخلافات في المنطقة. فلدى “إسرائيل” وإيران مصلحة مشتركة في إبقاء الشرق الأوسط في حالة من الفوضى والعنف، ولا تملك الولايات المتحدة سوى القليل من الوسائل لكبح جماح أي منهما. فـ ”إسرائيل” من جانبها تأمل في توسيع حدودها الحالية، بما في ذلك ضم أكبر قدر ممكن من فلسطين التاريخية، وفرض سيطرتها بالقوة على مساحات شاسعة من المنطقة. أما إيران، فبافتراض عدم انهيار النظام الإيراني في أي وقت قريب – وهو أمر يبدو مستبعداً للغاية – فإن طهران، وقد ازدادت جرأة، ستسعى للدفاع عن نفوذها الإقليمي وتوسيعه من خلال جرّ واشنطن إلى صراعات “المنطقة الرمادية” التي لا نهاية لها والتي لا حدود لها، والتي لطالما برعت فيها.
وإذا كانت الولايات المتحدة مستعدة في النهاية للتخلي عن استراتيجيتها الفاشلة، فإن انهيار نظام قائم قد يمثل فرصة لبناء نظام جديد أفضل. صحيح أن الظروف الحالية بعيدة كل البعد عن المثالية: فرغم أن معظم قادة المنطقة وشعوبها يتوقون بشدة إلى فترة راحة من الضربات العسكرية والاضطرابات الاقتصادية، إلا أنهم يشعرون أيضاً باستياء عميق من واشنطن لجرّهم إلى هذه الكارثة. لكن التخلي عن سياسة دعم الحكام المستبدين، وإفلات الحلفاء من العقاب، واحتواء الأعداء عسكرياً، قد يمكّن الولايات المتحدة من التعامل مع المنطقة بطريقة أكثر صحة، طريقة قد تُفضي في نهاية المطاف إلى الاستقرار الدائم الذي لطالما زعمت واشنطن أنها تسعى إليه.
تصدعات في الأساس
تبلورت على مدى عقود طويلة بعد الحرب العالمية الثانية، الطموحات الأمريكية في الشرق الأوسط في ظل تنافسها العالمي مع الاتحاد السوفيتي، مما منح واشنطن اهتماماً بالغاً بالسياسة الإقليمية، ولكنه جعلها في الوقت نفسه حذرة من التدخل العسكري المباشر. وقد اتسم النظام الحالي في الشرق الأوسط، الذي أرسته إدارة الرئيس جورج بوش الأب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي في حرب الخليج 1990-1991، بالهيمنة الأمريكية؛ إذ سنحت لواشنطن فرصة تاريخية لتأمين سيطرة مطلقة على منطقة طال أمد الصراع فيها، فجعلت نفسها قوة لا غنى عنها من خلال إنشاء قواعد عسكرية وترتيبات أمنية لاحتواء العراق وإيران. وقد دعمت واشنطن عسكرياً وسياسياً بقاء جميع الأنظمة تقريباً في المنطقة.
وأطلقت واشنطن عملية السلام العربية الإسرائيلية على أمل دمج حلفائها العرب و ”إسرائيل” في إطار أمني مشترك، وذلك لإضفاء الشرعية على دورها كقوة تتجاوز مجرد الهيمنة العدوانية. وكانت النتيجة منطقة منقسمة بين كتلة بقيادة الولايات المتحدة تضم “إسرائيل” وتركيا ومعظم الدول العربية، وكتلة معارضة أقل رسمية تضم إيران وسوريا في ظل حكم الأسد، وجماعات غير حكومية مثل حماس وحزب الله والحوثيين. وقد ظل هذا الهيكل ثابتاً بشكل ملحوظ على مدى ثلاثة عقود من التغيرات الجذرية في السياسة العالمية والإقليمية والأمريكية.
ووفقاً للرواية الأمريكية، فقد وفر هذا النظام قدراً من الاستقرار مع حماية المصالح الأمريكية الأساسية، مثل تجارة النفط وأمن “إسرائيل” ومكافحة الإرهاب. وكان هذا صحيحاً في كثير من النواحي؛ فلم تواجه “إسرائيل” تهديداً على مستوى الدول أو تخوض حرباً ضد منافس ندٍ لها منذ عام 1973، مما قد يكون دفعها إلى التقليل من شأن تحدي مهاجمة إيران. وقد تعاونت الدول العربية مع “إسرائيل” ضد أعدائها المشتركين على الرغم من عدم وجود حل عادل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وفي معظم الأحيان، كان تدفق النفط يستمر بشكل منتظم وبأسعار معقولة. ولم تُشكك أي قوة عظمى منافِسة بجدية في هيمنة الولايات المتحدة، ولا حتى الصين التي اكتفت بالجلوس وهي مكتوفة الأيدي والاستفادة من الفرص الاقتصادية التي أتاحها لها توفير الأمن الأمريكي.
إلا أنه، في الحقيقة، لم يكن النظام الأمريكي بالنسبة لمعظم الناس يعني سوى العنف والحرمان. أما بالنسبة لواشنطن، فقد بدت المكاسب الاستراتيجية التي تم جنيها من هذا النظام مُبررة لتكاليف الحروب اللازمة للحفاظ عليه. لكن الثمن كان باهظاً للغاية بالنسبة لسكان المنطقة. فقد شهدت السنوات الخمس والثلاثون الماضية دخول “إسرائيل” في حروب صغيرة عديدة ضد جيرانها الأضعف منها بكثير؛ وشهدت كذلك انهيار عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية تماماً، وهجوم حماس على المستوطنات في غلاف غزة في السابع من أكتوبر، ثم قيام “إسرائيل” بتدمير غزة.
وبالنسبة للعراق، فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية عليها على مدى اثنتي عشرة سنة، واستهدفتها بالقصف المتقطع، بالإضافة إلى جهود تغيير النظام ومكافحة الانتشار النووي الفاشلة، والتي أعقبها غزو العراق والاحتلال الكارثي لها عام 2003، وكل ذلك بتكلفة بشرية باهظة. وتحت القيادة الأمريكية أيضاً، أدت حروب كارثية إلى تدمير لبنان وليبيا والسودان وسوريا واليمن.
واستند النظام الإقليمي على ضمانات أمنية أمريكية، ليس فقط للدول العربية، بل وللحكام المستبدين الذين كانوا يتربعون على عرش تلك الدول. وكان كبح جماح التطلعات الديمقراطية عنصراً حيوياً في هذه الصفقة، تماماً كالحماية من أي هجوم عسكري إيراني. ولوقت وجيز خلال انتفاضات الربيع العربي 2010-2011، بدا السعي للتغيير أمراً لا يُقهر، ولكن بخلاف ذلك، كان النظام ناجحاً إلى حد كبير. فقد تمسكت تقريباً جميع الأنظمة داخل منظومة التحالف الأمريكي، بالسلطة، بل وشددت معظمها قبضتها عليها في أعقاب الاحتجاجات التي عصفت بها.
وشجع الدعم الأمريكي للإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية تلك الأنظمة على تبني خطط الخصخصة التي فاقمت فساد النخب وأفقرت غالبية السكان. كما شجّعت حملة واشنطن ضد الإرهاب حلفاءها على تبني أشكال متطفلة من المراقبة وقمع أي معارضة محتملة باسم الأمن. ورغم ازدهار دول الخليج النفطية الغنية وشرائح صغيرة من النخب العربية في ظل هذا النظام، إلا أن النظام الأمريكي لم يكن يعني لمعظم الناس سوى العنف واليأس والحرمان. وبحسب جميع المؤشرات الاقتصادية والسياسية والتنموية تقريباً، كان أداء الشرق الأوسط تحت الهيمنة الأمريكية أسوأ بكثير من أي منطقة أخرى.
ومن المفارقات أن الضمانات الأمنية الأمريكية شجعت الحلفاء على تجاهل مصالح واشنطن السياسية. وشعر معظمهم بالأمان من أي غزو أو هجوم خارجي، مما خلق خطراً أخلاقياً: إذ تمكنوا من متابعة مشاريعهم الأيديولوجية والسياسية دون خوف من أي عواقب وخيمة. وأدى انشغال واشنطن بسياساتها الداخلية، وإهمالها لخصوصيات المنطقة، ومخاوفها المبالغ فيها من النفوذ الصيني والروسي، إلى جعل الولايات المتحدة هدفاً سهلاً للقوى المحلية المتلاعبة.
ونتيجة لذلك، فشلت واشنطن مراراً وعلى مدى عقود في كبح جماح “إسرائيل” بشكل فعّال أو منع الحلفاء العرب من تبني سياسات تقوض أهداف الولايات المتحدة المعلنة. وتجاهل هؤلاء الحلفاء الظاهريون الانتقادات الموجّهة لتدخلاتهم المدمرة في ليبيا والسودان وسوريا واليمن. وعارض جميعهم تقريباً الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، الذي كانت إدارة أوباما تأمل أن يُسهم في استقرار المنطقة. وفي عام 2017، أدى الحصار المفروض على دولة قطر بقيادة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى تقويض الجبهة الموحدة ضد إيران، التي كانت ضرورية لحملة “الضغط الأقصى” التي شنها ترامب على طهران.
ودفعت انتفاضات الربيع العربي (2010-2011) الحكومات العربية إلى تبني أشكال جديدة من التدخل، ويعود ذلك جزئياً إلى فقدانها الثقة في قدرة الولايات المتحدة واستعدادها للاستجابة لما اعتبرته تهديدات ملحّة. فقد بات الحلفاء أصحاب الأنظمة الاستبدادية، الذين كانوا يخشون الانقلابات والانتفاضات الشعبية، يرونها واقعاً وشيكاً في ظل مواجهتهم لتحديات الجماعات الشيعية المدعومة من إيران، والحركات الإسلامية والجهادية، والناشطين الديمقراطيين الليبراليين الشباب.
ومع الانتشار السريع للاحتجاجات، أدركت هذه الأنظمة أن التهديد الداخلي قد يبدأ من أي مكان، حتى خارج حدودها. وعندما شهدت الإطاحة بحسني مبارك في مصر عام 2011، استنتجت أنها لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة لإنقاذها من التحديات الداخلية. فإذا أرادت ضمان بقائها في السلطة، فعليها أن تخرج بنفسها لاحتواء الخطر. إلا أن تدخلهم المتكرر أسفر عن نتائج مدمرة، مما ساهم في وقوع انقلاب عسكري في مصر والعديد من الحروب الأهلية.
وقد شجع هذا القرار إيران و ”إسرائيل” على انتهاج سياسات لزعزعة الاستقرار، لكن كان لكل منهما أساليبه المختلفة. واعتبر النظام الإيراني العداء الخارجي أمراً مفروغاً منه، وصمم استراتيجية بقائه وفقاً لذلك. ولم تُعر الحكومة اهتماماً يُذكر للعقوبات الأمريكية والدولية التي أفقرت الشعب، بينما عزّزت نفوذ المقربين من النظام الذين سيطروا على الأسواق السوداء. وعلى مر العقود، كوّنت إيران شبكة من الحلفاء غير الحكوميين وسلّحتهم، والذين ازدهروا في خضمّ ويلات الحروب الأمريكية والإسرائيلية والسعودية.
ومع انقطاع وصولها إلى التكنولوجيا العسكرية الأمريكية والأوروبية، استثمرت إيران في الإنتاج منخفض التكلفة، وطوّرت طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية رخيصة الثمن قادرة على مواجهة أنظمة خصومها المتطورة تقنياً والمكلفة للغاية. وكما هو الحال مع معظم دول المنطقة، سارع قادة إيران إلى قمع الاحتجاجات التي اندلعت في الداخل، خشية أن تكون هناك يد أجنبية خفية وراء ما كان في الواقع مجرد ثورات حقيقية للسخط الشعبي.
أما “إسرائيل”، فقد تمتعت بأقوى الضمانات الأمنية الأمريكية. وعلى الرغم من كونها “دولة ديمقراطية” (كما تزعم)، على الأقل بالنسبة للمواطنين اليهود، فقد وقع رؤساء وزراء “إسرائيل” مراراً في فخٍّ مشابه للفخ الذي وقع فيه حلفاء الولايات المتحدة من الأنظمة المستبدة.
وقد مكّن التفوق العسكري الإسرائيلي والثقة في الدعم الأمريكي لها، قادتها من إعطاء الأولوية للحفاظ على ائتلافاتهم الحاكمة والتصدي للتهديدات السياسية الداخلية على حساب معالجة القضية الفلسطينية بجدية أو تهدئة عدم الاستقرار الإقليمي. ولكن عندما حطمت هجمات 7 أكتوبر هذا التراخي، كان رد “إسرائيل” هو التصعيد العسكري الشامل. وقد أظهرت انتهاكات متزايدة في استخدامها للقوة في جميع أنحاء المنطقة، وعززت احتلالها العسكري في قطاع غزة والضفة الغربية، وحتى في أجزاء من لبنان وسوريا.
ويعود جزء من سبب استمرار النظام الأمريكي لفترة طويلة إلى أن الاتفاقات الأمنية التي يقوم عليها لم تُختبر اختباراً حقيقياً. فقد اشتكى قادة المنطقة باستمرار من شعورهم بالتخلي عنهم، لكنهم لم يتصرفوا أبداً كما لو أن التخلي عنهم كان احتمالاً وارداً. وعلى مدى سنوات، لم تكن الحرب بين دول الإقليم تهديداً بارزاً بشكل خاص. فقد قصفت “إسرائيل” غزة ولبنان بشكل متكرر، لكن لم تكن أي دولة عربية متحالفة مع الولايات المتحدة قلقة بشكل مفرط من التعرض لهجوم إسرائيلي.
لقد كانت إيران تشكل مصدر قلق أكبر، لكن حتى الهجوم الإيراني المباشر بدا مستبعداً للغاية. ولم تُسهم الهجمات غير المباشرة التي كان يشنها وكلاء عن إيران إلا في تعزيز الاعتقاد الراسخ بأن التفوق العسكري الأمريكي واضح وجلي لدرجة أن إيران لن تتحدى هذا التفوق. لكن بدأ هذا الاعتقاد في التزعزع في عام 2019، عندما لم ترد الولايات المتحدة على هجوم استهدف مصافي نفط سعودية نُسب إلى إيران، ومرة أخرى عندما استهدفت غارات طائرات مسيرة تابعة للحوثيين دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2022. وعلى الرغم من أن النظام الأمني الإقليمي بقي سليماً، إلا أنه بدأت تظهر بعض التصدعات.
وفي نفس الوقت، كانت الولايات المتحدة تسعى إلى ترسيخ نظامها في الشرق الأوسط من خلال التوسط في تعاون عسكري وسياسي مفتوح بين حلفائها العرب و ”إسرائيل”. ولم يكن هذا الهدف جديداً، فقد كان تشكيل تحالف مناهض لإيران بقيادة أمريكية هدفاً لكل حكومة أمريكية منذ عام 1991. إلا أن ترامب اختلف عن أسلافه في المضي قدماً بهذا المسار دون ربط خطوات التطبيع العربي الإسرائيلي بالتقدم في القضية الفلسطينية.
وفي عام 2020، توسطت إدارته في اتفاقيات أبراهام والتي كانت في البداية بين “إسرائيل” من جهة وبين البحرين والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى. ثم انضمت المغرب للاتفاقات بعد ذلك بوقت قصير، ووقّع السودان اتفاقية مبدئية لكنها لم يتم تفعيلها رسمياً. وعندما حاولت إدارة بايدن إقناع السعودية بالتوقيع (على اتفاقات أبراهام)، أخطأت في تقدير أهمية القضية الفلسطينية لدى الرأي العام السعودي، وتزايد التنافس بين الرياض وأبو ظبي. وفشلت في إدراك العداء الشعبي المتنامي للتطبيع، أو في توقع الكارثة الوشيكة في غزة.
ضربة مزدوجة
وجدير بالذكر أن النظام الإقليمي للولايات المتحدة قد اهتز من قبل، بما في ذلك خلال الغزو الكارثي للعراق عام 2003 والانتفاضات الشعبية التي اندلعت في المنطقة عام 2011، ولكنه كان يعيد تشكيل نفسه باستمرار. وكان صانعو السياسة الأمريكيون محاصرين في هذا الهيكل الذي صمموه، تماماً كما كانت القوى الإقليمية المتجذرة فيه. فكل رئيس أمريكي منذ تولي بيل كلينتون منصبه كان يتعهد بتقليص التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، ثم يجد نفسه منجذباً إلى نفس السياسات ومن ثم الحروب.
قد تبدو الأزمة المزدوجة المتمثلة في تدمير “إسرائيل” لقطاع غزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران مجرد حلقة أخرى في هذه الدورة. لكن في الحقيقة، وجهت هذه الأحداث مجتمعة ضربة قاضية للشرق الأوسط الأمريكي. وقضى الدعم الأمريكي للهجوم الإسرائيلي على غزة، وخاصة في عهد الرئيس جو بايدن، على أي سلطة معنوية متبقية للولايات المتحدة في المنطقة. أما فشل ترامب في إيران فقد حطم وهم الهيمنة العسكرية الأمريكية المطلقة. وأظهر الحادثان للدول العربية افتقارها إلى نفوذ حقيقي في النظام الإقليمي، وتضاؤل جدوى الضمانات الأمنية الأمريكية.
كما فشل المسؤولون الأمريكيون في عهد بايدن وترامب في إدراك الآثار المدمرة للحرب الإسرائيلية على غزة. فقد ساد بينهم رأي مفاده أن آراء قادة المنطقة هي وحدها المهمة، وأن هؤلاء القادة قد نسوا الفلسطينيين منذ زمن، وأنهم يتوقون إلى علاقات أوثق مع “إسرائيل” القوية، وإلى الضمانات الأمنية الأقوى التي تقدمها الولايات المتحدة كحوافز لها. ولعل خير مثال على قصر النظر هذا هو سعي بايدن العبثي للتوسط في تطبيع العلاقات بين “إسرائيل” والسعودية، حتى بعد أن جعل ارتفاع عدد القتلى في غزة هذا التعاون محفوفاً بالمخاطر السياسية لدى الرأي العام العربي الذي كانت الرياض تطمح إلى قيادته.
لكن الآثار الكاملة للكارثة في إيران ستستغرق وقتاً لتتضح معالمها. وقد أدى سعي واشنطن المتواصل لتعزيز التعاون العربي مع “إسرائيل” إلى تفاقم الانقسامات بين العرب. وبصفتها إحدى أول دولتين وقعتا على اتفاقيات أبراهام، واصلت الإمارات العربية المتحدة العمل مع “إسرائيل” خلال الحملة الإسرائيلية على غزة، وكذلك في الوقت الذي شنت فيه “إسرائيل” ضربات عسكرية في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وحتى قطر.
وخلال الحرب مع إيران، ووفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال، نسّقت الإمارات مع “إسرائيل” والولايات المتحدة لشن ضربات على أهداف إيرانية. وفي المقابل، راقبت السعودية التحالف الإماراتي الإسرائيلي بقلق. وكانت الرياض وأبو ظبي على خلاف بالفعل بشأن سوريا، حيث دعمت السعودية نظام ما بعد الأسد، بينما شاركت الإمارات “إسرائيل” عداءها له، وكذلك بشأن اليمن، حيث طردت السعودية منذ فترة قصيرة وكلاء الإمارات هناك. واشتكت السعودية من أن الإمارات تروج لحركات انفصالية تقوض الاستقرار الإقليمي، ورأت عموماً في الشراكة بين “إسرائيل” والإمارات تهديداً لقيادتها الإقليمية. وقد أدى هذا الخلاف إلى تعقيد أي فرصة كانت لدى واشنطن لحشد القوى الكبرى في المنطقة لدعم حملتها لهزيمة إيران.
وإذا كانت الحرب في غزة قد تركت مستقبل القيادة الإقليمية الأمريكية موضع شك، فإن الحرب مع إيران كانت بمثابة تأكيد على نهاية هذا النظام. واستشاط قادة الخليج غضباً من بدء الولايات المتحدة و ”إسرائيل” الحرب دون استشارتهم، مع علمهما بمعارضتهم لها، وفي خضم مفاوضات جرت بين سلطنة عمان وإيران. وعرّضتهم هذه الحرب التي لم يكن لهم فيها أي رأي لرد إيراني مباشر.
ورغم أن أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية حمت الخليج من أسوأ وابل من الصواريخ، إلا أن عدداً كافياً من الضربات الإيرانية تمكن من اختراقها وإلحاق ضرر جسيم بها، وزعزع استقرار النموذج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة. واستهدفت إيران جميع دول الخليج، بما فيها الدول الصديقة كسلطنة عمان وقطر، لكنها ركزت نيرانها على الدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام: البحرين، وبشكل أكبر، الإمارات العربية المتحدة. وفي غضون أسابيع قليلة، تمكنت إيران من إلحاق الضرر بأجزاء كبيرة من مجموعة القواعد العسكرية التي دعمت الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، أو تدميرها، أو جعلها غير ذات جدوى.
وفي غضون أسابيع قليلة، تمكنت إيران من إلحاق الضرر بأجزاء كبيرة من مجموعة القواعد العسكرية التي كانت تدعم الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، أو تدميرها، أو تعطيلها. وتآكلت ثقة حلفاء الخليج في واشنطن أكثر عندما فشلت الحملة الأمريكية الإسرائيلية في إزاحة النظام الإيراني من السلطة. فعلى مدى عقود، طالما جادل مؤيدو قصف إيران بأن مثل هذا الهجوم قد يكون فوضوياً، ولكنه سيزيل في نهاية المطاف التهديد الإيراني. ومع ذلك، فشلت الولايات المتحدة و ”إسرائيل”، بكل قوتهما العسكرية، فشلاً ذريعاً. وبالإضافة إلى ذلك، وقفت الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي بينما أغلقت إيران مضيق هرمز، مما عرّض اقتصاد الخليج بأكمله للخطر.

(سفن في مضيق هرمز، أغسطس 2026 – رويترز)
ومرة أخرى، صُدم قادة الخليج ليس فقط من تجاهل أمريكا لرغباتهم، بل أيضاً من انكشاف عجزها. وتحولت صدمتهم إلى غضب عندما قصفت الولايات المتحدة منشآت تخزين المياه الإيرانية، وقصفت “إسرائيل” مستودعات النفط الإيرانية. كانت واشنطن تُقامر بمستقبل شركائها؛ فلو ردت طهران بضرب منشآت المياه أو مواقع الطاقة النووية في الخليج، لكانت دوامة التصعيد الناتجة قد انتهت بمواجهة دول الخليج كارثة اقتصادية، ودماراً بيئياً هائلاً يجعلها غير صالحة للسكن.
وكان ما استنتجه الخليج من كل هذا هو أن الضمانات الأمنية الأمريكية، جوهر الاتفاق الإقليمي، لم تعد موثوقة. لقد أدركت المنطقة بالفعل في عام 2011 أن واشنطن عاجزة عن حمايتها من التهديدات الداخلية. فإذا لم يكن بالإمكان الاعتماد على واشنطن حتى في التشاور مع حلفائها، أو هزيمة خصومها، أو حماية شركائها من تبعات مغامراتها الإقليمية المتهورة، فما جدوى وعودها إذن؟ لقد انهار الاتفاق الأساسي الذي كانت عرضته الولايات المتحدة، ولن يُعاد بناؤه بسهولة.
هذه المرة مختلفة
لقد أصبح من الأمور الشائعة الإشارة إلى الحرب الإيرانية بأنها لحظة السويس (العدوان الثلاثي على مصر) بالنسبة لواشنطن. فهناك بالفعل أوجه تشابه بين كارثة اليوم والمخطط البريطاني – الفرنسي – الإسرائيلي الفاشل للاستيلاء على قناة السويس من مصر عام 1956، والذي حقق نصراً سياسياً باهراً للرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر. وأصبحت السويس رمزاً لانهيار الإمبراطوريات الأوروبية والانتقال من عالم متعدد الأقطاب إلى نظام ثنائي القطبية ساد خلال الحرب الباردة.
لكن أزمة السويس لم تُنهِ الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط على الفور. فقد واصلت فرنسا حربها للحفاظ على الجزائر لمدة ست سنوات أخرى، وظلت المملكة المتحدة القوة المهيمنة في الخليج لعقد ونصف، تحارب حركات التمرد في عُمان واليمن الحالي قبل انسحابها النهائي من المنطقة عام 1971. فالأمر يستغرق وقتاً حتى تتضح الصورة كاملة.
وبنفس الطريقة، سيستغرق ظهور الآثار الكاملة للكارثة الأمريكية في إيران وقتاً أيضاً حتى تتضح الأمور. وبالتالي، فلن يزول النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة على المدى القريب. قد تتراجع الولايات المتحدة عن القواعد العسكرية التي دمرتها إيران، لكنها ستظل تلعب دوراً محورياً في الدفاع الإقليمي. ومن غير المرجح أن تنفصل دول الخليج عن واشنطن فوراً.
ففي ظل غياب بدائل واضحة، وخوفاً على مستقبلها، قد تُعزز هذه الدول علاقاتها مع إيران، كما حاولت السعودية فعله بإبرام اتفاق نووي طال انتظاره، قبل أن يُغير ترامب بنوده في اليوم التالي، تاركاً الاتفاق معلَّقاً. ومن غير المرجح أيضاً أن تُشكل هذه الدول أي تهديد عسكري لـ ”إسرائيل”، أو أن تقترب من إيران بشكل أكثر من اللازم. ولن يؤدي الخلاف الأمريكي الإسرائيلي، رغم كونه حقيقياً وربما طويل الأمد، إلى انهيار هذا التحالف قريباً. وستحافظ الدول العربية أيضاً على علاقات عمل مع “إسرائيل”، وستواصل الاستفادة من التكنولوجيا العسكرية وبرامج وأجهزة المراقبة الإسرائيلية.
وقد لا تبدو التعديلات الطفيفة التي تبدأ الجهات الفاعلة الإقليمية في إجرائها ذات أهمية كبيرة في البداية. فلطالما سعت الدول إلى تحقيق مصالحها الخاصة، حتى في ذروة الهيمنة الأمريكية. وحتى أكثر حلفاء الولايات المتحدة اعتماداً على الولايات المتحدة أتقنوا فنون المماطلة، والتراجع، والضغط على واشنطن. وسيستمرون في الانخراط في صراعات محلية، وإعطاء الأولوية لبقاء أنظمتهم، والسعي لضمان أمنهم. فأحياناً سيتطلب ذلك التعاون مع واشنطن، وأحياناً أخرى لن يتطلب ذلك.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين ما يبدو استمرارية قصيرة الأجل وبين الاستدامة طويلة الأجل. فعندما جاء الوقت الذي برزت فيه أزمة السويس، كان تفكك الإمبراطوريات الأوروبية حتمياً، ليس بسبب فشل سياسي واحد، بل بسبب صعود النزعة القومية ومناهضة الاستعمار، فضلاً عن الاستنزاف الاقتصادي والسياسي للنموذج الإمبراطوري الأوروبي. كما كان النظام الأمريكي في الشرق الأوسط يتدهور لسنوات مع تراكم الإخفاقات السياسية، وصولاً إلى فقدان الهدف المشترك والعجز العسكري الذي كشفته الأزمات الأخيرة.
ستجد واشنطن نفسها تحت إغراء التمسك بالسياسات التي حددت نهجها في الشرق الأوسط على مدى عقود، معتمدةً على علاقاتها مع أولئك القادة الوحشيين، غير الآمنين، والقمعيين الذين يملؤون المشهد الذي صممته. وإذا استمر القادة الأمريكيون على النهج نفسه، فعليهم أن يتوقعوا النتيجة نفسها: منطقة تعاني من عدم استقرار دائم، وفشل اقتصادي وسياسي، واندلاع متكرر للصراعات العنيفة. وقد لا تستدعي هذه الصراعات القوات العسكرية الأمريكية إلا في بعض الأحيان، لكن الفوضى ستسود وستحوز باستمرار على الاهتمام وتستنزف الموارد بلا طائل. وستستمر الحروب التي لا تبدو لها نهاية.

فتاتان تسيران بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في طهران، إيران، أغسطس 2026. ماجد عسكري بور / وكالة أنباء غرب آسيا / رويترز
قد تبدو هذه النتيجة مقبولة لصناع السياسة الأمريكيين الذين اعتادوا إدارة الصراعات والحفاظ على العلاقات مع جهات فاعلة سيئة بطبيعتها. لكن واشنطن لا تستطيع تجنب الانتقال إلى نظام إقليمي جديد بمجرد التظاهر بأن شيئاً لم يتغير في المشهد (ولو ظاهرياً). فالحلفاء العرب الذين فقدوا ثقتهم بالولايات المتحدة سيمارسون استقلاليتهم بشكل متزايد. وقد يعني ذلك أحياناً السعي إلى الدبلوماسية مع إيران وتوسيع العلاقات مع الصين وروسيا ضد رغبة أمريكا بطبيعة الحال. وفي أحيان أخرى، قد يعني ذلك التدخل في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي أو إعادة إشعال الصراع العنيف في العراق ولبنان وسوريا واليمن.
وستُشكّل قوى خارجة عن سيطرة أمريكا إلى حد كبير هذا النظام الناشئ. فـ ”إسرائيل”، على سبيل المثال، مصممة على مواصلة التدخل العسكري بغض النظر عن تفضيلات أمريكا حيال ذلك. وقد واصلت بالفعل حربها مع حزب الله في تحدٍ لمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي تم التوصل إليها في شهر يونيو، ولم تُبدِ أي استعداد لسحب قواتها من جنوب لبنان. ويصر المسؤولون الإسرائيليون على أن بلادهم ستحافظ على وجود عسكري في سوريا أيضاً. ومع غياب أي ضغوط داخلية جدية لتبني سياسات أكثر اعتدالاً، فإنه لا يوجد ما يعيق “إسرائيل” عن ضم الضفة الغربية وتدمير غزة بالكامل.
وإيران، مثل “إسرائيل”، لديها كل الحوافز لاتباع سياسات تُديم عدم الاستقرار. فالصراع المستمر يُساعد النظام على إلقاء اللوم على الآخرين في الأوقات العصيبة وتبرير استراتيجيته في المقاومة أمام الشعب الإيراني. وقد احتفظت إيران بقدرتها على إثارة العنف. فرغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبلاد جراء الحرب، إلا أن النظام لا يزال قائماً، وقد تعززت قوته الإقليمية.
وقد أظهرت إيران قدرتها على السيطرة الفعالة على مضيق هرمز وضرب حلفاء أمريكا في المنطقة، ومن غير المرجح أن تُنهي انتكاسات حلفاء مثل حزب الله قدرة طهران على بسط نفوذها عبر وكلائها بشكل دائم. وقد يؤدي الضغط الأمريكي على الحكومات الضعيفة في العراق ولبنان لنزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران إلى اندلاع صراع إضافي تكون فيه اليد العليا لحلفاء إيران.
وستتباعد التحالفات الإقليمية أكثر فأكثر عن التحالف المناهض لإيران الذي يتصوره المسؤولون الأمريكيون. وبدلاً من الاعتماد على الحماية الأمريكية، قد تسعى دول خليجية عديدة إلى إبرام اتفاقيات جانبية مع إيران لتجنب استهدافها من قبل طهران. وبدلاً من اتباع نهج واشنطن، فمن المرجح أن تتمحور السياسة الإقليمية حول تنافس محموم على النفوذ بين الإمارات والسعودية.
وقبل اندلاع الحرب الإيرانية في نهاية فبراير، بدأت الرياض بتشكيل تحالف يضم مصر وباكستان وقطر وتركيا لمواجهة التحالف الإماراتي الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة. وسيُستأنف هذا التنافس أيضاً بعد انحسار القتال، مما قد يُزعزع استقرار الدول المنهكة أصلاً، ويمتد عبر المنطقة بأسرها، ويُولد أزمات جديدة لا حصر لها ستُعاني واشنطن المشتتة من صعوبة التعامل معها.
وأخيراً، ستواجه معظم الأنظمة في المنطقة ضغوطاً متزايدة من الداخل مع تداعيات الحرب الإيرانية التي تُلقي بظلالها على اقتصادات المنطقة المتعثرة. ولن تقتصر هذه الآثار على الدول التي تضررت بنيتها التحتية جراء الضربات الإيرانية، ففي مصر على سبيل المثال، تُفاقم الارتفاعات الحادة في أسعار الوقود والغذاء والخسائر الفادحة في عائدات قناة السويس، نتيجة لتعطيل الحرب للشحن العالمي، الأزمات المالية والبطالة القائمة. وقد تفقد العديد من الدول المتضررة بالفعل من خفض المساعدات الأمريكية مصدراً حيوياً آخر للاستثمار الخارجي، في ظلّ معاناة دول الخليج الغنية من مشاكلها الاقتصادية. وتُشكّل المظالم الداخلية والغضب الشعبي إزاء غزة مزيجاً خطيراً، وقد تلُوح في الأفق موجة احتجاجات مماثلة للانتفاضات التي وقعت قبل 15 عاماً.
الفرصة الأخيرة
قد يؤدي الانهيار العنيف للنظام الإقليمي القديم إلى تعطيل أو حتى إحباط أي محاولة لإقامة نظام جديد فعّال. لكن هذه اللحظة قد تُشكّل أيضاً فرصة للولايات المتحدة لإعادة صياغة الاتفاقات الأساسية التي أسفرت عن هذه النتائج المدمرة. ويتطلب وضع سياسة جديدة سليمة تجاه الشرق الأوسط إعادة النظر في قرار إعطاء الأولوية للعلاقات مع الحلفاء المستبدين الخارجين عن القانون باسم البراجماتية. فعلى مدى عقود، افترضت واشنطن أنها ليست بحاجة للقلق كثيراً بشأن الرأي العام العربي لأنها تستطيع الاعتماد على الحكام العرب في قمع أي معارضة.
وبالمثل، افترضت أن مجرد التلفظ بكلمات جوفاء حول دعم حل الدولتين، بينما تواصل “إسرائيل” ضمها التدريجي للأراضي الفلسطينية وتتجنب مفاوضات السلام الحقيقية، سيكون كافياً لإبقاء حلفائها العرب في صفها. هذا يعني أن الولايات المتحدة لم تُفكّر قط في تبني سياسات تحظى بموافقة، أو حتى دعم، شعوب المنطقة. ويعني أيضاً أن واشنطن لم تستطع أبداً الانخراط بجدية في تعزيز الديمقراطية أو الدفاع عن حقوق الإنسان، لأن استراتيجيتها كانت تعتمد على غيابهما.
ولن تُغيّر إدارة ترامب، التي طالما استهزأت بالديمقراطية وسيادة القانون في الداخل والخارج، هذا الواقع. ومن الصعب تخيّل ترامب، الذي يتأرجح بين الاستراتيجيات بشكلٍ مُتطرّف، وهو يُصمّم نظاماً إقليمياً جديداً من أيّ نوع. لكن سيحظى خليفته بفرصة حقيقية للخروج عن الوضع الراهن وصياغة استراتيجية أكثر تماسكاً وفعالية للشرق الأوسط.
ويبدأ ذلك بالتخلي عن استخدام التدخل العسكري كخيارٍ أول، وإنهاء ممارسة الدبلوماسية القائمة على الضربات الجوية. ويجب أن تكون أولوية واشنطن هي الدفاع، لا الهجوم. وإحدى طرق توضيح هذه النية هي التخلي عن إعادة بناء القواعد العسكرية الأمريكية المُتضررة أو المُدمّرة في الخليج، والتركيز بدلاً من ذلك على الاستثمارات في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وأنظمة الدفاع الصاروخي لشركاء الخليج، والحفاظ على حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
كما يجب على الولايات المتحدة السعي لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط من خلال الدبلوماسية والدفاع الجماعي، لا الاحتواء العسكري. وقد كشفت كارثة إيران بوضوح زيف الدعوات المُتشدّدة للحرب والوعود باتخاذ إجراءات حاسمة. وحان الوقت لواشنطن أن تلتزم بعملية دبلوماسية تُدمج إيران في منظومة الأمن الإقليمي كشريك فاعل.
وقد تكون دول الخليج منفتحة على هذا النهج رغم غضبها من الهجمات الإيرانية الأخيرة. ففي نهاية المطاف، توصلت السعودية وإيران إلى تقارب عام 2023 بعد جولة سابقة من العدوان الإيراني. وقد طرحت إدارة أوباما رؤية مماثلة خلال مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، بل إن نائب الرئيس جيه دي فانس نفسه تحدث عن استعداده “لإحداث تغيير جذري” في علاقة الولايات المتحدة مع إيران عقب اتفاق جديد. نعم، الطموح موجود، لكن على الإدارة الجديدة أن تُثبت سريعاً وبحزم عزمها على المضي قدماً في هذا المسار.
إن واشنطن تواجه صعوبة في تصور شرق أوسط لا تهيمن عليه. ويجب أن يشمل إعادة ضبط السياسة الأمريكية أيضاً طريقة تعامل واشنطن مع حلفائها، بما في ذلك “إسرائيل”. إن الظروف مواتية لإعادة النظر في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية: فبحسب استطلاع رأي أجرته جامعة كوينيبياك ونُشر في يونيو، يعتقد ما يقرب من ثلثي الديمقراطيين وأكثر من نصف المستقلين أن الولايات المتحدة تُفْرِط في دعم “إسرائيل”.
وفي منتصف يوليو، صوّت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب لصالح مشروع قانون لقطع المساعدات العسكرية الأمريكية عن “إسرائيل”. وينبغي للإدارة القادمة استغلال هذا الزخم لممارسة الضغط على “إسرائيل”، وهو الضغط الذي لطالما تجنّبته الإدارات الأمريكية. قد لا يتعين على واشنطن التخلي عن حليفتها، ولكن عليها أن تُطالب “إسرائيل” باحترام حقوق الإنسان في جميع الأراضي التي تسيطر عليها، ووقف التوسع التدريجي للضفة الغربية، وإنهاء تدخلاتها المزعزعة للاستقرار في لبنان وسوريا.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




