لماذا يبني أباطرة التكنولوجيا الأمريكيون “مخابئ يوم القيامة”؟– حول تحالف نهاية الزمان

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
مقدمة
في إطار اهتمام المعهد المصري للدراسات بالقضايا السياسية والإجتماعية المتعلقة بالتطورات الهائلة في مجال التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الإصطناعي، وأثر ذلك على تشكيل النظام العالمي بشكله الجديد، والنقاشات الفكرية والسياسية الجارية على الساحة العالمية والمتعلقة بهذه القضية (راجع العديد من الدراسات التي نشرها المعهد على مدار العامين الماضيين في هذا الموضوع، وأخرها الدراسة المنشورة بعنوان: “من يملك قرار الذكاء الاصطناعي، وما موقعه من استراتيجية القوة“)، تابعنا في 17 سبتمبر 2026، حلقة مهمة بثتها قناة بريكنج بوينتس (Breaking Points)على يوتيوب، وهي قناة إخبارية وتحليلية سياسية مستقلة تحظى بمشاهدة جيدة، بعنوان: “لماذا يبني المليارديرات مخابئ يوم القيامة Doomsday Bunkers؟”.
وقدمت هذه الحلقة الصحفية كريستال بول (Krystal Ball)، وهي مُعلقة سياسية أمريكية ومُقدمة بودكاست سياسي ذات توجه سياسي يساري، حيث استضافت في هذه الحلقة نعومي كلاين، الكاتبة الصحفية والأستاذة الجامعية وصانعة الأفلام الوثائقية والناشطة الكندية الشهيرة، ومؤلفة العديد من الكتب المؤثرة مثل (No Logo -لا شعار) و (Shock Doctrine – عقيدة الصدمة)، وغيرهما؛ وأسترا تايلور، الناشطة الأمريكية الكندية وصانعة الأفلام الوثائقية، وكلاهما تنتميان أيضًا إلى التيار السياسي اليساري التقدمي والفكري النقدي.
نعومي كلاين واسترا تايلور متشاركتين في كتابهما الجديد: ” فاشية نهاية الزمان والنضال من أجل عالم الأحياء – End Times Fascism and the Fight for the Living World“، والذي حظي بقبول كبير في الأوساط الثقافية الأمريكية منذ صدوره في منتصف سبتمبر الماضي، وتناولته، بالإضافة إلى ما نستعرضه اليوم، عدة مقابلات مهمة أخرى، مثلًا أنظر، أنظر)، وتدعوان من خلاله لتشكيل قوة دافعة لتحالفات من الناس، خاصة من اليسار، لتواجه ما تطلقان عليه “الفاشية اليمينية”، التي تشكل جزءًا من أقصى اليمين، والتي تحمل رؤى شديدة الظلامية لمستقبل العالم وحياة معظم البشر، في وجهة نظرهما، وتشكل بالتالي “خيانة” للعالم الذي يعيشون فيه .
تأتي أهمية هذا الكتاب أيضًا في إطار برنامجنا البحثي في المعهد المصري، في أنه يلقي الضوء على القوى التي تسعى من خلال ممارساتها إلى إثارة قدر كبير من الفوضى العالمية في إطار تصورات نهاية الزمان، كما يوضح الكتاب، وهو ما يتوافق في أغلبه مع وجهة نظرنا التي عرضناها من خلال تقديرنا للموقف المنشور بعد نحو أسبوعين فقط من بداية الجولة الأخيرة من الحرب الإيرانية، بعنوان: “الروافع الخمسة للحرب الحالية – إلى أين يتم الدفع بمسار الحرب“. في تلك الدراسة، عرضنا تقديرنا للأطراف التي تدفع للحرب الحالية، منذ بدايتها، في اتجاه الفوضى الشاملة لتحقيق أهدافها. هناك العديد من القواسم المشتركة لذلك مع ما استعرضته كلاين وتايلور في كتابهما القيم.
الإطار العام لطرح كلاين وتايلور
تتناول نعومي كلاين وأسترا تايلور في الحلقة، من خلال نقاشات فكرية وفلسفية عميقة، في إطار محاولة فهم وتشريح القوى السياسية والإجتماعية من أقصى اليمين، والتي يتعاظم وصولها للسلطة في الكثير من بلدان العالم، أسباب تنامي ظاهرة استعداد بعض المليارديرات لانهيار مجتمعي محتمل عبر إنشاء مخابئ حصينة خاصة وغيرها من وسائل الحماية. وتجادلان بأن هذه الاستعدادات تعكس اعتقاداً سائداً لدى بعض الأثرياء وأصحاب النفوذ بأن الأزمات الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية والبيئية الكبرى باتت أكثر ترجيحاً، وأنها ستؤدي إلى تغييرات عالمية جذرية تحاكي تصوراتهم عن “نهاية الزمان”، بما يقتضي التحسب لها.
ويربط النقاش بين نزعة المليارديرات للبقاء على قيد الحياة وبين تفاقم التفاوت الاقتصادي، وما يعتقده الأثرياء من قدرتهم على حماية أنفسهم من الأزمات التي تؤثر على عامة الناس.
وتحدد كلاين وتايلور ثلاثة أشكال متداخلة من التفكير المتعلق باقتراب “نهاية الزمان”، خاصة بين طائفة من من بعض المليارديرات من أباطرة التكنولوجيا في الوقت الحالي، من حيث: “المعتقدات الدينية المرتبطة بالأحداث المؤدية إلى نهاية العالم Apocalypse، والمخاوف التكنولوجية المحيطة بالذكاء الاصطناعي، والتوجهات القومية أو الاستبدادية المعارضة لسياسات الهجرة “.
كما تطرح الحلقة مسألة تغير المناخ كمصدر رئيسي آخر لعدم الاستقرار، لا سيما وأن آثاره قد تُعمّق التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية القائمة. وتستخدم المؤلفتان مفهوم “المخبأ الحصين – Bunker” كاستعارة لمجتمعٍ يسعى فيه الأثرياء إلى الهروب من الاضطرابات المرتبطة بنهاية العالم، إلى مخابئ فضائية، أو على جزر منعزلة مثل جزر هاواي أو جزر أخرى، أو في نيوزيلاندا واسكتلندا، أو في مناطق معزولة ومجهزة بأفضل وسائل التكنولوجيا لاستدامة الحياة، أو غير ذلك، بدلاً من معالجة أسبابها الجذرية؛ حيث توكدان أن التفاوت الشديد في الدخل يسمح للنخب بالسعي وراء حلولٍ فردية لمشاكل تتطلب عملاً سياسياً جماعياً.
كما يتناول النقاش أيضاً الروابط بين أصحاب المليارات من الرواد في مجال التكنولوجيا، والحركات القومية المعارضة للهجرة، والجماعات الدينية، والسياسات الاستبدادية. وتؤكد كلاين وتايلور أن هذه الجماعات لا تتشارك بالضرورة نفس المعتقدات، ولكنها قد تتعاون أحياناً لتحقيق مصالح سياسية مشتركة.
وترى كلا الكاتبتين أن استعدادات المليارديرات للكوارث المحتملة – بما في ذلك المخابئ الحصينة الخاصة، وغيرها من أشكال الحماية الشخصية – يجب فهمها ليس فقط كاستراتيجيات فردية للبقاء، بل كجزء من رؤية سياسية واقتصادية أوسع، حيث يتصور بعض الفاعلين النافذين المستقبل بشكل متزايد كفترة أزمة يمكنهم حماية أنفسهم منها، وقد يكونوا هم من صنعوها بأنفسهم، أو عملوا على الإسراع بحدوثها، للوصول إلى أهدافهم في التحكم والسيطرة، تمهيدًا لانتقال العالم لمرحلة جديدة من السلام والسكينة ينجو فيها فقط “من يستحق”، بدلاً من كون ذلك المستقبل حاملًا لمشكلة جماعية تتطلب حلولاً ديمقراطية ينجو بها الجميع الأن من المصير المظلم الذي تنشده هذه الفئات.
وتحدد الباحثتان ما تسميانه ثلاث اتجاهات “كارثية” متداخلة: حركات دينية تُؤمن باقتراب نهاية الزمان، ونخب تكنولوجية تقود تطور الذكاء الاصطناعي والتحول التكنولوجي الكبير إلى الهاوية، وحركات قومية أوعرقية قومية تعارض سياسات الهجرة. ووفقاً لتحليلهما، فقد تختلف هذه الجماعات في معتقداتها وأهدافها، مع أنها تشترك في توقع أن الترتيبات الاجتماعية القائمة تقترب من انهيار كبير، ويعدون أنفسهم للخروج منه بالفوز الكبير بعد حدوثه.
ويُركز جزء كبير من النقاش في الحلقة على الذكاء الاصطناعي والنفوذ السياسي لشركات التكنولوجيا. وتؤكد كلاين وتايلور بأن تطوير الذكاء الاصطناعي ليس مجرد قضية تكنولوجية، بل يثير أيضاً تساؤلات حول التوظيف، وتراكم وتركيز الثروة، والقوة العسكرية، والمراقبة البوليسية على المجتمع، والسيطرة السياسية، وهو ما يقود إلى تنامي النفوذ لشركات التكنولوجيا على الحكومات والسياسات العامة. كما تربطان بين توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي – بما في ذلك مراكز البيانات الضخمة – وبين صراعات أوسع نطاقاً حول الطاقة، والأرض، والعمل، والسيطرة السياسية.
كما تُناقش الكاتبتان العلاقة بين مليارديرات التكنولوجيا والسياسة الحكومية. ويتناول الحوار أيضاً المخاوف من أن تستفيد مصالح التكنولوجيا القوية من ضعف التنظيم، في حين تعتمد الحكومات بشكل متزايد على الأنظمة التكنولوجية لأغراض المراقبة والأمن والأغراض العسكرية. وتستعرض الكاتبتان على سبيل المثال شركة بالانتير وغيرها من شركات التكنولوجيا كأمثلة على التقاطع بين التكنولوجيا الخاصة وسلطة الدولة (راجع العديد من الدراسات التي نشرها المعهد المصري عن هذه الشركة بالذات، ومؤسسها بيتر ثيل، نظرًا للدور القيادي شديد الخطورة الذي تلعبه، ويلعبه ثيل شخصيًا، على الساحة الأمريكية والعالمية في الوقت الحالي، مثلًا أنظر، أنظر، أنظر، أنظر، أنظر، أنظر، أنظر).
ويُعدّ التغير المناخي عنصراً رئيسياً آخر في النقاش الدائر. حيث تربط كلاين وتايلور بين عدم استقرار المناخ وعدم المساواة الاقتصادية، مُشيرين إلى أن الأفراد الأثرياء يمتلكون موارد أكبر بكثير لحماية أنفسهم من أشكال مُعينة من الاضطرابات. ولذلك، يُصبح “المخبأ” استعارة أوسع للفصل الاجتماعي؛ فبدلاً من معالجة المشكلات البيئية والاقتصادية بشكل جماعي، يُمكن للفئات المتميزة محاولة عزل نفسها عن عواقبها.
وبالتالي، فإن هذا النقاش يُثير تساؤلات حول من يمكن أن يتحمّل تكاليف الأزمات التكنولوجية والبيئية والسياسية الناتجة عن الممارسات السلبية التي يجري الحديث عنها؛ حيث ترى الباحثتان بأن عدم المساواة الشديد يُمكن أن يُسهّل على الفئات الثرية تخيّل النجاة من الأزمات بشكل فردي، بينما تبقى المشكلات الهيكلية الأساسية دون حل.
وتُضيف كلاين وتايلور أن التفكير السياسي الكارثي يُمكن أن يُؤثر على الحركات السياسية المُعاصرة ويُساهم في ظهور أشكال سياسية استبدادية. كما تُناقشان العلاقة بين النخب التكنولوجية، والأصوليين الدينيين، والقوميين الشعبويين المعادين للمهاجرين، والذين يشكلون البيئة السياسية المُحيطة بدونالد ترامب، ويشكل هو لهم لُحمة هذا التحالف. ويُظهر التحليل الذي قدمته كلاين وتايلور قدرة مثل هذه الجماعات على تشكيل تحالفات مؤقتة رغم وجود اختلافات جوهرية بينها.
وفي الوقت نفسه، يُؤكد الحوار على أن هذه التحالفات السياسية تنطوي على توترات وخلافات داخلية. فمعارضة الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والمراقبة الحكومية، أو سياسات اقتصادية مُحددة، قد تُؤدي أحياناً إلى ظهور مجالات اتفاق غير متوقعة بين جماعات مُختلفة سياسياً، وقد يعارض القوميون التوجه نحو استخدام القوة عالميًا، وهكذا. وتُشير كلاين وتايلور إلى أن هذه التوترات قد تُصبح ذات أهمية سياسية مع ازدياد انعدام الأمن الاقتصادي والاضطرابات التكنولوجية.
كما يتركز الحوار حول فكرة أن “مخابئ يوم القيامة” أو (Doomsday Bunkers) لا ترمز فقط إلى الخوف من الكوارث، بل تُمثل، في نظر كلاين وتايلور، صراعاً أوسع نطاقاً حول كيفية استجابة المجتمعات لتغير المناخ، والاضطرابات التكنولوجية، وعدم المساواة، وعدم الاستقرار السياسي. ويُقارن تحليلهما بين استراتيجية فردية لحماية الأثرياء من الانهيار المجتمعي، وبين مناهج جماعية تسعى إلى معالجة أسباب عدم الاستقرار.
وفي نهاية المطاف، تدعو الكاتبتان إلى التعامل مع تغير المناخ، والذكاء الاصطناعي، وعدم المساواة، والاستبداد السياسي، ومعاداة الهجرة، باعتبارها قضايا مُترابطة وليست مشاكل مُنفصلة.
وتخلص الكاتبتان إلى التأكيد على أهمية الاستجابات الديمقراطية الجماعية، والعمل السياسي الجماعي، والمؤسسات الديمقراطية القوية، لمواجهة ظواهر تغير المناخ، والاضطرابات التكنولوجية، والتفاوت الإجتماعي، وعدم الاستقرار السياسي، بدلاً من استراتيجيات “الهروب” الفردية من قبل أثرياء العالم، وكذلك مقاومة التركيزات المفرطة للقوة الاقتصادية والتكنولوجية صاحبة الرؤى السوداوية للسيطرة والتحكم، مع تبني السياسات التي تهدف إلى تحسين الأمن الاقتصادي كبدائل للتنظيم السياسي.
فاشية “نهاية الزمان”
بعد استعراض أهم ملامح رؤية كلاين وتايلور، نستعرضها بشئ من التفصيل.
تتناول الحلقة ما تصفه نعومي كلاين وأسترا تايلور بأنه شكل معاصر من “فاشية نهاية العالم”، ويعنيان بذلك تحالف غير معلن، أو غير مؤطر، يضم تيارات سياسية وأيديولوجية متعددة تتجمع حول توقعات بحدوث تحول اجتماعي كارثي ودمار هائل وشيك، وإمكانية النجاة من خلال أشكال من الحماية التكنولوجية أو الدينية أو القومية. ينبع هذا من تصورات الكتاب المقدس، حول أن الدمار الهائل (على غرار هرمجدون) يكون مطلوبًا لتعقبه الحياة الجميلة للقلة التي “تستحق مثل هذه الحياة”. يشرح الكاتبان هذا التصور على أرض الواقع من خلال الفيديو الذي تم انتاجه ليخرج مع صدور الكتاب، ويعطي مثالًا بقطاع غزة المدمر، الذي يصفه بعد ذلك ترامب بأنه قطعة أرض رائعة، ويشرح مساعدوه كوشنر وويتكوف كيف يتم إعداد مشروع للمستقبل على هذه القطعة، بعد أن تم تدميرها بالكامل.
تركز الحلقة على ثلاث مجموعات رئيسية كمكونات لهذه الفاشية: الأصوليون الدينيون الذين يفسرون الأحداث المعاصرة من خلال سرديات حرفية -أو شبه حرفية- حول نهاية العالم؛ والفاعلون الرائدون للتكنولوجيا الذين يتوقعون تحولاً كبيرًا في البشرية عبر الذكاء الاصطناعي والآلات المتقدمة؛ والقوميون العرقيون الذين ينظرون إلى الأمة باعتبارها “حصناً” واقياً في مواجهة تهديدات ديموغرافية واقتصادية وجيوسياسية متصورة.
كما يبحث هذا النقاش شخصية دونالد ترامب كفاعل سياسي قد تراه هذه المجموعات واجهة مفيدة، ورمزًا للالتفاف حوله لتنفيذ أجندتها، رغم الاختلافات القائمة بين أيديولوجياتها.
وتناول النقاش بعمق مسائل مثل تنظيم الذكاء الاصطناعي، وتركز الثروة، والتغير المناخي، والمراقبة البوليسية، والعسكرة، والاستبداد التاريخي، ومعاداة الهجرة، والاستقطاب السياسي، وحركات المقاومة، وغيرها من مسائل تبدو مختلفة، لكن تجمعها روابط قوية تسهم في تشكيل العالم المعاصر ومستقبله.
وترى كلاين وتايلور بأن الأزمات المعاصرة توفر الظروف المادية التي يمكن أن تنمو في ظلها السرديات السياسية المرتبطة بتصورات نهاية العالم، مع التأكيد في الوقت ذاته على وجود تصدعات داخل هذا التحالف الذي يصفونه. وتشدد المناقشة على أهمية التنظيم السياسي، والاستجابات لحالة انعدام الأمن المادي، وإمكانية تشكيل تحالفات تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية التقليدية.
يستند النقاش في الحلقة إلى كتاب “فاشية نهاية الزمان والنضال من أجل عالم الأحياء” (End Times Fascism and the Fight for the Living World)، وهو عمل مشترك لنعومي كلاين وأسترا تايلور. ويتركز الحديث هنا حول مفهوم “فاشية نهاية الزمان”، الذي تستخدمه المتحدثتان لوصف حالة من التقارب بين تيارات سياسية متباينة تشترك جميعها في توقع حدوث أزمة عميقة أو انهيار أو تحول جذري.
تبدأ المناقشة بعرض فيلم قصير، وهو جزء من الفيديو الصادر بالتزامن مع الكتاب، والذي أشرنا إليه سابقًا، يصور رؤىً لمدينة ذهبية تنبثق من رحم الكارثة؛ حيث يربط الفيلم بين المشاريع السياسية والتكنولوجية المعاصرة وبين السرديات الدينية القديمة التي تتناول قضايا الدمار، والبقاء، ومعركة “هرمجدون”، وظهور “أورشليم الجديدة”. وتجادل كلاين و تايلور أن النسخ المعاصرة لهذه السرديات تتجاوز الحركات الدينية الصريحة لتشمل أيضاً تيارات تكنولوجية وأخرى قومية عرقية.
وبالتالي، فإن القضية الجوهرية التي تعالجها حلقة “بريكنج بوينتس” هي العلاقة بين الأزمات المعاصرة والحركات السياسية التي لا تنظر إلى هذه الأزمات – في المقام الأول – باعتبارها مشكلات تتطلب حلاً، بل تراها دليلاً على تحول وشيك قد تسعى مجموعات معينة لحماية نفسها منه ثم تحقيق مكاسب من خلاله أو بعد حدوثه.
كما تتطرق المناقشة كذلك إلى كيفية تفاعل هذه الحركات، وعلاقة دونالد ترامب بها، والدور الذي تلعبه النخب التكنولوجية، فضلاً عن أنواع الانقسامات السياسية أو ردود الفعل التي ترصدها المتحدثتان.
خلفية عامة
تصف الحلقة “الفاشية” بأنها تحالفات بين قوى سياسية متنوعة، لا كأيديولوجية متجانسة تماماً. وفي هذا الإطار، تحدد كلاين و تايلور ثلاث مجموعات رئيسية تصفانها بأنها تتشارك في الرغبة إما في التخلي عن العالم القائم بتغييره، أو الهروب منه، أو تحصين الذات ضده.
وتتألف المجموعة الأولى من الأصوليين الدينيين، بمن فيهم الصهاينة المسيحيون واليهود المؤمنون بقرب مجيء “المسيح المنتظر” (المسيانيون)، والذين يفسرون الأحداث المعاصرة من منظور يتعلق بمعتقدهم حول “نهاية الزمان”. وتشير المناقشة تحديداً إلى معتقدات تتعلق بإعادة بناء “الهيكل الثالث” وتسريع موعد مجيء أو عودة المسيح المخلص.
أما المجموعة الثانية فتُوصف بأنها “دعاة نهاية الزمان التكنولوجيون” (tech end timers)؛ إذ يتوقع هؤلاء اندماج البشر مع الآلات وظهور شكل من أشكال الذكاء الخارق الذي يضاهي قدرات الآلهة. وعليه، يُصوَّر توجههم على أنه تكنولوجي الطابع لا لاهوتي صريح، رغم ما يحمله من طابع “إيديولوجي ما”، مع وجود تشابه هيكلي بين المجموعتين: فكلاهما ينطوي على توقعات بتحول جذري في الحالة البشرية.
وقد تابعنا في المعهد المصري الجدل الكبير الذي أثير مؤخرًا حول أهمية ضبط لوائح صارمة لتنظيم العمل في تطوير تكنولوجيا الذكاء الإصطناعي، وذلك في أعقاب سلسلة استقالات لباحثي سلامة بارزين من كبرى شركات الذكاء الاصطناعي، الذين كشفوا بعض القناعات السائدة في أوساط مطوري نماذج الذكاء الإصطناعي (على الرغم أن البعض يرون مبالغات كثيرة في هذه القناعات) أن التطورات الهائلة الحادثة فيه قد تؤدي إلى خروج عن السيطرة، بل وفناء البشرية قبل نهاية هذا العقد من الزمان!
على سبيل المثال جاكوب كوكسون Jacob Coxon مهندس سابق في OpenAI وAnthropic استقال محذراً بشكل صريح من أن زملائه السابقين “يؤمنون بصدق أن الأنظمة الفائقة قد تقتلنا جميعاً قبل نهاية العقد الحالي” إذا استمر السباق غير المنضبط نحو الذكاء الاصطناعي العام (AGI).
إيفان هوبينجر Evan Hubinger كبير باحثي السلامة في Anthropic أيد تحذيرات كوكسون، مشيراً إلى أن هناك احتمالية تتجاوز 10% بأن تقضي الآلات على الجنس البشري خلال السنوات العشر القادمة، نظراً لغياب خطة حقيقية للتحكم بالذكاء الفائق.
حتى بعض العقول المؤسسة للذكاء الاصطناعي الحديث مثل جيوفري هينتون Geoffrey Hinton وضعوا تقديرات تتراوح بين 10% إلى 50% لاحتمالية حدوث كارثة وجودية، محذرين من أننا قد نكون على بعد عام أو عامين فقط من بدء الأنظمة بتطوير نفسها ذاتياً بشكل متسارع.
وقد أتى كل هذا أيضًا مع التقرير المهم الذي نشرته شركة أنثروبك والذي يغطي مجموعة منتقاة من أبرز الحالات التي اكتشفها فريق استخبارات التهديدات في الشركة حول إساءة استخدام نموذج كلود Claude، وعطلتها بين ديسمبر 2025 وأغسطس 2026. أهمية التقرير تنبع من أنه يقدم نافذة مثيرة تعرض انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة لإنتاج النصوص إلى بنية تشغيلية تُستخدم في التجسس والحرب السيبرانية والمراقبة السياسية والتأثير الإعلامي وتطوير الأسلحة والبحوث البيولوجية.
وتُصنَّف المجموعة الثالثة ضمن التيار القومي العرقي؛ حيث تصور الحلقة الأمةَ بمثابة “حصن” أو “ملجأ” لهذه المجموعة. ويفسر القوميون العرقيون حالة التفكك الاجتماعي من خلال سرديات تتمحور حول الغزو الخارجي، والتهديد الديموغرافي، وشح الموارد. وتتمثل استجابتهم في تحصين الأمة، واستبعاد الفئات السكانية غير المرغوب فيها، وتأمين الموارد لأفراد الجماعة الوطنية.
وتشدد كلاين و تايلور على ضرورة عدم فهم هذه التصنيفات على أنها تشمل كافة أطياف اليمين السياسي. وبينما يصف الكثيرون هذه الأيديولوجيات بشكل صريح بأنها هامشية، إلا إنها ترتبط في الحقيقة بشخصيات مؤثرة في مجالي الحكومة والأعمال.
وتتحدث الضيفتان عن وجود عدة أزمات مادية، بما في ذلك: الأسلحة النووية، والذكاء الاصطناعي التوليدي، والتغير المناخي، وتركز الثروة، وانعدام المساواة، وغياب الأمن. وتريان أن هذه الظروف تختلف اختلافاً جوهرياً عن الظروف التاريخية التي شهدت صعود الفاشية الأوروبية خلال القرن العشرين.
تيارات نهاية العالم
وبحسب ما جاء في هذه الحلقة عن الأسباب وراء توجه بعض المليارديرات للاستعداد لانهيار مجتمعي محتمل عبر إنشاء مخابئ خاصة وغيرها من وسائل الحماية، فهناك ثلاث مكونات مما تكون “تيارات نهاية العالم” طبقًا للكاتبتان، وهي:
أولاً، تيارات الأصولية الدينية المرتبطة بـ “نهاية الزمان”: حيث يفسّر التيار الديني الصهيوني بشقيه المسيحي واليهودي الأحداث السياسية من منظور النبوءات التوراتية أو غيرها من النبوءات الدينية، بما في ذلك مفاهيم مثل “هرمجدون”، و”نهاية الزمان”، ومعركة “يأجوج ومأجوج”، وتأسيس “أورشليم الجديدة”.
ويجادل المتحدثون بأن الأهمية السياسية لهذه المعتقدات لا تعتمد كلياً على مدى صحة النبوءات الكامنة وراءها بمعناها الحرفي؛ إنما تتمثل في إعتقاد من يتبناها أن النبوءات قد تتحقق عندما يبني الفاعلون السياسيون سلوكهم وتصرفاتهم بناءً عليها. وبالتالي، ووفقاً لهذا التفسير، يمكن للتوقعات الدينية أن تؤثر في القرارات السياسية وتساهم في تأجيج صراعات على أرض الواقع لكي تحقق أهداف من يسعون لإشعالها.
ويربط النقاش هذا المنظور – على وجه الخصوص – بالصراع المتعلق بإيران، وبشخصيات دينية يصفها المتحدثون بأنها تفسر هذا الصراع من خلال النبوءات التوراتية. ومن ثم، تفرق الحلقة بين حقيقة النبوءة كطرح لاهوتي وبين العواقب العملية التي قد تترتب عليها عندما يؤمن بها الفاعلون السياسيون ويتصرفون بمقتضاها.
ثانياً، الفكر التكنولوجي المرتبط بـ “نهاية الزمان”: حيث يرتبط التيار الثاني ببعض مديري شركات التكنولوجيا وغيرهم من النخب التي تطور التكنولوجيا، وتتمثل غايتهم الكبرى في إحداث تحول في البشرية عبر الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى دمج البشر والآلات في نهاية المطاف.
وتضع المتحدثات هذه الرؤية في سياق مخاوف أوسع نطاقاً تتعلق بالذكاء الاصطناعي؛ إذ يناقشون التطور المتسارع لهذا المجال، وإنشاء مراكز البيانات، والجدل الدائر حول الأطر التنظيمية. كما يشيرون إلى مخاوف من أن يساهم الذكاء الاصطناعي في نشوب صراع نووي أو تلوث بيولوجي أو التسبب في عواقب كارثية أخرى.
وتتمحور إحدى النقاط الرئيسية في الحلقة حول توقع بعض النخب التكنولوجية تحولاً تكنولوجياً هائلاً، وفي الوقت نفسه تقبّلهم لاحتمالية حدوث اضطرابات اجتماعية حادة بناءً على هذا التحول. وبناءً على ذلك، تربط المناقشة بين التسارع التكنولوجي والاستعداد للنظر في سيناريوهات كارثية.
ثالثاً، القومية العرقية ومفهوم “التحصن الوطني”: ويتمثل التيار الثالث في القومية العرقية. وتصف الحلقة هذه المجموعة بأنها قد تكون الأكبر حجماً مقارنة بالتيارين الآخرين، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن ليس كل مؤيدي دونالد ترامب يندرجون تحت هذه الفئة.
وتستند السردية القومية العرقية – التي تتناولها الحلقة – إلى تصور بوجود انهيار اجتماعي وتهديد خارجي؛ وتتمثل الاستجابة لهذا الوضع في تحصين الحدود الوطنية، واستبعاد فئات سكانية غير مرغوب فيها، وتأمين الموارد. ويصف المتحدثون هذا الأمر بأنه شكل مكثف من “الاستعداد للطوارئ” (أو ما يُعرف بـ “التحضير للكوارث”)، حيث ينتقل نطاق الاستعداد من الفرد أو الأسرة إلى مستوى الأمة بأسرها.
ويربط النقاش هذا التوجه بالسياسات المناهضة للمهاجرين وكذلك بالنجاح السياسي الذي حققته أحزاب اليمين في أوروبا؛ إذ يرى المتحدثون أن انعدام الأمن الاقتصادي، والاضطرابات الناجمة عن التغير المناخي، والشعور بانعدام الآفاق المستقبلية، يمكن أن تخلق ظروفاً تدفع الحركات السياسية إلى توجيه اهتمام الرأي العام نحو المهاجرين أو غيرهم من الفئات المستهدفة.
دونالد ترامب
تُصوّر الحلقة دونالد ترامب كشخصية لا تجسّد بالضرورة أياً من التيارات الثلاثة المكونة للتحالف بشكل كامل، ومع ذلك يُنظر إليه باعتباره مفيداً لكل منها، وهو في نفس الوقت يشكل حاضنة مهمة لهذا التحالف، ويشكل لُحتمه ويحافظ على تماسكه.
أما بالنسبة للمحافظين المتدينين، والمسيحيين الصهاينة، فيشير النقاش إلى تفسير لدور ترامب باعتباره “الملك كورش” (Cyrus) – وإن كان معيباً – أي يمثل زعيم سياسي يُنظر إليه على أنه غير مثالي ولكنه مفيد لتحقيق غاية دينية متصوّرة. وتُبرز الحلقة قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس خلال فترة ولاية ترامب الأولى كحدث مهم يندرج تحت هذا التفسير. وقد تناولنا في دراسة مطولة للمعهد المصري، ملامح النسخة الثانية من إدارة ترامب، والتي أوضحنا فيها كيف أن جميع من اختارهم تقريبًا للمناصب الرئيسية في إدارته الثانية هم من ذوي التوجه الصهيوني، ويدعمون إسرائيل وحكومتها اليمينية عي طول الخط.
أما بالنسبة لنخب قطاع التكنولوجيا، فيظهر من حفل تتويجه في الولاية الثانية التواجد اللافت لكبار رموز التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي في الصفوف الأولى، ما يعكس نفوذهم وعلاقتهم القوية بإدارة ترامب. كما يؤكد المتحدثون على استعداد ترامب الظاهر لتقبّل حالة عدم اليقين والمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتستعرض الحلقة تصريحاً حول احتمالية أن تساهم تقنية “التزييف العميق” (deepfake) -التي يولدها الذكاء الاصطناعي- في نشوب حرب نووية، وتقارن بين هذا القلق وبين التوسع اللاحق في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
كما يطرح النقاش بالحلقة فكرة أن المديرين التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا سعوا إلى بيئة تنظيمية أقل تقييداً. وتشير الحلقة إلى اللوائح والضمانات المقترحة المتعلقة بالخصوصية، والتزييف العميق، والطاقة المتجددة، والتكامل بين الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة. ووفقاً للمتحدثين، وفرت إدارة ترامب لاحقاً بيئة سياسية أكثر ملاءمة للتوسع التكنولوجي مع قيود تنظيمية أقل (وهو ما تحدثنا عنه بشئ من التفصيل في دراستنا المشار إليها في بداية هذه الورقة).
غلاة القوميين من الشعبويين المناهضين للهجرة يجدون أيضًا في ترامب ضالتهم من حيث تبنيه السياسات التي تحد من الهجرة، حتى الشرعية منها، وتلاحق المهاجرين باستخدام العنف والقوة، فضلً عن تصويره لغير الأمريكيين والمهاجرين على أنهم شر مطلق على البلاد.
وبناءً على ذلك، لا تصوّر الحلقة دور ترامب كتجسيد أيديولوجي كامل للمجموعات الثلاث، بل كنقطة التقاء سياسية يمكن من خلالها لمصالح مختلفة السعي لتحقيق أهداف تتداخل جزئياً.
الذكاء الاصطناعي
وهناك مسألة تكرر ذكرها في الحلقة وهي أن أن البيئة السياسية المعاصرة لا يمكن فهمها بمجرد عقد مقارنات تاريخية مع الفاشية في القرن العشرين؛ إذ يشدد المتحدثون على وجود عوامل مثل الأسلحة النووية، وتغير المناخ، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وتراكم الثروات بمستويات غير مسبوقة.
كما تناقش الحلقة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وقوة الدولة. ويُشار مراراً إلى “أليكس كارب” (Alex Karp)، المدير التنفيذي الحالي لشركة بالانتير، كمثال على مدير تنفيذي في قطاع التكنولوجيا ناقش صراحةً تداعيات إزاحة العمالة (فقدان الوظائف) بسبب الذكاء الاصطناعي. ووفقاً للنقاش، إذا أدى الذكاء الاصطناعي إلى القضاء على أعداد كبيرة من الوظائف، فإن حالة عدم الاستقرار الاجتماعي الناجمة عن ذلك قد تزيد من الطلب على أنظمة المراقبة، وأجهزة الشرطة، والقوة العسكرية.
وتفسّر الحلقة هذا الموقف باعتباره رابطاً بين التحول التكنولوجي وتوسع “دولة المراقبة”. يُقدِّم العرضُ شركةَ “بالانتير” (Palantir) نموذجاً لشركةٍ توجّه أنظارها نحو ما يصفه “كارپ” بـ “الأوقات العصيبة”، حيث تنشأ فرص تجارية محتملة جراء الحروب وحالات عدم الاستقرار والأزمات العاصفة وغيرها من أشكال الاضطراب.
وتصف نعومي كلاين وأسترا تايلور هذا التوجه بأنه نهجٌ لا يُنظر فيه إلى الكارثة بالضرورة على أنها أمرٌ ينبغي الحيلولة دون وقوعه؛ بل يصبح الاستعداد للكارثة – وإمكانية الدفع بحدوثها وتحقيق الربح منها في بعض الحالات – جزءاً من النموذج السياسي والاقتصادي محل النقاش.
الأزمات المعاصرة
ترى كلاين و تايلور أن الأزمات المعاصرة توفر أساساً مادياً للسرديات السياسية التي تتبنى رؤىً تتعلق بنهاية العالم؛ إذ يُنظر إلى التغير المناخي، وانعدام الأمن الاقتصادي، والاضطرابات التكنولوجية، وتركز الثروة، والصراعات الجيوسياسية، بوصفها عوامل تجعل سيناريوهات الانهيار تبدو أكثر واقعية أو جاذبية من الناحية السياسية.
وفي الوقت نفسه، تفرق الحلقة بين إدراك الأزمات الحقيقية، وبين الاستجابة لها عبر ممارسات سياسية تتسم بالحتمية القدرية أو النزعة الإقصائية. ويكمن جوهر القلق هنا في أن توقع انهيار حتمي قد يثبط العزيمة عن محاولة معالجة الأسباب الجذرية لتلك الأزمات. ويعود المتحدثون مراراً إلى فكرة مفادها أن السمة الأهم في سرديات “نهاية العالم” ليست مجرد التنبؤ بالكارثة، بل طبيعة الاستجابة السياسية لهذا التنبؤ.
ويبرز هذا التمييز أيضاً عند مناقشة “التيار التسارعي” (accelerationism)؛ إذ تصف الحلقة المنطق التسارعي – في أقصى صوره – بأنه يتعامل مع التطورات السلبية بوصفها مؤشرات إيجابية، لأنها تبرهن – في نظر أصحاب هذا الفكر- على اقتراب النهاية المرتقبة. ووفقاً لهذا الإطار، لا يُنظر إلى تدهور الأوضاع بالضرورة كدليل على فشل السياسات المتبعة، بل يمكن تفسيره كتأكيد على المسار التاريخي المنشود.
كما تسلط الحلقة الضوء على الانقسامات الداخلية داخل التحالف الذي تتناوله؛ فتُعرض الحرب في إيران كمصدر للتوتر، نظراً لتباين مواقف بعض الداعمين السياسيين والشخصيات البارزة. وبالمثل، يُشار إلى أن معارضة مراكز البيانات والمخاوف المتعلقة بالمراقبة تخلق توترات بين النخب الموجهة نحو التكنولوجيا وقطاعات واسعة من قاعدتها السياسية.
وتكتسب هذه الانقسامات أهمية بالغة في تحليل الحلقة، إذ تشير إلى أن التحالف ليس بالضرورة موحداً سياسياً أو أيديولوجياً؛ فقد تعارض فئات مختلفة إجراءات تنظيمية، أو عمليات مراقبة، أو سياسات الهجرة، أو التدخلات الخارجية، أو التوسع التكنولوجي، وذلك لأسباب متباينة. وعليه، فإن المعارضة المشتركة لسياسات محددة لا تعني بالضرورة وجود اتفاق تلقائي حول الأهداف السياسية الأوسع نطاقاً.
وتطرح مناقشة المقارنات التاريخية بُعداً تحليلياً ثانياً؛ إذ يؤكد المتحدثون على أهمية التاريخ في فهم أشكال مقاومة الاستبداد والفاشية، التي تخرج دائمًا من رحم الأزمات الكبرى والوجودية والتغييرات المنهجية، لكنهم يحذرون في الوقت ذاته من اعتبار الظروف المعاصرة تكراراً مباشراً لحركات فاشية سابقة، حيث تتوافر للفاشيين الجدد إمكانيات وأدوات وأسلحة جبارة لم تكن متاحة للفاشيين القدامى مثل هتلر وموسوليني. ومن ثَمَّ، ينصب تركيزهم على الجانبين التاريخي والسياقي معاً: فالتجارب الماضية قد تقدم دروساً حول المقاومة، بينما تتطلب الظروف العالمية والتكنولوجية الراهنة اهتماماً خاصاً ومستقلاً بحد ذاتها.
قضايا رئيسية
يثير النقاش الذي دار في الحلقة عدة نقاط رئيسية، منها: أن المعتقدات المتعلقة بنهاية العالم يمكن أن تكون ذات تداعيات سياسية دون أن تكون صحيحة تماماً؛ إذ يمكن للمعتَقَد أن يؤثر في السلوك السياسي حتى وإن لم تكن النبوءة نفسها مثبتة تجريبياً، فالجهات الفاعلة سياسياً التي تتصرف بناءً على نبوءة ما، قد تساهم في خلق ظروف تجعل جوانب تلك النبوءة تبدو أكثر قابلية للتحقق أو التصديق.
وحول كيفية إدارة التحول التكنولوجي، تثير الحلقة مخاوف بشأن الذكاء الاصطناعي، والتوظيف، والمراقبة البوليسية، وأنظمة الأسلحة، والخصوصية، وتقنيات التزييف العميق (deepfake)، والسياسات التنظيمية. ويكمن السؤال الجوهري في ما إذا كان ينبغي للتطور التكنولوجي أن يمضي قدماً بأقل قدر من القيود، أم ضمن أطر مؤسسية مصممة لمعالجة تداعياته الاجتماعية.
ويصل النقاش إلى أن انعدام الأمن الاقتصادي، واضطراب المناخ، وتراجع الثقة في المستقبل يمكن تفسيرها من خلال سرديات سياسية مختلفة. ومن الاحتمالات المطروحة تحويل الانتباه من المشكلات الهيكلية، نحو المهاجرين أو الأقليات أو غيرها من المجموعات المحددة.
وحول حدود القياس التاريخي، يرى المتحدثون أن الظروف المعاصرة تختلف اختلافاً جوهرياً عن التجارب الماضية. فالأسلحة النووية، وتغير المناخ، والذكاء الاصطناعي، وتركز الثروة التكنولوجية تخلق ظروفاً لا يمكن اختزالها ببساطة في أنماط تاريخية سابقة.
وتحدد الحلقة عدة انقسامات محتملة للتحالفات السياسية قد تولّد أشكالاً بديلة للتنظيم السياسي الراهن، وذلك حول: الخلافات حول الحرب في إيران، ومعارضة مراكز البيانات، والمخاوف بشأن المراقبة، والتشكيك في شركات التكنولوجيا، والاختلافات في الرأي حول السياسة الخارجية تجاه الصين.
وفي الوقت نفسه، يشير المتحدثون إلى إمكانية تشكيل تحالفات مضادة “من القاعدة إلى القمة” تتجاوز الانقسامات السياسية التقليدية، لا سيما فيما يتعلق بالقدرة على تحمل التكاليف الاقتصادية، ومعارضة تركز سلطة الشركات، ومقاومة آثار التوسع في مراكز البيانات.
وحول العلاقة بين الظروف المادية والأيديولوجيا السياسية، فإن هناك سؤال رئيسي لم تتم الإجابة عليه بشكل حاسم، يتعلق بما إذا كانت الحركات السياسية تكتسب قوتها في المقام الأول من الالتزامات الأيديولوجية أم من الظروف المادية التي تجعل سرديات معينة مقنعة. فبحسب المتحدثين، فإن الأزمات المادية تخلق ظروفاً تكتسب فيها سرديات أيديولوجية معينة زخماً وقبولاً، بينما تؤثر السرديات الأيديولوجية في كيفية تفسير تلك الأزمات.
الخلاصة
تتناول الحلقة مفهوم “فاشية نهاية الزمان” الذي يجمع بين: الأصوليين الدينيين، والمفكرين المهووسين بنهاية العالم (Apocalyptic) والمؤمنين بالتقنية، والقوميين العرقيين. ورغم تباين معتقدات هذه المجموعات وأهدافها، ترى نعومي كلاين و أسترا تايلور، أنها قد تلتقي حول رؤية مشتركة للأزمة وتوقعات بأن النظام الاجتماعي القائم مقبل على تحول جذري.
وتضع المناقشة التي جرت في الحلقة هذا التقارب في سياق أوسع يشمل التغير المناخي، وانعدام الأمن الاقتصادي، والاضطرابات التكنولوجية، وتركز الثروة، والأسلحة النووية، وعدم الاستقرار الجيوسياسي. كما يُصوَّر دونالد ترامب كشخصية سياسية يمكن لكتل مختلفة توظيفها لأغراض متباينة، حتى وإن كان لا يتماهى تماماً مع أي تيار أيديولوجي محدد.
ويحظى الذكاء الاصطناعي باهتمام خاص في النقاش، حيث تربط الحلقة بين التطور التكنولوجي وقضايا إزاحة العمالة، والمراقبة، والعسكرة، والتشريعات التنظيمية، وتركز القوة الاقتصادية. وتُبرز المناقشة حول “أليكس كارب” وشركة “بالانتير” (Palantir) قلق المتحدثين الأوسع نطاقاً من أن بعض الجهات التكنولوجية النافذة تستعد لحالة من عدم الاستقرار الاجتماعي، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع هذا الاضطراب باعتباره مشكلة يجب الحيلولة دون وقوعها.
كما تشدّد الضيفتان على وجود تصدعات داخلية كبيرة في هذا التحالف؛ إذ تُطرح قضايا مثل معارضة مراكز البيانات، والمخاوف المتعلقة بالمراقبة، والخلافات حول التدخل الخارجي، والاختلافات بشأن تنظيم التكنولوجيا، كنقاط انقسام محتملة.
وفي النهاية، ترى المتحدثتان أن الاستجابات السياسية للأزمات المادية تلعب دوراً محورياً في تحديد مسار تطور هذه الصراعات. كما يؤكدون على ضرورة معالجة انعدام الأمن الاقتصادي وغيره من الظروف الكامنة، ومقاومة اتخاذ الآخرين ككبش فداء، وبناء تحالفات سياسية تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية التقليدية.
وبعيداً عن التنبؤات بقرب نهاية العالم، تخلص كلاين و تايلور إلى أن المجتمعات المعاصرة تشهد حالياً تحولات كبرى، وأن التفسير السياسي، وليس شيء آخر، لهذه الأزمات وكيفية إدارتها يظلان أمراً بالغ الأهمية لفهم تلك التحولات.
ختامًا
تكتسب الدراسة المعمقة لمثل هذه الدينامكيات التي عرضتها كلاين وتايلور أهمية كبيرة، ليس فقط لفهم التفاعلات الداخلية شديدة الأهمية التي تجري حاليًا داخل المجتمع الأمريكي، وإنما أيضًا لما لها من تداعيات تؤثر على العالم كله، بما في ذلك قلب العالم العربي والإسلامي.
الأجندة التي يتبناها أطراف في “تحالف أخر الزمان” التي جرى الحديث عنها تتضمن إثارة لفوضى عالمية بأدوات مختلفة، سواءً بواسطة الذكاء الإصطناعي الذي “سيخرج عن السيطرة”، أو الحروب الكبرى التي ستقود إلى معركة “هرمجدون” وهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث ثم حكم العالم، ولذلك تعادي هذه الأطراف أي صعود أو نفوذ إسلامي يواجه هذه الأجندات، سواء في المجتمعات الغربية كمهاجرين إرهابيين، أو في بلاد المسلمين نفسها بالدفاع عن هويتهم وكينونتهم. يعقب ذلك فرض السيطرة والهيمنة على العالم كله، وفرض نظام جديد تستلم فيه التكنولوجيا وروادها عصا القيادة، ويتمتع بما سينتج عنه من نظام القلة التي “تستحق مثل هذه الحياة”، سواءً من أصحاب الثروة، أو المطورين للتكنولوجيا، أو المؤمنين بالمخلِّص، أو أصحاب العرق المتميز.
الاستمرار في التعمق في مثل هذه الدراسات، وهو ما نتابعه بانتظام من خلال أعمالنا في المعهد المصري للدراسات، هو أمر بالغ الأهمية لنا للوعي بكيفية تشكل العالم الجديد والتغيرات الحادثة في النظام العالمي القائم، ومن ثمَّ العمل على تطوير الرؤى والاستراتيجيات الملائمة للتعامل مع الواقع الجديد.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




