الخليجدراساتسياسة

الدور الإماراتي في مصر : قراءة شاملة – بين الواقع والمستقبل

مقدمة

شهدت العلاقات المصرية–الإماراتية منذ عام 2013 تحوّلاً نوعياً غير مسبوق في طبيعتها وحدودها وأدواتها، حيث انتقلت من إطار التعاون السياسي والاقتصادي المتكافئ إلى نمط أكثر تعقيداً وتشابكاً، تداخلت فيه الأبعاد الاقتصادية مع الأمنية والعسكرية والسياسية، على نحو جعل دولة الإمارات العربية المتحدة أحد أبرز الفاعلين الخارجيين تأثيراً في المشهد المصري خلال العقد الأخير.

تكتسب دراسة هذا الدور أهمية خاصة في ضوء التحولات الإقليمية العميقة التي أعقبت موجة الثورات العربية ثم إجهاضها، وما رافق ذلك من إعادة تشكيل موازين القوى، وصعود أنماط جديدة من النفوذ الإقليمي تقوم على استخدام الأدوات الاقتصادية والمالية والأمنية كبدائل أو مكمّلات للأدوات العسكرية المباشرة. في هذا السياق، برزت الإمارات كفاعل إقليمي نشط يسعى إلى توسيع نفوذه خارج حدوده الجغرافية، عبر شبكات استثمارية وصناديق سيادية، وشراكات أمنية وعسكرية، وعلاقات سياسية وثيقة مع أنظمة الحكم والنخب المجتمعية في عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها مصر.

تنطلق إشكالية هذه الدراسة من التساؤل الجوهري التالي: ما هي طبيعة الدور الإماراتي الحقيقي في مصر بعد عام 2013؟ وهل يمكن توصيف هذا الدور بوصفه شراكة استراتيجية متكافئة تهدف إلى دعم الاستقرار والتنمية، أم أنه يمثل نمطاً من أنماط النفوذ المتداخل الذي يحمل في طياته انعكاسات على السيادة الوطنية والاستقلال الاستراتيجي للدولة المصرية؟

وتهدف الدراسة إلى تحليل هذا الدور الإماراتي في أبعاده المختلفة، من خلال تفكيك أدواته الاقتصادية والأمنية والعسكرية والسياسية، ورصد تطوره الزمني، وقراءة دلالاته الجيوسياسية في إطار البيئة الإقليمية الأوسع، بما يسمح بتقديم تقييم نقدي متوازن يبتعد عن التوصيفات التبسيطية أو الأحكام المسبقة.

تعتمد الدراسة على منهجية تحليلية نوعية، تستند إلى مصادر مفتوحة ومتنوعة، تشمل تقارير مراكز الدراسات، والبيانات الرسمية، والتصريحات السياسية، والمواد الصحفية المتخصصة، مع توظيف المقارنة الزمنية لرصد تطور الدور الإماراتي قبل وبعد عام 2013. كما تستفيد الدراسة من مقاربات الاقتصاد السياسي والأمن الإقليمي في تفسير العلاقة بين النفوذ الاقتصادي والتأثير السياسي والأمني.

وتنقسم الدراسة إلى عدة فصول؛ يبدأ الفصل الأول بعرض عام للتوجهات الاستراتيجية لدولة الإمارات كفاعل إقليمي ودولي، بشكل عام، وبصرف النظر عن الحالة المصرية، بما يشمل سياستها تجاه الموانئ، والشبكات المالية العالمية، والتدخلات الإقليمية، والعلاقة مع إسرائيل.

ثم تنتقل الدراسة إلى تناول الخلفية التاريخية للعلاقات المصرية–الإماراتية، قبل التعمق في تحليل الدور الإماراتي الاقتصادي، ثم الأمني والعسكري، وصولاً إلى القضايا الخلافية الحالية بين البلدين. 

تتناول الدراسة بعد ذلك تأثير الدور  الإماراتي على السيادة المصرية والأمن القومي، ثم تتطرق إلى دراسة التمايز بين مواقف الطرفين المواكبة للحملة العسكرية الجارية على إيران، وأثارها المتوقعة على مسار العلاقات بين البلدين. وتختتم الدراسة بخلاصة تحليلية لكل ما تم تناوله حول العلاقة بين البلدين.

الفصل الأول: دولة الإمارات العربية المتحدة كفاعل إقليمي ودولي: التوجهات والاستراتيجيات العامة

1: الإمارات من دولة صغيرة إلى فاعل إقليمي مؤثّر 

منذ مطلع الألفية الجديدة، وبوتيرة متسارعة بعد عام 2011، شهدت السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة تحوّلاً نوعياً، من نمط الدولة الخليجية ذات الدور الاقتصادي المحدود سياسياً، إلى فاعل إقليمي نشط يمتلك رؤية توسعية واضحة المعالم، تعتمد على مزيج مركّب من الأدوات الاقتصادية والمالية والأمنية والعسكرية.

هذا التحول لم يكن نتاج ردود فعل آنية بقدر ما جاء نتيجة إدراك استراتيجي إماراتي لفرص الفراغ الإقليمي التي أفرزتها التحولات الكبرى في المنطقة، خاصة عقب تراجع أدوار قوى تقليدية مثل مصر وسوريا والعراق، وانشغال قوى إقليمية أخرى بصراعات داخلية أو خارجية. وفي هذا السياق، سعت الإمارات إلى تقديم نفسها بوصفها قوة استقرار، وشريكاً موثوقاً للغرب، وفاعلاً قادراً على التأثير في مسارات الأحداث الإقليمية.

شكّل تراجع أدوار عدد من الدول العربية الكبرى منذ مطلع الألفية، وبصورة أكثر حدة بعد عام 2011، بيئة مواتية لصعود أدوار قوى عربية أصغر نسبياً في الحجم والموارد لكنها أكثر مرونة في توظيف أدواتها، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة. فقد أدى تراجع الدور الإقليمي لمصر بعد 2013، والانهيار أو الاضطراب العميق في دول مثل العراق بعد 2003، وسوريا بعد 2011، وليبيا بعد 2011، واليمن بعد 2015، إلى نشوء فراغات استراتيجية في الجغرافيا السياسية العربية، تمثلت في تفكك مراكز القرار، وتعدد الفاعلين المسلحين، وتراجع قدرة الدولة المركزية على الاحتكار الكامل للقوة وصياغة السياسة الخارجية. في هذا السياق، تحركت الإمارات ليس فقط بوصفها دولة تبحث عن حماية مصالحها، بل كفاعل يسعى إلى ملء بعض هذه الفراغات عبر مزيج متداخل من الأدوات الاقتصادية (الاستثمار وإعادة الإعمار وإدارة الموانئ)، والدبلوماسية النشطة، وأحياناً التدخل الأمني والعسكري غير المباشر أو المحدود. وقد اتسم هذا الدور بالانتقائية والبراغماتية، حيث جرى توظيف الانهيارات الإقليمية ليس بهدف السيطرة المباشرة، بل لضمان بيئات إقليمية أقل تهديداً وأكثر قابلية لإعادة التشكيل بما يتوافق مع تصورات الأمن القومي الإماراتي وشبكات مصالحها الممتدة.

2-: الإمارات كفاعل دولي: استراتيجية النفوذ عبر الشبكات المالية العالمية

من اللافت للنظر ، في سياق الحرب التي شُنت مؤخراً على إيران، أن دولة الإمارات لم تعد تخفي أنها عنصر أصيل في تحالف يضم الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتحدث علناً عن الدعوة لتكوين تحالف دولي للمشاركة في فتح مضيق هرمز، بل وتتجرأ على القيام بقصف مستقل على أهداف إيرانية، حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في السابع من إبريل 2026. في المقابل، فإن إيران، وهي تدرك هذا الأمر ، اختصت الإمارات بالجزء الأكبر من قصفها لدول الخليج.  فما الذي دفع دولة الإمارات للشعور  بهذه القوة، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل حتى على المستوى الدولي، بما يسمح لها بالتدخل والتأثير في الكثير من الساحات حول العالم؟

لم تعد دولة الإمارات العربية المتحدة فاعلاً إقليمياً تقليدياً، بل تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى نموذج لما يمكن تسميته بـ“الدولة الشبكية – Network State”، حيث يُبنى النفوذ الخارجي ليس فقط عبر الأدوات العسكرية أو الدبلوماسية التقليدية، بل من خلال الاندماج العميق في الشبكات المالية والاستثمارية العالمية. هذا التحول لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية اعتمدت على إعادة تعريف أدوات القوة، بحيث لم تعد القوة تُقاس فقط بما تمتلكه الدولة من قدرات عسكرية، بل بمدى قدرتها على التغلغل داخل بنية النظام المالي والاقتصادي الدولي، والتأثير في مراكزه الحيوية.

تعتمد الاستراتيجية الإماراتية على دمج الاقتصاد بالسياسة والأمن في إطار واحد متكامل، بحيث تتحول الاستثمارات والصناديق السيادية والشركات العابرة للحدود إلى أدوات مباشرة لإنتاج النفوذ. هذه المقاربة جعلت من الإمارات لاعباً حاضراً في دوائر صنع القرار العالمي، ليس من موقع الهيمنة أو الفرض، بل من موقع الشراكة والتشابك داخل النظام المالي الدولي، ومن خلال أدوات التأثير والنفوذ المالي العالمي، وعملت على التموضع الذكي داخله، عبر بناء شبكة واسعة من الشراكات التجارية والاستثمارية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها اللوجستية المتطورة لتكون عقدة مركزية في حركة المال والتجارة العالمية.

في هذا السياق، برزت الشبكات المالية كأداة رئيسية لإنتاج النفوذ الدولي، حيث تعتمد الإمارات بشكل أساسي على الصناديق السيادية والشركات الاستثمارية الكبرى كأذرع استراتيجية تتجاوز وظيفتها الاقتصادية التقليدية. فهذه الكيانات لا تعمل فقط لتحقيق العوائد، بل تُستخدم لربط اقتصادات الدول المختلفة بالإمارات، وبناء علاقات طويلة الأمد مع نخب سياسية واقتصادية في دول متعددة (مصر نموذجاً واضحا على هذا النهج).  حجم الأصول التي تديرها أبوظبي، والتي تُقدّر بتريليونات الدولارات، يمنحها قدرة استثنائية على الدخول في صفقات كبرى والتأثير في قطاعات حيوية مثل الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والصحة والتعليم والبنوك، وهو ما يرسّخ حضورها كفاعل مالي مؤثر داخل شبكات رأس المال العالمية. 

ويمتد هذا النفوذ عبر شبكة استثمارات واسعة تغطي مناطق متعددة من العالم، من أفريقيا إلى آسيا وأوروبا، حيث لا تقتصر الأهداف على تحقيق الأرباح، بل تتجاوز ذلك إلى بناء نفوذ سياسي واستراتيجي طويل الأمد. فكل استثمار كبير  يمثل نقطة ارتكاز داخل دولة ما (مرة أخرى، مصر نموذجاً)، وكل شراكة اقتصادية تتحول إلى قناة تأثير، وهو ما يعكس فهماً عميقاً لطبيعة النظام الدولي القائم على الترابط والتشابك.

ضمن هذا الإطار، يبرز دور طحنون بن زايد آل نهيان، شقيق حاكم الدولة محمد بن زايد،  كأحد أهم مهندسي هذا النموذج، حيث يجسد التداخل بين الأمن والاقتصاد في أعلى مستوياته. فبصفته مستشاراً للأمن القومي ومسئولاً عن الأجهزة الأمنية السيادية، ومشرفاً في نفس الوقت على شبكات مالية واستثمارية ضخمة، يدير منظومة تجمع بين أدوات القوة الصلبة والناعمة في آن واحد. ولا يقتصر دوره على إدارة أصول تُقدّر بأكثر من 1.5 تريليون دولار، بل يتجاوز ذلك إلى توظيف هذه الإمكانات في إعادة تشكيل موقع الإمارات داخل الاقتصاد العالمي، خاصة من خلال الاستثمار في قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. هذا الدمج بين الأمن والاستثمار يعكس نموذجاً متقدماً لإدارة القوة، حيث تتحول الأموال إلى أدوات تأثير جيوسياسي، وتصبح الاستثمارات وسيلة لتعزيز الحضور الأمني والسياسي على الساحة الدولية.

وعلى الجانب الآخر، يمثل شقيقه منصور بن زايد آل نهيان بعداً مكمّلاً في هذه الاستراتيجية، حيث يركز على توسيع النفوذ عبر أدوات القوة الناعمة والشبكات الاقتصادية والإعلامية؛ فدوره في إدارة النظام المالي الإماراتي، من خلال مواقع محورية مثل رئاسة مجلس الاستقرار المالي، يعزز قدرة الدولة على التكيّف مع التحولات الاقتصادية العالمية، ويمنحها مرونة عالية في مواجهة الأزمات. كما يسهم، في نفس الوقت، على سبيل المثال، في توظيف الاستثمارات في مجالات الإعلام ( فهو المالك الرئيس لقناة سكاي نيوز عربية) والرياضة (وهو المالك الرئيس لفريق مانشستر سيتي الإنجليزي لكرة القدم) كوسائل لتعزيز الحضور الدولي، بما يخدم الأهداف السياسية والاقتصادية للدولة، ويُرسّخ صورتها كفاعل مؤثر يتجاوز نطاقه الإقليمي.

من خلال هذا النموذج المتكامل، تتموضع الإمارات كشريك استثماري رئيسي في الأسواق العالمية، وعقدة لوجستية في حركة التجارة الدولية، وفاعل مالي مؤثر داخل شبكات رأس المال، إلى جانب دورها كوسيط وفاعل سياسي في عدد من الملفات الإقليمية. هذا التداخل بين الأدوار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية يجعل نفوذها قائماً على تشابك المصالح مع القوى الكبرى، وهو ما يفسر قدرتها على الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف دولية متنافسة، دون الانخراط في صراعات مباشرة.

من أهم الباحثين الذين أهتموا بنشاط دولة الإمارات وعلاقاتها الدولية والشبكات المالية العالمية، وتتيح كتاباته فهما عميقاً لمكامن القوة والنفوذ لدولة الإمارات، الباحث الألماني السويسري أندرياس كريج Andreas Krieg ، الأستاذ المشارك في مدرسة الدراسات الأمنية في كنجز كوليج في لندن، والباحث المتخصص في الدراسات الأمنية والعلاقات الدولية، وهو يركز في أعماله على ديناميكيات القوة في الشرق الأوسط، ونماذج الحروب غير التقليدية، وبنية “الدولة الشبكية” ودورها في إنتاج النفوذ خارج الأطر التقليدية للدولة. 

يصف أندرياس كريج النموذج الإماراتي بأنه مثال واضح على “الدولة الشبكية – ” Network State، حيث لا يُبنى النفوذ عبر أدوات الدولة التقليدية فقط، بل من خلال شبكات مترابطة من الفاعلين الماليين والأمنيين والتجاريين، وبذلك  يفسّر كيف استطاعت الإمارات تعويض محدودية حجمها الجغرافي والديمغرافي عبر الاندماج في بنية النظام العالمي بدلاً من مواجهته. وخلص كريج  إلى إن قوة الإمارات لا تكمن في ما تملكه فقط، بل في قدرتها على أن تكون جزءاً لا يمكن فصله من شبكات القوة العالمية (راجع أعماله في إطار النفوذ العالمي للإمارات مثلاً هنا ، رابط 1، رابط 2، رابط ، رابط4).

هكذا، اعتمدت الإمارات بشكل متزايد على أدوات النفوذ المالي، وفي مقدمتها الصناديق السيادية العملاقة مثل جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA) ، والقابضة(ADQ) ، ومبادلة. وقد مكّنت هذه الصناديق، التي تتعامل في تريليونات الدولارات، الإمارات من التغلغل في اقتصادات دول عديدة، ليس فقط عبر الاستثمار المباشر، بل من خلال الاستحواذ على أصول استراتيجية، والمشاركة في قطاعات حيوية كالغذاء والطاقة والتكنولوجيا والنقل والصحة والعقارات والبنوك.

في هذا الإطار، يتحول الاستثمار من كونه نشاطاً اقتصادياً محضاً إلى أداة تأثير سياسي واجتماعي ناعم، تسمح للإمارات ببناء شبكات مصالح طويلة الأمد مع النخب الحاكمة والاقتصادية في الدول المستهدفة، بما يخلق علاقات اعتماد متبادل، غير متكافئة في كثير من الأحيان.

3- السيطرة على الموانئ وسلاسل الإمداد كأداة نفوذ

تُعد سياسة التوسع في إدارة وتشغيل الموانئ أحد أبرز أعمدة الاستراتيجية الإماراتية. فقد ركزت الإمارات، عبر شركاتها الكبرى، وعلى رأسها موانئ دبي العالمية، ومجموعة موانئ أبو ظبي، على السيطرة أو المشاركة في إدارة موانئ استراتيجية تمتد من البحر الأحمر إلى المحيطين الهندي والهادي، مروراً بالقرن الإفريقي وشرق المتوسط، وحتى من خلال محاولة فاشلة في الولايات المتحدة الأمريكية . 

جدول توضيحي للموانئ التي تتواجد بها الإمارات عن طريق شركة موانئ دبي العالمية:

الدولةالميناءطبيعة النفوذ
الإماراتميناء جبل عليمركز رئيسي عالمي للتشغيل واللوجستيات
اليمنميناء عدن- المكلا – المخا -سقطرى-بلحاف، ميناء قنا شبوة ميناء تجاري حديث نسبياً، يدور حوله صراع نفوذ محلي وإقليمي. جزيرة ميون تعز (مضيق باب المندب) ليست ميناءً تجارياً بل قاعدة عسكرية استراتيجية تتحكم بمدخل البحر الأحمرامتيازات وتشغيل ونفوذ (تغير الوضع في 2026 بعد  التوترات التي نشبت بين السعودية والإمارات مما ادى إلى انسحاب عسكري إماراتي من الجنوب اليمني. أشارت تقارير حديثة في مطلع عام 2026 إلى حدوث انسحاب عسكري إماراتي متسارع من عدة مواقع أمنية وموانئ في جنوب اليمن (بما في ذلك ميناء المكلا وجزيرة ميون) إثر ضغوط من الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وبدعم من المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، يظل النفوذ الإماراتي قائماً عبر التشكيلات العسكرية المحلية التي تم تدريبها وتمويلها على مدى سنوات
مصرميناء السخنةالإسكندريةشرق بورسعيد– ميناء برنيس البحري- دمياط -سفاجا، الغردقة، شرم الشيخ.شراكات تشغيل ضمن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس
السعوديةميناء جدة الإسلامي- ميناء الملك عبد العزيز بالدمامشراكات تطوير وتشغيل محطات لوجستية
صوماليلاندميناء بربرةتطوير وتشغيل طويل الأمد
بونتلاند – الصومالميناء بوصاصوتعاون لوجستي وتطوير محدود
جيبوتيميناء دوراليهامتياز سابق انتهى بعد خلافات سياسية
بريطانياLondon Gatewayتشغيل وإدارة محطة لوجستية
بلجيكاAntwerp Gatewayشراكة تشغيلية
الهندموانئ متعددةاستثمارات وتشغيل محطات
باكستانكراتشي/قاسمشراكات تشغيلية
ماليزياتانجونغ بيليباستشغيل محطات حاويات
موزمبيقموانئ بحريةامتيازات تشغيل لوجستي
السنغالميناء داكارتطوير وتشغيل
تنزانيادار السلاماستثمارات تشغيلية

لا يمكن فهم هذا التوجه بمعزل عن الأهمية الجيوسياسية للموانئ بوصفها عقداً حاكمة في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، فضلاً عن كونها نقاط ارتكاز ذات بعد أمني وعسكري محتمل. وقد أثار هذا التمدد الإماراتي في بعض المناطق – لا سيما القرن الإفريقي واليمن – تساؤلات متزايدة حول التداخل بين الأهداف الاقتصادية المعلنة والدوافع الاستراتيجية غير المعلنة، خاصة مع اقتران إدارة الموانئ بوجود أمني أو عسكري مباشر أو غير مباشر.

في سياق تحليل شبكات النفوذ المرتبطة بالأدوات الاقتصادية، تبرز بعض المؤشرات التي تعكس تداخلاً معقداً بين دوائر المال والأعمال لدولة الإمارات وشبكات التأثير الدولية. ومن بين أبرز هذه المؤشرات على سبيل المثال، ما أُثير  مؤخراً حول علاقة سلطان أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي الذي اضطر إلى تقديم استقالته من رئاسة شركة موانئ دبي العالمية على أثر  تسليط الضوء على علاقته بجيفري إبستين، والذي كُشف مؤخراً عن تداخلاته المتشعبة في شبكات متعدية للحدود لغسيل الأموال وتجارة الجنس والسلاح، واستغلال ذلك في اكتساب نفوذ هائل على أصحاب النفوذ وصانعي القرار في أماكن كثيرة من العالم. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة الروابط غير الرسمية التي قد تربط بين مراكز القوة الاقتصادية الإماراتية وشبكات النفوذ الخفية العابرة للحدود. الدلالة الاستراتيجية لهذا الأمر  تكمن في إبراز أن أدوات النفوذ الاقتصادي لا تعمل بمعزل عن شبكات أوسع من العلاقات الدولية المعقدة، الظاهر منها والخفي، والتي قد تلعب أدواراً غير مباشرة في تشكيل بيئات القرار والتأثير في مناطق متعددة حول العالم.

4- التداخل الأمني والعسكري خارج الحدود

شهد الدور الإماراتي بعد 2011 تصاعداً ملحوظاً في البعد الأمني والعسكري، سواء عبر المشاركة المباشرة أو بالدعم لعمليات عسكرية لفصائل متمردة ومزعزعة للاستقرار؛ كما في اليمن بدعم المجلس الانتقالي في جنوب اليمن، وفي السودان بدعم مليشيات الدعم السريع، وفي ليبيا بدعم “المشير” خليفة حفتر ،الذي حاول ان يسيطر  على كافة الاراضي الليبية ولكن تعثر مشروعه بعد التدخل التركي، وانحصرت سيطرته على الشرق الليبي، وفي الصومال عبر دعمها لما يسمى “بجمهورية أرض الصومال” المنفصلة عن الدولة، دعماً اقتصاديا وعسكريا ؛ أو عبر الدعم اللوجستي والمالي والتقني لقوى محلية أو إقليمية في بؤر صراع متعددة، مثل حالات الدول التي ذكرت سلفاً.

كما طورت الإمارات قدرات متقدمة في مجالات المراقبة والتجسس والأمن السيبراني، وأقامت شراكات وثيقة مع شركات تكنولوجية غربية وإسرائيلية، ما عزز من قدرتها على تقديم نفسها كشريك أمني موثوق، لا سيما في ملفات مكافحة الإرهاب وضبط الاستقرار الداخلي.

من أبرز هذه الشراكات التعاون مع شركة DarkMatter، التي تأسست في أبوظبي واستقطبت خبرات أمنية واستخباراتية غربية، وأسهمت في تطوير أدوات متقدمة للأمن السيبراني والمراقبة. كما ارتبطت الإمارات بشركات إسرائيلية مثل NSO Group، المطورة لبرنامج “بيجاسوس”، والذي استُخدم عالمياً في عمليات مراقبة رقمية عالية التعقيد.

وفي السياق ذاته، برزت شركة Group 42 (G42) كشريك رئيسي في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، مع علاقات تعاون مع شركات تكنولوجية أمريكية مثل Microsoft، خاصة في البنية السحابية والأمن الرقمي. كذلك، تعاونت الإمارات مع شركة Palantir Technologies في مجالات تحليل البيانات والاستخبارات، وهو ما يعزز قدراتها في تتبع الأنماط الأمنية وإدارة المخاطر.

كما شهدت الفترة التي تلت اتفاقيات التطبيع توسعاً في التعاون مع شركات إسرائيلية متخصصة في الأمن السيبراني مثل Check Point Software Technologies، في مجالات حماية الشبكات والبنية التحتية الرقمية.

تعكس هذه الشراكات توجهاً إماراتياً نحو بناء منظومة أمنية رقمية متقدمة تعتمد على الدمج بين التكنولوجيا الغربية والإسرائيلية، بما يتيح لها تعزيز قدراتها في المراقبة، وإدارة الأمن الداخلي، والتعامل مع التهديدات غير التقليدية، وهو ما يدعم تموضعها كشريك أمني موثوق في البيئة الإقليمية والدولية.

هذا التداخل الأمني يتجاوز الطابع الدفاعي التقليدي، ليعكس تصوراً استراتيجياً إماراتياً يقوم على تصدير نموذج الاستقرار السلطوي، ومواجهة الحركات السياسية ذات الطابع الأيديولوجي، وفي مقدمتها تيارات الإسلام السياسي.

5- العلاقة مع إسرائيل وإعادة التموضع الإقليمي

تمثل العلاقة بين الإمارات وإسرائيل نموذجاً لتحول تدريجي بدأ قبل الإعلان الرسمي عن التطبيع والتوقيع على الاتفاقات الإبراهيمية، حيث ظهرت مؤشرات مبكرة على تعاون غير معلن في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد، ليتحول هذا التعاون لاحقاً إلى شراكة معلنة ذات أبعاد استراتيجية.

 من أبرز هذه المؤشرات التعاون في مجال الأمن السيبراني، حيث ارتبطت شركات إسرائيلية مثل NSO Group بتزويد جهات إماراتية بتقنيات مراقبة متقدمة، من بينها برنامج “Pegasus”، وهو ما عكس وجود قنوات تنسيق أمنية سابقة للإعلان الرسمي.

كما برزت أشكال من التنسيق غير المباشر في المجال الدبلوماسي، حيث التقت مصالح الطرفين في ملفات إقليمية مثل مواجهة النفوذ الإيراني، وهو ما انعكس في تقارب المواقف داخل بعض الأطر الدولية، حتى قبل توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020.

ومع الإعلان الرسمي عن التطبيع، دخلت العلاقة مرحلة جديدة أكثر وضوحاً وعمقاً، تمثلت في توقيع اتفاقيات تعاون واسعة في مجالات متعددة. ففي الجانب الاقتصادي، تم توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين (CEPA)، التي تهدف إلى تعزيز التبادل التجاري والاستثماري. وقد شهدت التجارة الثنائية نمواً سريعاً خلال سنوات قليلة. كما انخرطت شركات من الطرفين في شراكات مباشرة، خاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الزراعية والمياه.

وفي المجال الأمني، توسع التعاون ليشمل تبادل الخبرات في الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية، وأنظمة الدفاع، مع تزايد المشاركة في معارض ومنتديات أمنية مشتركة. كما برز التعاون في مجالات الطاقة، بما في ذلك مشاريع مرتبطة بنقل النفط والتكنولوجيا المرتبطة بالطاقة.

تكشف هذه الأمثلة أن العلاقة الإماراتية–الإسرائيلية لم تكن نتاج قرار مفاجئ، بل نتيجة مسار تراكمي من التعاون غير المعلن، تطور لاحقاً إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تجمع بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا، وتندرج ضمن إعادة تشكيل أوسع للتحالفات في المنطقة.

تتقاطع المصالح الإماراتية والإسرائيلية في عدد من الملفات، أبرزها مواجهة النفوذ الإيراني، ومحاصرة الحركات الإسلامية السياسية، وإعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يضمن بقاء أنظمة حليفة ومستقرة. وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل مشروع حول مدى تلاقي أو تداخل الأدوار الإماراتية مع الأجندات الإسرائيلية في بعض الساحات الإقليمية، وهو تساؤل ستعود إليه الدراسة لاحقاً عند تحليل الحالة المصرية.

6- الإمارات كدولة نفوذ لا دولة تحالفات تقليدية

يمكن توصيف الدور الإماراتي الإقليمي بأنه انتقال من منطق التحالفات التقليدية إلى منطق إدارة النفوذ. فالإمارات لا تسعى فقط إلى بناء علاقات دبلوماسية أو اقتصادية، بل إلى ترسيخ وجود طويل الأمد داخل البنى الاقتصادية والأمنية للدول الأخرى، واختراق دوائر وشخصيات هامة في هذه الدول، بما يتيح لها التأثير في مسارات القرار، حتى دون تدخل سياسي مباشر.

هذا النمط من النفوذ، وإن بدا أقل صدامية من التدخل العسكري المباشر، إلا أنه يحمل تداعيات استراتيجية عميقة على مفهوم السيادة الوطنية للدول المستقبِلة، ويطرح أسئلة معقدة حول حدود الشراكة، وتوازن المصالح، والاستقلال الاستراتيجي.

يبرز نمط “إدارة النفوذ” الإماراتي بوضوح في عدد من الساحات الإقليمية، حيث يتجاوز الدور الإماراتي حدود الشراكات التقليدية إلى بناء حضور طويل الأمد داخل البنى الاقتصادية والأمنية للدول. ففي اليمن، لم يقتصر الدور الإماراتي على التدخل العسكري ضمن التحالف، بل امتد إلى دعم وتشكيل قوى محلية مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى جانب إدارة أو التأثير في موانئ استراتيجية كعدن والمكلا، بما يعكس محاولة لإعادة تشكيل مراكز القوة المحلية بما يخدم ترتيبات نفوذ مستدامة.

وفي ليبيا، دعمت الإمارات المشير خليفة حفتر سياسياً وعسكرياً، ما منحها تأثيراً مباشراً في مسار الصراع وتوازناته، دون الانخراط في إدارة رسمية للدولة، وهو ما يعكس نموذج النفوذ عبر الفاعلين المحليين.

أما في القرن الأفريقي، فتقدم حالة صوماليلاند مثالاً واضحاً، حيث استثمرت شركة DP World في تطوير وإدارة ميناء بربرة، بالتوازي مع ترتيبات أمنية وتعاون عسكري، ما منح الإمارات حضوراً مركباً يجمع بين الاقتصاد والأمن في موقع جيوسياسي حساس.

 وبصورة مشابهة، شهدت السودان انخراطاً إماراتياً في قطاعات اقتصادية حيوية مثل الزراعة والموانئ، إلى جانب علاقات مع أطراف داخلية متعددة خلال المرحلة الانتقالية، بما يعكس سعياً للتأثير في اتجاهات التحول السياسي.

كما يمكن رصد هذا النمط في إثيوبيا، حيث دعمت الإمارات الحكومة الإثيوبية مالياً خلال أزمات اقتصادية، وأسهمت في جهود الوساطة الإقليمية، وهو ما وفر لها نفوذاً سياسياً يتجاوز الإطار الاقتصادي المباشر.

تعكس هذه الحالات أن الإمارات لا تكتفي ببناء علاقات رسمية، بل تعمل على ترسيخ نفوذ متعدد المستويات (اقتصادي–أمني–سياسي) داخل الدول، عبر الاستثمار، ودعم فاعلين محليين، وبناء شراكات طويلة الأمد، بما يمنحها قدرة على التأثير في مسارات القرار دون الحاجة إلى تدخل مباشر أو صدامي.

الفصل الثاني: الخلفية التاريخية للعلاقات المصرية – الإماراتية

1-: ملامح العلاقة التقليدية (من عبد الناصر إلى مبارك)

لم تكن العلاقات المصرية–الإماراتية، قبل العقد الأخير، علاقات ذات طابع استراتيجي عميق أو متداخل، بقدر ما كانت علاقات ودّية مستقرة، يحكمها إطار عربي عام، دون تشابك حقيقي في ملفات السيادة أو صنع القرار.

في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، كانت الإمارات (قبل قيام الاتحاد عام 1971) خارج نطاق التأثير السياسي المباشر للقاهرة، التي انشغلت آنذاك بمشروعها القومي العربي ومواجهة الاستعمار والصراع مع إسرائيل. ومع قيام دولة الإمارات، تميّزت العلاقة بالحذر المتبادل؛ فمصر الناصرية ذات التوجه القومي الراديكالي لم تكن متماهية مع طبيعة الأنظمة الخليجية الناشئة.

خلال عهد الرئيس أنور السادات، شهدت العلاقات تحسناً ملحوظاً، خاصة بعد حرب أكتوبر 1973، حيث قدّمت دول الخليج، ومن بينها الإمارات، دعماً مالياً وسياسياً لمصر. إلا أن هذا الدعم ظل في إطار المساندة لا الشراكة، ولم يتحول إلى نفوذ اقتصادي أو سياسي مباشر داخل الدولة المصرية.

أما في عهد الرئيس حسني مبارك، فقد اتسمت العلاقات بالاستقرار والهدوء، في ظل اصطفاف مصر ضمن المنظومة الإقليمية المحافظة. ومع ذلك، بقيت الإمارات شريكاً اقتصادياً ثانوياً مقارنة بدول أخرى، ولم تسعَ إلى لعب دور مؤثر في الشأن المصري الداخلي، كما لم تكن القاهرة ساحة مركزية ضمن الاستراتيجية الإقليمية الإماراتية آنذاك.

2- مرحلة ما بعد ثورة يناير 2011 – التوتر وإعادة التموضع

شكّلت ثورة 25 يناير 2011 نقطة تحوّل حادة في العلاقات المصرية–الإماراتية، إذ نظرت أبوظبي إلى التحولات السياسية في مصر، خصوصاً صعود التيارات الإسلامية إلى المشهد السياسي، باعتبارها تهديداً مباشراً لنموذجها السياسي والأمني الداخلي.

في هذه المرحلة، اتسمت العلاقة بالتوتر المستتر، خاصة خلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي، حيث تباينت الرؤى بشكل واضح حول مستقبل الحكم في المنطقة، ودور الإسلام السياسي، وحدود المشاركة الشعبية. ورغم عدم القطيعة الرسمية، فإن مستوى الثقة السياسية تراجع بشكل ملحوظ، وبدأت الإمارات في إعادة تقييم موقع مصر داخل حساباتها الاستراتيجية.

وسعت الإمارات، طبقاً لما هو  مؤكد في فترة الرئيس مرسي، بدعم حركة تمرد لإسقاط حكم الرئيس محمد مرسي وإجهاض التجربة “الإسلامية المدنية” لحكم مصر، وتحالفت مع الجيش المصري، الذي كان ينظر إلى حكم الإسلاميين، بل إلى الحكم المدني بشكل عام، أنه تهديد مباشر لمصالح المؤسسة العسكرية، وتوافق الطرفان في الرؤى لإسقاط التجربة الديمقراطية الوليدة.

3-: التحول الجذري بعد 2013 – من الدعم إلى الشراكة المشروطة

مثّل عام 2013 نقطة الانعطاف الكبرى في مسار العلاقات بين البلدين. فقد لعبت الإمارات دوراً محورياً في دعم النظام السياسي الجديد في مصر، سياسياً ومالياً وإعلامياً، باعتباره سدّاً أمام تمدد الإسلام السياسي، وإجهاضاً لمسار التغيير الشعبي الثوري، وضامناً لاستعادة نموذج الدولة السلطوية المستقرة.

في هذه المرحلة، انتقلت العلاقة من نمط الدعم الظرفي إلى شراكة استراتيجية غير متكافئة، حيث أصبحت مصر ساحة مركزية في الاستراتيجية الإقليمية الإماراتية، ضمن الرؤية الكلية للتوجهات الإماراتية، والتي تم استعراضها في الفصل الثاني من الدراسة. ولم يقتصر الدعم على المنح والمساعدات المباشرة، بل تطور تدريجياً إلى استثمارات واسعة النطاق، واستحواذات على أصول استراتيجية، وتداخل في ملفات أمنية واقتصادية وسياسية حساسة.

4-: الاستراتيجية الإماراتية المتكاملة تجاه مصر بعد 2013 – من دعم النظام إلى التأثير في بنية الدولة – الأهداف والدوافع

تُعد العلاقات المصرية الإماراتية واحدة من أكثر العلاقات تماسكاً في الإقليم منذ عام 2013، حيث ارتبطت بدرجة عالية من التنسيق السياسي والدعم المتبادل. فقد كانت الإمارات العربية المتحدة من أوائل الدول التي دعمت النظام المصري عقب الإطاحة بالتجربة الديمقراطية التي أفرزتها ثورة يناير 2011؛ ولم يقتصر هذا الدعم على مرحلة ما بعد التغيير السياسي، بل سبق( وفق كثير من التقديرات) إلى مرحلة التهيئة وإدارة المشهد الداخلي والإقليمي المحيط به قبل الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، وكان دعم حركة تمرد من قبل دولة الإمارات أحد مظاهر تلك الترتيبات.

وفي ذلك السياق كشف ديفيد كيركباتريك المدير السابق لمكتب صحيفة نيويورك تايمز بالقاهرة  في كتابه “في أيدي العسكر” ، نقلاً عن ديبلوماسيين أمريكيين على اطلاع كامل بـ”تقارير استخباراتية”، عن إرسال الامارات ملايين الدولارات لدعم حركة “تمرد” للإطاحة بالرئيس محمد مرسي  وأكد أن أكوام المال كانت تشاهد في مكاتب الحركة، مستشهدا بتسريب لحوار بين قيادة بالمخابرات والسيسي تطلب منه السماح باقتطاع جزء من أموال “تمرد” الواردة من الإمارات.

وفي هذا السياق، لعبت أبوظبي دوراً مهماً في دعم استقرار  نظام يوليو 2013، سواء عبر الدعم المالي أو عبر التحرك السياسي والإعلامي، بما ساهم في تثبيت أركانه خلال مراحل شديدة الحساسية على فترات متباعدة.

وقد تعزز هذا المسار مع التحركات السياسية والزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، وكان لافتاً أن يكون محمد بن زايد من أوائل القادة الذين زاروا القاهرة عقب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، في إشارة واضحة إلى تبني الإمارات لمعادلة دعم النظام المصري باعتباره ركيزة للاستقرار الإقليمي من وجهة نظر أبو ظبي. واستمر هذا الدعم عبر السنوات التالية، متخذاً أشكالاً متعددة، كان أبرزها التدفقات المالية والاستثمارات الكبرى، وصولاً إلى صفقة “رأس الحكمة” التي مثلت ذروة هذا التقارب، حيث لم تُفهم فقط في إطارها الاقتصادي، بل باعتبارها تدخلاً استراتيجياً لإنقاذ الاقتصاد المصري في لحظة حرجة كادت تقترب فيها القاهرة من أزمة سيولة حادة قد تؤثر على التزاماتها المالية الدولية، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة التي تجاوزت حدود المصالح التقليدية إلى مستوى الشراكة السياسية العميقة.

ويمكن تلخيص الأهداف الإماراتية تجاه مصر بعد 2013، كما نراها من تحليلنا، في عدة مستويات متداخلة:

الهدف الأمني والسياسي: ضمان وجود نظام سياسي متوافق مع الرؤية الإماراتية الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بمواجهة الإسلام السياسي، وضبط المجال العام، والحفاظ على الاستقرار السلطوي.

الهدف الاقتصادي: تحويل مصر إلى مجال حيوي للاستثمار طويل الأمد، مستفيداً من حجم السوق، والأصول العامة، وحاجة الدولة المصرية المزمنة إلى السيولة الأجنبية.

الهدف الجيوسياسي: توظيف ثقل مصر الإقليمي والعسكري ضمن شبكة تحالفات تقودها أو تؤثر فيها الإمارات، تجاوزاً لصغر حجم دولة الإمارات وضعفها الديموغرافي، سواء في ملفات ليبيا، أو السودان، أو شرق المتوسط، أو القرن الإفريقي، أو غيرها.

ولتحقيق هذه الأهداف، ومع مرور الوقت، لم يعد الدور الإماراتي مقتصراً على دعم النظام السياسي في مواجهة خصومه، بل بدأ يمتد إلى التأثير في بنية الاقتصاد، وإعادة تشكيل أولويات التنمية، بل وأحياناً في إعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة نفسها، خصوصاً في العلاقة المعقدة بين النظام السياسي والمؤسسة العسكرية.

وهنا تبرز إشكالية مركزية: هل تحوّلت مصر من شريك استراتيجي إلى ساحة نفوذ؟ وهل نجحت القيادة المصرية في إدارة هذا الدور الإماراتي بما يحفظ التوازن والسيادة، أم أن اختلال ميزان القوة الاقتصادية فرض معادلة غير متكافئة؟

هذه الأسئلة تمثل المدخل الطبيعي للفصول التالية، والتي تتناول النفوذ الإماراتي في مصر  في المجالات المختلفة، وتحليل آثاره وتداعياته.

الفصل الثالث: الدور الإماراتي الاقتصادي في مصر

يمثّل البعد الاقتصادي الركيزة الأكثر حضوراً وتأثيراً في الدور الإماراتي داخل مصر بعد عام 2013. فبينما اتخذ الدعم السياسي والأمني طابعاً غير ظاهر وغير معلن في كثير من الأحيان، كان الاقتصاد هو المجال الأوضح الذي تجسّد فيه هذا الدور، سواء عبر المساعدات المباشرة، أو الاستثمارات، أو التغلغل في تملك أصول الدولة المصرية.

في هذا الفصل نرصد أدوات التأثير الاقتصادية الإماراتية في مصر، وآليات عملها، دون التطرق إلى تحليل دوافعها أو نتائجها النهائية، وهي مسائل ستُعالج لاحقاً في فصل التقييم الاستراتيجي.

1- الدعم المالي المباشر (المنح – الودائع – الصناديق)

منذ عام 2013، كانت الإمارات من أبرز الداعمين مالياً للاقتصاد المصري، خاصة في المراحل الحرجة التي أعقبت التغيير السياسي. وقد تنوّعت أدوات هذا الدعم بين:

أ-منح مالية مباشرة لدعم الموازنة العامة.

ب-ودائع بالدولار في البنك المركزي المصري، هدفت إلى تعزيز الاحتياطي النقدي ودعم استقرار سعر الصرف.

ج-تمويلات عبر صناديق تنموية ومؤسسات سيادية.

وقد لعب هذا الدعم دوراً محورياً في تخفيف الضغوط العاجلة على الاقتصاد المصري، خصوصاً في فترات تراجع السياحة والاستثمار الأجنبي، وارتفاع فاتورة الواردات. إلا أن طبيعة هذا الدعم، وتحوّله التدريجي من منح غير مشروطة إلى أدوات ذات عوائد أو ارتباطات استثمارية، شكّلت تحولاً مهماً في نمط العلاقة الاقتصادية بين البلدين.

2- الاستثمارات الإماراتية المباشرة في مصر

شهدت الاستثمارات الإماراتية في مصر توسعاً ملحوظاً بعد 2013، لتشمل قطاعات استراتيجية ومتنوعة، من أبرزها: 

القطاع العقاري: عبر مشروعات إسكانية وإدارية وفندقية كبرى في المدن الجديدة والساحلية والعاصمة الإدارية.

الطاقة: سواء في مجالات الوقود التقليدي أو الطاقة المتجددة.

الموانئ والخدمات اللوجستية: في مناطق ذات أهمية استراتيجية مثل البحر الأحمر وقناة السويس.

القطاع الزراعي والأمن الغذائي: في إطار سعي الإمارات لتأمين احتياجاتها طويلة الأمد.

القطاع الصناعي: بالدخول بشراء حصص في شركات الأسمدة وغيرها.

القطاع المصرفي والخدمات المالية: عبر شراء حصص في البنوك وشركات الخدمات المالية.

التعليم: عبر مشروعات المدارس الدولية.

الصحة: عبر شراء المستشفيات ومعامل التحاليل الكبرى وشركات الخدمات الصحية.

حيث وصلت هذه الاستثمارات بدولة الإمارات إلى أن تكون أكثر دول العالم استثماراً في مصر في العام 2024/ 2025، بما يصل لنحو  25% من إجمالي صافي الاستثمارات الأجنبية في مصر في ذلك العام.

وتتسم هذه الاستثمارات بعدة سمات لافتة:

  • تركّزها في قطاعات ذات طابع استراتيجي أو سيادي،
  • اعتمادها في كثير من الأحيان على حصص وشراكات مع جهات حكومية أو سيادية مصرية،
  • امتدادها طويل الأمد، بما يتجاوز منطق الاستثمار قصير الأجل.

سنستعرض في أجزاء تالية من هذه الدراسة نماذج من هذه الاستثمارات.

3-: دور الصناديق السيادية الإماراتية

يُعد دخول الصناديق السيادية الإماراتية إلى السوق المصرية أحد أبرز مظاهر التحول في العلاقة الاقتصادية بين البلدين. وتبرز هنا ثلاث كيانات رئيسية:

القابضة (ADQ)

مبادلة

جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA)

وقد اتخذ نشاط هذه الصناديق طابعاً مؤسسياً ومنظماً، يركّز على الاستحواذ على حصص مؤثرة في شركات رئيسية قائمة، بدلاً من إنشاء مشروعات جديدة من الصفر .

ويظهر هذا التوجه بوضوح من خلال عدد من الحالات التي قامت فيها كيانات سيادية إماراتية، وعلى رأسها جهاز أبوظبي للاستثمار، بالاستحواذ على حصص مؤثرة في شركات قائمة وناجحة داخل السوق المصري. فعلى سبيل المثال، شهد القطاع المالي دخولاً إماراتياً عبر الاستحواذ على حصص في البنك التجاري الدولي وشركة فوري وغيرها.

وفي قطاع الصناعات والخدمات، برزت استحواذات على حصص في شركات كبرى مثل أبو قير للأسمدة وموبكو للأسمدة، إلى جانب صفقات تتعلق بحصص في فوري في قطاع التكنولوجيا المالية. كما امتد الحضور إلى قطاع الرعاية الصحية عبر الاستحواذ على حصص في كليوباترا هوسبيتال جروب، ومعامل البرج والمختبر (شركة التشخيص المتكاملة القابضة).

وفي مجال النقل والخدمات اللوجستية، يأتي الاستحواذ على جزء من شركة الإسكندرية لتداول الحاويات، كما يبرز دور موانئ دبي العالمية في تشغيل وتطوير موانئ ومناطق لوجستية، بما يمنحها تأثيراً مباشراً في سلاسل الإمداد والتجارة (راجع جدول الموانئ في الفصل الأول).

وتعكس هذه الأمثلة نمطاً استثمارياً واضحاً يقوم على الاستحواذ على كيانات قائمة وذات ثقل كبير في السوق، وهو ما يتيح تسريع النفاذ إلى مراكز التأثير داخل الاقتصاد، بدلاً من بناء حضور تدريجي عبر مشروعات جديدة.

 ويمنح هذا النمط من الاستثمار قدرة أكبر على التأثير في هياكل الإدارة والحوكمة، ويُسرّع من وتيرة التغلغل في الاقتصاد المحلي.

4-: التوغل في أصول الدولة المصرية

في سياق أزمة النقد الأجنبي التي واجهتها مصر خلال الأعوام الأخيرة، برز اتجاه واضح نحو طرح أصول مملوكة للدولة أو للجيش أو للقطاع العام أمام مستثمرين استراتيجيين، وكانت الإمارات في مقدمة الأطراف المستفيدة من هذه السياسة.

وشملت هذه الصفقات: 

أ-حصص في شركات حكومية:

أبرز الأمثلة شملت استحواذات الصناديق الإماراتية على حصص كانت مملوكة للدولة أو ارتبطت بها حكومياً في شركات مدرجة في البورصة المصرية، وذلك في إطار ما اعتمدته الحكومة لتوفير سيولة في مواجهة أزمة العملة الأجنبية:

  • استحواذ البنك التجاري الدولي على جزء من الأسهم  التي كانت حكومية أو مرتبطة بالبنوك الحكومية سابقاً، ضمن صفقة ضخمة للإمارات.
  • سياسات بيع حصص في شركات مثل أبو قير للأسمدة وموبكو وفوري وشركة الإسكندرية لتداول الحاويات، وهو جزء من برنامج حكومي لطرح الأصول في مواجهة انخفاض الاحتياطي من النقد الأجنبي.

ب-أصول في قطاعات النقل والموانئ:

في ظل توجه تعزيز التدفق الاستثماري في قطاعات استراتيجية مثل النقل، ظهرت مبادرات إماراتية للاستثمار في الموانئ المصرية؛ وعلى سبيل المثال شركة جلفتينر الإماراتية أعلنت عن خطط لاستثمار نحو مليار دولار في إدارة وتشغيل خدمات لوجستية ومحطات حاويات في موانئ مصرية، وذلك في سياق جذب رؤوس الأموال الأجنبية لتعزيز النشاط الاقتصادي.

وقد تركزت هذه الخطط على موانئ استراتيجية مثل الإسكندرية أو بورسعيد أو دمياط، وعلى شركات اللوجستيات وتداول الحاويات، ما يعكس رغبة في توسيع التحكم في مفاصل التجارة الخارجية.

ج-شركات مدرجة في البورصة: 

ضمن برنامج الطروحات الحكومية بهدف جمع موارد نقدية، تم تنفيذ عمليات استحواذ من قبل مستثمرين إماراتيين في عدة شركات مدرجة بسوق المال المصري، من بينها:

  • الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، حيث شملت الصفقات جزءاً من أسهمها التي كانت في حيازة جهات حكومية.
  • حصص في شركات صناعية وكبيرة مثل «موبكو» و«أبو قير للأسمدة» و«فوري» كما ذكر نا سابقاً، وهي أمثلة صارخة على كيفية تحويل أصول متداولة في البورصة إلى سيطرة استثمارية إماراتية.

د-أصول مصرفية وخدمية:

وجود استثمارات في شركات خدمات مالية مثل «فوري» التي تمثل جزءاً من البنية التحتية للخدمات المصرفية والمالية في مصر، كذلك في البنك التجاري الدولي، أكبر وأنجح البنوك الخاصة في مصر، وهو أيضاً جزء من برنامج التصرف في الأصول مقابل النقد الأجنبي.

ويُلاحظ أن هذا التوغل تم غالباً عبر قنوات رسمية وباتفاقات حكومية ولكن بإخفاء بنود الصفقات، ما يعكس قبولاً سياسياً مصرياً عالي المستوى، ويطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول طبيعة التوازن بين الحاجة الاقتصادية والاعتبارات السيادية، وهي أسئلة سيجري تناولها تفصيلياً لاحقاً.

الاستثمارات الإماراتية في مصر بالأرقام والإحصائيات:

في تقرير صادر عن موقع عربي بوست في مارس لعام 2024 بعنوان (خريطة الاستثمارات الإماراتية في مصر ومن يقودها؟ من الاستحواذ على أراضٍ وموانئ إلى التغلغل بالأمن الغذائي)  معلومات مفصلة حول حجم الاستثمار الإماراتي في مصر ، ليتضح حجم ذلك الاستثمار . يبيّن التقصي الذي أجراه موقع “عربي بوست” حول الشركات الإماراتية التي تقود أكبر المشاريع الاستثمارية في مصر، أن الجزء الأكبر منها يتبع بشكل رئيسي إلى جهتين حكوميتين إماراتيين، فيما تعمل مجموعات وشركات أخرى بشكل منفصل، لكن تربطها علاقات قوية مع حكومة أبوظبي. 

الجهة الأولى: مؤسسة “القابضة” ADQ :وهي صندوق ثروة سيادي حكومي يتبع لإمارة أبوظبي، ويتولى منصب رئيس مجلس إدارته طحنون بن زايد، شقيق رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد.

الجهة الثانية: صندوق أبوظبي للتنمية  (ADFD)، والذي يتولى منصور بن زايد، شقيق رئيس دولة الإمارات، منصب رئيس مجلس الإدارة فيه، فيما يتولى عبد الله بن زايد، وزير خارجية الإمارات، منصب نائب رئيس مجلس الإدارة. 

على الرغم من أن صندوق أبوظبي للتنمية يقدم بشكل رئيسي القروض، إلا أنه وبحسب موقع الصندوق فإن لديه 20 مشروعاً في مصر، ويتركز 25% منها في مجال الزراعة، و20% في مجال العقارات، و15% في مجال الكهرباء والمياه، و10% في مجال النقل. 

ولدى كلتا الجهتين حضور كبير في قطاعات واسعة ومختلفة في الاقتصاد المصري، من خلال أذرعها الكثيرة التي تزيد من حصصها في السوق المصرية، وذلك إما من خلال الاستحواذ المباشر على جهات محلية، أو عبر الاستحواذ على أسهم شركات أجنبية عاملة في مصر. 

وتتقاطع أعمال “القابضة” و”صندوق أبوظبي للتنمية” لتحصيل فائدة مشتركة من مصر، كما حدث في اتفاق تم توقيعه عام 2023، وبموجبه يزود صندوق أبوظبي للتنمية مصر، ولمدة 5 سنوات بقرض قيمته 500 مليون دولار، من أجل تمويل شراء القمح، على أن يتم شراؤه من شركة “الظاهرة” الإماراتية التابعة لـ”القابضة”، والتي تتولى زراعة القمح بمصر وبيعه. 

وتشير بيانات “الهيئة العامة للاستعلامات المصرية” ، إلى أن الإمارات حلّت في المرتبة الأولى بقائمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر، وذكرت أن الاستثمارات الإماراتية في مصر بلغت نحو 8.9 مليار دولار.

الاستثمارات الإماراتية في مصر.. استحواذ على أصول حكومية

قبل أن تعلن مصر في يوليو  2023 رسمياً، عن خطتها لبيع أصول مملوكة للدولة، كانت الإمارات تتوسع خلال عام 2022 في شراء حصص تعود لمصر في العديد من البنوك، إضافة لشرائها حصصاً حكومية في شركات مصرية، وهنا يبرز دور إحدى الشركات التابعة لمجموعة “القابضة” التي استحوذت على حصص حكومية مصرية. 

هذه الشركة هي “ألفا أوريكس ليمتد”، التي اشترت حصة “البنك الأهلي المصري” -وهو أكبر بنك حكومي في مصر- وذلك بعدما باع البنك حصته (9.5%) في “البنك التجاري الدولي” (خاص)، واشترتها الشركة الإماراتية. 

على نحو مشابه، اشترت “ألفا أوريكس ليمتد” حصة مملوكة للبنك الأهلي المصري في شركة “فوري” لتكنولوجيا البنوك، والتي تُعد الأبرز في مصر بمجال التكنولوجيا المالية. وتمتلك الشركة الإماراتية 12.6% من أسهم “فوري”. 

استحوذت الشركة الإماراتية أيضاً في 2022 على الحصة الكاملة لبنك الاستثمار القومي (الحكومي)، والبالغة 21.5% من رأسمال شركة “أبو قير للأسمدة”، كما استحوذت الشركة نفسها على حصة 20% من حصة وزارة المالية المصرية في شركة “مصر لإنتاج الأسمدة”.

بهذا الاستحواذ أصبحت الإمارات حاضرة في أحد أكثر القطاعات حيوية وأهمية والمتصلة بالزراعة في البلاد، لا سيما وأن شركة “أبو قير” كانت في 2021 قد باعت  55% من إنتاجها السنوي للجمعيات الزراعية التابعة لوزارة الزراعة بالأسعار التي تحددها الدولة (الأسعار المدعومة).

يُضاف إلى هذه الاستحواذات الإماراتية على حصص حكومية لمصر، استحواذ شركة “ألفا” على حصة 32% كانت مملوكة للهيئة العامة لميناء الإسكندرية (حكومية)، في “شركة الإسكندرية لتداول الحاويات”. 

وصلت أيضاً الاستثمارات الإماراتية في مصر إلى حد الاستحواذ في نوفمبر 2023 على حصة لمصر في الشركة الشرقية للدخان، تُقدر بـ30%، وبهذا الشراء انخفضت حصة الحكومة المصرية في الشركة إلى 20.95%.

تُعد شركة الشرقية أكبر منتج للتبغ في البلاد، وتهيمن الشركة على نحو 75% من حجم السوق المحلية للدخان، وتسببت الشركة في إثارة غضب الشارع المصري بسبب رفعها المتكرر لأسعار السجائر. 

وتُصدر شركة التبغ المصرية منتجاتها إلى دول عربية بينها الإمارات والسعودية وليبيا، ودول أفريقية وأوروبية، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية.

أراضٍ مصرية تتحكم فيها الإمارات 

يُعتبر قطاع العقارات في مصر من بين أبرز القطاعات التي تضخ الإمارات استثماراتها فيها، وهذه الاستثمارات جعلت أبوظبي قادرة على التحكم في مئات الكيلومترات المربعة من الأراضي المصرية، سواء من خلال مشاريع السياحة التي تقيمها، أو استحواذها على الفنادق، أو من خلال العقارات المختلفة التي تمتلكها. 

تُعد صفقة “رأس الحكمة” أكبر صفقة استثمار مباشر في تاريخ مصر، وبموجبها تستحوذ شركة “القابضة” في أبوظبي على مشروع رأس الحكمة الواقع على الساحل الشمالي لمصر، حيث تم تخصيص 170 مليون متر مربع لصالح المشروع، الذي يتضمن أيضاً بناء ميناءين بحريين ومطار دولي، وبلغت قيمة الصفقة التي تم التوصل إليها في فبراير 2024، 35 مليار دولار.

كان لافتاً ما جاء في القرار الذي أصدره السيسي ونُشر بالجريدة الرسمية، والذي نص على أن الأراضي التي تم تخصيصها للمشروع الذي استحوذت عليه الإمارات، هي أراضٍ مملوكة للجيش المصري، وجاء بالقرار: “تخصص قطعة أرض من أملاك الدولة الخاصة بمساحة 170 مليوناً و800 ألف متر، لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، لاستخدامها في إقامة مدينة رأس الحكمة الجديدة، وذلك نقلاً من الأراضي المملوكة للقوات المسلحة”.

جاءت هذه الصفقة كـ”منقذ” للاقتصاد كما اعتبر مصريون، نظراً لتدهور الوضع الاقتصادي وانهيار قيمة الجنيه، يقابله نقص في توفر العملة الصعبة بالبلاد، ومن المقرر أن يضخ الجانب الإماراتي أموالاً تصل إلى 150 مليار دولار خلال تنفيذ مدة المشروع.

قبل شهر من التوصل لصفقة “رأس الحكمة”، استحوذت “القابضة” و”أدنيك” الإماراتيان  على حصة 40.5% من شركة “أيكون” التابعة لمجموعة طلعت مصطفى القابضة المصرية، والتي تمتلك حصصاً كبيرةً في فنادق تاريخية في مصر، وتحدثت شركة “القابضة” عن استثمار غير مباشر من خلال “أيكون” في 7 فنادق تاريخية فخمة مملوكة للحكومة المصرية. 

تستحوذ الإمارات أيضاً على محفظة أراض تقدر مساحتها بـ16 مليون متر، وذلك بعدما استحوذت مجموعتا “القابضة” و”الدار” الإماراتيتان، في عام 2021 على شركة “سوديك” المصرية الضخمة للاستثمار العقاري، والتي كان لديها 10 مشروعات عقارية ضخمة في ذلك الوقت. 

تتحكم الإمارات أيضاً بأراضٍ مصرية من خلال مشاريع تديرها شركة “إعمار” التي يرأسها محمد علي العبار، ولدى الشركة 6 مشاريع عقارية ضخمة في مصر، من أبرزها “مراسي الساحل الشمالي”، ومنتجع “سول” على الساحل الشمالي أيضاً، و “أب تاون كايرو” في القاهرة. 

صندوق أبوظبي للتنمية يمتلك أيضاً محفظة من العقارات داخل مصر من خلال شركة “أبوظبي للاستثمارات السياحية” التابعة للصندوق، ولدى الشركة 3 فنادق في مصر، كما تمتلك 99.3% من أسهم “شركة مصر العربية للفنادق” التي تمتلك منتجعاً في متحف مصر المفتوح بمدينة الأقصر.

استثمارات الإمارات في غذاء ودواء المصريين

ولدى الإمارات استثمارات واسعة وحساسة في قطاع الغذاء داخل مصر، ومن بين أبرز الاستثمارات استحواذ شركة “الظاهرة”، التي تتبع لـ”القابضة” الإماراتية، على جزء كبير من زراعة القمح في مصر، وتؤكد الشركة أنها تزرع 28 ألف هكتار (الهكتار 10 آلاف متر مربع)، أي نحو 70 ألف فدان، داخل الأراضي المصرية، وتقول عن نفسها في موقعها الإلكتروني “إنها تسهم في ضمان الأمن الغذائي لمصر، من خلال إنتاج العديد من المحاصيل الأساسية”. 

هذه الشركة الإماراتية التي يرأسها حمدان بن زايد شقيق رئيس دولة الإمارات، أصبحت أكبر منتج للقمح والذرة في القطاع الخاص بمصر، كما أنها تنتج العديد من المحاصيل الهامة الأخرى، مثل “البصل، والبنجر السكري، والحمضيات والذرة الرفيعة، إضافة لعلف الحيوانات”. 

وكانت الشركة قد بدأت أعمالها في مصر عام 2006 في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ثم وسعت من أنشطتها داخل الأراضي المصرية، وتُعد جهة رئيسية تشتري منها الحكومة المصرية القمح الذي يُزرع في مصر. 

كذلك فإن الاستثمارات الإماراتية في مصر حاضرة في قطاع الزراعة، من خلال شركة “جنان” الإماراتية للاستثمارات الزراعية والتي تمتلك عقوداً طويلة مع حكومة أبوظبي، وتؤكد الشركة امتلاكها مشروعاً في شرق العوينات في مصر، بمساحة تزيد على 14 ألف هكتار (35 ألف فدان)، وتقوم من خلاله بإنتاج علف الذرة والقمح، وتبيعه للسوق المحلية، وتصدر كميات منه للخارج. 

تستحوذ الاستثمارات الإماراتية في مصر أيضاً على جزء كبير من صناعة السكر في البلاد، وذلك من خلال ملكية مجموعة “الغرير” الإماراتية لشركة “القناة للسكر” بنسبة 70%، فيما تمتلك “الأهلي كابيتال” المصرية على 30% من الشركة. وتعاني مصر مؤخراً من أزمة كبيرة في توفر السكر في الأسواق، إضافة إلى الارتفاع الكبير في أسعاره.

وفي أحدث تحرك إماراتي لتوسيع حضور أبوظبي في قطاع الأغذية بمصر استحوذت شركة “أغذية”، أحد أذرع شركة “القابضة” الإماراتية، على 70% من أسهم “مجموعة أبوعوف” المصرية الشهيرة للأغذية، والتي تُباع منتجاتها في عموم مصر. 

وفي فبراير 2024، رفعت الشركة الإماراتية من حصة أسهمها بالمجموعة المصرية، التي تبيع بالتجزئة مجموعة واسعة من المنتجات، بما في ذلك “القهوة الفاخرة والمكسرات والوجبات الخفيفة الصحية ومنتجات الحلويات الأخرى”.

إضافة للصناعة والزراعة، تستحوذ الإمارات على حصة واسعة من منافذ بيع التجزئة في مصر، من خلال مجموعة ماجد الفطيم، التي تدير سلسلة متاجر “كارفور” في مصر. وتُعد مجموعة الفطيم عضواً في “مجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج”. 

وبحسب الموقع الرسمي لـ”كارفور مصر”، فإن مجموعة الفطيم تدير 70 متجراً، وقدمت خدماتها إلى 35 مليون عميل سنوياً، وتعتزم مجموعة الفطيم توسيع استثماراتها في مصر من خلال مضاعفة سلاسل “كارفور” إلى 140 فرعاً في مختلف أنحاء مصر. 

كذلك تمتلك مجموعة “اللولو” التابعة لـ”القابضة” أبوظبي سلسلة متاجر للبيع بالتجزئة داخل مصر. 

وفي قطاع الأدوية أيضاً، استحوذت الإمارات من خلال “القابضة” على شركة “آمون” للأدوية، والتي تُعد من بين أضخم شركات تصنيع وتوزيع وتصدير الأدوية في مصر.

الاستثمارات الإماراتية في مصر.. قطاع الطاقة

وتمتلك الإمارات حضوراً قوياً في سوق الطاقة داخل مصر، من خلال استثمارات تتلخص في شكلين رئيسين: الأول شراء محطات الوقود في البلاد، والثاني زيادة الاستثمار في استكشاف وإنتاج النفط. في فبراير 2023، استحوذت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) على نصف محطات بيع الوقود لشركة “توتال إنرجيز” في مصر، وتُعد هذه الشركة أحد أهم منافذ بيع الوقود بالتجزئة، وتُشير “توتال إنرجيز” إلى أنها تدير في مصر شبكة مؤلفة من 238 محطة. 

وفي عام 2020، استحوذت شركة “دراجون أويل” المملوكة لحكومة دبي على كامل حقوق شركة “بي بي مصر” للنفط والغاز، والشركة الإماراتية هي إحدى أعضاء مجلس “الإمارات للمستثمرين بالخارج”. 

عقب استحواذ “دراجون أويل” على “بي بي مصر”، أصبحت الشركة الإماراتية شريك الهيئة المصرية العامة للبترول في جميع امتيازات وإنتاج واكتشاف النفط في خليج السويس، واعتزمت الشركة ضخ استثمارات في مصر بقيمة 500 مليون دولار خلال عام 2024 لحفر آبار جديدة في مصر والاستمرار في إنتاج 61 ألف برميل نفط يومياً. 

المستثمر الإماراتي الثالث في قطاع الطاقة بمصر، شركة “مبادلة” المملوكة بالكامل لحكومة أبوظبي، وفي نوفمبر 2018، اشترت الشركة الإماراتية من “شركة إيني” الإيطالية حصة 20% امتياز منطقة “نور” البحرية للغاز شمال سيناء، وفي العام نفسه أصبحت شركة “مبادلة” شريكاً في حقل ظهر للغاز بالبحر المتوسط، بعد شرائها جزءاً من حصة شركة “إيني” الإيطالية.

الاستحواذ على موانئ مصرية

تحظى الاستثمارات الإماراتية في مصر باستحواذ ملحوظ على إدارة  وتشغيل موانئ عدة في البلاد، من خلال اتفاقات مع شركتي موانئ دبي وأبو ظبي. توصلت إليه شركة “موانئ أبوظبي” التي تتبع لمؤسسة “القابضة” مع الحكومة المصرية في يناير 2024، ويقضي بتشغيل وإدارة الشركة الإماراتية ولمدة 15 عاماً، ثلاث محطات سفن في موانئ سفاجا، والغردقة، وشرم الشيخ الواقعة في البحر الأحمر

استحوذت الإمارات أيضاً على إدارة وتشغيل ميناء “العين السخنة”، من خلال “موانئ أبوظبي” التي اتفقت مع مصر في مارس 2022، على تطوير الميناء وإدارة عملياته، ومن خلال موانئ دبي التي تمتلك 90% من شركة تطوير ميناء السخنة منذ عام 2008.  “موانئ أبوظبي” حظيت أيضاً في مارس 2022، باتفاق مع الحكومة المصرية، لإنشاء وإدارة وتشغيل ميناء نهري في محافظة المنيا، وفي سبتمبر 2022، استحوذت الشركة الإماراتية على أغلبية حصص إحدى أبرز شركتين مصريتين للنقل البحري وهما “ترانسمار”، وترانسكارجو”، ويصل نشاط كلتا الشركتين إلى العديد من الدول العربية.

الاستثمارات الإماراتية في مصر من خلال شركة القابضة:

وتظهر مجموعة الاستثمارات الإماراتية في مصر أن معظم هذه الاستثمارات استهلاكية بالكامل، ما يجعل الفائدة للجانب الإماراتي أكبر منها للجانب المصري، لا سيما في قطاع الأغذية والأدوية والعقارات، وهي أبرز القطاعات التي تتواجد فيها الإمارات في مصر.

الإستثمارات الإماراتية في مجال التعليم في مصر:

في عام 2022 ، أعلنت منصة مصر للتعليم التي أنشئت باتفاقية بين صندوق مصر السيادي والمجموعة المالية “هيرميس” ومجموعة جيمس الإماراتية، الاستحواذ على نسبة 56% من العلامة التجارية “سلاح التلميذ”، والتي تعدّ واحدة من أقدم الشركات التي تقدم كتبا ومراجع وملخصات للطلاب المصريين.

منصة مصر للتعليم EEP أنُشئت بموجب اتفاقية تعاون بين مكوناتها الثلاثة في عام 2018، والهدف منها الاستثمار في قطاع التعليم الأساسي في مصر. وهو العام نفسه الذي شهد تأسيس الشركة الإماراتية فرعًا لها في مصر. وهي جيمس مصر للخدمات التعليمية المملوكة، وكانت نتيجة شراكة بين صندوق التعليم المصري الذي تُديره المجموعة المالية هيرميس ومجموعة جيمس العالمية ومقرها دولة الإمارات.

في مايو من عام 2018، كشفت المجموعة المالية هيرميس، عن خبر يُفيد بدخولها في شراكة حصرية مع مجموعة جيمس التعليمية، وهي أكبر شركة استشارات وإدارة تعليمية خاصة في العالم مركزها الإمارات.

طبقًا لتلك الشراكة استحوذت هيرميس على مجموعة من المدارس المصرية، على أن تُديرها شركة التعليم الإماراتية. وقد أعلنت عن استثمار ما يصل إلى 300 مليون دولار أمريكي في الاستحواذ على مجموعة كبيرة من المدارس الوطنية والدولية الخاصة عبر المدن والمحافظات الرئيسية في مصر. ذلك على مدى السنوات الخمس المقبلة. على أن يتم تشغيلها حصريًا بواسطة جيمس الإماراتية.

لكن لم يكن هذا المشروع أول خطوة للإمارات في سوق التعليم المصري. ففي عام 2015، أعلنت أبو ظبي التزامها تأسيس 100 مدرسة جديدة في مصر، دون الإعلان عن تفاصيله.

ثم في العام نفسه 2018، وتحديدًا في ديسمبر، كشفت جيمس الإماراتية عن استحواذها على 50% من 4 مدارس، هي: المدرسة البريطانية الدولية بمدينتي، ومدرسة مدينتي بفرعيها المتكاملة وللغات، والمدرسة البريطانية في الرحاب.

وفي 2019، استحوذت منصة مصر للتعليم EEP على أكاديمية حياة الدولية. ذلك بعد استحواذها على شركة Option Travel العاملة بقطاع النقل الخاص، وستكون الذراع الخاص للشركة الإماراتية في تقديم خدمات النقل للطلاب.

حتى العام 2018، لم يكن دخول الإمارات إلى قطاع التعليم في مصر مطابقًا للقانون. إذ اشترت شركة جيمس الإماراتية حصة 50% في أربع مدارس في مصر، في حين كان قرار وزارة التربية والتعليم الصادرة في عام 2019 يقيد ملكية الأجانب في المدارس الخاصة بحوالي 20% فقط من قيمة أسهم الشخصية الاعتبارية المالكة للمدرسة الدولية.

لكن بعد أقل من عامين، وتحديدًا في يناير 2021، أفسحت وزارة التربية والتعليم المجال للأجانب في تملّك المدارس الخاصة، عبر قرارها رقم 237 بالسماح للأجانب بتملّك المدارس الدولية والخاصة دون حد أقصى. ووفقا للقرار الجديد، يجب أن تكون ملكية المدارس لشركة مسجلة في مصر. ولكن يمكن أن يتملك تلك الشركة شركات أو صناديق أو أفراد يحملون أي جنسية.

وبنا على ما  هو مرصود فالإمارات تمتلك وحدها 35 مدرسة دولية في مصر. ذلك بنسبة 16% من عدد المدارس الدولية في مصر، البالغ عددها حوالي 217 مدرسة.

الإمارات والاستثمار  في المجال الطبي في مصر :

استحوذت شركة “أبراج كابيتال” الإماراتية على مجموعة من المستشفيات الكبرى، مثل كليوباترا والقاهرة التخصصي والنيل بدراوي ، وأكبر سلسلتين من معامل التحاليل في البلاد، وهما “البرج” (926 فرعاً و55 معملاً بيولوجياً)، و”المختبر” (826 فرعاً).

اشترت أبو ظبي القابضة الحصة الكاملة لشركة بوش هيلث الكندية في شركة آمون للأدوية مقابل 740 مليون دولار.

الفصل الرابع: صفقة رأس الحكمة كنموذج للتدخل الاقتصادي – السياسي الإماراتي واسع النطاق

تُعد صفقة تطوير منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي الغربي واحدة من أكبر الصفقات الاستثمارية في تاريخ مصر الحديث، ليس فقط من حيث حجمها المالي، بل أيضاً من حيث طبيعة الأصول محل التعاقد، وآليات التنفيذ، والدلالات السياسية والاقتصادية التي تعكسها في سياق أوسع.

جاءت هذه الصفقة في ظل أزمة اقتصادية حادة تمر بها الدولة المصرية، اتسمت بندرة النقد الأجنبي، وارتفاع مستويات المديونية، وضغوط كبيرة على سعر الصرف، وهو ما دفع الحكومة إلى إبرام اتفاق مع كيان استثماري إماراتي تقوده القابضة (ADQ) لتطوير المنطقة مقابل ضخ مليارات الدولارات، شملت دفعات نقدية مباشرة بالعملة الصعبة، واستفادة بالوديعة الإماراتية في البنك المركزي، والتزاماً باستثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية والتطوير العمراني، إلى جانب ترتيبات تتعلق بتقسيم العوائد والأراضي، الأمر الذي جعل الصفقة تتجاوز في حجمها ورمزيتها أغلب الاستثمارات الأجنبية السابقة في مصر. المشهد الواضح من صفقة رأس الحكمة أنها جاءت كإنقاذ سياسي إماراتي للسيسي من تهديد حقيقي “من باب حب بن زايد للسيسي”، وهو ما كرره بعض المحللون المصريون وعلى رأسهم الكاتب عماد الدين أديب، المعروف بعلاقاته الجيدة بقيادات دولة الإمارات.

وتكتسب الصفقة حساسيتها من طبيعة الأصل محل التعاقد، إذ تقع الأرض في موقع جغرافي بالغ الأهمية على البحر المتوسط، ضمن نطاق تتزايد فيه كثافة الاستثمارات الإماراتية، لا سيما في المشروعات الساحلية بين العلمين ومطروح، كما تُعد من آخر المساحات الساحلية البكر ذات القيمة السياحية والاستراتيجية المرتفعة، والتي ظلت لعقود خارج نطاق الاستغلال الكثيف، ما منحها قيمة مستقبلية مضاعفة، وهو ما يجعل الصفقة تتجاوز كونها مشروعاً عقارياً تقليدياً إلى كونها إعادة توظيف لأصل جغرافي–اقتصادي شديد الأهمية بما يحمله ذلك من أبعاد استراتيجية.

ومن حيث آليات التعاقد، اتسمت الصفقة بعدة خصائص لافتة، أبرزها أنها تمت عبر اتفاق حكومي مباشر وليس من خلال سوق تنافسي مفتوح، مع اضطلاع الدولة بدور مزدوج باعتبارها مالكاً للأرض ومنظماً للإطار القانوني وضامناً للتنفيذ، كما ارتبطت بشكل غير مباشر بترتيبات اقتصادية أوسع شملت دعم الاحتياطي النقدي وتخفيف الضغوط على العملة، وهو ما يعكس تحولاً في دور الدولة من مطور مباشر للأصول إلى مُسيّر ومنسّق لعمليات استحواذ استثمارية كبرى.

ولا يمكن فصل الصفقة عن بعدها الزمني والاستراتيجي، إذ تمثل استثماراً ممتداً لعقود يمنح الطرف المستثمر حضوراً طويل الأمد في واحدة من أكثر المناطق الواعدة في مصر، كما أن توقيتها، المتزامن مع ضغوط مالية غير مسبوقة، يعكس اختلالاً نسبياً في القدرة التفاوضية بين الطرفين، وهو عامل أساسي في فهم طبيعة الشروط التي قامت عليها الصفقة وبنيتها.

وفي هذا الإطار، تمثل صفقة رأس الحكمة نموذجاً قابلاً للتكرار في صفقات مستقبلية محتملة، سواء في الساحل الشمالي الغربي أو الموانئ أو الأصول السياحية في مناطق أخرى أو حتى في المناطق الاقتصادية الخاصة، ومن ثم فإن أهميتها لا تقتصر على قيمتها المالية، بل تمتد إلى كونها سابقة مؤسسية قد تعيد تشكيل نمط تعامل الدولة المصرية مع أصولها الاستراتيجية في المستقبل.

الفصل الخامس: التداخل بين النفوذ الإماراتي والمؤسسة العسكرية

يمثّل الاقتصاد أحد أبرز ميادين التداخل الحساسة بين النفوذ الإماراتي والمؤسسة العسكرية المصرية، التي تُعد فاعلاً اقتصادياً رئيسياً ومهيمناً على العديد من القطاعات الحيوية، وهو ما فرض على القيادة المصرية، وتحديداً السيسي، إدارة توازن دقيق بين الحفاظ على مصالح ونفوذ المؤسسة العسكرية الاقتصادية من جهة، وجذب الاستثمارات الإماراتية الضخمة من جهة أخرى، مع العمل في الوقت ذاته على منع نشوء صدام أو تنافس غير منضبط بين الطرفين قد ينعكس سلباً على استقرار بنية الحكم.

وتُعدّ المؤسسة العسكرية في مصر فاعلاً اقتصادياً بنيوياً، خاصة منذ عام 2013، إذ توسّعت أنشطتها لتشمل قطاعات حيوية مثل البنية التحتية والمقاولات والطاقة والغذاء والتعدين والخدمات اللوجستية، ولم يعد هذا الدور مقتصراً على البعد الاقتصادي فحسب، بل بات يشكّل ركيزة أساسية للشرعية الداخلية وآلية لضبط النخب وضمان تماسك النظام، ومن ثم فإن أي تمدد اقتصادي خارجي داخل هذه القطاعات يُنظر إليه داخل المؤسسة العسكرية باعتباره مساساً مباشراً بمجال نفوذها ووظيفتها السياسية. 

وفي هذا السياق شهدت السنوات الأخيرة توسعاً إماراتياً ملحوظاً في قطاعات تُعد تقليدياً ضمن نطاق نفوذ الجيش أو إشرافه غير المباشر، لا سيما في الموانئ والخدمات اللوجستية والعقارات الاستراتيجية وبعض أصول النقل والطاقة، وهو ما خلق حالة من الاحتكاك الصامت حول قضايا الملكية والإدارة والتحكم طويل الأجل، وأعاد طرح تساؤل جوهري يتعلق بمن يمتلك القرار النهائي داخل القطاعات السيادية ذات العائد الاستراتيجي. 

ورغم غياب أي اعتراض علني، تشير قرائن متعددة، وفق معلومات خاصة، إلى وجود حالة من التململ داخل قطاعات من المؤسسة العسكرية مدفوعة بجملة من المخاوف المرتبطة بإمكانية انتقال الامتيازات إلى أطراف خارجية بشروط تفضيلية، وأن يؤدي ذلك إلى تراجع دور الجيش من مالك ومدير إلى منفذ، فضلاً عن تفاوت الإعفاءات وشروط الإدارة والسيطرة الزمنية لصالح المستثمر الخارجي، بما قد يترتب عليه تآكل الامتيازات الاقتصادية للمؤسسة، خاصة وأن الجيش المصري تحوّل بعد يوليو 2013 من لاعب كبير في الملف الاقتصادي إلى الفاعل المهيمن والمسيطر عليه بشكل شبه مطلق. 

وفي المقابل، يدير السيسي هذه المعادلة الحساسة عبر مسار مزدوج يقوم على طمأنة الإمارات لضمان استمرار التدفقات التمويلية والدعم السياسي، مع احتواء المؤسسة العسكرية في الوقت ذاته من خلال الإبقاء على قطاعات رئيسية تحت سيطرتها، وكذلك إشراكها تنفيذياً في مشروعات ممولة إماراتياً. إلا أن هذا النهج يقوم في جوهره على تأجيل الصدام أكثر من معالجته، إذ إن أي اختلال في هذا التوازن، سواء عبر توسيع الامتيازات الخارجية أو تقليص أدوار الجيش يؤدي إلى رفع كلفة الاحتواء وتراكم مخاطر مرتبطة بالولاء داخل بنية النظام. 

وبناءً على ذلك يواجه النظام المصري معضلة مركزية تتمثل في حدود الانحياز، إذ لا يستطيع الانحياز الكامل لأي طرف، ففقدان الدعم الإماراتي يعني التعرض لضغوط مالية حادة، في حين أن المساس بامتيازات الجيش يهدد العمود الفقري للحكم، وهو ما يجعل إدارة الامتيازات الاقتصادية أقرب إلى أداة حكم وبقاء منها إلى مجرد سياسة اقتصادية تقليدية. وهو يكشف في الوقت ذاته أن أحد أعقد التحديات التي تواجه النظام المصري تتمثل في إدارة تنافس غير مُعلن بين الحليف الممول ممثلاً في الإمارات والمؤسسة الضامنة ممثلة في الجيش، حيث إن اتساع فجوة الامتيازات بين الطرفين يرفع كلفة الموازنة ويزيد من احتمالات انفجار مؤجل قد ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار والسيادة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، يدرك السيسي أن إرضاء المؤسسة العسكرية وتوسيع امتيازاتها الاقتصادية يمثل الضامن الأساسي لاستمرار بقائه في السلطة، باعتبارها العمود الفقري للنظام، بينما يدرك في المقابل أهمية الحفاظ على الدعم الإماراتي الذي يوفر له غطاءً مالياً وسياسياً مستمراً، وهو ما يدفعه إلى إدارة هذه العلاقة بدرجة عالية من الانضباط والتوازن، بما يضمن عدم تغليب طرف على حساب الآخر بشكل فج، وهو نهج يبدو أنه نجح في الحفاظ على استقرار هذه المعادلة حتى الآن.

وبناءً على ذلك، يُعد هذا التوازن بين الاقتصاد العسكري والنفوذ الاستثماري الإماراتي أحد المحددات الجوهرية لطبيعة العلاقة الاقتصادية بين مصر  والإمارات، كما يقدّم تفسيراً مهماً لكثير من القرارات الاقتصادية الكبرى التي اتُخذت خلال العقد الأخير، والتي جاءت في كثير من الأحيان انعكاساً مباشراً لمحاولة إدارة هذا التداخل المعقّد دون الوصول إلى نقطة تصادم مفتوح.  

على سبيل المثال، وبالاستناد إلى معطيات خاصة، ظلّ ملف رأس الحكمة محلّ تحفّظ من جانب المؤسسة العسكرية، التي لم تكن تميل إلى طرحه للاستثمار بشكل عام. وعند طرح المشروع بوصفه يتضمن استثماراً إماراتياً، برز  رفض واضح في البداية. إلا أن تفاقم الضغوط الاقتصادية ووصول الوضع إلى مرحلة حرجة فرض البحث عن صفقة كبرى قادرة على إنعاش الاقتصاد، ما أدّى إلى تغيّر موقف المؤسسة العسكرية. في هذا السياق، عُقد اجتماع مع السيسي جرى خلاله التوصل إلى صيغة توافقية اعتُبرت مُرضية للأطراف المعنية، ما مهّد لهذا التحول. وعلى إثر ذلك، صدر القرار رقم 55 لسنة 2024 بتخصيص قطعة أرض بمساحة 170.8 مليون متر مربع في نطاق محافظة مطروح لصالح هيئة المجتمعات العمرانية، لاستخدامها في إنشاء مدينة رأس الحكمة، وذلك نقلاً من الأراضي المملوكة للقوات المسلحة، وقد نُشر القرار في الجريدة الرسمية، وكان ذلك بعد الإعلان عن الصفقة بأيام قليلة.

في سياق متصل بملف رأس الحكمة، وبالرجوع إلى التاريخ، يُشار إلى أن الرئيس الراحل محمد أنور السادات أصدر عام 1975 قراراً بإخلاء منطقة رأس الحكمة من سكانها لإقامة مشروع سياحي، على مساحة تُقدَّر بنحو 55 ألف فدان، إلا أن هذا القرار لم يُنفَّذ. وذهبت بعض التفسيرات إلى أن عدم تنفيذ القرار في عهد السادات ارتبط بتعقيدات ملف التعويضات للأهالي وبعض العوائق القانونية والإجرائية، في حين رأى آخرون أن التوقف عن تنفيذ المشروع كان مرتبطاً باعتبارات تتعلق بالأمن القومي وبطبيعة المنطقة، وما قد يترتب على الاستثمار فيها من جهات ودول خارجية  من حساسية استراتيجية، حيث تمتد منطقة رأس الحكمة على شريط ساحلي بطول يقارب 50 كيلومتراً، وتتميز بتضاريس وارتفاعات تجعلها ذات أهمية جغرافية خاصة. وهو ما رُبط لاحقاً بدور مؤسسات الدولة المعنية بالشأن العسكري والأمني في هذا الملف.

كما أبدت المؤسسة العسكرية، بحسب معطيات خاصة، تحفظاً على بعض مسارات التخارج أو إعادة الهيكلة المرتبطة بعدد من الشركات ذات الطابع الاستراتيجي، ومن بينها شركتا “صافي” و”وطنية”. وفي هذا السياق، تشير بعض التقديرات إلى أنه كان هناك رفض لطرح فكرة التخارج من هاتين الشركتين لصالح دخول استثمارات أو شراكات إماراتية، أو نقل ملكيتهما إلى الجانب الإماراتي، بالنظر إلى طبيعتهما باعتبارهما من الأصول المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية للمؤسسة، وكان الرفض بسبب عدم قبول قيادة المؤسسة للاستحواذ المستمر من قبل دولة الإمارات على حصص ونفوذ من المؤسسة العسكرية المصرية.

ويعكس هذا الموقف درجة من الحساسية تجاه إدارة الأصول الاستراتيجية، حيث لم يُتجه إلى فتح هذه الكيانات أمام ترتيبات تخارج يمكن أن تنتهي بانتقالها إلى أطراف خارجية، وفي مقدمتها الجانب الإماراتي، بما يشير إلى حرص على الإبقاء على السيطرة المؤسسية على هذه القطاعات. ويأتي ذلك ضمن نمط أوسع من الانتقائية في التعامل مع ملفات الاستثمار والتخارج، يقوم على الموازنة بين جذب الاستثمارات الأجنبية من جهة، والحفاظ على الملكية والسيطرة على الأصول ذات الطابع الاستراتيجي من جهة أخرى.

الفصل السادس: الدور الأمني والعسكري للإمارات في مصر

يمثل البعد الأمني والعسكري أحد أكثر أبعاد الدور الإماراتي في مصر حساسية وتعقيداً، نظراً لطبيعته غير المعلنة في كثير من الأحيان، وارتباطه المباشر بمفاهيم السيادة والأمن القومي وبنية الدولة العميقة، وهو ما يختلف عن الدور الاقتصادي الذي يتسم بدرجة من العلنية والتوثيق. هذا الدور يتخذ طابعاً شبكياً يعتمد على قنوات اتصال وتنسيق غير تقليدية ويعمل في الغالب بعيداً عن الأضواء، كما لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات الإقليمية التي أعقبت عام 2011، ولا عن التقارب السياسي العميق بين النظامين في القاهرة وأبوظبي بعد عام 2013.

بناء على ما لدينا من معلومات متوافرة من مصادرنا الخاصة، وما تقوم عليه أيضاً دلائل كثيرة معلنة، شهدت العلاقات المصرية–الإماراتية بعد عام 2013 تطوراً ملحوظاً في مستوى التنسيق الأمني، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب وضبط المجال العام ومتابعة الحركات السياسية المعارضة والأمن الإقليمي العابر للحدود؛ حيث اتخذ هذا التنسيق طابعاً مؤسسياً بين الأجهزة السيادية في البلدين، لا سيما في مجالات تبادل المعلومات وتقييم المخاطر والتعامل مع التهديدات غير التقليدية. وقد استفادت مصر في هذا السياق من الخبرات الإماراتية المتراكمة في مجال الأمن الوقائي، في حين استفادت الإمارات من الثقل الأمني والاستخباراتي المصري في ملفات إقليمية أوسع.

كما يعزز هذا التداخل ما شهدته المرحلة التي أعقبت ثورة يناير 2011 من انتقال عدد من ضباط أمن الدولة للعمل داخل الأجهزة الأمنية الإماراتية قبل أن يعودوا لاحقاً إلى جهاز الأمن الوطني بعد إزاحة حكم الإخوان. يضاف إلى ذلك أن مصر لعبت منذ تسعينيات القرن الماضي دوراً مهماً في بناء وتحديث الأجهزة الأمنية الإماراتية.

تتمثل أبرز ملامح الدور الأمني الإماراتي في مصر في الدعم الفني والتكنولوجي، خاصة في مجالات أنظمة المراقبة الرقمية وتقنيات التعرف على الوجوه وتحليل البيانات والأمن السيبراني وتتبع الاتصالات والفضاء الإلكتروني، وقد ارتبط هذا الدعم بشراكات إماراتية مع شركات تكنولوجية غربية وإسرائيلية، ما أتاح نقل تقنيات متقدمة إلى دول حليفة من بينها مصر.  ويعكس هذا النمط من التعاون تحولاً جوهرياً في طبيعة الأمن من المجال التقليدي العسكري إلى المجال الرقمي–المعرفي الذي أصبح أحد أهم ساحات السيطرة الحديثة.

تتميّز العلاقات بين الإمارات ومصر بوجود قنوات اتصال مباشرة بين الأجهزة السيادية، خصوصاً جهاز المخابرات العامة وجهاز الأمن الوطني، حيث تمثل هذه القنوات أحد أعمدة الاستقرار في العلاقة الثنائية، إذ تتيح إدارة الأزمات بهدوء وتنسيق المواقف في القضايا الحساسة سواء داخل مصر أو في الإقليم، كما تسهم في خلق مستوى مرتفع من الثقة المتبادلة بين القيادتين يتجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية.

ورغم محدودية المعلومات المعلنة، تشير مؤشرات متعددة إلى وجود تعاون في مجالات التدريب العسكري والأمني، والمساهمة في صفقات التسليح، إلى جانب تقديم دعم لوجستي غير مباشر. ويُفهم هذا التعاون في إطار أوسع يرتبط بسعي الإمارات إلى بناء شبكة من الشركاء العسكريين والأمنيين الإقليميين القادرين على العمل المشترك أو على الأقل تبادل الخبرات والموارد في مواجهة التهديدات المشتركة، سواء كانت داخلية أو عابرة للحدود.

البعد غير المعلن للدور الأمني 

ومن الخصائص الجوهرية للدور الأمني الإماراتي في مصر انخفاض مستوى العلنية وغياب التوثيق الرسمي المفصل، إلى جانب اعتماد كبير على التفاهمات غير المكتوبة، وهو ما يمنح هذا الدور مرونة عالية في التنفيذ ويصعب تتبعه من قبل المراقبين الخارجيين، كما يعكس ثقة متبادلة كبيرة بين القيادتين، حيث تُدار الملفات الحساسة بعيداً عن القنوات الرسمية، ويتيح هذا النمط من التعاون القدرة على التأثير في مجالات الأمن الداخلي والمراقبة والمعلومات الاستراتيجية بطريقة دقيقة وهادئة، مع الحفاظ على حدود السيادة المصرية وعدم إثارة أي حساسية علنية، مما يجعل هذا الدور أحد أكثر أبعاد النفوذ الإماراتي في مصر تعقيداً ودقة.

الفصل السابع: الأدوار المشتركة خارج الحدود المصرية

يتجاوز التنسيق الأمني والعسكري بين مصر والإمارات الإطار الثنائي ليشمل ساحات إقليمية متعددة، ما يعكس مدى عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وقدرتهما على إدارة ملفات أمنية معقدة خارج الحدود الوطنية. ومن أبرز هذه الساحات ليبيا، حيث تقاطعت المصالح المصرية والإماراتية في دعم قوات خليفة حفتر ومواجهة صعود التيارات الإسلامية والسياسية ذات الطابع الديني، بما يعكس رؤية مشتركة في استقرار مجالات النفوذ الإقليمي. ورغم ذلك، شهدت الفترة الأخيرة بعض المرونة المصرية تجاه غرب ليبيا، بما يظهر قدرة القاهرة على الموازنة بين التزاماتها التقليدية تجاه حفتر والمستجدات الميدانية، وهو ما يؤكد أن العلاقة ليست دعماً أحادياً بقدر ما هي شراكة تكاملية في إدارة الأزمات الإقليمية.

أما في منطقة القرن الإفريقي، فيظهر التنسيق في سياق التنافس على النفوذ والموانئ وخطوط الملاحة البحرية الحيوية، ما يوضح سعي الطرفين لتعزيز مصالحهما الاقتصادية والأمنية عبر شبكة تعاون أمني متكاملة تمتد عبر الحدود، وتتيح التعامل مع التهديدات العابرة للدول أو المتصلة بسلاسل الإمداد الاستراتيجية. هذه الملفات مجتمعة تبرز أن العلاقة الأمنية بين القاهرة وأبوظبي ليست مجرد اتفاق ثنائي محدود، بل نموذج لشراكة إقليمية متعددة الأبعاد، تختلف فيها أوزان الأدوار والمسؤوليات لكنها ترتكز على تنسيق وثيق في إدارة المخاطر والفرص.

الفصل الثامن : القضايا الخلافية بين مصر والإمارات – حدود التوافق ونقاط التباين

على الرغم من مستوى التنسيق العالي بين مصر والإمارات بعد عام 2013، لم تكن العلاقة بين البلدين خالية من التباينات أو اختلاف المصالح، خاصة في الملفات الإقليمية المركبة، غير أن هذه الخلافات اتسمت بطابع مُدار  وغير صدامي، ما يعكس حرص الطرفين على الحفاظ على الإطار العام للتحالف، مع ترك مساحات للمناورة واختلاف الأولويات. 

من خلال هذا الفصل نرصد أبرز هذه القضايا الخلافية، ليس بوصفها مؤشراً على تصدع العلاقة، بل ككاشف لحدود التوافق ومناطق الاحتكاك المحتملة.

1-: سد النهضة الإثيوبي – تباين المقاربات لا القطيعة

يُعد ملف سد النهضة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة للأمن القومي المصري، إلا أن الإمارات تتعامل مع الملف من زاوية مختلفة ترتكز على توسيع نفوذها الاقتصادي في القرن الإفريقي، وبناء علاقات متوازنة مع إثيوبيا باعتبارها قوة صاعدة في المنطقة، والاستثمار في البنية التحتية والطاقة والزراعة. 

وفي هذا السياق يظهر تباين واضح بين المقاربة المصرية التي تنظر إلى السد كتهديد وجودي، والمقاربة الإماراتية الأكثر براغماتية التي تميل إلى إدارة العلاقات مع جميع الأطراف. ورغم محاولات إماراتية غير معلنة للعب دور وساطة، فإن هذا الدور  لم يترجم إلى نتائج ملموسة تُبدد المخاوف المصرية. ولا يمكن استبعاد أن الإمارات تستخدم هذا الملف أحياناً لممارسة ضغوط على القاهرة لضمان إبقائها ضمن دائرة النفوذ.

2-: السودان – ساحة تباين استراتيجي وصدام مصالح غير معلن

يمثل الملف السوداني إحدى أكثر نقاط التباين وضوحاً وحساسية في العلاقات المصرية–الإماراتية، حيث يتجاوز الاختلاف المقاربات التكتيكية إلى تعارض جوهري في الرؤية الاستراتيجية وطبيعة المصالح. تنظر مصر إلى السودان بوصفه عمقاً استراتيجياً مباشراً لا يحتمل الفراغ أو إعادة الهندسة، وامتداداً حيوياً لأمنها القومي، خاصة فيما يتعلق بملف مياه النيل، والحدود الجنوبية، والتوازن العسكري في حوض النيل. بينما تعتبر الإمارات السودان ساحة نفوذ اقتصادي وأمني قابلة لإعادة التشكيل، وجزءاً من منظومة مصالح أوسع تمتد من القرن الإفريقي إلى البحر الأحمر، إضافة إلى كونه مجالاً مفتوحاً للاستثمار في الزراعة والموانئ والذهب وشبكات النفوذ المحلي، وهو ما أنتج اختلافاً عميقاً في الأولويات وليس مجرد تباين في الوسائل.

أما فيما يتعلق بالفاعلين المحليين، فتتمثل أحد أبرز مظاهر الخلاف في الانحياز إلى قوى مختلفة داخل المشهد السوداني، حيث تميل المقاربة المصرية إلى دعم بنية الدولة المركزية والمؤسسة العسكرية النظامية، باعتبارها الضامن لوحدة السودان، ورفض أي صيغ تفكيكية قد تُفضي إلى سيناريوهات تقسيم، بينما أظهرت السياسة الإماراتية استعداداً للتعامل مع قوى مسلحة غير نظامية وشبكات محلية ذات نفوذ اقتصادي وعسكري، مثل قوات الدعم السريع، وهو اختلاف لا يقتصر على الأشخاص بل يتعلق بنموذج الدولة نفسها، أي دولة مركزية قوية مقابل إدارة نفوذ متعددة المستويات.

مع اندلاع الحرب الأخيرة في السودان، اتسعت فجوة الخلاف بين الطرفين، إذ رأت مصر في الحرب تهديداً مباشراً لوحدة السودان واستقرار الحدود الجنوبية والتوازنات الأمنية في حوض النيل، بينما تعاملت الإمارات مع الصراع بمنطق إدارة النفوذ في بيئة فوضوية، والحفاظ على مصالحها مع أطراف متعددة، وعدم الانحياز الكامل لمعادلة الدولة المركزية؛ ما انعكس في اختلاف الرسائل السياسية، وتباين الاتصالات الإقليمية، وتضارب غير معلن في الرؤى حول مآلات الصراع. ويتقاطع هذا الخلاف مع ملف سد النهضة، إذ ترى القاهرة أن أي تفكيك أو عدم استقرار في السودان يضعف موقفها التفاوضي ويهدد استراتيجيتها في الضغط على إثيوبيا، بينما لا تُدرج الإمارات هذا الاعتبار ضمن أولوياتها، مما يزيد الإحساس المصري بأن السياسات الإماراتية في السودان لا تراعي الحسابات الوجودية لمصر.

رغم حدة هذا التباين، لم يتحول الخلاف إلى قطيعة، بل ظل خلافاً مكتوماً يُدار عبر قنوات سيادية مغلقة ولا يُعبَّر عنه في الخطاب الرسمي أو الإعلامي، غير أن استمرار هذا التباين دون معالجة جذرية يجعل السودان أخطر ملفات العلاقة المصرية–الإماراتية وأكثرها قابلية للتحول إلى أزمة استراتيجية مستقبلاً. 

وتكشف مؤشرات عديدة قيام الجيش المصري بتوجيه ضربات نوعية استهدفت خطوط إمداد مليشيات الدعم السريع داخل العمق السوداني أو في مناطق لوجستية حساسة مرتبطة بحركة الإمداد والسلاح، بما يتسق مع العقيدة الأمنية المصرية القائمة على كبح التفكك ومنع تمدد المليشيات المسلحة، في حين تقوم الإمارات بدعم فاعلين غير دولتيين وبناء شبكات نفوذ مرنة تهدف إلى تفكيك القوة التقليدية وإبقاء السودان ساحة مفتوحة للتأثير الخارجي الاقتصادي والأمني. وقد تبرز فرضية التقاطع الوظيفي بين الاستراتيجية الإماراتية والإسرائيلية في السودان ضمن هذا السياق، دون الحاجة لإثبات تنسيق عملياتي مباشر، فالأطراف تشترك في تفضيل الكيانات الهشة على الدول المركزية القوية وإضعاف الجيوش النظامية وإعادة تشكيل الإقليم عبر وكلاء محليين.

من هذا المنظور، يتحول السودان إلى نقطة تصادم استراتيجي غير معلن بين نموذجين للأمن الإقليمي: نموذج الدولة الوطنية المركزية المصري مقابل نموذج إدارة الفوضى عبر الفاعلين غير الدولتيين الإماراتي، وهو صدام مرشح للتصاعد كلما اقترب السودان من أحد المسارين على حساب الآخر، وتكشف هذه التطورات أن العلاقة المصرية–الإماراتية ليست تناغماً استراتيجياً مطلقاً، وأن هناك حدوداً صلبة للتوافق عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي المصري، كما أن السودان قد يكون الملف الذي يُسقط وهم الشراكة الكاملة بين الطرفين نتيجة ضغط المؤسسات السيادية على السيسي، رغم اعتمادها على الإمارات في أوقات الأزمة.

3-: القرن الإفريقي والبحر الأحمر – تنافس غير مباشر

يمثل التوسع الإماراتي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر ملفاً يثير اهتماماً مصرياً متزايداً، نظراً لأهمية هذه المنطقة الاستراتيجية من حيث أمن الملاحة في قناة السويس والتوازنات الإقليمية الأوسع، وفي حين تسعى الإمارات لترسيخ وجودها الاقتصادي واللوجستي عبر الموانئ والاستثمارات، تراقب مصر هذا التمدد بحذر خشية إعادة تشكيل موازين النفوذ في منطقة تعد تقليدياً ضمن دوائر الأمن القومي المصري. 

4-: إدارة الخلافات وآليات الاحتواء

من السمات اللافتة في العلاقة المصرية–الإماراتية قدرة الطرفين على احتواء الخلافات ومنعها من التحول إلى أزمات معلنة، ويتم ذلك عبر قنوات اتصال سيادية مباشرة، وفصل الملفات الخلافية عن مجالات التعاون الأخرى، وتغليب الاعتبارات الاستراتيجية العامة على الخلافات التكتيكية.

ويُظهر هذا النمط أن العلاقة، رغم التباينات الواضحة، تُدار بمنطق المصالح لا العواطف، وبحسابات دقيقة لتوازن القوى الإقليمية، وبالرغم من الاختلاف الواضح في الملف السوداني والذي وصل إلى قيام مصر بضرب أهداف مرتبطة بمليشيات الدعم السريع المدعومة إماراتياً، إلا أن الإمارات لم توقف استثماراتها في مصر بل تتوسع فيها، حيث تعمل على إبرام صفقة “جيفيرا” على الساحل الشمالي المصري بعد تلك التوترات، مما يشير إلى حرص الإمارات على التوسع في مصر حتى في أوقات الأزمات، وسنتناول هذا الأمر في فصل العلاقات المصرية الإماراتية ومساراتها المحتملة بعد حرب أمريكا على إيران، والتي تمددت إلى الأراضي الخليجية.

الفصل التاسع: الإمارات – إسرائيل – الفاعلون غير الدولتيين – تفكيك الجيوش – إعادة هندسة الإقليم

يقوم ما نستعرضه في هذا الفصل على فرضية أن إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي لم تعد تُدار عبر الحروب التقليدية أو تغيير الأنظمة بالقوة المباشرة، بل من خلال إضعاف الدول من الداخل؛ بتفكيك أدواتها الصلبة مثل الجيوش والمؤسسات السيادية، وتمكين فاعلين غير دولتيين أو هياكل هجينة تؤدي وظائف أمنية وسياسية بالنيابة، مع الاستفادة من أدوات اقتصادية وسياسية متعددة لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة المدى.

وهناك سمات مشتركة واضحة بين دولة الإمارات وإسرائيل فيما يتعلق بهذا الأمر، ما يربط بينهما، وذلك على النحو التالي:

1-: الإمارات – فاعل اقتصادي بأدوات أمنية:

رغم الخطاب الرسمي الذي يقدم الإمارات كدولة استثمارية وتنموية ومحايدة سياسياً، تشير الممارسة الإقليمية إلى نمط مختلف، قائم على تسييس الاقتصاد وأمننة الاستثمار  واستخدام المال كأداة لإعادة هندسة موازين القوى داخل الدول، مع التركيز على ما يلي:

أ-تفضيل الشراكات مع مليشيات، قوات شبه نظامية، أو نخب اقتصادية–أمنية محدودة، وتجنب التعامل طويل الأمد مع دول تمتلك جيوشاً قوية ومستقلة.

ب-السيطرة على الموانئ، سلاسل الإمداد، والموارد الاستراتيجية، لا بوصفها أصولاً اقتصادية فحسب، بل كنقاط نفوذ جيوسياسي للتحكم في البنى التحتية الحيوية للدولة.

ج-استثمار النفوذ المالي لتشكيل توازنات سياسية محلية تتناسب مع مصالحها الاستراتيجية، بما يتيح لها التفوق على المؤسسات التقليدية للدولة عند الحاجة.

2-: إسرائيل – هندسة التفكيك بدل المواجهة

الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة المدى تقوم على منع ظهور دول عربية مركزية قوية، وإضعاف الجيوش النظامية في دول الطوق، وتحويل الصراع العربي–الإسرائيلي إلى صراعات داخلية عربية، مع التركيز على ما يلي:

أ-تفضيل الحروب غير المتماثلة، دعم التفكك المجتمعي، وتعزيز الفاعلين المحليين غير الدولتيين، نظراً لأنها أقل كلفة وأكثر استدامة، وتمنع أي تهديد استراتيجي مستقبلي.

ب-العمل على تفكيك الدول من الداخل عبر أدوات غير تقليدية تشمل الفاعلين المحليين، التمويل الخارجي، والعمليات الاستخباراتية الدقيقة، بدل المواجهة المباشرة التي قد تؤدي إلى كلفة عالية أو خسارة نفوذ طويل الأمد.

3-: الفاعلون غير الدولتيين – الأداة المشتركة

تلعب المليشيات والقوى الهجينة دوراً محورياً في استراتيجيات الإمارات وإسرائيل، لأن هذه الفواعل:

أ-لا تخضع لقانون دولي واضح، قابلة للاحتواء والسيطرة، ويمكن تمويلها أو إعادة توجيهها بسهولة.

ب-سهلة التفكيك أو إعادة التوظيف حسب تطورات المشهد الإقليمي.

نماذج واقعية:

أ-السودان: ميلشيات الدعم السر يع بقيادة محمد حمدان دقلو  تم تمويلها خارجياً وتمتلك امتداداً إقليمياً ووظائف تتجاوز الداخل السوداني، تتحول من أدوات صراع داخلي إلى أوراق ضغط إقليمية وعناصر تعطيل لمشروع الدولة المركزية.

ب-اليمن: المجلس الانتقالي الجنوبي مثال آخر على فاعل غير دولتي يمارس نفوذاً واسعاً جنوباً وغرباً، وعمل وفق خطوط دعم إماراتية لتفكيك الدولة اليمنية المركزية وتعزيز النفوذ الإقليمي للإمارات، إلا أن السعودية وجهة مشروع الإمارات التفكيكي في الجنوب اليمن مؤخراً مما أفشل أو “عطل” تنفيذ المشروع.

ج-ليبيا: المليشيات المدعومة إماراتياً بقادة خليفة حفتر  تعمل على إضعاف الدولة المركزية، ما يتيح لواشنطن وإسرائيل والإمارات توظيف الفوضى لتحقيق أهداف استراتيجية دون تدخل مباشر.

وفي هذه الحالة، يلتقي النموذج الإماراتي البراغماتي مع المنطق الإسرائيلي القائم على التفكيك، دون الحاجة إلى تحالف عسكري مباشر، بل من خلال تكامل أدوار منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

-د-ملف أرض الصومال:

تعد العلاقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، التي تسعي للانفصال  عن دولة الصومال، واعترفت بها إسرائيل، شراكة استراتيجية وثيقة، ترتكز على الجوانب الاقتصادية والأمنية؛ حيث أبرمت الإمارات اتفاقيات بارزة لتطوير ميناء بربرة وإنشاء قاعدة عسكرية، مما أثار توترات مع الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو التي اعتبرت ذلك انتهاكاً لسيادتها. الاستثمار الاقتصادي (موانئ دبي) في عام 2016، كان أبرز معالم تلك العلاقة حيث وقعت شركة موانئ دبي العالمية اتفاقية بقيمة 442 مليون دولار لتطوير وتشغيل ميناء بربرة الاستراتيجي، بهدف تحويله إلى مركز تجاري إقليمي.

ومن حيث التعاون الأمني والعسكري وافق برلمان أرض الصومال في 2017 على إنشاء قاعدة عسكرية إماراتية في بربرة لمدة 30 عاماً، وبدأت الإمارات تدريب قوات أمنية محلية. من حيث الوجود الدبلوماسي تحتفظ الإمارات بمكتب دبلوماسي في هرجيسا (عاصمة الإقليم)، وتتعامل مع الإقليم ككيان مستقل فعلياً دون الاعتراف الرسمي به كدولة مستقلة. وفي عام 2026، استمرت الإمارات في تطوير علاقتها مع الإقليم وسط استمرار المعارضة من مقديشو، حيث تدعم الإمارات مشاريع تنموية واستثمارات في البنية التحتية في بربرة.

في المقابل يتضح أن التعامل المصري مع ملف أرض الصومال هو رافض لمشروع تقسيم الصومال الذي تدعمه الإمارات، حيث أدانت مصر بشدة اعتراف إسرائيل بإقليم “أرض الصومال” (صومالي لاند) كدولة مستقلة، معتبرةً إياه خطوة أحادية باطلة، وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، ومساساً بوحدة وسيادة الدولة الصومالية. جددت القاهرة التزامها بدعم وحدة الصومال، وحذرت من أن هذا الإجراء يهدد أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وتعهدت مصر بدعم كامل لوحدة وسلامة الأراضي الصومالية، ورفض إنشاء “كيانات موازية”.

وفي فبراير  2026، ارسل الجيش المصري قواته للمشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه. وقال السيسي إن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار، في كافة ربوع الصومال.

4-: التكامل الإماراتي–الإسرائيلي – إغلاق دائرة النفوذ الإقليمي

تعمل الإمارات وإسرائيل وفق تصور إقليمي متكامل لإغلاق دائرة النفوذ حول المنطقة:

إسرائيل شمالاً وشرقاً: تركز على تفكيك الدول المركزية، تعزيز النفوذ على الحدود، بل واقتطاع أجزاء منها “لدواعي أمنية”، وإضعاف الجيوش النظامية في دول الطوق، ما يخلق بيئة مفككة تضمن مصالحها الطويلة المدى (لبنان – سوريا –  العراق – الأردن).

الإمارات جنوباً وغرباً: عبر البحر الأحمر، القرن الإفريقي، السودان، واليمن، تسعى لتوسيع السيطرة الاقتصادية واللوجستية، دعم الفاعلين غير الدولتيين، وتأمين الممرات الحيوية للتجارة والطاقة والموانئ، بما يسمح لها بإعادة هندسة التوازنات الإقليمية دون مواجهة مباشرة مع الدول الكبرى.

هذا التكامل يخلق شبكة متقاطعة من النفوذ، حيث تعمل كل دولة وفق أدوار مكمّلة لتحقيق هدف استراتيجي مشترك بالسيطرة المتكاملة على المنطقة المحتواة عن طريق: التفكيك الإقليمي، إضعاف المؤسسات التقليدية، وتمكين فاعلين غير دولتيين ذوي قدرة على النفوذ والتحكم في مناطق حرجة.

5-: تفكيك الجيوش – الهدف غير المعلن  

تمثل الجيوش الوطنية العربية آخر أدوات السيادة الفعلية وأكبر عائق أمام إعادة تشكيل الإقليم وفق مصالح القوى الخارجية، لذلك يتركز العمل على استنزافها في صراعات داخلية، والتشكيك في شرعيتها، ومحاصرتها اقتصادياً وسياسياً. ففي السودان، لا يعني استهداف الجيش دعم الديمقراطية، بل إزاحة آخر مؤسسة قادرة على حفظ وحدة الدولة، وفي مصر يظهر التوتر عندما يقترب النفوذ الاقتصادي الخارجي من ملفات سيادية أو قطاعات لها امتداد أمني وعسكري.

6-: إعادة هندسة الإقليم – الصورة الكبرى

تتضح عند جمع هذه العناصر ملامح مشروع إقليمي، بشراكة إسرائيلية إماراتية، يقوم على دول ضعيفة بلا قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، اقتصادات مفتوحة دون سيادة، جيوش محاصرة أو منهكة، وبيئة أمنية تسمح لإسرائيل بالتحرك بأريحية استراتيجية. وفي هذا السياق، لا تعتبر الإمارات مجرد خصم مباشر لمصر، لكنها تتحرك في مسار يتعارض بنيوياً مع الأمن القومي المصري لمصلحة المشروع الصهيوني في المنطقة، خصوصاً في السودان والبحر الأحمر والقرن الإفريقي.

الفصل العاشر: تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على العلاقات المصرية الإماراتية: المسارات والاحتمالات

تُعد العلاقات المصرية الإماراتية واحدة من أكثر العلاقات تماسكاً في الإقليم خلال العقد الأخير، كما أوضحنا سابقاً، حيث ارتبطت بدرجة عالية من التنسيق السياسي والدعم المتبادل، خاصة منذ عام 2013، حيث لعبت أبوظبي دوراً مهماً في دعم استقرار  نظام يوليو 2013، سواء عبر الدعم المالي أو عبر التحرك السياسي والإعلامي، بما ساهم في تثبيت أركانه خلال مراحل شديدة الحساسية على فترات متباعدة.

غير أن اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من تصعيد إقليمي امتد إلى منطقة الخليج، أعاد اختبار هذه العلاقة على نحو غير مسبوق. فمع تعرض المصالح الأمريكية والبنى التحتية في الخليج لهجمات إيرانية رداً على العمليات العسكرية، برزت توقعات خليجية بضرورة تفعيل مفهوم “الأمن الجماعي” بصورة عملية، خاصة من جانب مصر التي طالما أكدت في خطابها الرسمي أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن لديها القدرة على التحرك السريع تحت شعار “مسافة السكة”.

إلا أن الموقف المصري اتجه نحو تبني مقاربة حذرة، قائمة على تجنب الانخراط العسكري المباشر في الصراع، مع الاكتفاء بالدور السياسي والدبلوماسي. ويعكس هذا التوجه قراءة مصرية تعتبر أن الانخراط في حرب بهذا الحجم يحمل مخاطر استراتيجية جسيمة، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتعدد أطرافه، فضلاً عن الأعباء الاقتصادية والعسكرية، والغضب المجتمعي، وكذلك الاعتراض داخل المؤسسات السيادية المصرية على حد سواء، لما قد يترتب على أي تدخل مباشر من خسائر على غرار ما حدث مع الجيش المصري في حرب اليمن في فترة الستينات من القرن الماضي.  ومن هذا المنطلق، يمكن فهم القرار المصري باعتباره محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين الالتزامات السياسية تجاه الخليج، وبين حسابات الأمن القومي المصري والخوف على استقرار نظام الحكم.

غير أن هذه المقاربة لم تلقَ ترحيباً كاملاً داخل دوائر صنع القرار في الخليج، لا سيما في الإمارات؛ حيث برزت مؤشرات على حالة من الانزعاج من محدودية الدور المصري. وقد ظهرت هذه الحالة بشكل أكثر وضوحاً في تصريحات بعض الشخصيات القريبة من دوائر الحكم، حيث عبّر مثلاً عبد الخالق عبد الله، مستشار محمد بن زايد، وغيره من الشخصيات، عن هذا التوجه بشكل صريح، حين أشار إلى أنه كان يتمنى مشاركة مصر عسكرياً – ولو بشكل رمزي – عبر إرسال سرب من الطائرات المقاتلة المصرية، بما يجسد عملياً مقولة “مسافة السكة”، ويؤكد أن أمن الخليج ليس مجرد شعار. 

كما دعا الكاتب والخبير الاستراتيجي الإماراتي جمال سند السويدي لمعاقبة دول بسبب موقفها الحيادي تجاه الحرب على إيران. وقال السويدي في منشورين على منصة “إكس”، إن الدول العربية التي وقفت مع إيران أو وقفت على الحياد يجب أن تدفع الثمن”. وأضاف، أن “دولة واحدة عربية اخذت من دول الخليج العربي في 15 عام أكثر من ترليون دولار ووقفت مع العدو الغاشم الإيراني. لماذا؟”، في إشارة اعتبرها الكثير  ترمز لمصر.

تعكس هذه التصريحات حجم الفجوة بين التوقعات الخليجية، أو حتى الطلبات المحددة التي طلبت من مصر، وبين الموقف المصري الفعلي.

وفي هذا السياق، أظهرت زيارة السيسي إلى الإمارات (راجع تحليل المعهد المصري هنا)،  التي أجراها خلال فترة التصعيد في 20 مارس2026، دلالات مهمة، حيث يمكن تفسيرها كمحاولة لاحتواء هذا التباين ومنع تحوله إلى خلاف أعمق. إلا أنها في الوقت ذاته تعكس إدراكاً مصرياً لحساسية المرحلة وضرورة الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة. ومع ذلك، فإن استمرار هذا التباين في التعامل مع الموقف قد يترك أثراً تراكمياً على طبيعة العلاقة بين البلدين، خاصة إذا ما رأت أبوظبي أن مستوى الدعم المصري لم يعد يتناسب مع حجم الدعم الذي قدمته خلال السنوات الماضية.

بناءً على ذلك، فإن الفترة المقبلة، من وجهة نظرنا، ستشهد أحد سيناريوهين:

السيناريو الأول: يتمثل في أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قد مثلت نقطة اختبار حقيقية للعلاقات المصرية الإماراتية، حيث كشفت عن حدود التوافق الاستراتيجي بين الطرفين في القضايا الكبرى، وأظهرت أن هذا التوافق، رغم متانته في ملفات سابقة، ليس بالضرورة توافقاً مطلقاً في كل القضايا ذات الطابع العسكري أو الإقليمي المعقد. وإذا استمر هذا التباين دون إدارة فعالة، فقد ينعكس على شكل العلاقة في المدى المتوسط، ليس بالضرورة في صورة قطيعة، ولكن ربما عبر إعادة تقييم تدريجية لمستويات الدعم والتنسيق الإماراتي المقدَّم إلى نظام السيسي، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، بحيث يصبح هذا الدعم أكثر انتقائية وارتباطاً بحسابات العائد والموقف السياسي.

وقد يمتد هذا التأثير ليشمل طبيعة التنسيق بين البلدين في الملفات الإقليمية، حيث قد تميل الإمارات إلى تنويع شركائها الإقليميين وتقليل الاعتماد النسبي على الدور المصري في بعض القضايا، خاصة تلك التي تتطلب مواقف حاسمة أو تدخلات مباشرة. وفي المقابل، قد تسعى القاهرة إلى إعادة صياغة دورها الإقليمي بشكل أكثر استقلالية، مع التركيز على أدوات القوة الناعمة والتحرك الدبلوماسي، بدلاً من الانخراط في تحالفات عسكرية قد تفرض عليها أعباءً لا تتناسب مع أولوياتها الاستراتيجية.

كما أن هذا السيناريو قد ينعكس على وتيرة تدفق الاستثمارات الإماراتية في المستقبل إلى مصر، بحيث لا تتوقف، ولكن قد تخضع لمراجعة من حيث الحجم والتوقيت والأهداف، لتكون أكثر ارتباطاً باعتبارات الجدوى الاقتصادية وتقليل المخاطر، بدلاً من كونها مدفوعة في بعض الأحيان باعتبارات سياسية بحتة تتمثل في إنقاذ النظام المصري من أزماته، كما كان الحال في مراحل سابقة. وفي هذا الإطار، قد تتجه العلاقة إلى نمط أكثر براجماتية، يقل فيه الزخم السياسي لصالح حسابات المصالح المباشرة.

ورغم ذلك، فإن هذا المسار لا يعني بالضرورة تفكك العلاقة، بقدر ما يشير إلى تحولها من حالة “التحالف الوثيق” إلى حالة “الشراكة الحذرة”، حيث يستمر التنسيق في القضايا الأساسية، ولكن مع وجود هامش أكبر من التباين في تقدير المواقف، خاصة في الأزمات الكبرى التي تتطلب قرارات سيادية ذات كلفة عالية. وفي ضوء ذلك، فإن مستقبل هذا السيناريو سيظل مرهوناً بقدرة الطرفين على إدارة هذا التباين ومنع تحوله إلى فجوة استراتيجية أوسع، قد تؤثر على تماسك العلاقة على المدى الأطول.

السيناريو الثاني: يأتي في إطار ارتباط التحالف الذي جمع السيسي بمحمد بن زايد بعامل يتجاوز التهديدات الإقليمية التقليدية، سواء الإيرانية أو حتى الإسرائيلية؛ إذ لا يبدو أن هذه التهديدات كانت المحرك الأساسي لبناء هذه العلاقة، بقدر ما كان العامل الأيديولوجي المرتبط بمواجهة تيارات الإسلام السياسي. فمنذ عام 2013 تشكلت أرضية مشتركة بين القاهرة وأبوظبي قائمة على اعتبار صعود هذه التيارات تهديداً مباشراً لاستقرار  البلدين، وهو ما انعكس في مستوى التنسيق والدعم المتبادل؛ حيث رأت الإمارات في دعم خطة القضاء على التجربة الديمقراطية ثم دعم نظام السيسي ضرورةً استراتيجية لاحتواء أي تمدد لهذا التيار في المنطقة، خاصة في ظل المخاوف من انتقال العدوى السياسية إلى الداخل الخليجي.

وقد أسس هذا التوافق الأيديولوجي لعلاقة سياسية وأمنية صلبة استمرت لسنوات، وقد لا تتأثر بشكل جوهري بتغيرات البيئة الإقليمية، بما في ذلك التحولات المرتبطة بملفات كبرى مثل التوتر مع إيران أو مسارات التطبيع مع إسرائيل، التي انخرطت فيها أبوظبي وفق حساباتها الخاصة، حيث أن هذه الملفات لم تكن المحدد الرئيسي لطبيعة العلاقة مع القاهرة، التي ظلت محكومة بدرجة كبيرة بهذا الإدراك المشترك لطبيعة التهديد الداخلي أكثر من التهديد الخارجي.

وفيما يتعلق بالمواجهة مع إيران، فقد اعتمدت الإمارات، شأنها شأن معظم دول الخليج، على المظلة الأمنية الأمريكية، سواء من خلال الوجود العسكري المباشر أو عبر منظومات الدفاع والتنسيق الاستراتيجي، وهو ما جعل أي دور عسكري مصري محتمل في هذا السياق عاملاً تكميلياً ثانوياً، وليس ركيزةً أساسية في معادلة الردع. ومن ثم، فإن عدم انخراط مصر عسكرياً في الحرب الدائرة يمكن أن يكون مفهوماً، إلى حد ما، داخل دوائر صنع القرار الخليجي، باعتبار أن بنية الأمن الإقليمي في الخليج لا تزال ترتكز بالأساس على الشراكة مع الولايات المتحدة، وليس على تدخلات عسكرية عربية مباشرة، وهو ما قد يخفف من حدة التوقعات المرتبطة بالدور المصري، رغم بقاء الرغبة السياسية في إظهار قدر من التضامن العملي.

 وعلى ذلك قد تستمر العلاقة بين القاهرة وأبوظبي على نفس الشكل، طبقاً للسيناريو الثاني، بغض النظر عن السلوك المصري تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وامتدادها لدول الخليج. يمكن قراءة التصعيد الكلامي لبعض المسؤولين في الإمارات كردِّ فعلٍ مؤقت يعكس حالةً من الغضب، قد تتراجع حدته مع انحسار العمليات العسكرية وهدوء وتيرة التصعيد.

ومن ناحية أخرى، يمكن قراءة التحركات الإماراتية في مصر من منظور استراتيجي أوسع، حيث يعكس سعيها الحثيث لترسيخ حضور اقتصادي كبير داخل الدولة المصرية جزءاً من نهج إماراتي متكامل يقوم على التمدد عبر الأدوات الاقتصادية، لا سيما عبر التوغل في الاقتصادات الوطنية والسيطرة على الموانئ، بما يتيح لها تنفيذ سياساتها الإقليمية وتعزيز نفوذها الجيوسياسي. وفي هذا الإطار، تبدو الاستثمارات الإماراتية الضخمة في مصر، والتي أوصلتها إلى موقع اللاعب المؤثر داخل بنية الاقتصاد المصري المرتبطة بدورها بالقرار السياسي، بمثابة ركيزة استراتيجية لا ترغب أبوظبي في تعريضها لأي توتر أو اهتزاز، حتى في حال لم يتطابق الدور المصري مع التقديرات أو التوقعات التي كانت تراهن عليها القيادة الإماراتية، في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتي تمددت إلى دول الخليج، حيث يظل الدعم المصري للخليج محكوماً بسقف سياسي ودبلوماسي دون الانخراط في مستويات أعمق من المشاركة.

ويمكن فهم سلوك الإمارات القادم تجاه مصر  ضمن سياق الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب الإقليمية، حيث تضع الإمارات مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية في المقام الأول. فالأزمة المالية والاقتصادية التي قد تنتج عن الصراع في الخليج تجعل من الضروري للإمارات الحفاظ على التدفقات الاستثمارية الخارجة عن حدودها، وفي مقدمتها السوق المصري الكبير والمتنوع. ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في مصر ليس مجرد أداة لتحقيق الربح، بل آلية لتثبيت النفوذ، وضمان استمرار التدفق الاقتصادي والمالي في أوقات عدم اليقين. وبالتالي، فإن الإمارات قد ترى نفسها مضطرة إلى التمسك بعلاقاتها مع مصر، والتوسع في استثماراتها، حتى في ظل موقف مصري متردد أو متباين فيما يتعلق بالحرب الإقليمية. وهذا يعكس منطقاً براجماتياً يقوم على حماية المصالح الاقتصادية والسياسية طويلة الأجل، بما يتيح للإمارات إدارة الأزمات الخارجية داخلياً مع ضمان قاعدة نفوذ مستقرة في القاهرة.

هناك سيناريو ثالث يبدو الآن أقل احتمالاً، ولكنه قد يكون واقعاً إذا ما استمر التصعيد في الحرب الراهنة، حيث قد تلجأ إيران لشكل من أشكال الغزو البري لبعض دول الخليج لخلط الأوراق وتصعيد الموقف في حال تصعيد أمريكي إسرائيلي كبير، كالذي أشارت إليه تهديدات ترامب بإعادة إيران للعصر الحجري. في هذه الحالة قد نشهد اندلاع صراع عسكري مباشر، قد يكون برياً أيضاً، بين إيران من جانب وبعض دول الخليج، ومنها الإمارات بالطبع، من جانب أخر. وقد تقوم إيران بمحاولة لغزو بعض دول الخليج لخلط الأوراق. في هذه الحالة، هل يمكن أن تطلب دول الخليج دعماً عسكرياً مصرياً مباشراً، بتواجد قوات على الأرض، لإحداث بعض التوازن؟ وكيف سيكون رد الفعل المصري على هكذا طلب؟ وكيف سيؤثر الرد المصري، سلباً أو إيجاباً على العلاقات مع مصر؟ أسئلة مهمة تحتاج النظر والدراسة في وقت قد يكون أقرب مما يتصور البعض.

الفصل الحادي عشر: التقييم الاستراتيجي الشامل للدور الإماراتي في مصر بعد 2013

أولاً: مدخل منهجي للتقييم

يهدف هذا الفصل إلى الإجابة عن السؤال المركزي للدراسة: هل يمثّل الدور الإماراتي في مصر شراكة استراتيجية متكافئة، أم نفوذاً متنامياً له تداعيات على السيادة والاستقلال الاستراتيجي، أي أقرب لحالة احتلال ناعم؟ 

ويعتمد التقييم على الربط بين الأبعاد الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتحليل التداخل بين الدعم والنفوذ، واختبار الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية.

ثانياً: التقييم الاقتصادي – دعم أم إعادة تموضع نفوذ؟

على مستوى التمويل والدعم، لا يمكن إنكار أن التدفقات المالية الإماراتية أسهمت في تخفيف الضغوط الآنية على الاقتصاد المصري، ودعم الاحتياطي النقدي في لحظات حرجة، ومنع سيناريوهات انهيار سريع. لكن التقييم الاستراتيجي يفرض سؤالاً أعمق حول ما إذا كان هذا الدعم موجّهاً لتعزيز قدرة الدولة المصرية على التعافي، أم لإعادة تشكيل بنية الملكية والقرار الاقتصادي؟

انتقال الاستثمارات من نمط المشروعات الإنتاجية طويلة الأجل إلى الاستحواذ على أصول قائمة يعكس تحولاً من منطق التنمية إلى منطق إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي. صفقة رأس الحكمة، والطروحات الحكومية، والاستحواذ على شركات استراتيجية مثل الإسكندرية للحاويات وشركات الأسمدة، تُظهر أن العائد السياسي والاستراتيجي بات يوازي، وأحياناً يتقدم على العائد الاقتصادي. ويبرز من ذلك التوتر بين مصالح الإمارات الاقتصادية ومصالح المؤسسة العسكرية المصرية، حيث يحاول السيسي الموازنة بين الطرفين، وهو أمر غير محسوم، ويؤثر بشكل مباشر على استقرار الدولة وقدرتها على إدارة السيادة الاقتصادية والسياسية على حد سواء.

ثالثاً: التقييم السياسي – دعم الاستقرار أم التأثير في القرار؟

لعبت الإمارات دوراً محورياً في تثبيت النظام السياسي المصري، وتوفير غطاء إقليمي ودولي في لحظة انتقالية حرجة منذ منتصف 2013. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الدعم من مجرد مساعدة مرحلية إلى نفوذ بنيوي مرتبط بملفات رئيسية تشمل الاقتصاد، الإعلام، والتحالفات الإقليمية، ما أتاح للإمارات قدرة غير مباشرة على التأثير في مسار القرار السياسي المصري.

رغم ذلك، تشير الوقائع إلى أن الدولة المصرية لم تفقد قرارها السياسي بالكامل، لكنها دخلت في معادلة توازن دقيقة بين الحاجة للدعم الإماراتي والحفاظ على خطوط حمراء سيادية، وهو ما يعكس إدراك القاهرة لأهمية الموازنة بين الاعتماد الخارجي والحفاظ على استقلال القرار الوطني.

رابعاً: التقييم الأمني والعسكري – تقاطع المصالح وحدود الصدام

التنسيق مقابل التباين

في ملفات مثل مكافحة الإسلام السياسي، وبعض مسارات ليبيا، هناك تقاطع واضح في الرؤية بين مصر والإمارات، ما يعكس شراكة مؤسسية في ملفات محددة.

في المقابل، تظهر تناقضات بنيوية في مناطق أخرى مثل السودان واليمن، القرن الإفريقي، وأمن البحر الأحمر، حيث تتباين الأولويات على الرغم من وجود مصالح مشتركة.

دلالات التركيز على النطاقات الساحلية

الاستثمارات الإماراتية في النطاقات الساحلية، مثل الساحل الشمالي الغربي، وموانئ خليج السويس، تحمل بعداً أمنياً واستراتيجياً إلى جانب الاقتصادي. هذه المناطق تمثل نقاطاً محورية للتحكم في الممرات البحرية، خطوط الإمداد، وتأمين النفوذ الاقتصادي–الأمني بعيداً عن الحدود المباشرة.

من منظور استراتيجي، يتيح هذا التركيز للإمارات:

  • تعزيز حضورها في مناطق حيوية بحرية مفتوحة، والتحكم في الممرات البحرية الهامة للتجارة والطاقة.
  • استخدام الاستثمار الاقتصادي كأداة نفوذ طويل الأمد، مرتبط بالقدرة على التأثير في سياسات الدولة المضيفة.
  • دمج الأبعاد الاقتصادية والأمنية ضمن استراتيجية متكاملة للسيطرة على النطاقات البحرية، بما يضمن لها قوة نفوذ غير مباشرة ومستدامة في منطقة حساسة.

خامساً: السيادة المصرية – بين الشراكة والاعتماد

هل نحن أمام علاقة تبعية؟

المعطيات لا تشير إلى تبعية كاملة أو فقدان كامل للسيادة المصرية، لكنها تكشف عن اعتماد اقتصادي متزايد ونفوذ كبير داخل قطاعات حساسة، ما يؤدي إلى تقليص هامش المناورة الاستراتيجية في بعض الملفات الحيوية. هذا الاعتماد يمكن أن يمهّد تدريجياً لتحول بعض أبعاد القرار الوطني لصالح النفوذ الإماراتي، دون أن يصل إلى حالة السيطرة الكاملة، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة الهجينة بين الدعم والسيطرة.

إلا إن استمرار وتنامي هذه العلاقة بنفس الوتيرة، سيؤدي في نهاية المطاف إلى سيطرة إماراتية تامة على القرار السيادي المصري بشكل يصعب التعامل معه بالنسبة للشعب أو لبعض القوى والمؤسسات السيادية المصرية.

المفارقة الاستراتيجية

يقبل النظام المصري، بقيادة السيسي، هذا الدور تحت ضغط الأزمات الاقتصادية المستمرة، مستفيداً من التمويل والاستثمارات الإماراتية لتخفيف الضغوط الداخلية. وفي الوقت ذاته، قد يجد نفسه مضطراً للصدام مع هذا النفوذ أمنياً وجيوسياسياً في الإقليم، تحت ضغط المؤسسات السيادية في مصر التي تراهن على الحفاظ على الأمن القومي وصلاحيات الدولة، فضلاً عن مصالحها الاقتصادية التي تنافسهم الإمارات عليها.

هذه المفارقة تعكس غياب بدائل تمويلية كافية، وتآكل الأدوات الاقتصادية الوطنية، ما يضع القاهرة في حالة توازن دقيق بين الحاجة للدعم الخارجي والحفاظ على خطوطها الحمراء السيادية، وهو ما يمكن أن يتهدد في ظل الوضع السائل السائد الآن في المنطقة.

الخلاصة

تُظهر هذه الدراسة أن الدور الإماراتي في مصر بعد عام 2013 لا يمكن اختزاله في ثنائية الدعم أو الهيمنة، بل هو دور مركّب ومتعدد المستويات، تشكّل في سياق إقليمي مضطرب، واستفاد من هشاشة اقتصادية داخلية، وتحولات كبيرة في طبيعة الدولة والاقتصاد في مصر.

فمن جهة، أسهمت الإمارات في:

1-توفير دعم مالي حاسم في لحظة انتقال سياسي حرجة،

2-تخفيف الضغوط الفورية على الاقتصاد المصري،

3-دعم استقرار النظام السياسي في مواجهة تهديدات داخلية وخارجية.

ومن جهة أخرى، كشف التوسع الإماراتي في الأصول الاستراتيجية، والموانئ والبنية التحتية، والشركات العامة والقطاع المصرفي، عن انتقال من منطق الدعم المؤقت إلى منطق النفوذ البنيوي طويل الأمد.

كما أظهرت الدراسة أن العلاقة بين القاهرة وأبوظبي ليست علاقة تناغم كامل، بل علاقة توافق مشروط تصطدم أحياناً عند حدود الأمن القومي المصري، لا سيما في ملفات: السودان، القرن الإفريقي، وأمن البحر الأحمر. ويعد السودان المثال الأوضح على هذا التباين، حيث تتناقض الرؤية المصرية القائمة على الحفاظ على الدولة الوطنية السودانية، مع مقاربة إماراتية تعتمد على توظيف الفاعلين غير الدولتيين وإدارة الفوضى كأداة نفوذ.

وعليه، فإن أخطر ما يكشفه هذا الدور ليس حجمه، بل طبيعته؛ إذ يعكس تحوّلاً أوسع في النظام الإقليمي العربي، من منطق الدولة إلى منطق الشبكات، ومن السيادة الصلبة إلى النفوذ المرن.

ويكتسب البعد الإسرائيلي أهمية خاصة في هذا السياق، حيث تشكل العلاقة الإماراتية–الإسرائيلية مداخل لمشاريع قد تهدد الأمن القومي المصري. ويبرز هذا التهديد ضمن الديناميات الإقليمية المتغيرة، خصوصاً في أعقاب امتداد الحرب الإيرانية وتأثيراتها على دول الخليج. ويظهر من الوقائع أن هناك توجهات داخل الأوساط السياسية الإماراتية لتقوية العلاقة مع إسرائيل كوسيلة لتعزيز نفوذها الإقليمي، ما يجعل العلاقة المصرية–الإماراتية أكثر تعقيداً، ويزيد من الحاجة لقراءة دقيقة للحدود بين الدعم والتأثير والسيادة الوطنية.

يُظهر تتبّع أنماط السلوك الإماراتي في عدد من ساحات الإقليم، مثل اليمن، والصومال، والسودان، وليبيا، أن أبوظبي لا تتحرك بوصفها فاعلاً اقتصادياً محضاً أو شريكاً تنموياً، بل كـبوابة تنفيذية لمقاربة إقليمية أوسع تخدم في جوهرها الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية، القائمة على إضعاف الدول الوطنية وتفكيك مراكز ثقلها لتهيئة الأرض للهيمنة الإسرائيلية على المنطقة وفق منظور نتنياهو  بتأسيس “الشرق الأوسط الجديد”، تمهيداً لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن لإسرائيل اليد الطولى سياسياً وأمنياً واقتصادياً، ويهيئ شروط تمددها ضمن تصوراتها التوسعية بعيدة المدى.

تعتمد الإمارات في هذا السياق مقاربة هجينة تجمع بين أدوات القوة الناعمة وأدوات النفوذ الخشن؛ إذ تبدأ بالتمدد الاقتصادي والسيطرة على الموانئ والممرات البحرية والنقاط الجيوستراتيجية، ثم تنتقل إلى إعادة هندسة البنية الداخلية للدول عبر دعم أنظمة هشة أو خلق كيانات موازية (سياسية، عسكرية، أو اقتصادية)، تتحول لاحقاً إلى أدوات ضغط أو ركائز  تفكيك للدولة الوطنية عند تعارضها مع الأجندة الإماراتية–الإسرائيلية. ويكشف ما جرى في اليمن، وأرض الصومال، والسودان، وليبيا، عن نموذج شبه متطابق لهذه الاستراتيجية، بما يجعل إسقاط هذا النموذج على الحالة المصرية احتمالاً لا يمكن استبعاده.

في هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى التمدد الإماراتي داخل مصر بوصفه مجرد استثمار اقتصادي أو شراكة مالية، بل يجب قراءته ضمن أهداف بعيدة المدى تستهدف التأثير في دوائر صنع القرار المصري، وإعادة تشكيل معادلات السيادة والتحكم في الأصول الاستراتيجية، خاصة بالنظر لطبيعة العلاقة والتداخل بين دولة الإمارات وبين المنظومة المالية العالمية المهيمنة، وكذلك دولة الاحتلال الإسرائيلي. إن استمرار تماهي النظام المصري مع هذا المسار، دون ضوابط حاكمة أو رؤية وطنية مستقلة، ينطوي على مخاطر جسيمة تمسّ جوهر الأمن القومي المصري، ولا تقتصر تداعياتها على المجال الاقتصادي، بل تمتد لتطال وحدة الدولة، واستقلال قرارها، وقدرتها على الحفاظ على سيادتها في مواجهة مشاريع إقليمية ودولية تسعى لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة على حساب الدول المركزية.

إن أي نظام يدير شؤون المصريين، بطبيعة الحال، عليه أن يشكّل علاقاته الإقليمية والدولية على قاعدة المبادئ الوطنية ومفهوم الأمن القومي المصري بمنظوره الصحيح، وليس من منظور مصالح النظام.

ما  تم رصده وتتبعه في هذه الدراسة يكشف بوضوح أن الأهداف الإقليمية للإمارات تتعارض مع الأمن القومي المصري، وأن ممارستها في ملفات سد النهضة، السودان، اليمن، الصومال، والبحر الأحمر، تستدعي الحذر من التمادي في العلاقات بين مصر وهذه الدولة. هذا النظام الذي تتقاطع سياساته مع أجندة المشروع الإسرائيلي، وخاصة بعد خطواته المتقدمة في ملف التطبيع عبر الاتفاق الإبراهيمي، يجعل مراجعة سياسات العلاقة مع الإمارات أولوية قصوى. وما غرده ضاحي خلفان في 2012 بدعم ملف تقسيم مصر يُعد شاهداً ودليلاً واضحاً على المخططات الخطرة على الأمن القومي المصري، والتي تتضح من خلال التواجد المكثف لدولة الإمارات في النطاق الشمالي المصري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قائمة من المراجع التي تم الإطلاع عليا خلال كتابة الدراسة :

المراجع الأجنبية

1-The UAE’s Network-Based Vision for Economic Integration، link

2-Abu Dhabi folds assets worth $263bn into new wealth fund controlled by crown prince، link

3-The UAE’s New Leader Is Turning the Tiny Kingdom Into a Major Power Player، link

4-UAE’s ‘Spy Sheikh’ Tahnoun bin Zayed Al Nahyan drives global AI investment، link

5- The market for force in the United Arab Emirates’s network-centric statecraft1، Andreas Krieg، link

6- The UAE’s ‘dogs of war’: boosting a small state’s regional power projection، Andreas Krieg، link 

7- Why Gulf Arab states move to become key nodes in emerging world order، Andreas Krieg، link

8- كتاب مهم لفهم البيئة الخليجية أندرياس كريج  ، Divided Gulf The Anatomy of a Crisis، Andreas Krieg، link

9-International Monetary Fund. (2024). Arab Republic of Egypt: Country information. link

10-World Bank. (2024). Egypt economic monitor. link

11-United Nations Conference on Trade and Development. (2023). World investment report. link

12-Stockholm International Peace Research Institute. (2023). SIPRI yearbook. link

13-International Institute for Strategic Studies. (2023). The military balance. link

14-Carnegie Endowment for International Peace. Middle East and North Africa programs. link

15-Brookings Institution. Middle East policy. link

16-Chatham House. Middle East and North Africa. link

17-RAND Corporation. Middle East security and defense. link

18-European Council on Foreign Relations. Middle East and North Africa. link

19-Reuters. Egypt, UAE, and regional geopolitics. link

20-Financial Times. Egypt economy and Gulf investments. link

21-The Economist. Middle East geopolitics. link

22-The Wall Street Journal. Global ports and geopolitics. link

23-Egyptian Center for Economic Studies. Economic policy reports. link

24-Al-Ahram Center for Political and Strategic Studies. Regional and Egyptian studies. link

25-Al Jazeera Centre for Studies. Political and strategic analysis. link

26-Egyptian Institute for Studies. Political economy and security studies. link

27-ORSAM – Center for Middle Eastern Strategic Studies. Regional security analysis. link

28-Sovereign Wealth Fund Institute. UAE sovereign wealth funds. link

29-ADQ. Official press releases and investments. link

30-Mubadala Investment Company. Annual reports and news. link

31-International Crisis Group. Sudan conflict reports. link

32-Small Arms Survey. Armed groups and conflict dynamics. link

33-Africa Center for Strategic Studies. Security developments in Africa. link

34-Huntington, S. P. (1957). The soldier and the state. Harvard University Press.

Janowitz, M. (1960). The professional soldier. Free Press.35-

المراجع العربية 

1- خريطة الاستثمارات الإماراتية في مصر ومن يقودها؟ من الاستحواذ على أراضٍ وموانئ إلى التغلغل بالأمن الغذائي، عربي بوست، الرابط 

2- المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية – ميزان القوى العسكرية في الشرق الأوسط، الرابط

3- مركز كارنيجي للشرق الأوسط – الاقتصاد السياسي في مصر بعد 2013، الرابط

4- معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى – الدور الإماراتي الإقليمي، الرابط 

5- مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية – العلاقات المصرية الخليجية، الرابط

6- مؤسسة راند – المنافسة على الموانئ والممرات البحرية، الرابط 

7- مجلة السياسة الدولية – ملفات الأمن القومي المصري، الرابط 

8- الجزيرة للدراسات – التنافس الإقليمي في القرن الإفريقي، الرابط 

9- مركز الإمارات للسياسات – الاستثمارات السيادية الإماراتية، الرابط

10- مركز صنعاء للدراسات – الحرب في اليمن، الرابط 11- معهد الدراسات الفلسطينية – التطبيع والعلاقات العربية الإسرائيلية، الرابط

محمود جمال

باحث متخصص في العلاقات المدنية العسكرية والدراسات الاستراتيجية والأمنية ومدير وحدة الرصد والتوثيق بالمعهد المصري للدراسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى