تقدير موقف: هل ستنجح المفاوضات الأمريكية الإيرانية المقبلة؟… حرب بدون منتصر

مساء الخميس 16 إبريل 2026 تم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان برعاية أمريكية، وتطرقنا في تحليلنا المنشور في اليوم التالي له إلى ارتباط هذا الإتفاق في الأساس بالرغبة الأمريكية للدفع قدمًا بالمفاوضات مع إيران بهدف فتح مضيق هرمز أولًا، بما يخفف من الضغوط الإقتصادية المرتبطة بغلقه، حيث أن إيران كانت قد اشترطت وقف إطلاق النار في لبنان قبل أن تقوم بفتح المضيق للملاحة، إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من التفاوض مع الولايات المتحدة.
بالفعل، في يوم الجمعة 17 إبريل أعلنت إيران أنها قامت بفتح المضيق للملاحة، ما فتح الطريق لإعلان باكستان، الوسيط بين الطرفين، عن عودة عملية التفاوض مرة أخرى، بل وعبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تفاؤله بقرب الوصول لاتفاق شامل في غضون أيام! انعكست حالة التفاؤل تلك فورًا على الأسواق، حيث افتتحت البورصات الأمريكية على ارتفاعات في مؤشراتها، كما انخفض سعر خام بترول غرب تكساس الأمريكي بنحو 10% عن اليوم السابق لينخفض سعره عن 84 دولار للبرميل، بعد أن كان قد تجاوز 110 دولارًا في ذروة الأزمة.
السؤال المهم الأن هو، هل تعكس حالة التفاؤل تلك تقدمًا حقيقيًا متوقعًا في مسار التفاوض بين البلدين؟ وهل يمكن بالفعل الوصول لإتفاق شامل ينهي حالة الحرب في المنطقة في غضون أيام؟ للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن ندرس ما دعى هذا الطرف أو ذاك للدخول في عملية التفاوض بعد وقف إطلاق النار، والأوراق التي يمتلكها كل منهما، وكذلك نستعرض باختصار الأهداف الرئيسية لكلا الطرفين، والتي يعتبر كلُ منهما نفسه منتصرًا إذا حققها.
بالنسبة لإيران، فقد عانت من قدر هائل من الدمار على كافة المستويات، مدنيًا وعسكريًا، وهدد ترامب بإعادتها للعصر الحجري، وهو التهديد الذي تأخذه بجدية، ثم فرضت عليها أمريكا حصارًا بحريًا شاملًا، إن استمر سيؤدي إلى أضرار اقتصادية هائلة. بالطبع إيران تريد أن توقف هذا المسار، وتريد أن تصمد أمام كل هذه الضغوط لأطول فترة ممكنة.
إلا أنها ترى أن الصمود وحده ليس كافيًا كمعيار للنصر، فهي ترى امتلاكها لعدة أوراق مؤثرة يمكن أن تحقق من خلالها قدرًا جيدًا من المكاسب؛ أهم هذه الأوراق تمثل في غلق مضيق هرمز وما أحدثه من أثار سلبية ضاغطة على المستوى الدولي، والأداء الذي حققه حزب الله بالضغط على إسرائيل في الملف اللبناني، فضلًا عن الورقة التي لم تستخدم بعد بالقدرة على غلق مضيق المندب أيضًا بواسطة حلفائها من الحوثيين. يضاف إلى ذلك القدرات الصاروخية بعيدة وقصيرة المدى التي لازالت تمتلكها وتطورها محليًا، فضلًا عن ترسانتها المتقدمة من المسيرات التي تنتجها ذاتيًا، حيث لازالت تستطيع بشكل ما أن تطال العمق الإسرائيلي بالقصف، والأهم من ذلك هو قدرتها على إحداث أضرار هائلة لبنية الطاقة والبنية الأساسية والإقتصادية لدول الخليج المجاورة، الحليفة للولايات المتحدة. تمتلك إيران أيضًا أعدادًا كبيرة من الزوارق السريعة ذاتية القيادة، والتي تستطيع أن تحدث أثارًا كبيرة للسفن والمنشأت، حيث يبقى هذا جزءًا مهما من القوة البحرية التي تزعم أمريكا أنها دمرتها بالكامل.
النصر الكامل بالنسبة لإيران يعني الحفاظ على حق الاستمرار في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية داخل إيران، وعدم التفريط في كمية اليورانيوم المخصب حتى نسبة 60% أو أقل التي تمتلكها، وإنهاء كافة العقوبات ضدها، والإفراج عن أموالها المجمدة التي تصل إلى نحو 130 مليار دولار، مع الحصول على تعويضات مجزية عن الأضرار التي سببتها الحرب، على أن يكون كل ذلك مرتبطًا بتوقيع اتفاق سلام شامل ونهائي يتم بموجبه التعهد بعدم عودة العمليات العسكرية الأمريكية ضدها مرة أخرى. بالطبع يظل التحكم في الحركة خلال مضيق هرمز مكسبًا مهمًا لإيران تستطيع من خلاله ممارسة نفوذها، مع توليد دخل جيد يعوض عن عدم الإفراج الكامل عن أموالها المجمدة، أو عدم الحصول على تعويضات مالية كافية. إلا أن المضيق بهذا الشكل يمكن اعتباره ورقة تكتيكية خلال التفاوض، وليس المكسب الاستراتيجي الذي كانت تسعى للحصول عليه. العلاقة مع الفصائل المسلحة الإقليمية يظل أيضا ورقة مهمة للمناورة للحصول على ما تريد، ولكنها تظل، من وجهة نظرنا، في الإطار التكتيكي. أيضًا إيران ترفض بالطبع إدخال برنامجها الصاروخي في عملية التفاوض بأي شكل من الأشكال.
على الجانب الأخر، تدّعي الولايات المتحدة أنها حققت معظم أهدافها من الحرب، وهي لذلك تسعى لوقف إطلاق النار، والبدء في عملية تفاوض تتيح عودة الملاحة لمضيق هرمز (الذي كان مفتوحًا قبل الحرب). فقد قضت على البحرية الإيرانية بالكامل (عدا القوارب المسيرة بالطبع)، ودمرت معظم القدرات الصاروخية (وهو ما لم يتحقق بالكامل)، ودمرت أغلب المنشأت النووية في الصيف الماضي (إلا أن إيران لازالت تمتلك اليورانيوم المخصب)، كما قتلت المرشد خامنئي والكثير من أهم القيادات الإيرانية السياسية والعسكرية (إلا أنها لم تستطع تغيير النظام، بل أنه تحول إلى قدر أكبر من الصلابة والشراسة). بالتالي فإن هذه الأهداف الجزئية لا يمكن أن تشكل نصرًا حقيقيًا يمكن تسويقه للشعب الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، والذي يشكل عامل ضغط رئيس على إدارة ترامب للخروج من المأزق الذي أدخلت نفسها فيه.
الهدف الرئيس للولايات المتحدة الذي لم تستطع تحقيقه بالعمل العسكري وتريد الدخول في عملية التفاوض من أجله، كما قال نائب الرئيس جي دي فانس بوضوح، هو منع إيران من القدرة على إنتاج سلاح نووي في المستقبل، ما يعني تخليها التام عن برنامج التخصيب للأبد، وتسليم ما لديها من اليورانيوم المخصب. الورقة الرئيسية التي تمتلكها أمريكا لتحقيق هذا الهدف هي القوة العسكرية الهائلة، والتهديد بالمزيد من استخدامها لإعادة إيران للوراء لعشرات السنين، والإستمرار في فرض الحصار البحري والعقوبات الإقتصادية واحتجاز الأموال المجمدة (العصا)، وفي المقابل تعطي الوعود برفع العقوبات والدعم الإقتصادي “لتعود إيران عظيمة مجددًا” كما يقول ترامب (الجزرة).
هل يمكن أن تنجح عملية التفاوض؟
لكي تنجح عملية التفاوض في الوصول لاتفاق بوقف الحرب، يقتضي هذا أحد أمرين؛ الأول أن ينجح أحد الطرفين في فرض إرادته على الطرف الأخر ليسلم بتنازله عن مطالبه الرئيسية. لا توجد أي مؤشرات نظرية أو عملية تؤشر إلى أن ذلك ممكنًا؛ فإيران تدرك تمامًا أن تخليها عن برنامجها النووي، والردع المتحقق بغموض نياتها في امتلاكه، يعني أن ضربها وسحقها سيكون مسألة وقت، وأن هناك تاريخًا من الغدر الأمريكي بإيران حتى أثناء التفاوض، بل أن ذلك بكل تأكيد سيدفع بعض القوى في النظام للسعي الفعلي لامتلاك سلاح نووي، حيث أن توقفها عن ذلك لم يمنع من تعرضها للضربات المدمرة التي كانت تريد تجنبها، ولها عبرة في أوكرانيا وليبيا، حيث تخلت الأولى طواعية عما كانت تمتلكه بالفعل، وتخلت الثانية عن برنامجها للسعي لامتلاك النووي. في المقابل كوريا الشمالية، بامتلاكها للسلاح النووي، استطاعت تحقيق الردع الكافي ولا يجرؤ أحد أن يهاجمها. إضافة إلى ذلك، فإن استمرار الحصار والعقوبات الإقتصادية سيفاقم من سوء الأوضاع الداخلية الإيرانية، وسيهدد في المدى المنظور الإستقرار والسلام الداخلي في البلاد.
في المقابل، الولايات المتحدة لا يمكنها التنازل عن هدفها الرئيس، حيث سيظهر بوضوح أن الحرب التي شنتها هي حرب فاشلة أدت لخسائر كبىرة دون نتيجة تذكر، كما يقول المعارضون للحرب، وهم أغلبية الأن في أمريكا. سيترتب على ذلك خسارة مؤكدة للجمهوريين لانتخابات التجديد النصفي المقبل في نوفمبر، ما يفتح الطريق لإجراءات لعزل ترامب. يضاف إلى ذلك الضرر البالغ الذي سيلحق بصورة أمريكا وهيبتها في العالم، أمام حلفائها وأعدائها على حد سواء، مما سيدفع للتجرؤ على تحديها في كل المواقف لاحقًا.
يظهر أيضًا، بالتدقيق في أهداف الطرفين، أن الإحتمال الثاني لنجاح عملية التفاوض بالوصول إلى حلول وسطى مقبولة للطرفين، بعيد المنال. مواقف الطرفين على درجة كبيرة من التباعد ما يجعل أي حلول وسط أمرًا مستبعدًا. يجادل البعض بأن إيران يمكن أن تقبل بالتخصيب لدرجة 3.5% مثلًا، ما يلاءم الأغراض المدنية، وأن تقبل بتوقف التخصيب لعدد من السنوات، دون أن تقوم بتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، بل تنزل بتخصيبه للنسبة المقبولة، في مقابل أن يتم الإفراج الفوري عن نحو 20 مليار دولار من أموالها المجمدة. لكن هل سيتضمن ذلك تنازلًا عن دعم حلفائها الإقليميين، حيث أن الولايات المتحدة لازالت داعمة لإسرائيل؟ وهل ستسمح إسرائيل بعدم التفاوض حول البرنامج الصاروخي؟ وهل ستقبل أمريكا بالإلتزام بعدم الإعتداء على إيران مستقبلًا؟ وفي ظل ذلك، ألن تقوى حجة من يرون أن إنتاج السلاح النووي في إيران، أو حتى إجراء تجربة نووية واحدة، سيكون الضامن الوحيد لتحقيق الردع؟
التصريحات الصادرة عن الطرفين بعد الإعلان عن فتح مضيق هرمز فور “وقف إطلاق النار” المزعوم في لبنان، يشي باستحالة توافر العوامل الدافعة لنجاح المفاوضات، سواء بخضوع أحد الطرفين، أو بالوصول لحلول وسط. التصريحات الإيرانية أفادت بوجوب استخدام الطرق التي تحددها إيران للملاحة في مضيق هرمز، وأن إيران أبلغت الوسطاء أنها ستفرض رسومًا على العبور، ما يعني أن المضيق مفتوح لكن طبقًا لقواعد إيران. أفادت التصريحات الإيرانية أيضًا أن إستعادة 20 مليار دولار مجمدة هو جزء من إتفاق الهدنة. في المقابل، إستمرت تصريحات ترامب بأن الحصار البحري سيستمر أثناء المفاوضات والهدنة، وأنه لا يوجد أي تبادل مالي ضمن الإتفاق، وأنه لن تفرض أي رسوم على المرور بالمضيق. كما قال أنه قد لا يجدد إتفاق وقف إطلاق النار إذا لم يتم التوصل لإتفاق بحلول يوم الأربعاء.
في نفس الوقت، استمر ترامب في الإدلاء بتصريحات تناقض ما سبق، من قبيل أن أغلب الأمور قد تم الإتفاق عليها، وأن الإتفاق النهائي وشيك، وأن إيران وافقت على تسليم اليورانيوم المخصب، كما وافقت على وقف التخصيب المستقبلي! بالطبع هذا يتناقض تمامًا مع التصريحات الإيرانية الرسمية، ونفاه المسئولون الإيرانيون تماما، ما يعني أن ترامب إما أنه يكذب كعادته، أو أنه يتواصل مع طرف إيراني أخر خارج الدائرة الرسمية المتشددة، أملًا في نوع من الإنقلاب الداخلي يأتي بقيادة جديدة يمكن “التفاهم” معها (وهو أمر شديد الصعوبة في ضوء التركيبة القيادية الإيرانية وسيطرة الحرس الثوري تمامًا على الأمور).
قد يفسر البعض التصعيد والتناقض في التصريحات باستباق المفاوضات لتسجيل مواقف متشددة، إلا أنه لم يمض وقت طويل إلا وأعلنت إيران، ظهر يوم السبت 18 إبريل 2026، في وقت كتابة هذا التقرير، إعادة غلق مضيق هرمز أمام الملاحة، بعد أن كانت قد هددت بهذا إذا استمر الحصار البحري الأمريكي، كما تم الحديث عن حوادث إطلاق نار لإجبار سفينتين هنديتين على عدم المرور، واستدارت سفن أخرى للعودة من حيث أتت. صدرت أيضًا تصريحات إيرانية رسمية بإبلاغ الجانب الأمريكي بعدم الموافقة على جولة ثانية من المفاوضات عبر الوسيط الباكستاني. تواترت أيضًا الأنباء عن تواصل الإستعدادات العسكرية بالمنطقة، وعن عودة حاملة الطائرات الأمريكية جيرالد فورد إلى البحر الأحمر عبر قناة السويس برفقة مدمرتين. كل هذا أعاد الأمور إلى المربع الأول، ولم تصدر بعد ردود أفعال أمريكية على هذه التطورات.
دور الأطراف الأخرى في تقويض الإتفاق
يأتي الطرف الإسرائيلي على رأس الأطراف التي لا ترضى عن توقف الحرب إلا بتحقيق أهدافها المتمثلة في تغيير النظام الإيراني، والتدمير التام لمقدرات البلاد، فضلًا عن إنهاء وجود حزب الله في لبنان، عسكريا وسياسيًا. تمتد أهداف إسرائيل أيضًا لإشعال الفوضى في المنطقة، شاملة منطقة الخليج، بما يسمح لها بفرض الهيمنة المستقبلية على كامل المنطقة. وقد بدأت إسرائيل بالفعل، وكما كان متوقعًا، بالاستمرار في العمليات العسكرية في لبنان لحجج واهية، على غرار النموذج الذي تتبعه في قطاع غزة بعد توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار أيضًا، وتقوم باستمرار بتثبيت وجودها جنوب الليطاني بالإعلان عن “خط أصفر” مماثل لما ثبتته في غزة، مما سيشكل سببًا مباشرًا في إنهيار العملية التفاوضية الإيرانية الأمريكية، لكون إيران اعتبرت وقف إطلاق النار في لبنان شرطًا أساسيًا لاستمرار عملية التفاوض مع أمريكا.
تبقى أيضًا باقي الأطراف الساعية لإستمرار الحرب وإشعال الفوضى في المنطقة، لأسباب مختلفة، وهو ما أطلقنا عليه في دراسة سابقة الروافع الخمسة للحرب الحالية. يمكن أن نضيف أيضًا النخب المالية الأمريكية المستفيدة من استمرار الحرب بشكل كبير في تحقيق أرباح هائلة، ما فصلنا فيه في دراسة سابقة. إسرائيل وباقي الأطراف المذكورة تملك من القوة والنفوذ ما يمكن أن يؤثر كثيرا في استمرار الحرب حتى تحقق أهدافها من ورائها.
الخلاصة
أظهر التحليل الذي قدمناه أن احتمال التوصل لإتفاق بين إيران والولايات المتحدة بعيد المنال جدًا، سواء للعوامل الجوهرية التي تمنع ذلك فيما يتعلق بالطرفين، أو لضغوط تمارسها أطراف أخرى نافذة لمنع الوصول لهكذا اتفاق. قد يمكن تجاوز التطورات الحالية بشكل أو بأخر، واستعادة التهدئة وبدء المفاوضات لفترة من الزمن قد تقصر أو تطول، نظرًا لرغبة كلا الطرفين الإيراني والأمريكي في تجنب التداعيات السلبية جراء استمرار الحرب. إلا أننا مازلنا نرجح أنه في نهاية المطاف ستعود الأوضاع للإنفجار، وستتقدم كثيرًا حالة الفوضى التي ترغب أطراف كثيرة في تكريسها، رغم كل ما سيؤدي إليه ذلك من أثار مدمرة إقليميًا ودوليًا.



