من «أدنوك» إلى النفوذ العالمي.. كيف تعيد الإمارات رسم موقعها في الخليج؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
لم يعد توسع شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» (ADNOC) مجرد قصة نمو لشركة طاقة حكومية، بل بات جزءاً من تحول أوسع في موقع الإمارات السياسي والاقتصادي، في وقت أصبحت فيه أبوظبي أكثر استعداداً لاستخدام ثقلها المالي والنفطي لبناء نفوذ يتجاوز حدود الخليج.
وفي تقرير مطول، تضع صحيفة «فايننشال تايمز» (Financial Times) التحول الذي تشهده «أدنوك» في سياق صعود الحضور الإماراتي عالمياً خلال العقد الماضي، وهي الفترة التي شهدت سياسة خارجية أكثر حزماً وتدخلاً في الملفات الإقليمية، حتى اكتسبت الإمارات في بعض الأوساط الدبلوماسية وصف «إسبرطة الصغيرة» (Little Sparta).
وبحسب الصحيفة، فإن الخطوات التي تتخذها «أدنوك» بعد خروج الإمارات من منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» (OPEC) تعكس توجهاً نحو تعظيم إنتاج النفط، وتوسيع الحضور الدولي، وتأمين طرق جديدة للتصدير، بالتوازي مع تحويل الشركة من مؤسسة وطنية تقليدية إلى مجموعة طاقة عالمية قادرة على منافسة أكبر شركات القطاع.
استراتيجية بدأت قبل عقد
ترجع جذور هذا التحول إلى عام 2016، عندما تولى سلطان الجابر (Sultan Al Jaber) منصب الرئيس التنفيذي لـ«أدنوك».
وتنقل «فايننشال تايمز» عن أشخاص مطلعين على تاريخ الشركة أنه عُرض على الجابر بعد فترة قصيرة من تعيينه مقترح لتوسيع عمليات استكشاف النفط، فأدرك أن زيادة الاحتياطيات لن توفر فقط كميات إضافية للإنتاج، وإنما ستعزز أيضاً موقف الإمارات للمطالبة بحصة أكبر داخل «أوبك».
وبحسب المصادر نفسها، تحول الجابر سريعاً إلى أبرز المدافعين عن المشروع، ووضع خطة لتنفيذه خلال نحو ستة أسابيع.
وبحلول عام 2018، حددت «أدنوك» هدفاً لرفع طاقتها الإنتاجية من نحو 3.5 ملايين برميل يومياً إلى 5 ملايين بحلول عام 2030، قبل تقديم الموعد المستهدف لاحقاً إلى عام 2027.
وتقول الشركة إنها أصبحت قادرة بالفعل على إنتاج نحو 4.8 ملايين برميل من النفط يومياً، وإنها اختبرت لفترة قصيرة مستوى 5 ملايين برميل يومياً. أما الإنتاج الفعلي للإمارات فبلغ في يونيو/حزيران نحو 4.1 ملايين برميل يومياً، وهو أعلى مستوى تسجله بيانات وكالة الطاقة الدولية للبلاد.
ما بعد «أوبك»
خروج الإمارات من «أوبك» يغير جانباً أساسياً من هذه المعادلة، إذ يحرر أبوظبي من حصص الإنتاج التي كانت تحد عملياً من قدرتها على تحويل توسع الطاقة الإنتاجية إلى براميل إضافية في السوق.
وتؤكد الرواية الإماراتية، وفق التقرير، أن قرار الخروج لم يكن موجهاً ضد السعودية أو أي دولة أخرى، وإنما يعكس «الثقة» بقدرات الإمارات وطموحاتها.
لكن التأثير الاقتصادي للخطوة قد يضع أبوظبي والرياض أمام منافسة أكثر وضوحاً على الحصة السوقية.
وقد ظهرت إشارات أولية إلى ذلك بالفعل، بعدما رفعت «أدنوك» الإنتاج إلى مستوى قياسي في يونيو/حزيران، بينما خفضت السعودية أسعار البيع الرسمية لنفطها، ولا سيما للعملاء في آسيا.
وتحذر الصحيفة من أن اندفاع الدولتين إلى تعظيم الإنتاج في الوقت نفسه يمكن أن يؤدي إلى انخفاض حاد في أسعار الخام، بما يقلل العائدات ويجعل تمويل الاستثمارات الجديدة أكثر صعوبة.
لكن تراجع المخزونات العالمية خلال الحرب مع إيران وفر، على الأقل مؤقتاً، هامشاً أكبر لزيادة الإمدادات من دون التسبب مباشرة في تخمة كبيرة بالسوق.
تنافس إماراتي-سعودي من نوع مختلف
الأهم أن الاختلاف بين الرياض وأبوظبي لا يتعلق فقط بعدد البراميل التي يمكن لكل دولة ضخها؛ فالنموذجان الاقتصاديان في قطاع الطاقة يبدوان مختلفين بصورة متزايدة.
في السعودية، حافظت شركة «أرامكو السعودية» (Saudi Aramco) على نموذج يحد بدرجة كبيرة من مشاركة شركات النفط الأجنبية في الاستفادة المباشرة من موارد المملكة.
أما «أدنوك» فاختارت مساراً أكثر انفتاحاً على الشركاء الدوليين.
ووفق بيانات شركة «وود ماكنزي» (Wood Mackenzie)، ارتفع إنتاج شركات النفط العالمية الكبرى، مثل «بي بي» (BP) و«توتال إنرجيز» (Total Energies)، من مشاريعها داخل الإمارات بنسبة 34% بين عامي 2020 و2025.
وخلال الفترة نفسها، أنتجت شركات النفط الخاصة داخل الإمارات نحو عشرة أضعاف ما أنتجته في السعودية.
ويعطي هذا النموذج أبوظبي ميزة مختلفة: فبدلاً من الاعتماد على رأس المال والتكنولوجيا المحليين فقط، تحاول ربط المصالح الاقتصادية لشركات الطاقة العالمية مباشرة بتوسع الإنتاج الإماراتي.
النفط أداة لبناء نفوذ عالمي
لكن مشروع «أدنوك» لا يتوقف عند ضخ المزيد من الخام.
فالشركة استثمرت عشرات المليارات من الدولارات في عمليات استحواذ وتوسع خارج الإمارات، خصوصاً في البتروكيماويات، وهي من المجالات التي يتوقع استمرار الطلب عليها حتى في عالم تنتشر فيه السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة.
ومن أبرز هذه التحركات دمج أعمال «أدنوك» البتروكيماوية مع أنشطة المواد الأولية التابعة لشركة «أو إم في» النمساوية (OMV)، لتأسيس «بروج غروب إنترناشونال» (Borouge Group International AG)، بقيمة تقارب 60 مليار دولار.
كما أكملت المجموعة في نهاية العام الماضي استحواذاً بقيمة 17 مليار دولار على شركة «كوفيسترو» الألمانية (Covestro)، المتخصصة في البوليمرات.
وفي أفريقيا، استحوذت ذراع توزيع «أدنوك» على محطات الوقود التابعة لشركة «شل» (Shell) في جنوب أفريقيا مقابل نحو مليار دولار، بما يمنح الشركة الإماراتية حضوراً مباشراً في سوق التجزئة بأحد أكبر الاقتصادات الأفريقية.
وهذه الاستثمارات تكشف أن الاستراتيجية لا تقوم ببساطة على بيع النفط الإماراتي إلى الخارج، بل على امتلاك أجزاء أكبر من سلسلة الطاقة العالمية، من الإنتاج إلى البتروكيماويات والتوزيع.
سباق لتحويل النفط إلى أصول
يطرح التقرير أيضاً تفسيراً آخر لسرعة التحرك الإماراتي.
فبعض مراقبي القطاع يرون أن أبوظبي قد تكون راغبة في تحويل أكبر قدر ممكن من مواردها النفطية إلى أموال وأصول عالمية بينما لا يزال النفط يحتفظ بقيمته الاستراتيجية.
وسلطان الجابر يؤكد أن الطلب العالمي على النفط سيبقى قوياً لفترة أطول مما يتوقعه كثيرون، لكن طريقة توسع «أدنوك» توحي في الوقت نفسه بأن الشركة تستعد لمرحلة قد يصبح فيها نمو الطلب على الخام أبطأ.
ومن هنا تبدو البتروكيماويات والاستثمارات الدولية والتحول إلى شركة طاقة عالمية بمثابة وسيلة لتحويل الثروة الموجودة تحت الأرض إلى شبكة أصول وشركات واستثمارات موزعة عالمياً.
هرمز يعيد تعريف أمن الطاقة
كما أظهرت الحرب مع إيران نقطة ضعف استراتيجية في النموذج الإماراتي تتمثل في اعتماد معظم الصادرات النفطية على مضيق هرمز.
ومنذ مارس/آذار، واجه جزء كبير من إنتاج الإمارات صعوبات في الوصول إلى العملاء نتيجة إغلاق المضيق، ما دفع «أدنوك» إلى تسريع البحث عن طرق تصدير أكثر أمناً.
وتمتلك الإمارات بالفعل خط أنابيب بطاقة نحو 1.5 مليون برميل يومياً يصل إلى الفجيرة خارج مضيق هرمز، لكنها تعمل على بناء خط ثان من شأنه مضاعفة كمية النفط الممكن تصديرها من الساحل الشرقي ابتداء من عام 2027.
كما تدرس الشركة إنشاء خط للمنتجات المكررة، في محاولة لتقليل قدرة أي أزمة مستقبلية في هرمز على تعطيل صادرات الدولة.
وهنا تتحول البنية التحتية للطاقة نفسها إلى عنصر من عناصر الاستقلال الاستراتيجي الإماراتي.
أدنوك والدولة.. مشروع واحد
تكمن الدلالة الجيوسياسية الأهم في أن مستقبل «أدنوك» يصعب فصله عن مستقبل الإمارات نفسها.
فعائدات الشركة ساهمت تاريخياً في تمويل انتقال الإمارات من مجموعة مشيخات صحراوية إلى مركز عالمي للتجارة والاستثمار، بينما يبدو أن المرحلة الجديدة تهدف إلى استخدام الشركة لبناء نوع مختلف من النفوذ: نفوذ يقوم على امتلاك أصول دولية، وربط شركات غربية كبرى بالمشاريع الإماراتية، وتوسيع الحضور في آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وتتوقع «وود ماكنزي» أن يصل إجمالي إنتاج النفط والغاز في الإمارات خلال السنوات العشر المقبلة إلى نحو 7.9 ملايين برميل من المكافئ النفطي يومياً، بينها نحو 1.2 مليون برميل مكافئ يومياً تنتجها شركات دولية عاملة في الدولة.
وبهذا المعنى، فإن ما يجري داخل «أدنوك» يتجاوز استراتيجية شركة نفط.
إنه جزء من تحول في نموذج القوة الإماراتية نفسها: تحويل الموارد الهيدروكربونية إلى أصول عالمية ونفوذ اقتصادي وشراكات استراتيجية قبل أن تتغير قواعد سوق الطاقة.
أما بالنسبة للسعودية، فلا يعني هذا بالضرورة انتقال العلاقة إلى مواجهة مباشرة. فالبلدان يظلان شريكين اقتصاديين وسياسيين في ملفات عديدة، لكن توسع الطاقة الإنتاجية الإماراتية والتحرر من حصص «أوبك» يجعلان مصالحهما النفطية أقل تطابقاً من السابق.
وقد يكون الاختبار الحقيقي لهذا التحول عندما تصبح زيادة حصة أحدهما في السوق ممكنة فقط على حساب الآخر. عندها لن يكون السؤال متعلقاً بمنافسة «أدنوك» و«أرامكو» وحدهما، وإنما بمدى قدرة أكبر قوتين اقتصاديتين في الخليج على إدارة انتقالهما من التنسيق داخل منظومة نفطية واحدة إلى منافسة متزايدة على رأس المال والأسواق والنفوذ العالمي.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




