ترجمات

نيويورك تايمز: هل هذه نهاية الإسلام السياسي؟

نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في 16 يونيو 2026 مقالاً بعنوان: “هل هذه نهاية الإسلام السياسي؟” لـ “بن هوبارد”، الصحفي الأمريكي الذي يعمل كرئيس لمكتب صحيفة نيويورك تايمز في إسطنبول، ويغطي أخبار تركيا والمنطقة المحيطة بها، بما في ذلك أوروبا والعالم العربي؛ ويركز على السياسة والثقافة والسياسة الخارجية التركية بشكل خاص. يتناول بن هوبارد في هذا المقال مزاعم بعض الباحثين بشأن انحسار موجة الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

 وقد جاء المقال على النحو التالي:

على مدى عقود طويلة، كان للحكم الإسلامي جاذبية وبريقاً خاصاً في منطقة الشرق الأوسط. أما الآن، فيقول بعض الباحثين إن تلك الموجة الإسلامية قد انحسرت في المنطقة.

بعد نحو عام من الثورة الإيرانية عام 1979، قدّم آية الله روح الله الخميني، المرشد الأعلى للحكومة الإسلامية الجديدة في إيران، تفاصيل خطته للحكم وفقاً لأحكام الإسلام. وقال رجل الدين (الشيعي) الملتحي الذي يرتدي عمامة على رأسه إن الدولة ستدعم المزارعين والعمال، وستوزع الأراضي بما يتوافق مع “الأحكام الدينية”. وستقوم الجامعات والصحفيون بنشر الدعوة إلى الله. وستكون المحاكم “أمثلة يحتذى بها في تطبيق دين الله”.

وأعلن الخميني أن النتيجة ستعزز مكانة إيران في مواجهة القوى الأجنبية، وستخلق نموذجاً لتحرير المسلمين في كل مكان. وقال: “علينا أن نسعى جاهدين لتصدير ثورتنا إلى العالم. فرغم كل المصاعب التي نتكبدها، فإننا نواجه العالم من منطلق أيديولوجي”.

وفي السنوات اللاحقة، فعلت إيران ذلك تماماً. فعلى مدى ما يقرب من خمسة عقود – حتى في ظل ضغوط حربها الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل – أدارت الحكومة الإيرانية دولةً رئيسيةً في منطقة الشرق الأوسط بتوجيه من رجال الدين، بالتزامن مع بناء قوة عسكرية هائلة. وهذا ما يضع إيران في طليعة التجارب الحديثة للإسلام السياسي، أو الحالة الأسرع نمواً في العالم في تطبيق نصوص الدين على شؤون الحكم، وهو مثالٌ ظل جذاباً وبعيد المنال في آنٍ واحد في العالم الإسلامي.

وتقتبس العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة من الأحكام الواردة في القرآن الكريم كمصدر للتشريع فيها. وتعلن السعودية وباكستان وأفغانستان رسمياً عن انتماءاتها الإسلامية. وتستخدم الأحزاب الإسلامية السياسة لترويج سياسات مستوحاة من الدين في العراق ولبنان وماليزيا وإندونيسيا وبنجلاديش وكذلك تركيا. وشهدت العقود الأخيرة جهوداً جديدة لتطبيق الإسلام في السياسة في الشرق الأوسط. وسعت الحكومات والأحزاب السياسية والجماعات المسلحة في جميع أنحاء المنطقة إلى السلطة السياسية من خلال التعهد بأن زيادة الالتزام بالإسلام ستؤدي إلى عهد جديد من الحكم العادل.

لكن الآن، فقد تراجع نفوذ الإسلام السياسي في المنطقة. حيث تزخر خريطة الشرق الأوسط بأمثلة على رؤى إسلامية مثالية لم تُترجم إلى نجاحات ملموسة على أرض الواقع. وربما حشد أنصارها تأييداً شعبياً لفترة من الزمن، وربما سيطروا على مقاليد السلطة هناك، بل وربما حكموا أيضاًَ، أو حاولوا ذلك، وفقاً لتفسيراتهم للشريعة الإسلامية. لكن في معظم الحالات، لم يدم ذلك طويلاً.

تقول مونيكا ماركس، الأستاذ المساعد في علوم السياسة الشرق أوسطية بجامعة نيويورك أبوظبي: “بصفتها قوى سياسية منظمة، سواء أكانت قوى حاكمة، أو أحزاباً سياسية، أو حركات منظمة، فإن الجماعات الإسلامية تصبح في موقف غير مُواتٍ لا محالة”.

ولم تنجح محاولة أسامة بن لادن لإشعال حرب حضارية ضد الولايات المتحدة. وفشلت الأحزاب الإسلامية التي اندفعت إلى الساحة السياسية خلال انتفاضات الربيع العربي عام 2011 في الحفاظ على السلطة في أي من تلك الدول. وسحق الجيش الأمريكي وحلفاؤه ما أسماه تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سوريا والعراق. ويعتمد قادة السعودية وسوريا، وحتى إيران، الآن بشكل أكبر على النزعة القومية بشكل أكبر وعلى الإسلام بشكل أقل لحشد شعوبهم. ولا يرغب سوى قلة من بين حوالي ملياري مسلم في العالم، بمن فيهم كثيرون في أفغانستان، في الأصولية التي تقدمها حركة طالبان.

وعلى الرغم من أن لكل من هذه الإخفاقات سياقه وتاريخه الخاص، إلا أن أسبابها تتداخل. فقد قضت القوة العسكرية الغربية على أكثر المشاريع الإسلامية تشدداً. بينما لم تحظَ مشاريع أخرى بالدعم الشعبي أو الدولي اللازم للتغلب على القوى الاستبدادية التي برزت في بلدانها، والتي غالباً ما كانت مدعومة من دول مجاورة قوية.

ولا تزال الحكومة الثورية الإيرانية في سدة الحكم، وهي الاستثناء الأبرز، رغم أن مُثلها تواجه مخاطر جديدة حالياً. فقد قتلت القنابل الأمريكية والإسرائيلية قادة إيران وألحقت أضراراً بالغة بجيشها. وعبّر العديد من الإيرانيين عن استيائهم من تلك الحكومة “الدينية” من خلال احتجاجات متكررة. ويبدو أن العزلة الدولية المفروضة على إيران عميقة، ولم يتحقق حلم آية الله الخميني بثورة تجتاح العالم الإسلامي.

وقد زادت محنة إيران الحالية من حدة النقاش بين الخبراء حول ما إذا كان الإسلام السياسي قد بلغ الزُبى، وماذا يعني ذلك بالنسبة للشرق الأوسط والعالم الإسلامي على وجه العمومً.

صعود وهبوط

احتجاجات على عزل الرئيس محمد مرسي في القاهرة، يوليو / 2013. (حقوق الصورة: تارا تودراس -وايت هيل لصحيفة نيويورك تايمز)

لطالما كانت تجارب الحكم التي تجمع بين الإسلام والسياسة موجودة منذ ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي. وبحلول القرن السادس عشر، كانت الإمارات والسلطنات وغيرها من الكيانات السياسية التي استندت إلى الإسلام قد حكمت أو لا تزال مزدهرة في مناطق تمتد بين إسبانيا الحالية وشبه القارة الهندية، بالإضافة إلى أجزاء من أفريقيا.

وأعادت الدول القومية التي ظهرت في القرن العشرين رسم ما تبقى من تلك الخريطة. فقد مزّق المنتصرون في الحرب العالمية الأولى الإمبراطورية العثمانية، وأصبح قلبها تركيا الحديثة، وهي جمهورية علمانية ألغت الخلافة الإسلامية عام 1924. ومنذ ذلك الحين، سادت الجمهوريات والملكيات، ولكن بعضها فقط بقوانين مستوحاة من تعاليم الإسلام.

ومع ذلك، تمسك كثير من المؤمنين بفكرة أن السياسة تحتاج إلى مزيد من الدين، لا العكس. فهم يرون الإسلام ليس مجرد عقيدة شخصية، بل برنامجاً مجتمعياً شاملاً. وقد غذّى القمع والفساد في الدول الإسلامية، وغالباً من قبل أنظمة مدعومة من الغرب، الاعتقاد بأن الحكم الإسلامي الخالص هو وحده القادر على تحقيق العدالة والازدهار. وكانت هذه الأفكار محورية في الثورة الإيرانية، وعادت للظهور مجدداً خلال انتفاضات الربيع العربي التي أطاحت بالحكام المستبدين في أنحاء الشرق الأوسط.

وفي مصر، أدى سقوط النظام عام 2011 إلى انتخابات حرة. وقد خاضت جماعة الإخوان المسلمين، وهي جماعة إسلامية، كانت حملتها الانتخابية في وقت من الأوقات بشعار “الإسلام هو الحل”. وقد فازت بالفعل ونجحت في السيطرة على البرلمان، ثم على رئاسة الجمهورية. ولكن لم تدم تلك الانتصارات طويلاً. فقد اندلعت احتجاجات ضد السلطات الجديدة، التي اتهمها منتقدوها بنقض وعودها واعتماد الحكم الشمولي واستغلال مناصبها الحكومية لتوسيع نفوذها في المجتمع. وبقي الجيش على حاله لم يتم المساس به، والذي قام في عام 2013 بالإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي. وبعد عام من الانقلاب الذي قاده الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، أصبح السيسي نفسه رئيساً عبر انتخابات وُصفت على نطاق واسع بأنها غير ديمقراطية. وهو لا يزال في السلطة، على رأس نظام استبدادي جديد.

وتكرر سيناريو مشابه في تونس المجاورة، حيث وصل الإسلاميون إلى السلطة عبر الانتخابات، لكنهم فشلوا في كسب ثقة الناخبين العلمانيين. وعارضهم المتظاهرون والأحزاب السياسية الأخرى، وأسفرت انتخابات عام 2019 عن وصول الرئيس الشعبوي قيس سعيد إلى سدة السلطة في البلاد، والذي منح نفسه منذ ذلك الحين صلاحيات شبه مطلقة.

وأدى سقوط الأنظمة في ليبيا واليمن، بعد حركات شعبية هناك، إلى حروب أهلية. وشارك الإسلاميون في كلتيهما، لكنهم لم يسيطروا سيطرة كاملة على أي من البلدين. كما انزلقت سوريا هي الأخرى إلى حرب أهلية وحشية. وانتصر الإسلاميون أخيراً في عام 2024، ووعدوا بنهج معتدل في الحكم، لا بنظام إسلامي متشدد.

وفي الوقت الراهن، يشكك العديد من الباحثين في عودة الإسلام السياسي إلى الظهور قريباً. في كتابه الجديد “انحسار الهلال: صعود وسقوط الإسلام العالمي”، يقارن فيصل ديفجي، المؤرخ بجامعة أكسفورد، الإسلام السياسي بالشيوعية والبعثية وغيرها من الأيديولوجيات التي ظهرت في حقبة تاريخية محددة ثم فقدت أهميتها. وأوضح البروفيسور ديفجي أن الإرهاب (الذي يتم إلصاقه بالمسلمين) شوّه صورة الإسلاميين أيضاً. فقد استنكر معظم المسلمين العنف الذي مارسه تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وأضاف: “مع ظهور القاعدة وداعش، أُعيد النظر بشكل جذري في شكل الحياة العامة والسياسية للمسلمين”.

وبطبيعة الحال، يُعدّ قياس رغبات الناس في منطقة شاسعة كالشرق الأوسط أمراً بالغ الصعوبة. ويزيد الأمر تعقيداً تعريف الإسلام السياسي، الذي قد يشمل كل شيء بدءاً من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو إسلامي يقود دولة علمانية دستورياً، وصولاً إلى الجهاديين المتطرفين الذين يهاجمون كل من يخالفهم الرأي، بمن فيهم المسلمون.

ولتجنب هذه التعقيدات، يركز الباروميتر العربي، وهو شبكة بحثية محايدة تقوم بإجراء استطلاعات الرأي العام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) منذ عام 2006،على التفاصيل، كما أوضح مايكل روبنز، مدير المجموعة، حيث تطرح استطلاعاته أسئلة حول ما إذا كان من الأفضل للمتدينين تولي مناصب حكومية، وما إذا كان ينبغي لرجال الدين التأثير على قرارات الحكومة، وما إذا كان ينبغي أن يكون الدين شأناً خاصاً منفصلاً عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية. ويقارن الباروميتر العربي هذه المؤشرات في ست دول عربية هي: مصر، والأردن، والمغرب، والعراق، ولبنان، وتونس.

وإجمالاً، أشارت نتائجه إلى أن أقلية فقط كانت متحمسة للإسلام السياسي. ففي الفترة من 2012 إلى 2025، تجاوزت نسبة تأييد وجود المتدينين في الحكومة 50% في دولتين فقط، هما الأردن والمغرب. وارتفع التأييد لتأثير رجال الدين على سياسة الدولة في خمس دول، لكنه لم يتجاوز 40% إلا في العراق، حيث بلغ 58%. (في الولايات المتحدة، على سبيل المقارنة، يقول 43% من الناس إن على الحكومة تعزيز القيم المسيحية، وفقاً لـ “مركز بيو للأبحاث“). واتفقت أغلبية كبيرة في أربع من هذه الدول على أن الممارسة الدينية يجب أن تكون شأناً خاصاً.

لكن الرأي العام له تأثير محدود في الشرق الأوسط. فالاستطلاعات في العديد من الدول نادرة، والسلطة في أيدي حكام مستبدين لا يخشون من إطاحة الناخبين بهم في الانتخابات المقبلة.

هذا هو الحال في إيران، حيث يختار الناخبون من بين مرشحين معتمدين مسبقاً، لكنهم لا يصوتون أبداً على النظام نفسه. وآخر مرة فعلوا ذلك، بعد ثورة 1979، كانت في استفتاء حول ما إذا كان ينبغي لإيران أن تصبح جمهورية إسلامية. كان التصويت غير نظامي إلى حد كبير، وأظهرت النتائج الرسمية أن نسبة التصويت بـ “نعم” تجاوزت 98%. ومع ذلك، بدا أن العديد من الإيرانيين كانوا على استعداد لمنح النظام الجديد فرصة على الأقل.

وخلال العقود الفاصلة، تحولت الكثير من رؤية آية الله الخميني المثالية إلى سراب. لم تلقَ دعوته الثورية للمسلمين في جميع أنحاء العالم رواجاً كبيراً، وفشلت حربه المقترحة ضد “إسرائيل” والنفوذ الأمريكي في الانتشار على نطاق واسع خارج نطاق الوكلاء الذين دعمتهم إيران مالياً في لبنان والعراق واليمن وغزة.

أما في داخل إيران، فقد أدى القمع والقيود الأخلاقية الصارمة إلى نفور العديد من الإيرانيين، وخاصة الشباب، من الثورة. وقد قاوم بعض الإيرانيين هذا الوضع بتحديهم للقيود المفروضة على لباس النساء. بينما ثار آخرون في احتجاجات جماهيرية، وتحملوا حملات قمع دموية. كما أن العقوبات والركود الاقتصادي لم يُسهما في الترويج للثورة.

يقول أفشون أوستوفار، مؤلف كتابين عن إيران المعاصرة: “لم تتحول الجمهورية الإسلامية إلى شيء عظيم لشعبها أو لأي شخص آخر. لقد حققت بعض النجاحات بطريقتها الخاصة، لكنها في نهاية المطاف كانت تجربة بائسة لأنها لم تكن لتستمر إلا بالعنف والكراهية”.

إعادة صياغة؟

الرئيس السوري، أحمد الشرع، في القصر الرئاسي بدمشق العام الماضي. الصورة: دانيال بيرهولاك / نيويورك تايمز.

ومع ذلك، من السابق لأوانه الحديث عن الإسلام السياسي بصيغة الماضي. فحتى الآن، لا يزال قادة إيران، الذين يسيطرون على بلادهم (وإلى حد كبير على مضيق هرمز)، يواصلون تطبيق هذا الحلم.

ويتفق آخرون مع هذا الرأي. فقد أخبرني الدكتور عمرو دراج، الوزير في عهد الرئيس المصري محمد مرسي الذي تم الانقلاب عليه، أن جماعة الإخوان المسلمين لم تُتح لها فرصة حقيقية للحكم. فقد افتقرت إلى الاستعداد اللازم، ولم ترغب القوى الخارجية في ترسيخ حكومة إسلامية في الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم العربي، بينما وقف الغرب مكتوف الأيدي في الوقت الذي عادت فيه مصر إلى الديكتاتورية. وقال د. دراج: “لم تكن اللعبة عادلة. كان من الواضح منذ البداية أن الغلبة ستكون للقوى الأقوى”.

وعلى الرغم من غياب انتصارات إسلامية مستدامة، لا يزال العديد من المسلمين يميلون إلى فكرة دمج الإسلام في السياسة، مما يُبقي الباب مفتوحاً أمام إمكانية إحياء الإسلام، كما قال الدكتور دراج. وأضاف: “ستكون هناك دورة أخرى يعلو فيها نجم الإسلاميين من جديد”.

كما أن استمرار وجود الأنظمة الاستبدادية في المنطقة قد يُؤدي إلى ظهور حركات جديدة ذات دوافع دينية ضدها. وقال البروفيسور ماركس: “كلما أعلن الناس أننا نعيش في عالم ما بعد الإسلاموية، كانوا مخطئين، لأن القمع الاستبدادي يُبقي هذا الأمل حياً لدى الكثيرين”.

ومع ذلك، ثمة مؤشرات في العالم الإسلامي على أن القادة وشعوبهم قد تخلوا عن الصورة المشوهة للإسلاموية.

وأشار البروفيسور ديفجي من جامعة أكسفورد إلى أن العديد من الحركات الشعبية الأخيرة بين المسلمين لم تكن مُلتفة حول الإسلام نفسه. ولفت إلى الاحتجاجات السياسية وتلك المدافعة عن حقوق المرأة في إيران، وكذلك المظاهرات التي أسقطت حكومة رئيسة الوزراء الشيخة حسينة في بنغلاديش عام 2024، والاحتجاجات المؤيدة لفلسطين في الغرب على خلفية حرب غزة. لا يُمثل هذا بالضرورة تصاعداً في العلمانية أو ابتعاداً عن الإسلام، كما أوضح البروفيسور ديفجي، بل فصلاً بين الدين والسياسة.

وقد خفّف بعض القادة العرب، بهدوء، من حدة النزعة الإسلامية لديهم. ففي السعودية، أضعف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي، سلطة علماء الدين، بينما روّج لنزعة قومية سعودية جديدة، في تحول جذري لمملكة لطالما دافعت عن القضايا الإسلامية. وحتى عام 2016، كانت ما كانت تُعرف بـ “الشرطة الدينية” (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) تُسيّر دوريات في الأماكن العامة لفرض قواعد اجتماعية متشددة. وحتى عام 2018، مُنعت النساء من قيادة السيارات. أما الآن، فقد بات الترويج للإسلام محدوداً في جهود المملكة لـ جذب السياح، وإقامة المهرجانات الموسيقية و الكوميدية، واستضافة معرض إكسبو 2030.

وقبل أكثر من عقد من الزمان في سوريا، تعهّد أحمد الشرع، وهو قائد جماعة جهادية كانت تقاتل في الحرب الأهلية آنذاك، بتحويل البلاد إلى دولة إسلامية. وقال: “نسعى إلى أن تسود شريعة الله في البلاد”. وقد انتصرت قواته أخيراً عام 2024، وهو الآن رئيس الجمهورية.

وأقرّت إدارته فقط بعض القوانين ذات الطابع الاجتماعي المحافظ، لكن يبدو أن أولويته هي تقديم نفسه كزعيم شرق أوسطي عادي يمكن للآخرين التعامل معه، لا فرض التشدد الإسلامي. فهو يرتدي البدلات، ويظهر علناً برفقة زوجته، والتقى الرئيس ترامب في نوفمبر الماضي في البيت الأبيض، حيث تبادل الرجلان فكاهة حول تعدد الزوجات. وفي أبريل، صُوِّر في المدرجات خلال مباراة كرة سلة، وهو يشاهد فرقة رقص نسائية تؤدي رقصة على أنغام أغنية “Work It” لميسي إليوت. وعلى الرغم من أنه لم يُحرّك رأسه انسجاماً مع الإيقاع، إلا أنه لم يغادر المكان غاضباً.

وحتى في إيران، المعقل الأكبر للمقاومة، لجأت الحكومة بشكل متزايد إلى الرموز الوطنية بدلاً من الرموز الدينية لتوحيد شعبها. وفي معرض دفاعها عن قضية بلادها، يعتمد قادتها على القانون الدولي والمعاهدات العالمية ومفهوم السيادة الوطنية أكثر من اعتمادهم على الدين، مما يشير إلى إدراكهم لمحدودية تأثير الحجج الإسلامية.

يقول محسن كديفار، وهو ناقد ديني للحكومة ويعمل حالياً في جامعة ديوك، إن النظام الديني فشل في تحقيق الحرية والعدالة التي وعد بها شعبه. لكنه نجح في التمسك بقضية أخرى يتبناها العديد من الإسلاميين: الوقوف في وجه إسرائيل والنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.

ويرى البروفيسور كديفار أن هذا قد يكون أوضح تصور للإسلام السياسي المعاصر، ألا وهو معارضة سيطرة القوى الأجنبية على الأراضي الإسلامية أو هيمنتها عليها. ويضيف: “لقد ازداد المتشددون في إيران قوةً بشكل ملحوظ. هذه هي هدية الرئيس ترامب للإيرانيين”. وبهذا المعنى، قد تُسهم الحرب الإيرانية في تعزيز المقاومة الإيرانية، وما تبقى من الإسلام السياسي، أكثر من زعزعتها.

قراءة نقدية لمقال : “هل هذه نهاية الإسلام السياسي ” في نيويورك تايمز، والذي قام المعهد المصري بترجمته مؤخرا”:

د. عمرو دراج

يمكن توجيه نقد منهجي قوي لهذا النوع من المقالات، لكن من المهم التفريق بين نقد المنهج والتحليل وبين تبني موقف سياسي مسبق. يبدو أن هناك عدة إشكالات علمية ومنهجية تستحق النقاش:

أولاً: مشكلة تعريف “الإسلام السياسي”

أحد أكبر الإشكالات في الأدبيات الغربية هو استخدام مصطلح “الإسلام السياسي” كمظلة واسعة جداً تضم:جماعة الإخوان المسلمين؛ حزب العدالة والتنمية التركي؛ حركة النهضة التونسية؛ طالبان؛ الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ حزب الله؛ تنظيم الدولة (داعش)؛ الحركات السلفية الدعوية أو السياسية.. وهذه كيانات مختلفة جذرياً في: المرجعية الفكرية، المذهب (سني/شيعي)، الموقف من الديمقراطية، استخدام العنف، وطبيعة الدولة المنشودة، فضلا بالطبع عن الخلط بين المفهوم الشامل للإسلام والتعبير عنه فقط بمصطلح “الإسلام السياسي”. لذلك فإن الحديث عن “فشل الإسلام السياسي”  أو “نهاية الإسلام السياسي” دون تحرير المصطلح يمثل مشكلة منهجية حقيقية.

ثانياً: الخلط بين الدين والسياسة والاجتماع

كثير من الدراسات الغربية تتعامل مع الإسلام السياسي باعتباره مجرد مشروع للوصول إلى السلطة. لكن في الواقع هناك أبعاد متعددة: البعد الدعوي، البعد الاجتماعي والخيري، لبعد الثقافي والهوياتي، البعد السياسي، والبعد المقاوم أو العسكري في بعض الحالات. فإذا تراجع حزب أو سقط نظام، لا يعني بالضرورة تراجع الظاهرة الدينية أو الاجتماعية التي يستند إليها.

ثالثاً: الخلط بين فشل تجربة حكم وفشل فكرة

حتى لو افترضنا أن: تجربة الإخوان في مصر فشلت، تجربة النهضة تراجعت، العدالة والتنمية فقد جزءاً من شعبيته، فهذا لا يكفي علمياً لإعلان “نهاية الإسلام السياسي”. فالمنطق نفسه لو طبقناه على: القومية العربية بعد 1967، الليبرالية بعد الأزمة المالية 2008، و
الاشتراكية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي؛ لكان ينبغي إعلان نهايتها نهائياً، وهو ما لم يحدث. فالأفكار السياسية لا تُقاس بدورة انتخابية أو تجربة حكم واحدة.

رابعاً: تجاهل أثر البيئة السياسية

لعديد من الحركات الإسلامية لم تخرج من السلطة عبر انتخابات طبيعية أو تداول سياسي اعتيادي، بل عبر: انقلابات عسكرية، حظر قانوني، تصنيف إرهابي، اعتقالات واسعة، وإغلاق المجال العام. وبالتالي فإن السؤال العلمي ليس: هل فشلت الحركات الإسلامية؟
بل أيضاً: هل أُتيحت لها فرصة المنافسة السياسية الطبيعية أصلاً؟ وهذا سؤال غالباً ما يُهمل في بعض الكتابات الغربية.

خامساً: مشكلة الاستناد إلى استطلاعات الرأي

إذا كان المقال يستند إلى تراجع شعبية الأحزاب الإسلامية في استطلاعات الرأي، فهناك عدة ملاحظات: الرأي العام متغير بطبيعته. المزاج الانتخابي لا يساوي التحولات الفكرية العميقة.
كثير من المواطنين قد يرفضون أداء حزب إسلامي معين دون أن يرفضوا المرجعية الإسلامية نفسها. لذلك يجب الحذر عند الانتقال من: “تراجع شعبية حزب” إلى
“انتهاء مشروع فكري كامل”.

سادساً: الخلط بين الحركات الإصلاحية والحركات الجهادية

من الإشكالات المتكررة وضع: الإخوان المسلمين، النهضة، والعدالة والتنمية، في السلة نفسها مع: طالبان، القاعدة، وداعش، رغم الاختلاف الجذري في: شرعية الانتخابات، مفهوم الدولة، العلاقة مع المجتمع الدولي، وهذا الخلط يضعف أي استنتاج عام حول مستقبل الإسلام السياسي.

سابعاً: هل فعلاً انتهى الإسلام السياسي؟

القول بنهايته يبدو مبالغاً فيه لعدة أسباب: ما زالت المرجعية الإسلامية حاضرة بقوة في المجتمعات العربية والإسلامية؛ والأحزاب ذات الخلفية الإسلامية لا تزال موجودة في عدد من الدول؛ والحركات الإسلامية مرت تاريخياً بموجات صعود وهبوط متكررة؛ وكثير من القضايا التي غذّت صعودها (الهوية، العدالة، الاستقلال الوطني، مقاومة الاحتلال، الفساد) ما زالت قائمة. ودورات الفشل السياسي الأخيرة ستجبر الكثير من الاسلاميين على مراجعة أفكارهم وممارساتهم للتعبير بشكل أفضل عن الفكرة الإسلامية الاصيلة، المتجذرة في الأمة الإسلامية.
لذلك قد يكون الأدق القول: “تراجع بعض نماذج وتجارب الإسلام السياسي التقليدية” وليس
“نهاية الإسلام السياسي”.

ثامناً: نقطة تحتاج أيضاً إلى التوازن

في المقابل، هناك جانب لا ينبغي تجاهله في النقد الموضوعي، وهو أن بعض الحركات الإسلامية نفسها ارتكبت أخطاء حقيقية، منها: عدم بلورة مشاريع للتغيير الحقيقي، وليس فقط الانتخابي؛ الاستسلام للسقف الذي وضعته الدولة العميقة؛ ضعف الخبرة في إدارة الدولة؛ الاعتماد على أهل الثقة دون اهل الخبرة؛ سوء بناء التحالفات؛ عدم تطوير برامج اقتصادية وإدارية مقنعة؛ والمبالغة في الرهان على الشرعية الانتخابية وحدها. لذلك لا يمكن تفسير كل الإخفاقات بعوامل خارجية فقط، كما لا يمكن تفسيرها كلها بأخطاء داخلية فقط.

الخلاصة

إذا أردنا تقييماً أكاديمياً للمقال، فربما تكون أبرز نقاط الضعف فيه: عدم تحرير مفهوم “الإسلام السياسي”؛ والخلط بين حركات واتجاهات متباينة جداً؛ والخلط بين فشل تجربة حكم وفشل فكرة؛ وتجاهل أثر القمع والانقلابات وإغلاق المجال السياسي في تفسير النتائج؛ والتوسع في الاستنتاجات اعتماداً على مؤشرات شعبية أو انتخابية مؤقتة؛ وعدم الفصل الكافي بين البعد الديني والبعد السياسي والاجتماعي.
أما الاستنتاج بأن “الإسلام السياسي انتهى” فهو استنتاج كبير يحتاج إلى أدلة أقوى بكثير من مجرد تراجع بعض الأحزاب أو إخفاق بعض التجارب خلال عقد أو عقدين، لأن الظواهر الفكرية والسياسية الكبرى عادة ما تتحول وتعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة أكثر مما تختفي نهائياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى