هجوم منسق يعصف بالنظام العسكري في مالي ويعيد رسم خريطة الصراع في الساحل

تشهد مالي واحدة من أخطر لحظاتها منذ انقلاب عام 2020، بعد سلسلة هجمات منسقة وغير مسبوقة ضربت العاصمة باماكو ومناطق استراتيجية في الشمال والوسط، (ارجع لبوست المعهد المنشور منذ أسبوع) في ما يمكن وصفه بـ “زلزال عسكري” هزّ أركان النظام الحاكم وكشف هشاشة بنيته الأمنية والعسكرية. فجر ما بات يُعرف بـ“السبت الأسود”، تحولت البلاد إلى مسرح عمليات متزامنة، امتدت من كيدال شمالًا إلى تخوم باماكو، في مشهد يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على تعدد الجبهات وتداخل الفاعلين.
هجوم متعدد الجبهات يربك الدولة
الهجمات التي استهدفت مواقع حساسة، بينها مطار موديبو كيتا وقاعدة كاتي العسكرية ومقار قيادية، جاءت ضمن تنسيق غير مسبوق بين جماعات جهادية مرتبطة بتنظيم القاعدة، وعلى رأسها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، وفصائل انفصالية من الطوارق مثل “جبهة تحرير أزواد”. وقد ترافقت هذه العمليات مع إعلان السيطرة على مدينة كيدال، المعقل التاريخي للحركات الأزوادية، إلى جانب تحركات قتالية في جاو وموبتي وسيفاري، ما أعاد الشمال المالي إلى واجهة النزاع المفتوح بعد فترة من الجمود النسبي.
هذا التزامن بين الجبهات، إضافة إلى استهداف مراكز القرار في العاصمة، يشير إلى مستوى عالٍ من التنسيق العملياتي، وربما اختراق استخباراتي عميق مكّن المهاجمين من تنفيذ ضربات دقيقة أربكت الجيش وأضعفت قدرته على الاستجابة السريعة.
ضربة في قلب النظام
أخطر تداعيات الهجمات تمثلت في مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، أحد أبرز أعمدة المجلس العسكري، في هجوم انتحاري استهدف مقر إقامته في كاتي. ويُعد كامارا مهندس التقارب مع روسيا وصاحب الدور المركزي في إعادة تشكيل العقيدة العسكرية لباماكو، ما يجعل غيابه “ضربة في قلب النظام” تهدد تماسكه الداخلي وتفتح الباب أمام صراعات على السلطة.
إلى جانب ذلك، تحدثت تقارير عن إصابة قيادات عسكرية بارزة، واختفاء رئيس المجلس العسكري الجنرال عاصيمي غويتا عن المشهد، ما عمّق حالة الغموض وأثار تساؤلات حول قدرة القيادة على احتواء الأزمة. كما كشفت التطورات عن تراجع دور الحليف الروسي، حيث اضطرت قوات “فيلق أفريقيا” (فاغنر سابقًا) إلى الانسحاب من بعض المواقع في الشمال، في مؤشر على انهيار التنسيق الميداني.
تحالفات غير مألوفة تعيد تشكيل المشهد
اللافت في هذا التصعيد هو التقارب غير المسبوق بين الجماعات الجهادية والانفصالية، إذ أقرت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” بتنسيقها مع “جبهة تحرير أزواد”، في خطوة تعكس براغماتية ميدانية تتجاوز التناقضات الأيديولوجية لصالح هدف مشترك يتمثل في إسقاط النظام العسكري.
هذا التحالف يعيد إلى الأذهان تجربة عام 2012، حين تمكنت قوى مشابهة من السيطرة على أجزاء واسعة من شمال البلاد، قبل أن تتفكك لاحقًا. إلا أن السياق الحالي يبدو أكثر تعقيدًا، في ظل غياب قوة دولية حاسمة، وتراجع الدور الفرنسي، وتردد الحلفاء الإقليميين.
نظام مأزوم وتحالفات مهتزة
تكشف الهجمات الأخيرة عن أزمة عميقة داخل النظام العسكري، الذي فقد خلال ساعات جزءًا مهمًا من “نواته الصلبة”، بين قتيل ومصاب ومتوارٍ، ما دفع قوى معارضة إلى المطالبة باستقالته وتشكيل سلطة انتقالية مدنية. كما وضعت الأحداث تحالف دول الساحل (مالي–النيجر–بوركينا فاسو) أمام اختبار صعب، بعد غياب أي دعم عسكري ملموس خلال ذروة الهجمات، ما يطرح تساؤلات حول فعالية هذا التحالف في مواجهة التهديدات المشتركة.
نحو مرحلة مفتوحة من الصراع
في المحصلة، لا تمثل أحداث “السبت الأسود” مجرد تصعيد عسكري عابر، بل نقطة تحول قد تعيد رسم موازين القوى في مالي ومنطقة الساحل ككل. فالتداخل بين الجماعات المسلحة، وضعف الدولة، وتراجع الدعم الخارجي، كلها عوامل تدفع نحو سيناريوهات مفتوحة، تتراوح بين انهيار تدريجي للنظام، أو انزلاق البلاد إلى صراع شامل متعدد الأطراف.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى مالي أمام مفترق طرق حاسم: إما إعادة بناء الدولة عبر تسوية سياسية شاملة، أو استمرار الانحدار نحو فوضى أمنية قد تمتد تداعياتها إلى كامل منطقة غرب إفريقيا (انظر).




