إيران لم تنتهِ بعد.. روبرت بايب يحذر : الشرق الأوسط بعيد تماماً عن الاستقرار

في 30 يونيو 2026، بثت قناة بريكنج بوينتس (Breaking Points)على يوتيوب، وهي قناة إخبارية وتحليلية سياسية مستقلة تحظى بشعبية كبيرة في الأوساط الأمريكية والعالمية، حلقة هامة بعنوان: “إيران لم تنتهِ بعد: روبرت بايب يحذر من آلام اقتصادية وشيكة”. ومن المعروف أن كوكبة من الصحفيين والمعلقين الأمريكيين البارزين يقومون بالمشاركة في تقديم التقارير والمناقشات التي يتم بثها على القناة.
ويقدم هذه الحلقة على القناة كل من كريستال بول (Krystal Ball)، وهي مُعلقة سياسية أمريكية ومُقدمة بودكاست سياسي ذات توجه يساري؛ وإميلي جاشينسكي (Emily Jashinsky)، وهي صحفية ومُعلقة وناقدة إعلامية أمريكية، معروفة بعملها في وسائل الإعلام المحافظة والتحليل السياسي – حيث تستضيفان البروفيسور روبرت بايب (Robert Pape)، أستاذ العلوم السياسية البارز في جامعة شيكاغو، ويُعد من أهم الخبراء العالميين في مجالات الأمن الدولي، الاستراتيجيات العسكرية، وقضايا الإرهاب؛ والذي اشتهر مؤخراً بمقالاته ومداخلاته حول نموذجه التحليلي الذي أطلق عليه “فخ التصعيد”، وطبقه على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على إيران.

نستعرض في هذا التقرير المحتوى الهام الذي تمت مناقشته في الحلقة حول الوضع الحالي بخصوص الحرب على إيران بعد اتفاق وقف النار الهش الذي تم التوصل إليه، والمفاوضات الصعبة والمتعثرة الدائرة، وتداعيات ذلك على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، وذلك على النحو التالي:
في البداية، يقول البروفيسور روبرت بايب أنه على الرغم من وقف إطلاق النار الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، واستئناف المفاوضات الدبلوماسية بوساطة جهات إقليمية، فإن الشرق الأوسط لا يزال بعيداً تماماً عن الاستقرار.
ففي حديثه حذر بايب من تفسير الهدوء الحالي في المواجهات العسكرية على أنه نهاية للأزمة. حيث يرى أن الصراع قد دخل ما يسميه “المرحلة الوسطى” من فخ التصعيد، وهي مرحلة يتحول فيها الصراع العسكري إلى إكراه اقتصادي، ومناورات استراتيجية، وضغط متزايد على جميع الأطراف.
ووفقاً لبايب، فقد افترض العديد من المراقبين خطأً أن التوترات بين الطرفين ستتلاشى تلقائياً بمجرد توقف القصف الأمريكي والرد من جانب إيران. لكنه يؤكد أن هذا الافتراض يُسيء فهم ديناميكيات الصراع فهماً جوهرياً. فالحروب لا تنتهي بمجرد توقف أحد الأطراف عن العمليات العسكرية، بل تستمر حتى يقبل جميع الأطراف الرئيسية بتوازن جديد للقوى. وحتى ذلك الحين، يواصل كل طرف البحث عن أشكال جديدة من النفوذ لتعزيز موقفه التفاوضي. وبحسب التقييم الذي قدمه بايب، فربما تمتلك إيران الآن أكبر مصدر نفوذ لها ليس عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل عبر أحد أهم الممرات المائية ذات الأهمية الاستراتيجية في العالم، ألا وهو مضيق هرمز.
مضيق هرمز
يحتل مضيق هرمز مكانةً بارزةً في الجغرافيا السياسية العالمية. فهذا الممر الضيق الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان يُعدّ الطريق الرئيسي لتصدير جزء كبير من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. يومياً، حيث تعبر عشرات ناقلات النفط المضيق، مُزوّدةً آسيا وأوروبا وغيرها من الأسواق الدولية بالطاقة.
فعلى مدى عقود، امتلكت إيران القدرة على تهديد هذا الممر البحري. ورغم أن إغلاق المضيق نهائياً سيضر أيضاً بالاقتصاد الإيراني، إلا أن طهران تُدرك منذ زمن طويل أنه حتى الاضطرابات المحدودة قد تُؤدي إلى عواقب وخيمة على أسعار الطاقة العالمية.
وخلال النقاش الذي جرى مع روبرت بايب، عرضت مقدمتا البرنامج كريستال بول و إميلي جاشينسكي تصريحات لمستشار عسكري إيراني يُوضح فيها أن طهران تعتزم فرض رسوم مرتبطة بالحفاظ على الأمن وحماية البيئة والتغطية التأمينية للسفن العابرة لمضيق هرمز. وعلى المستوى الرسمي، تُقدّم هذه الرسوم على أنها رسوم خدمات تهدف إلى تعويض إيران عن حماية أحد أكثر طرق الشحن ازدحاماً في العالم. ويعتقد بايب أن هذه الرسوم المقترحة تتجاوز بكثير مجرد التكاليف الإدارية أو الربح المادي المباشر؛ بل إنها ترمز إلى محاولة إيران تحويل نفوذها العسكري إلى تأثير سياسي واقتصادي طويل الأمد.
الضغط الاقتصادي
وبحسب روبرت بايب، تختلف استراتيجية إيران الحالية اختلافاً كبيراً عن افتراضات العديد من المراقبين الغربيين. فبدلاً من السعي إلى عودة فورية إلى صراع عسكري شامل، يبدو أن طهران عازمة على الحفاظ على قدر كافٍ من عدم اليقين لمواصلة الضغط على الاقتصاد الدولي؛ إذ يمكن لاضطرابات طفيفة في حركة الشحن، وتهديدات انتقائية، واحتمالية تجدد العنف، أن تُحدث زيادات كبيرة في تكاليف النقل، وأقساط التأمين، وأسعار النفط العالمية، دون الحاجة إلى أن تُشن إيران حرباً تقليدية. وتتيح هذه الاستراتيجية لطهران فرض تكاليف على خصومها مع تجنب المخاطر الجسيمة المرتبطة بالمواجهة العسكرية المباشرة.
ويرى بايب أن هذا يعكس منطق نظريته الأوسع نطاقاً حول “فخ التصعيد”. ففي مثل هذه الحالات، لا يرغب أي من الطرفين بالضرورة في حرب كبرى. بل يزيد كل منهما الضغط تدريجياً بطرق تهدف إلى تحسين موقفه التفاوضي. وللأسف، غالباً ما تُولّد هذه التحركات التدريجية زخماً خاصاً بها، مما يجعل من الصعب على أي من الطرفين الانسحاب تماماً. وبدلاً من إنهاء الصراع، لا تؤدي الهدنات المؤقتة إلا إلى نقل المنافسة إلى ساحات جديدة.
فخ التصعيد
يُعدّ مفهوم “فخ التصعيد” أمراً أساسياً في التحليل الذي قدمه روبرت بايب، وهو نموذج للصراع طوّره بنفسه لتفسير استمرار الصراعات الحديثة في كثير من الأحيان رغم وجود فرص واضحة للسلام. تبدأ النظرية بملاحظة بسيطة، وهي: يحتفظ كل طرف بقدرته على اتخاذ قرارات مستقلة. فحتى لو أوقف أحد الأطراف العمليات العسكرية، يستمر الطرف الآخر في السعي لتحقيق أهدافه الاستراتيجية. وبخصوص الأزمة الراهنة، افترض العديد من المعلقين أنه بمجرد أن يوقف الرئيس دونالد ترامب عمليات القصف على إيران، سترد إيران بالمثل بخفض التوترات.
ولكن بايب يرفض هذا الافتراض. حيث يجادل بأن إيران لا تكتفي بالرد على القرارات الأمريكية، بل لديها أهدافها وجدولها الزمني الخاص؛ فبدلاً من التخلي عن نفوذها بمجرد توقف القصف، دخلت طهران المرحلة التي يكون فيها نفوذها في ذروته. ويكمن السبب في أسواق الطاقة العالمية. فمع انخفاض مخزونات النفط العالمية تدريجياً بمرور الوقت، تصبح الاضطرابات ذات أهمية متزايدة. ففي فترات وفرة الإمدادات، نعم يمكن استيعاب الانقطاعات المؤقتة بسهولة نسبية. إلا أنه مع تقلص المخزونات، فحتى القيود البسيطة التي تُفرض على تدفقات النفط قد تُولّد عواقب اقتصادية وخيمة. ويحذر بايب من أن هذه الديناميكية قد بدأت بالفعل.
طموحات إيران
تناول النقاش أيضاً مقدار رسوم الشحن التي اقترحتها إيران. ووفقاً لبايب، فقد اقترحت إيران سابقاً فرض رسوم تُقدّر بنحو مليوني دولار أمريكي لكل ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز، وبما أن نحو خمسين ناقلة نفط تغادر المضيق يومياً، فإن مثل هذا النظام قد يُدرّ نحو مئة مليون دولار أمريكي كإيرادات يومية من عبور المضيق. وعلى مدار عام كامل، سيصل هذا المبلغ إلى نحو ستة وثلاثين مليار دولار أمريكي، هذا فضلاً عن عائدات صادرات النفط الإيرانية، وأي تخفيف أخر للعقوبات الدولية.
ويُشير بايب إلى أن هذه الأرقام تُبيّن أن النزاع يتجاوز بكثير نطاق الشحن التجاري. بل إنه يتعلق بتوزيع السلطة في منطقة الخليج العربي مستقبلاً. فإيران لا تسعى ببساطة إلى تحصيل رسوم مقابل الخدمات البحرية، بل تسعى إلى الاعتراف بها كقوة إقليمية مهيمنة قادرة على تنظيم أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم. وتتعارض هذه الطموحات حتماً مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية.
رؤى متنافسة
ويؤكد بايب أن النزاع الحالي لا يُمكن فهمه فقط من خلال منظور المفاوضات النووية أو سياسة العقوبات. بل يعكس هذا صراعاً أوسع نطاقاً على الزعامة الإقليمية، حيث تنظر إيران إلى نفسها بشكل متزايد باعتبارها القوة المهيمنة الطبيعية في الخليج العربي.
فعلى مدى عقود، لعبت الولايات المتحدة دور الضامن الأمني الخارجي الرئيسي لأنظمة الحكم الملكية في الخليج، مع احتفاظها بتفوق عسكري لا يُضاهى في جميع أنحاء المنطقة. وفي الوقت نفسه، سعت إسرائيل إلى توسيع نفوذها الاستراتيجي في أعقاب اتفاقيات التطبيع مع العديد من الدول العربية وقدراتها العسكرية المتنامية.
وتمتلك هذه الأطراف الثلاثة – إيران والولايات المتحدة وإسرائيل – رؤًى متضاربة جوهرياً حول مستقبل البنية الأمنية في الشرق الأوسط. ووفقاً لبايب، فإن هذا الخلاف حول ميزان القوى الإقليمي يُشكل المصدر الحقيقي للأزمة الراهنة. لذا، فإن المفاوضات الجارية حالياً ليست مجرد مناقشات فنية حول عمليات التفتيش النووي أو تخفيف العقوبات. بل هي محاولات لتحديد الدولة – أو مجموعة الدول – التي ستمارس القيادة الاستراتيجية طويلة الأمد في واحدة من أهم المناطق الجيوسياسية في العالم.
وإلى أن يتم حل هذه المسألة بما يرضي جميع الأطراف الرئيسية، يعتقد بايب أن السلام الحقيقي سيظل بعيد المنال. قد يكون وقف إطلاق النار الحالي قد أوقف المواجهة العسكرية المباشرة، لكنه لم يقضِ على التنافس الاستراتيجي الكامن، بل تحوّلت ساحة المعركة من الغارات الجوية وتبادل الصواريخ إلى النفوذ الاقتصادي، والسيطرة البحرية، والضغط المتراكم تدريجياً.
وبدلاً من الاقتراب من تسوية نهائية، قد يدخل الشرق الأوسط بالتالي في مرحلة مطولة يحلّ فيها الإكراه الاقتصادي محل الحرب المفتوحة كأداة رئيسية للتنافس. ومع ذلك، وكما يحذر باب مراراً، غالباً ما تثبت هذه المراحل خطورتها البالغة، تماماً كالحرب التقليدية، لأنها تخلق حوافز مستمرة لمزيد من التصعيد دون أن تُسهم في حلّ أيٍّ من النزاعات الأساسية حلاً جذرياً.
وبينما يُمثّل مضيق هرمز المصدر الرئيسي للنفوذ الاقتصادي الإيراني، فإن البروفيسور روبرت بايب يرى أن هناك ساحة أخرى لا تقل أهمية تقع على بُعد مئات الكيلومترات غرباً، ألا وهي لبنان. ويرى أن التطورات هناك ليست هامشية في الصراع، بل هي جوهرية لفهم سبب هشاشة الدبلوماسية وعدم تحوّل وقف إطلاق النار إلى سلام دائم.
وخلال الحوار، تحوّل التركيز إلى استعراض تقارير تفيد باستمرار إسرائيل في شنّ عمليات عسكرية في جنوب لبنان رغم إطار وقف إطلاق النار المُعلن عنه في أواخر شهر يونيو. ورغم أن الاتفاق كان يهدف إلى خفض حدة الأعمال العدائية، إلا أن التقارير عن الضربات المدفعية والنشاط العسكري المستمر تشير إلى أن تنفيذه لم يكتمل. ويرى بايب أن هذه التطورات ليست حوادث معزولة، بل دليل على خلاف أعمق بكثير حول النظام الإقليمي ما بعد الحرب.
لبنان
ينظر العديد من المراقبين إلى لبنان بشكل أساسي من منظور المواجهة الإسرائيلية الطويلة الأمد مع حزب الله. إلا أن البروفيسور بايب يرى أن لبنان يحتل دوراً استراتيجياً أوسع بكثير. وفي تفسيره لذلك، يقول بايب إن لبنان يُشكّل جزءاً أساسياً من مجال النفوذ الذي تسعى إيران إلى تحقيقه. فإذا كانت طهران تأمل في أن تصبح القوة الإقليمية المهيمنة، فإنها لا تحتاج فقط إلى قوة عسكرية ومرونة اقتصادية، بل أيضاً إلى عمق استراتيجي موثوق يتجاوز حدودها.
ويساعد هذا المنظور في تفسير سبب تركيز القادة الإيرانيين الشديد على التطورات داخل لبنان حتى في ظل استمرار المفاوضات مع واشنطن. فبحسب بايب، لا تسعى إيران إلى مجرد النفوذ الأيديولوجي من خلال علاقتها طويلة الأمد مع حزب الله، بل تنظر إلى جنوب لبنان كمنطقة عازلة استراتيجية وموقع متقدم يعزز مكانتها الإقليمية الأوسع. وبالتالي، فإن أي مسعى إسرائيلي للحفاظ على وجود عسكري طويل الأمد في جنوب لبنان يمثل تحدياً مباشراً للطموحات الإيرانية. ومن وجهة نظر طهران، فإن مثل هذا التطور سيشير إلى أن ميزان القوى الإقليمي لم يتغير جوهرياً رغم المفاوضات الأخيرة.
ميزان القوى
أكد روبرت بايب مراراً بأن الحروب لا تنتهي فعلياً بتوقف إطلاق النار؛ بل إنها تنتهي فقط عندما تقبل الأطراف الرئيسية بتوازن سياسي وعسكري جديد، وهذا التمييز الهام هو جوهر تحليله للموقف الحالي. فقد يُخفف إطار وقف إطلاق النار من حدة العنف مؤقتاً، لكنه ما لم يحل الصراع الأساسي على النفوذ الإقليمي، فإنه يؤجل المواجهة المستقبلية فحسب. ووفقاً لبايب، هذا ما يبدو أنه يحدث بالفعل.
وقد عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علناً إطاراً أمنياً من شأنه أن يُبقي فعلياً على المواقع العسكرية الإسرائيلية في أجزاء من جنوب لبنان، فمن وجهة نظر إسرائيل، يوفر هذا الترتيب أمناً مستمراً ضد حزب الله ويحافظ على المرونة العملياتية.
ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تُفسر إيران هذا الأمر بهذه الإيجابية. بل قد تنظر طهران إلى هذه الانتشارات على أنها انتهاك للتفاهم الأوسع الذي كانت تتوقعه من مفاوضات وقف إطلاق النار. ويرى بايب أن هذا الخلاف لا يقتصر على مواقع القوات أو المخاوف العسكرية التكتيكية فحسب، بل يعكس رؤى متنافسة حول من سيُشكل النظام السياسي المستقبلي في بلاد الشام والشرق الأوسط عموماً.
أهمية لبنان تتجاوز حزب الله
تمثل أهمية لبنان في البنية التحتية الإقليمية للطاقة بُعداً إضافياً لبيروت تتجاوز مسألة حزب الله. فعلى الرغم من أن معظم النقاشات العامة تتمحور حول القضايا العسكرية، أشار بايب إلى أن لبنان قد يكتسب أهمية أكبر في نهاية المطاف إذا تم إنشاء خطوط أنابيب طاقة جديدة عبر سوريا لنقل المواد الهيدروكربونية نحو البحر الأبيض المتوسط، مما قد يقلل الاعتماد على مضيق هرمز.
وإذا تحققت هذه المشاريع، سيصبح لبنان أكثر قيمة استراتيجية. وستوفر شبكة إيران الحالية من الحلفاء والشركاء في لبنان وسيلة إضافية للتأثير على مسارات الطاقة المستقبلية، مما يسمح لطهران ببسط نفوذها خارج الخليج العربي. وبهذا المعنى، لا يعمل لبنان كمجرد جبهة أخرى في تنافس إقليمي مستمر، بل كعنصر من عناصر البنية الاستراتيجية الإيرانية طويلة الأمد. ويرى بايب أن فهم هذا السياق الأوسع يساعد في تفسير سبب عدم رغبة طهران في تقديم تنازلات بشأن قضايا يعتبرها العديد من المراقبين الخارجيين ثانوية نسبياً.
استمرار الحشد العسكري الأمريكي
بينما استمرت المحادثات الدبلوماسية، فإن الصورة العسكرية تُظهر صورة أكثر حذراً. حيث تشير صور الأقمار الصناعية والمعلومات المتاحة للعموم إلى أن الولايات المتحدة تواصل تعزيز وجودها العسكري في منطقة الخليج. وقد وردت أنباء عن وصول طائرات إضافية للتزود بالوقود جواً إلى القواعد الجوية الإقليمية، مما يعزز قدرة القوة الجوية الأمريكية على تنفيذ عمليات متواصلة لمسافات طويلة. وتواصل القيادة المركزية الأمريكية نشر عشرات الآلاف من الأفراد في جميع أنحاء المنطقة، مدعومين بحاملات الطائرات وشبكات الإمداد اللوجستي وأصول الاستخبارات وأنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة.
ويرى بايب أن هذه التطورات تستحق اهتماماً أكبر بكثير من الخطابات السياسية. ويحذر من المبالغة في التركيز على التصريحات العامة أو خطابات الحملات الانتخابية أو منشورات وسائل التواصل الاجتماعي مع تجاهل الانتشار العسكري الملحوظ. حيث تُعد تحركات القوات والاستعدادات اللوجستية وتوسيع البنية التحتية مؤشرات أكثر موثوقية على نوايا الحكومة من الرسائل السياسية الموجهة للجمهور المحلي.
ومن هذا المنظور، يشير استمرار الحشد الأمريكي إلى أن واشنطن تستعد للحفاظ على خياراتها العسكرية حتى في الوقت الذي تسعى فيه إلى التفاوض. وبعبارة أخرى، تتقدم الدبلوماسية والاستعداد العسكري معاً بدلاً من أن يحل أحدهما محل الآخر.
القيود العملياتية أمام واشنطن
ومع ذلك، فإن الحفاظ على القدرات العسكرية لا يعني بالضرورة الرغبة في استئناف القتال واسع النطاق. ويعتقد بايب أن الرئيس ترامب يفضل بشدة تجنب حملة قصف واسعة النطاق أخرى، لكن التفضيلات لا تحدد النتائج دائماً. فأحد القيود العملياتية المهمة يتعلق بالمجال الجوي الإقليمي. فبحسب بايب، فإن قرارات المملكة العربية السعودية بشأن استخدام مجالها الجوي تؤثر بشكل كبير على المرونة العملياتية الأمريكية؛ فالعمليات العسكرية ضد إيران لا تعتمد فقط على القدرات الأمريكية، بل أيضاً على تعاون الشركاء الإقليميين الذين قد تختلف حساباتهم السياسية.
هذه الحقائق اللوجستية تُعقّد أي افتراض بأن واشنطن تستطيع ببساطة استئناف العمليات الجوية واسعة النطاق متى شاءت. فالدبلوماسية الإقليمية، وحساسيات الحلفاء، وإمكانية الوصول العملياتي، كلها عوامل تُشكّل التخطيط العسكري بطرق غالباً ما يتم تجاهلها في النقاش العام.
وهم الصراع القصير
ولعلّ أبرز ما في التحليل الذي قدمه البروفيسور روبرت بايب هو رفضه للتوقع السائد بأن الأزمة ستزول قريباً. ويجادل بأن العديد من صانعي السياسات والمعلقين ما زالوا يفكرون على أساس أيام أو أسابيع. لكن الأدلة تشير إلى شهور، أو ربما سنوات. فبحسب بايب، دخل الصراع شهره الخامس بالفعل، على الرغم من التوقعات السابقة بنهاية سريعة للعمليات العسكرية. ويرى أن هذا يُجسّد تماماً منطق فخ التصعيد.
وغالباً ما يفترض القادة السياسيون أن العمل العسكري المحدود كفيل بتحقيق نتائج استراتيجية سريعة. وعندما يتبين عدم واقعية هذه التوقعات، تجد الحكومات نفسها أمام خيارين غير مرغوب فيهما: إما التصعيد أو قبول نتائج لا ترقى إلى مستوى أهدافها الأصلية.
ولا يُعد أي من الخيارين مُرضياً سياسياً. ونتيجةً لذلك، تميل الصراعات إلى الاستمرار في حالة انتقالية مضطربة تتسم بعمليات عسكرية دورية، ومفاوضات دبلوماسية، وضغوط اقتصادية، واستمرار حالة عدم اليقين. ويُشير بايب إلى هذه الفترة بـ “المرحلة الانتقالية”. وعلى عكس المرحلة الافتتاحية الدرامية التي تتسم بالغارات الجوية وتبادل الصواريخ، لا تحظى المرحلة الانتقالية باهتمام إعلامي كبير. ومع ذلك، غالباً ما يتحدد المسار طويل الأمد للصراع خلال هذه المرحلة.
التصعيد من خلال الاستمرار
ومن السمات المهمة للمرحلة الانتقالية أن التصعيد لا يتطلب بالضرورة شنّ هجمات جديدة دراماتيكية. وبدلاً من ذلك، يمكن أن يظهر ذلك تدريجياً من خلال التكاليف الاقتصادية المستمرة، والانتشار العسكري، والضغط السياسي. فقد لا تسعى إيران إلى العودة إلى حرب شاملة. وبالمثل، قد ترغب الولايات المتحدة في تجنب حملة عسكرية مطولة أخرى. ومع ذلك، يواصل كل طرف اتخاذ إجراءات تدريجية تهدف إلى تعزيز موقفه التفاوضي.
وقد تبدو هذه القرارات الفردية محدودة عند النظر إليها بمعزل عن بعضها. لكنها مجتمعة، تزيد باستمرار من احتمالية تجدد المواجهة. ويرى بايب أن هذه الديناميكية تفسر سبب بقاء وقف إطلاق النار الحالي هشاً للغاية. فلا تزال القوات العسكرية منتشرة. ويستمر الضغط الاقتصادي في التصاعد. ولا تزال النزاعات الإقليمية دون حل ناجع. والأهم من ذلك، أن أياً من الأطراف الرئيسية – الولايات المتحدة، أو إيران، أو إسرائيل – لم يقبل الرؤية الاستراتيجية للطرف الآخر.
تجاوز الخطاب السياسي
طوال النقاش الذي دار عبر هذه الحلقة، حثّ روبرت بايب المراقبين باستمرار على التمييز بين الرسائل السياسية والواقع الملموس على الأرض؛ حيث يسعى القادة بطبيعة الحال إلى طمأنة الجماهير المحلية بأن الأزمات تقترب من نهايتها أو أن المفاوضات تسير على نحوٍ ناجح. إلا أن الانتشار العسكري والاستعدادات اللوجستية والتحالفات الإقليمية غالباً ما تُشير إلى عكس ذلك.
وفي تقديره للموقف، يرى بايب أن استمرار تعزيز القوات الأمريكية في جميع أنحاء الخليج يُظهر أن واشنطن نفسها تُدرك احتمالية تصعيد الموقف. وبالمثل، تُشير الاستراتيجية الاقتصادية الإيرانية وإصرارها المستمر على إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية إلى أن طهران تُحضّر لمنافسة استراتيجية طويلة الأمد بدلاً من مصالحة فورية.
وبعيداً عن دخول مرحلة ما بعد الصراع، قد يكون الشرق الأوسط بالتالي مُتجهاً نحو مرحلة أكثر خطورة، مرحلة هدأت فيها الحرب المفتوحة مؤقتاً، لكن الأسباب الهيكلية للمواجهة لا تزال قائمة. فوفقاً لبايب، غالباً ما تكون هذه “اللعبة الوسطى” هي المرحلة الأكثر غموضاً على الإطلاق.
وقد يُشجع الاعتقاد بأن الأزمة قد انتهت على التراخي، لا سيما في ظل تصاعد التوترات الاستراتيجية بهدوء. فالحشد العسكري مستمر، والتحالفات الإقليمية لا تزال غير مستقرة، وكل طرف ينتظر الفرص لتحسين موقفه دون الانزلاق إلى حرب شاملة أخرى. نعم قد تبدو هذه الفترات هادئة ظاهرياً، لكن التاريخ يُظهر مراراً على أنها غالباً ما تُهيئ الظروف لظهور صراعات أوسع نطاقاً بشكل غير متوقع.
ومع اقتراب الحلقة من نهايتها، حوّل البروفيسور روبرت النقاش من التطورات العسكرية والدبلوماسية المباشرة إلى ما يعتقد أنه الصراع الاستراتيجي الأوسع الذي سيُشكّل الشرق الأوسط خلال الأشهر والسنوات القادمة. فبينما يُواصل العديد من المحللين التركيز على وقف إطلاق النار، والمفاوضات، أو احتمال تجدد حملات القصف، يرى بايب أن الأهم هو استراتيجية إيران طويلة الأمد لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
ففي رأيه، لا تسعى طهران إلى تحقيق نصر عسكري حاسم على الولايات المتحدة. بل إنها تنتهج حملة تدريجية تهدف إلى زيادة التكاليف الاقتصادية والسياسية للحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي المكثف في الخليج العربي. ويعتقد بايب أن هذه الاستراتيجية تعكس فهماً متأنياً بأن الحروب غالباً لا تُحسم بانتصارات ساحة المعركة وحدها، بل بالطرف الأكثر استعداداً – وقدرة – على خوض منافسة طويلة الأمد.
حرب صمود لا غزو
أكد بايب أكثر من مرة أثناء الحوار أن قادة إيران يفكرون على مدى سنوات لا مدى أسابيع. وهذا المنظور طويل الأمد يميز نهج طهران عن الدورات السياسية الآنية التي تؤثر على صنع القرار في واشنطن. إذ يتعين على الإدارات الأمريكية التعامل مع الانتخابات، وتغير الرأي العام، والمناقشات البرلمانية، والتدقيق الإعلامي المستمر. وفي المقابل، غالباً ما يضع صناع القرار الإيرانيون قراراتهم الاستراتيجية ضمن أفق تاريخي أطول بكثير.
ووفقاً لبايب، فإن هذا الاختلاف في الأطر الزمنية السياسية يخلق ميزة كبيرة لطهران. فبدلاً من محاولة هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، تسعى إيران إلى إقناع صناع القرار الأمريكيين والرأي العام الأمريكي بأن تكاليف البقاء متورطة بعمق في المنطقة تفوق أي فوائد محتملة. ويعكس هذا الهدف الاستراتيجية التي طالما استخدمتها القوى الأضعف عبر التاريخ عند مواجهة خصوم متفوقين عسكرياً. فبدلاً من مواجهة القوة العسكرية التقليدية، تسعى هذه القوى إلى استغلال الإرهاق السياسي، والأعباء الاقتصادية، وتراجع الدعم الشعبي.
المعاناة الاقتصادية
يكمن جوهر تحذير روبرت بايب في احتمال أن يصبح الضغط الاقتصادي الأداة الرئيسية التي تستخدمها إيران للإكراه. وكما ذُكر سابقاً في هذا التحليل، لا يشترط أن تؤدي الاضطرابات التي تؤثر على مضيق هرمز إلى إغلاق كامل للممر المائي لإحداث عواقب وخيمة. فحتى التدخل المحدود في حركة الملاحة البحرية كفيلٌ برفع تكاليف النقل وأقساط التأمين وأسعار الطاقة في الاقتصاد العالمي.
ويرى بايب أن هذه القدرة على التأثير ستزداد أهمية مع استمرار انخفاض مخزونات النفط العالمية. وإذا ما وصلت المخزونات إلى مستويات حرجة، فإن اضطرابات طفيفة نسبياً قد تُحدث صدمات اقتصادية هائلة. ولن تقتصر هذه التطورات على الدول المستوردة للطاقة فحسب، بل ستمتد آثار ارتفاع أسعار الوقود لتشمل قطاعات النقل والتصنيع والزراعة والأسواق الاستهلاكية، مما يُسهم في زيادة الضغوط التضخمية في معظم أنحاء العالم.
فمن وجهة نظر طهران، تخدم هذه التكاليف الاقتصادية غرضاً استراتيجياً. فبدلاً من إلحاق الضرر لمجرد الضرر، تسعى إيران إلى إقناع واشنطن بأن استمرار الضغط العسكري في الخليج أصبح غير مُستدام سياسياً واقتصادياً.
عودة قضية السلاح النووي
ولعلّ أكثر جوانب التحليل الذي قدمه روبرت بايب إثارةً للقلق هو سعي إيران المحتمل في المستقبل لامتلاك سلاحاً نووياً. حيث أشار بايب خلال المقابلة إلى تصريحات علنية صدرت مؤخراً عن عناصر في الحرس الثوري الإسلامي، تُلمّح إلى ضرورة سعي البلاد نحو امتلاك رادع نووي فعّال. ومع أن بايب حرص على عدم الإيحاء بأن هذا التطور وشيك، إلا أنه، مع ذلك، يعتقد أن الدوافع التي تدفع إيران نحو امتلاك قدرة نووية قد ازدادت قوةً لا ضعفاً.
فمن وجهة نظر طهران، تُعزز الأحداث الأخيرة المخاوف الأمنية القائمة منذ زمن طويل. ولا يزال القادة الإيرانيون ينظرون إلى الولايات المتحدة وإسرائيل على أنهما تهديدان وجوديان قادران على استهداف قيادة البلاد وبنيتها التحتية العسكرية. في ظل هذه الظروف، يصبح منطق امتلاك رادع نووي موثوق به أكثر إقناعاً داخل المؤسسة الاستراتيجية الإيرانية. ويرى بايب أن هذه القضية لا يُمكن حلّها بالدبلوماسية وحدها. فإذا خلصت إيران في نهاية المطاف إلى أن الأسلحة النووية وحدها هي التي تضمن بقاء النظام ونفوذه الإقليمي، فقد تُبطئ المفاوضات العملية، لكنها لن تُزيل بالضرورة الدافع الكامن وراءها.
خيار صعب لواشنطن
بالنسبة لإدارة ترامب، يُشكّل هذا الاحتمال معضلة استراتيجية عميقة. إن قبول امتلاك إيران قدرة نووية سيترتب عليه عواقب سياسية وخيمة على الصعيدين الداخلي والدولي. إلا أن منع ذلك قد يتطلب مستويات من الالتزام العسكري تبدو واشنطن مترددة بشكل متزايد في القيام بها. وقد صاغ بايب هذا التحدي بعبارات واضحة؛ حيث أشار إلى أنه في حال نجحت إيران في إجراء تجربة نووية، فإن ذلك سيُعيد تشكيل التصورات حول إرث الرئيس ترامب في السياسة الخارجية بشكل جذري.
وبغض النظر عن العمليات العسكرية السابقة أو المبادرات الدبلوماسية، فمن المرجح أن يحكم التاريخ على الإدارة الأمريكية بناءً على ما إذا كانت قد نجحت في منع إيران من الظهور كقوة إقليمية نووية أم فشلت في ذلك. ويُفسر هذا الاحتمال سبب بقاء المفاوضات الحالية ذات أهمية بالغة على الرغم من الانخفاض الظاهر في حدة الأعمال العدائية. ولم تختفِ الأسئلة الاستراتيجية المحورية، بل أصبحت أكثر صعوبة.
ليست الدبلوماسية وحدها
من أبرز الحجج التي قدمها روبرت بايب في هذا النقاش أن الدبلوماسية وحدها لا تستطيع حل النزاعات المتعلقة بتوازن القوى الإقليمي؛ فقد تُسفر المفاوضات عن وقف مؤقت لإطلاق النار، أو تدابير لبناء الثقة، أو اتفاقيات فنية بشأن العقوبات والتفتيش، لكنها لا تستطيع تحديد الدولة التي ستُهيمن استراتيجياً على المدى الطويل في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط عموماً. وتعتمد هذه المسألة في نهاية المطاف على استعداد القوى المتنافسة لتقبّل الواقع السياسي الجديد.
ولا يرى بايب في الوقت الراهن دليلاً يُذكر على وجود مثل هذا التقبّل. فإيران تسعى لكسب الاعتراف بها كقوة إقليمية مهيمنة. ولا تزال إسرائيل مصممة على الحفاظ على تفوقها العسكري وحرية تحركها الاستراتيجية. وتواصل الولايات المتحدة محاولاتها للحفاظ على بنيتها الأمنية الراسخة في منطقة الخليج. وبذلك، تبقى هذه الأهداف متعارضة بشكل جوهري. وإلى حين تطورها، من المرجح أن تتناوب فترات الدبلوماسية مع جولات متجددة من المواجهة.
الرأي العام
هناك بُعد بالغ الأهمية في التحليل الذي قدمه بايب مرتبط بالسياسة الداخلية في الولايات المتحدة. حيث يجادل بأن إيران تدرك أنها لا تستطيع هزيمة أمريكا في ساحة المعركة. وبدلاً من ذلك، فإنها تركز استراتيجيتها على التأثير في الحسابات السياسية الأمريكية من خلال زيادة التكاليف المتوقعة للتدخل الإقليمي.
ووفقاً لبايب، يجد العديد من الأمريكيين صعوبة في تحديد مصلحة وطنية حيوية تبرر التدخل العسكري المطول في صراع آخر في الشرق الأوسط. وعلى عكس الحروب التي تُشن رداً مباشراً على الهجمات على الأراضي الأمريكية، غالباً ما تبدو المواجهة مع إيران بعيدة عن اهتمامات معظم المواطنين اليومية. وهذا يخلق فرصاً لطهران.
فمن خلال زيادة التكاليف الاقتصادية باستمرار والحفاظ على الضغط الاستراتيجي، تأمل إيران في تعزيز الحجج المؤيدة لانسحاب أمريكي تدريجي من المنطقة. ويؤكد بايب أن هذا لا ينبغي تفسيره على أنه دليل على ضعف عسكري من جانب أمريكا. بل يعكس حقيقة أن المجتمعات الديمقراطية تعيد تقييم التزاماتها الخارجية المطولة عندما يصبح من الصعب بشكل متزايد تفسير ارتباطها بالمصالح الوطنية الجوهرية.
الهدف النهائي لإيران
في تقدير روبرت بايب للموقف الحالي، فإن هدف إيران الأسمى يتجاوز بكثير مجرد الحصول على تخفيف العقوبات أو تجاوز الأزمة الحالية. وبدلاً من ذلك، تسعى طهران إلى تغيير جذري ودائم في بيئة الأمن الإقليمي. وتحديداً، تريد من الولايات المتحدة تقليص وجودها العسكري المكثف في منطقة الخليج العربي، أو إنهائه نهائياً. ومن شأن هذه النتيجة أن تُغير بشكل كبير موازين القوى الإقليمية.
فبدون الوجود المستمر لحاملات الطائرات الأمريكية وقواعدها الجوية وقواتها العسكرية، ستتمتع إيران بحرية أكبر في التأثير على مجريات الأحداث في الخليج والعراق وسوريا ولبنان والمناطق المحيطة بها. ويُفسر هذا الطموح استعداد طهران لخوض منافسة اقتصادية وسياسية طويلة الأمد. فهدفها ليس مجرد البقاء في السلطة بعد انتهاء ولاية إدارة أمريكية، بل إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي لعقود قادمة.
درس هام
طوال المقابلة أجرتها قناة Breaking Points مع البروفيسور روبرت بايب، كان بايب يعود من وقت لآخر إلى الفكرة الأساسية التي بنى عليها رؤيته حول ما يسميه “فخ التصعيد“. فبحسب رؤيته، نادراً ما تسير الصراعات وفقاً للتوقعات الأولية. وكثيراً ما يعتقد القادة السياسيون أن بإمكانهم استخدام قوة عسكرية محدودة لتحقيق أهداف محددة بدقة مع تجنب حرب أوسع نطاقاً. لكن التاريخ يُشير إلى عكس ذلك.
فكل إجراء تدريجي يُغير دوافع جميع الأطراف. وتشجع حملات القصف على الرد بالمثل. وتولّد العقوبات الاقتصادية إجراءات مضادة. ويُؤدي الانتشار العسكري إلى تعزيزات متبادلة. ويتيح وقف إطلاق النار فرصاً لإعادة التموضع الاستراتيجي بدلاً من إنهاء النزاعات بالضرورة.
وبمرور الوقت، تُولد هذه القرارات المترابطة زخمها الخاص. فما يبدأ كأزمة محدودة يتطور تدريجياً إلى مواجهة استراتيجية طويلة الأمد لم يكن أي من الأطراف يتوقعها في الأصل. وكما يرى بايب، فإن هذا ما يصف الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فيما يتعلق بالحرب على إيران. فربما يكون الخطر المباشر لحرب واسعة النطاق قد تراجع، لكن القوى الهيكلية التي تُحرك التنافس لا تزال قائمة.
الخلاصة
يقدم تحليل البروفيسور روبرت بايب بديلاً واقعياً للتفسيرات الأكثر تفاؤلاً للتطورات الدبلوماسية الأخيرة. فبدلاً من اعتبار وقف إطلاق النار نهايةً للأزمة، يرى بايب أنه لا يمثل سوى مرحلة انتقالية إلى مرحلة جديدة، وربما أكثر أهمية، من التنافس الاستراتيجي. فلم تعد ساحة المعركة الرئيسية محصورةً في تبادل الصواريخ أو الضربات الجوية، بل باتت تتمحور بشكل متزايد حول النفوذ الاقتصادي، والأمن البحري، والتأثير الإقليمي، والمواقع العسكرية، وتوازن القوى على المدى البعيد.
يرى بايب أن إيران تتبع استراتيجية صبورة تهدف إلى زيادة تكاليف استمرار التدخل الأمريكي تدريجياً، مع تعزيز مكانتها كقوة مهيمنة في الخليج العربي. وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة الموازنة بين المبادرات الدبلوماسية والاستعداد العسكري، ساعيةً إلى ردع أي تصعيد إضافي دون الوقوع في فخ حرب إقليمية طويلة الأمد أخرى.
وتبقى إسرائيل طرفاً ثالثاً مؤثراً على الأحداث، إذ تؤثر مخاوفها الأمنية وتحركاتها العسكرية تأثيراً عميقاً على حسابات كل من واشنطن وطهران. وبالتالي، تضمن هذه الأهداف المتضاربة مجتمعةً بقاء الاستقرار الحقيقي أمراً بعيد المنال.
تتمثل الرؤية الأوسع روبرت بايب في ضرورة حذر المراقبين من إغراء تفسير الهدنات المؤقتة في القتال كدليل على حل النزاعات العميقة. فالحروب غالباً ما تتطور بدلاً من أن تنتهي. وقد يفسح المواجهة العسكرية المجال للإكراه الاقتصادي، أو المساومة الدبلوماسية، أو التنافس الاستراتيجي دون معالجة جوهرية للقضايا التي أدت إلى الصراع في المقام الأول.
وسواء شهدت الأشهر المقبلة مفاوضات متجددة، أو ضغوطاً اقتصادية إضافية، أو جولة أخرى من التصعيد العسكري، فإن الكثير سيتوقف على قدرة الأطراف الفاعلة الرئيسية على التوصل في نهاية المطاف إلى تفاهم مقبول للطرفين بشأن ميزان القوى المستقبلي في الشرق الأوسط. وحتى يتبلور هذا التفاهم، يعتقد بايب أن المنطقة ستظل عرضة لأزمات متكررة، تحمل كل منها في طياتها إمكانية جرّ قوى خارجية إلى صراع جيوسياسي متزايد التعقيد والخطورة.
وفي النهاية، قد لا يتعلق تحذير بايب بالتنبؤ الدقيق بمسار الأحداث بقدر ما يتعلق بإدراك المنطق الدائم للسياسة الدولية. فنادراً ما تنتهي الصراعات بين القوى الإقليمية الكبرى بانتصارات ميدانية فحسب، بل تنتهي فقط عندما يقبل كل طرف بنظام سياسي يمكنه التعايش معه.
أما في الوقت الراهن، فلا يرى البروفيسور روبرت بايب أي أدلة تُذكر على أن الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل قد وصلت إلى تلك المرحلة. وبالتالي، فبينما قد تكون أصوات الأسلحة أقل حدة الآن مما كانت عليه قبل أسابيع قليلة، فإن الصراع الدائر على السلطة والنفوذ والميزة الاستراتيجية لم ينتهِ بعد، بحسب بايب، وهو ما نتفق معه بشكل عام، في ضوء رؤيتنا التي قدمناها في المعهد المصري للدراسات، عند اندلاع الحرب، بل وكنا نتحدث عنها حتى قبل ذلك، عن الروافع الخمسة للحرب الحالية على إيران، والتي يتحدث روبرت بايب، وغيره من أساتذة العلاقات الدولية عن إثنين فقط منهما، دولة الولايات المتحدة الأمريكية، ودولة إسرائيل.



