fbpx
دراسات

التقسيم الإسلامي للمعمورة وتراث العلاقات الدولية في الإسلام (6/3)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

إن التقسيم للمعمورة يعد أمر طبيعيا وفطرياً يتعلق بالأفراد والجماعات، وما ينشأ بينهما من تفاعل يقتضى الحكل على ” الدور” في إطار تصنيفات يترتب عليها سياسات ومواقف، وعلاقات ومناشط [1].

والعبرة ليست في أن تقوم أي جماعة أو تكوين سياسي بعملية التصنيف هذه، ولكن العبرة بمعايير التصنيف وحدوده، وجوهر العدل والاستقامة في تأسيساته فضلاً عن تطبيقاته.

ومن الأمور المهمة أن طور العدوان_ المواجهة الذى برز في مفتتح الدعوة ضمن أصول التربص العدائي والعدواني لقوى أضيرت من الدعوة بفقد جملة من مصالحها التي رأتها حيوية في ذلك الزمان، وبدا التصنيف ضمن عملية” حصار الدعوة العدائي” حديا وبسيطاً، يتناسب مع ذلك الوضع والظرف فضلاً عن ملاءمته للطور الحضاري البسيط في تكويناته  والذى اعتبر في أوانه أحوال شديدة التعقيد تطلب من المستجيبين والمتعاملين مع ذلك الوضع في عالم المسلمين آنذاك جملة من الاستجابات، واحد من أهم عناصرها الاستجابة التصنيفية على معيار الصداقة _ العداء، وقبلها معيار ” الأخوة في الدين”، بدا التصنيف الثنائي الحدي آنذاك.

ملائماً ومناسباً يحقق المقصود كاجتهاد وجهاد (الكفر ـ الإيمان) (دار الكفر ـ دار الإسلام)، كان هذا التصنيف في أوانه يعبر عن حقيقة وجوهر تمام الكلمة (الصدق في محتواها  والعدل في أوانها وزمانها). ضمن سياقات تاريخية فرضت ذلك التصنيف وربما عززته الممارسات على أرض الواقع بكل تكويناته وامتداداته وتشابكاته آنذاك.

ولكن ظن البعض أن ذلك التصنيف النابع من عناصر الضرورة الواقعية، والملاءمة في الاستجابة لإشكالات التعامل الواقعي آنذاك- ظنَّ هؤلاء ـ خاصة ممن تابعوا وأتوا بعد ذلك، أنَّ هذا التصنيف حكم مؤبد وموقف مثبت لا يطوله التغير أو التغيير، ليس في جوهره ضمن قطرية عملية التصنيف ولكن في تشكيلاته الحضارية المتبدلة زمنا بعد زمن، وفي تشابك علاقاته واتساعها والذي فرض الخروج من حال التربص العدائي، إلى حال من علاقات أرحب تتأسس على قاعدتين في كل آن (رد الاعتداء) و(فقه التدافع)، السنن الماضية في كل تشكيل يجب أن يستدركه التصنيف على مر الأزمان وتغير الأحوال وتبدل العوائد، واستحداث علاقات بقدر ما يستحدث من عالم أفكار وعالم أشياء وعالم نظم وحتى عالم الأشخاص أو التجمعات والتكوينات.

توهم الاستمرارية فيما لا يستمر أو ما استحدث ليعالج ضرورات واقعية وعلاقات آنية اتسمت بخصائص وسمات معينة وأحوال مبينة في أوانها وهنا بدت القاعدة المنهجية أن” لكل مقام مقال” ولكل حال تصنيف ولكل علاقة توصيف، والعبرة بموافقة “المقال” و “المقام” لمقتضى الحال واعتبارات المآل. هذا هو التوجه المنهجي القادر على استيعاب المستحدث والتعامل مع المستجد ضمن عناصر فقه لا بد أن تفرضه من الدواعي والمتطلبات بل والضرورات الحضارية والواقعية.

 ما ظلت تلك التصنيفات مستندة في جوهرها إلى عدم الاعتداء، وفقه التدافع الحضاري المستند إلى التعامل الاجتهادي لاستفراغ الوسع في التعامل مع قاعدة “بالتي هي أحسن” ملاءمة واعتبارا، لا خضوعا واستسلاما، تربط كل ذلك في عروة وثقى لا تنفصم بين الصلاحية  والفاعلية بحيث تملك حجية إضافية وضافية على أرض الواقع، القضية في فقه الدفع بالتي هي أحسن ” ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة، كأنه ولى حميم” .

وغاية هؤلاء أن تصور البعض أن فقهاء الزمان قد بذلوا أحكاما بتخريجاتهم، ماضية من غير تبديل أو تحويل.

فثبتوا المتغير… وربما يغيرون الثابت أو لا يجعلونه القبلة التي يقصدونها في كل تقويم وفي أي تصنيف يتعلق بعلاقات البشر وأشكال تفاعلاتهم. وروج البعض أن خيط الاجتهاد قد انقطع وأن باب الاجتهاد قد أغلق، وسدت قدراته ومقتضياته، وانقضت قضاياه كأنهم قد قالوا بنهاية التاريخ غير عابئين بسنن التغيير، وسنن الإبدال والتبديل، وسنن التداول والتجديد . وكأنهم قد شرعوا في وجه كل من يجرؤ على الاجتهاد أبواباً موصدة، وكأن لسان حالهم يقول لهم ليس أمامكم إلا أن قفلتم راجعين. ناسين أصول الأشياء ومبتدأها وقواعد تأسيسها وقبلة حركتها ومناشطها. وبدا لبعضهم ينقضون عروة وثقى أو يفكونها بين الجهاد والاجتهاد، فالاجتهاد جهاد، والجهاد اجتهاد “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا”.

وفي هذا السياق فإن قضية التقسيم الإسلامي للمعمورة رغم أنها عمل تصنيفي، إلا أنها تتعدى ذلك وفق هذا المنظور، إن هذا المدخل لا ينظر إلى عملية التصنيف باعتبارها إحدى العمليات المنهجية فحسب، بل هي أبعد من ذلك.

عملية التصنيف ضمن هذا التصور هي عملية جزئية لا بد أن تُرى ضمن أصول كلية،  فإذا كانت عملية السبر والتقسيم والتصنيف كلها عمليات جزئية، فليس معنى ذلك القيام بها استقلالا عن الكلى الذي يحتضنها، أو  كعمليات فرعية دون أن ترد إلى أصولها التأسيسية.

والتصنيف على هذا عملية منهجية تفترض كما تفرض على الباحث فيها النظر في فلسفة التصنيف، والبحث عن علته وجوهره، والبحث عن أشكاله وتطوره وسيرورته، والبحث في سيرته، والبحث عن أهدافه ومقاصده والبحث في صفاته المتضمنة، وحالاته المتنوعة، ومآلاته المستقبلة، وتسكين عناصره ضمن خطة وخريطة للتصنيف، والوعي بالمفاهيم الكامنة في هذه العملية.

فالتصنيف بدوره يتضمن مفاهيم تحتاج ضبط ليس فقط في ذاتها، بل وفي مقابلاتها كما أنه من الواجب أخذ سياق التصنيف في الاعتبار، وبيئته التاريخية إن كان تاريخيا، وبيئته الواقعية إن كان معاصرا، أو يرتبط بعالم أحداث معاصرة، بل وعلى الباحث كذلك أن يتابع حراك التصنيفات كعملية منهجية، والبحث في مدى ملائمتها المعاصرة، والقصور في تعدية تصنيف تاريخي على واقع معاصر، من دون الأخذ في الاعتبار عناصر البيئة الدولية ومتغيراتها الجديدة بما يفرض عناصر قسمة جديدة، قد تحفظ بعض القديم، وقد تعدله، وقد تتحفظ على بعض عناصره وقد تغيره. وكفاءة التصنيف أمر لا يتعلق بخطئه أو صوابه في ذاته، ولكن يتعلق بفاعليته في التطبيق ضمن ظروف وبيئات متغايرة ومتنوعة.

كذلك فإن تعدد التصنيفات بالنسبة للظاهرة موضع البحث، هي من الأمور التي تحتاج من الباحث التقصي العميق والنظر الدقيق، حتى يمكن فض اشتباكها إن اشتبكت، وبيان قدر التداخل بينهما، وربط كل تصنيف بمقصده حتى تتبين مناطق التقاطع ومجالات التمايز[2].

بل إن عملية التصنيف قد تتقاطع مع إشكاليات معاصرة ومتجددة من الواجب على الباحث الفطنة إليها في ضوء المقولات الجديدة التي تطرأ على الظاهرة موضع البحث والتصنيف، هذه هي عملية التصنيف بكل أبعادها وتساؤلاتها وإشكالاتها البحثية والمنهجية  والواقعية، التاريخية والمعاصرة، ولا نغادر الحقيقة إذا قلنا أن عملية (تصنيف الدور) أو (التقسيم الإسلامي للمعمورة) كمفهوم حديث مقترح شديد الدلالة على القضية موضع البحث.

إن هذه العملية ترتبط بكل الإشكالات السابقة الإشارة إليها، وهو ما يتطلب فحص هذه القضية معرفيا ومنهجيا، فقهيا وتاريخيا، فلسفيا وحضاريا، وفي  البداية يمكن أن نشير إلى جملة من السمات التي تتسم بها قضية التقسيم الإسلامية للمعمورة:

1ـ أن القضية في حقيقتها وجوهرها ترتبط برؤية كلية للعالم world view   رؤية للكون (المعمورة منه)، والإنسان، والحياة[3].

2ـ أن القضية في كليتها تتضمن رؤية مشتقة يمكن أن تؤصل عناصر رؤية للذات وللآخر[4].

3ـ أن القضية بحكم جزئيتها لا بد أن تُسكن ضمن كليتها، وبحكم فرعيتها لا بد أن ترد إلى أصولها[5].

4ـ إن القضية ترتبط بطبيعتها بمسألة في غاية الأهمية، تستنبط منها، وهي المعايير المختلفة التي يتم على أساسها التقسيم والتصنيف، إن البحث عن المعايير ليس إلا عملية السبر الذي يجب أن تسبق الاستقرار على تصنيف بعينه، وأن المعايير يمكن أن تشير إلى معيار أساسي ومعايير فرعية مشتقة منه، أو منظومة من المعايير المتشابكة والتي لها مدخل في عملية التقسيم، وتشكل أحد وجوه التقسيم ومدى اتسامه بالبساطة أو بالتركيب.

5ـ أن عمليات التصنيف في كثير من الأحيان مورست على نحو ثنائي حدى أو اشتهرت على هذه الصورة، مما أورث جملة من المشاكل التي أوقعت كثيراً من الباحثين في الحرج المنهجي والبحثي، بل والمواقف إزاء ظواهر في التعامل الدولي[6].

6ـ أن عملية التصنيف قد ترتبط بمنظومة تصنيفات يجب النظر إليها كذلك وتسكينها ضمن خريطة كلية تحقق الاعتبار اللائق لكل منها، وتحدد صفته سوء أكان مشتقاً أو أصيلا، متغيرا أم ثابتا، أصلا أم فرعا، كلا أم جزءا.

7ـ أنَّ التصنيفات الحدية يجب ألا تؤخذ إلا باعتبارها تصنيفات دراسية، وذلك غير مانع مع تنوع الحالات والمواقف، وتغير الصفات والعلاقات فيتحول التصنيف الحدي إلى  تصنيف متصلي، فإن التصنيف المتصلي فكرة نظنها أكثر منهاجية من غيرها، وهو تحويل للتصنيف الحدي بما يضفي عليه كفاءة أعلى وشمولا أبعد، ومن هنا تبدو رؤية التصنيف على هذا النحو:

دار سلم ———————————— —-  دار حرب

تكون  معه الحالات والعلاقات أقرب إلى أحدهما، مما يفرض عناصر علاقات شديدة التنوع حينما تنقلب العلاقة أو تتغير أو تتداول في أشكالها وتتباين وربما تتداخل هذه الأشكال جميعا لا يمكن استيعابها إلا في ظل التصنيفات المتصلة على خط مستقيم له طرفين أو حدين، ويظل تنوع الأشكال مهماً في إطار القاعدة الأساسية الأمر بما غلب عليه.

8ـ إن القضية باعتباراتها المتعددة بحكم الأوصاف التي اتخذتها في بدايتها، ذات اتصال بالعقيدة من ناحية والشرع من ناحية أخرى. ومن ثم بدا للبعض أن ذلك تصنيف يرتبط بشرعية ومشروعية الدول وأن لكل منها أحكامها، ورغم أن هذا النظر صحيح في بعض جوانبه، إلا أنه يجب الأخذ في الاعتبار أن ذلك من التصنيفات الفقهية التي يجب عليهم الاضطلاع بها لتحديد النطاق القانوني والإداري، وهو في هذا السياق عمل فني في جانب منه، عملية التقسيم، والشروط، والتعريف وانتقال الدور، وسريان الأحكام، عمل فقهي يتطلب أحكام و فتاوى وهي من أكثر  المسائل التي تعلقت بجملة من الفتاوى ضمن كتب الفتاوى والنوازل، وهو أمر يستحق دراسات مستقلة في إطار اهتمامات الفكر السياسي الإسلامي  وتراثه الممتد وتنوع مصادره، وفي سياق تحليلات قضية تستفيد من كل الإمكانات المنهجية التراثية والحديثة، ما استطاعت أن تخدم النص وفق أبجدياته، وعمل واقعي تفرضه طبائع الأمور والظروف، لتحديد نطاق سريان السلطة وأحكامها والسيادة، وتحديد المواقف والعلاقات بما يترتب على ذلك من قرارات وسياسات[7].

9ـ أنَّ التصنيفات المتعددة يجب ـ وضمن تبين خريطتها وتنوع تضاريسها ـ لا بد وأن تسكن ضمن منظومة، بحيث لا تبدو هذه التصنيفات متناقضة متصارعة، أو أن احدها ينفي الآخر في العمل وينسخه في الواقع، إن تصور تصنيف الدور باعتبارها دارا واحدة أو دارين أو ثلاثة أو دورا متنوعة وظيفية متعددة في مسمياتها وأسمائها، إنما يجعل هذا الأمر، رؤية متكاملة العناصر متساندة التقسيمات، مختلفة الوظائف، متكاملة في التشغيل والتفعيل.

10 ـ أن هذا التصنيف ظل فاعلا لاعتبارات أو أخرى فترة طويلة من الزمن، وظل تأثيره قويا في التصور والفعل، في القرار والسياسات، حتى أن الدولة العثمانية جعلته أحد المتغيرات الحاسمة ضمن علاقاتها المتعددة والمتنوعة والمتغيرة وأحد أصول حركتها في ميدان العلاقات الدولية والخارجية، وعلاقتها بالعالم الغربي المسيحي على وجه الخصوص[8].

11 ـ إن فاعلية هذا التقسيم حتى هذا الزمن غير مانعة من مراجعته وإعادة النظر فيه، من غير أن يحسب البعض أن ذلك انتهاكاً لحكم شرعي، فتغير البيئة الدولية وبروز متغيرات في النظام الدولي تتطلب جملة من العناصر الدافعة إلى المراجعة المنهجية، وتشير إلى مبررات حاسمة قد تدفع إلى ضرورة البحث في عناصر قسمة جديدة تستلهم عناصر المدخل السباعي وأصول الشرعة. لا شك أن بروز الدول القومية والمسألة الشرقية وانهيار الدولة العثمانية والخلافة التي ارتبطت بها، وتبدل عناصر ومفاصل حاسمة تفرض هذه القسمة الجديدة والتفكير بها تفكيراً منهاجيا عميقا[9].

12 ـ إن التأكيد في بداية هذه السمات على أن تلك التصنيفات تحتوي ضمنا وتكمن فيها رؤية للعالم، يرتبط بجملة من المقولات الاختبارية المعاصرة والتي تفرض نفسها في معالجة فكرة التقسيم الإسلامية للمعمورة، ضمن إبداء مواقف مهمة من هذه المقولات من مثل: حوار الحضارات وصدامها، نهاية التاريخ، العالمية والكونية وأصول التفكير الكوني، وربما يقارن بين الكونية كفكرة رائجة الآن وفكرة عالمية الدعوة في النسق المعرفي الإسلامي، أمور كثيرة تضفي على هذه القضية أهمية إضافية في العلاقة بالآخر، وحقوق الإنسان والتدخل الدولي من أجلها، والإرهاب الدولي،  والإسلام العدو لمرتقب أو الخطر المحتمل، إنها مرة أخرى تصنيفات جديدة تنبع من رحم الحضارة الغالبة التي تفرض مقولاتها ومفاهيمها وشعاراتها بل وجملة سياساتها وتصوراتها الكلية[10].

13- أن هذا التصنيف وفي إطار فكرة الصداقة والعدو[11] تتطلب طرحا شديد التنوع والتشابك ضمن منظومة  الاتصال الدولي الذي كان له التأثير والقدح المعلى ضمن علاقات اختلفت نوعا وكما، وهي ما أثرت على الصفات والعلاقات والحالات والمآلات، على نحو يتطلب أصول تعامل استراتيجي ضمن إطار أجندة الموضوعات في العلاقات الدولية، وضرورة إبراز موضوعات أخرى ذات أهمية واهتمام لدول العالم الإسلامي وغيرها من دول العالم الثالث، بما يحقق عناصر مصالحها الكلية، وفي إطار من تكوين رؤية مشتركة وتصورات متنوعة لعناصر التعاون والتعامل في سياق النظام الدولي الحالي.

14- ن التقسيم الدولي للمعمورة يظل من الموضوعات التي تفرض على الباحثين طرحاً متجددا ربما يدخل في سياقات جديدة، وبما يربط هذه التقسيمات بمنظومة قيم تأسيسية وقيم كلية تتفاعل في إطار يتصور وفق أصول التعارف الدولي لرؤية العالم وتقسيم للمعمورة يحرك عناصر التعايش، وقيم العدل وتزكية الإنسان وعمارة الكون، ومساواة البشر وحماية اختياراتهم ضمن أصول تنظيرية لحقوق الإنسان، إن الرؤية الكامنة في التصور التصنيفي للمعمورة  والتي تمثل قيم التأسيس والمرجع تحتاج إلى إمكانيات لنقد تصورات الحضارة الغربية في هذا السياق، ورؤيتها للحضارات الأخرى سواء من منظور أنثروبولوجي، أو منظور العلاقات الدولية، بحيث تحرك إعادة فرز مقولات مبطنة برؤى عنصرية وحضارية منغلقة تشكل استدعاء لتصنيفات سابقة وتاريخية كانت الحضارة الغربية المسيحية في ذلك الوقت تقيم على أساس منها تصنيف المعمورة والبشر.

15- ن التقسيم الدولي للمعمورة ليس كما يتصور تقسيم حدود ولكنه أعمق من ذلك وأوسع، فربما تكون فكرة الحدود أحد عناصره، ولكن تظل النقطة الجوهرية فيه هو أنه يشير إلى تصورات (أوصاف) وحالات،  (علاقات) ومآلات (تغيرات)، ومن ثم يجب إعادة النظر في هذه الرؤية ضمن رؤى خاصة بالنظام الاقتصادي الدولي، وعمليات الاعتماد المتبادل، ورؤى التبعية ومسالك الاستعمار الجديد، والمنظمات الدولية غير الحكومية وتغير مفهوم الحدود والدولة القومية والسيادة، وبزوغ مفاهيم مساندة لفكرة الكونية والعالمية، من المواطنة العالمية، والتعليم من أجل السلام، مؤتمرات دولية النشاط والرؤى: السكان ـ التنمية الاجتماعية ـ المدن، والمجتمع المدني العالمي ـ والتدخل الدولي لحقوق الإنسان، وثورة المعلومات وسلطة المعرفة[12].

16- أن التقسيم الدولي للمعمورة يفرض دراسة التكوينات الواقعية ومدى فعاليتها، ومدى المشاركة في المؤتمرات ذات الصبغة العالمية، الرؤى التي تنطلق منها، وذلك في إطار تعلق هذه التكوينات والتنظيمات بمفهوم الأمة الإسلامية، والعلاقات البينية بين دول العالم الإسلامي وذلك في ضوء إمكانات التفعيل، وبما تفرض متغيرات معاصرة تدفع إلى ذلك وتحرك عناصر الفاعلية ضمن استعادة مفهوم الأمة أو بعض فاعلياته، خاصة أن الظرف التاريخي على الضعف البادي لا زال يؤكد على أهمية ذلك وإمكانه ضمن رؤية كلية للعالم والمعمورة.

17- ن التصنيف الإسلامي للمعمورة يفرض عناصر رؤية حضارية سننية للبحث في قوانين التغير، ومن تغير الحالات، أنساق تحصيل القوة بكل تنوعاتها بما فيها المجالات المعرفية، وبما يحقق عناصر التعارف والتواصل الحضاري، والبحث في سنن القوة والضعف، وفي تأصيل رؤية للذات والآخر، وعلاقات الهوية العقيدي يعبر عن ضرورات الطرح العالمي من خلال المنظور التوحيدي على مستويات النشاطات المختلفة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وقبل ذلك كله معرفيا وفكريا ومنهجيا وثقافيا، إن هذه الرؤى المتجددة، والمتغيرات البازغة تفرض علينا معالجات جديدة لمشكلات وإشكالات متجددة[13].

18ـ يبقى بعد ذلك في النهاية وضمن أصول تفعيل المدخل القيمي السباعي ضمن رؤية التقسيم الإسلامية للمعمورة، أن نربط بين أصول هذا التصنيف ضمن رؤاه المتطورة في إبراز أجندة بحثية، وأجندة اهتمام دولية وذلك وفق نظرية المقاصد (مجالات وأولويات) وبما يحقق حفظ الدين والأديان، وحفظ النفوس والكيانات والتكوينات الفردية والجماعية، وحفظ النسل في إطار رؤية  عادلة للإنسان  وعلاقاته، وحفظ المآل وإنمائه وعمرانه وتثميره ودورانه في سياق تأصيل علاقات عادلة في الإنماء والتوزيع والتعاون الاقتصادي الدولي والتجارة الدولية وحفظ العقل بما يؤصل أصول تعارف دولي يقوم على التعايش والتعاون في إطار فهم أعمق لشبكة العلاقات العالمية القائمة على التكافل، وأولويات الاهتمام بها يحفظ إطار الضروري على المستوى العالمي، والحاجي على المستوى الإنساني، والتحسيني كاهتمام تالٍ لهذا وذاك[14].

كما أن رؤية المقاصد واعتبار المآل لا زالت تفرض عناصر رؤية مهمة لهذا التقسيم للمعمورة، ودواعي تغيره وتبدله في إطار من فقه متنوع الأدوات والمستويات والأهداف يقوم على فقه الأحكام، وفقه للواقع وفقه إمكانات ووسط ومناخ التنزيل وسياقاته المتنوعة، بما يرد في عناصر تأصيل لهذا المدخل القيمي ليس فقط في التنظير ولكن في التطبيق والممارسات والسياسات.

إنَّ أهم ما نستخلصه من درس التصنيف، هو التعلم على كيفيات التناول المنهجي والوقوف على قواعده (الكامنة والظاهرة)، الوقوف على المناهج لا المسائل، المنهج هو الأبقى، وشفرات فهم القضايا والنصوص هي المعمول عليها، والوقوف على المسائل والاكتفاء بها غالبا ما يكون من غير ثمرة أو طائل. وهو أمر يتعلق بالقدرة على الوقوف على مناهجهم، وتفهم مسائلنا وقضايانا.

التقسيم الدولي للمعمورة والواقع الدولي المعاصر: مراجعات وإعادة طرح:

نعالج ضمن هذه النقطة الختامية في سياق إسهامات المنظور القيمي بتجلياته العقدية والشرعية والقيمية والحضارية والسننية والمقاصدية نقاط ثلاث نظن أهميتها في عمليات التأصيل والتفعيل والتشغيل، فضلا عن إشارتها إلى موضوعات بحثية متجددة.

الأولى: التقسيم الدولي للمعمورة في الرؤية الإسلامية: الثابت والمتغير.

الثانية: نهاية التاريخ وصدام الحضارات وحوارها، ورؤية العالم وتقسيم المعمورة.

الثالثة: نموذجان للعالمية (عالميتان) العلاقة بين الذات والآخر وعلمية التصنيف.

الأولى: ـ التقسيم الدولي للمعمورة في الرؤية الإسلامية: الثابت والمتغير: ـ

من الموضوعات المهمة في هذا المقام أن نتعرف على القواعد الثابتة ضمن مفهوم التقسيم الدولي للمعمورة (تصنيف الدور)، وكذلك التعرف على المناطق المتغيرة التي تستدعي مراجعة التقسيم والتصنيف، هذه الإشكالية العلاقة بين الثابت والمتغير تستحق المتابعة بالدراسة والتحليل.

إن حالات الفوضى والارتباك تشير وبقدر لا بأس به من ضرورات الفقه المعاصر الذي يراعي عناصر متعددة، من دون اللجوء إلى محاولات إخضاع الواقع لاجتهادات تخص عالما آخر، مختلف سياسيا وعقيديا عن عالمنا الراهن إننا في هذا السياق أمام قسمة جديدة، والقسمة السياسية القديمة التي كانت تشطر العالم إلى دار إسلام” وإلى جانبها “دار العهد” ثم دار الحرب أفرزت قوى متفاعلة وفقا لهذا التقسيم… في إطار العالم الحديث، ومع بروز الدولة القومية اختفت القسمة القديم، وجاءت قسمة جديدة ومعها قوى جديدة، وبمواصفات جديدة، لكي تتولد عنها ضروب جديدة من القتال… ظلت علاقة الإسلامية والمسلمين بأوروبا في حالة من المد والجزر في أثناء الحروب الصليبية، وحروب الأندلس، وفتوحات العثمانيين في أوروبا إلى أن سقطت بلدان العالم الإسلامي كلها تقريبا في قبضة الاستعمار الأوروبي الحديث..، وبعد حوالي قرنين من الزمان استطاعوا أن يغيروا القسمة القديمة للعالم (الواصفة للواقع آنذاك)، استطاعوا أن يغيروها سياسيا وثقافيا، خارجيا وداخليا، فلم يعد العالم منقسما إلى: دار إسلام ودار عهد  ودار حرب لأن دار الإسلام بالمواصفات الشرعية التي حددها الفقهاء اختفت من القسمة السياسية للعالم، وعلى أنقاضها ظهرت الدولة القومية، وصارت دول المسلمين أقرب ما تكون لى “فسيفساء سياسية” مكونة من دول ودويلات وإمارات، تتوزعها الخلافات والأطماع، وربما يتقاتلون..

لقد خبا هذا التقسيم السياسي القديم وكاد أن يختفي، لاختفاء أساسه الواقعي الذي استند إليه، والتقسيم والقسمة الجديدة تحتاج إلى دراسة علمية شاملة لتحديد مواصفاته، وتبعا لذلك يمكننا وصف ضروب القتال والاقتتال الحديث، أساليب المواجهة وطرائق تحصيل القوة… الخ.

وبغير تلك الدراسة لا بد أن نتعرض للخلط والاضطراب فالأمر موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام[15].

ومن المهم في هذا السياق أن نطرح الأسئلة الصحيحة ونحن بصدد عمليات التصنيف، خاصة أن بعض الدراسات الحديثة لم تتنبه إلى التغير الحادث وتأثيراته على القسمة القديمة للعالم، وحلول قسمة جديدة، فبدت وكأنها تتحدث عن مقام مختلف، وواقع تبدل، ومضت تتحدث عن ذات القسمة القديمة وأحكامها، كأن شيئاً لم يحدث أو تغير.

هل لم تحدث الدولة القومية عناصر قسمة جديدة؟، هل لم تحدث الظاهرة الاستعمارية بإرهاصاتها قسمة تكونت على أرض الواقع؟

عناصر القسمة الجديدة للعالم الإسلامي أفرزت جملة من الصعوبات والمشكلات لا يجوز لنا بحال أن نتخطاها أو نقفز عليها، لأنها غيرت المعادلات وأطرافها ووسطها وبالقطع محصلتها ونتائجها.

إننا في هذا السياق أمام أسئلة جديدة، يجب أن نتعرف على فقهها، هذه الأسئلة يجب أن نقدم لها صياغات صحيحة، لأن السؤال الصحيح هو نصف الإجابة، لأنه حركة في مسار صحيح.

إنَّ الأوضاع التي انبنى عليها التصور العام وبقي مستصحبا قرونا طويلة هذا الوضع تغير في عدد من أركانه الهامة في العصر الحديث، من نهايات القرن الثامن عشر حتى اليوم، وبهذا لم نعد أمام التصنيفات التقليدية من دار حرب ودار إسلام ودار عهد، أو ما فتح صلحا وما فتح عنوة..  وهي أمور تفرض البحث في معايير مختلفة وجديدة نستهدي بها في ضوء خبرة التاريخ المعاصر، وبالنظر للملامح الرئيسية التي تشكل حركة تاريخنا المعاصر، والتي تستهدف الاستقلال السياسي وتوحيد البلدان ومقاومة الاستعمار والتخلص من التبعية في كل صورها السياسية والاقتصادية والثقافية، كما وجب النظر إلى التغيرات ومظاهرها في الأوضاع المعاصرة ورؤية مدى اختلافها عن الأوضاع السابقة[16].

الثانية: نهاية التاريخ وصدام الحضارات، والحوار فيما بينها، رؤية العالم وتقسيم المعمورة:

في إطار ترسيخ فكرة العولمة برزت مقولات اختبارية من النوع الذي استدعى نقاشا امتدت دائرته. من أهم هذه الأفكار نهاية التاريخ لفوكوياما[17] والذي استند إلى التبشير بالانتصار المؤزر لليبرالية الغربية، واعتبر كل التحديث في هذا المقام هامشية بما فيها التحدي الإسلامي، بينما هنتنجتون كان الأكثر تعبيرا عن حقيقة مفادها أن الثقافات والحضارات المرشحة لأن تشكل عائقا أمام هذا الانتصار للحضارة الغربية وثقافتها تتمثل في الحضارة والثقافة الإسلامية، والكونفوشيوسية[18]، وبرزت في هذا المقام إيماءات وإشارات بعضها من طرف خفي والبعض الآخر بشكل مباشر يؤكد على أن الإسلام أيا كان تفسيره للإسلام أو المستوى الذي يقصده منه يشكل العدو[19] وواقع الأمر وفي إطار الذاكرة التاريخية للتقسيم الخاص بالمعمورة، كذلك في إطار أن هذه الرؤى تمثل وتعكس بصورة أو بأخرى صورة للعالم، ومحاولة لتحديد وتعيين العدو، وهو ما جعل تلك المقولات ليست بعيدة بأي حال من الأحوال عما نحن بصدده في تقسيم المعمورة.

يتضح من هذه الرؤى استنادا إلى تقليد متواتر داخل الحضارة الغربية أن الحضارة الغربية لا عالم المسلمين هي التي تعين “العدو” وتصنف المواقف بناء على ذلك التكييف، ومن ثم فهو يعبر عن خيار الحضارة الغربية باعتبار الإسلام عدوا، وليس من المعقول أن يعتبر طرفا في العلاقات الدولية غيره عدوا، لا يعتبره الطرف الآخر عدوا هو الآخر.

ومن هنا تبدو لنا جملة المغالطات التي تحرك هذه التصورات التي تتهم الإسلام والمسلمين تاريخيا وحتى الزمن المعاصر، هذه النظرة الاتهامية ضمن صناعة الصورة تفعل فعلها، وتشكل رؤى تصنيفية لتقسيم المعمورة من جديد[20].

وفي إطار هذه المغالطات قد لا تفتأ هذه الرؤى أن تشير إلى إسقاط صفات حول العنف والإرهاب وتحاول إلصاقها بالإسلام ثقافة وحضارة وواقعا. على الرغم من واقع الضعف الذي لا يسمح لعالم المسلمين أن يعينوا أعدائهم وما يترتب على ذلك من علاقات.

ويعبر النقاش حول هذه المقولات عن عناصر غاية في الخطورة إذ تهمل هذه المقولات وتسفهها رغم أهميتها الواقعية والعملية بل والبحثية والعلمية.

الثالثة: نموذجان للعالمية، العلاقة بين الذات والآخر وعملية التصنيف:

تكتمل حلقات هذه الرؤية وما يترتب عليها في إطار التعامل الدولي والعلاقات الدولية في إطار المقارنة بين نموذجين للعالمية، وما يترتب على ذلك من علاقات بين الذات والأخر، وما يحرك ذلك من عمليات تصنيف.

إن عالمية تستند إلى أصول الاختلاف والتنوع، والتعارف والاستخلاف والتعايش والحوار وحقيقة الإقناع (الوظيفة الحضارية)، لتعبر بذلك عن رؤية تأسيسية للعالم يحتل فيها لآخر مساحة مهمة لا تقوم على تصنيفه المؤبد في دائرة العدو، إلا إذا اعتبر هو ـ أي الآخر ـ أن ذلك خياره في أن يكون عدوا، عالمية الاستخلاف تقوم بالأساس على مراعاة حق الغير[21].

أما شأن العالمية التي تبدو في ظاهرها تحرك عناصر العولمة إلى ثورة المعلومات، وثورة الاتصالات، وثورة التقنية، فإنها في حقيقتها ليست إلا غطاءً للمركزية الكامنة في الحضارة الغربية، والإبقاء على معادلات النظام الدولي التي تحقق أكبر فاعلية لتلك المركزية في الاستفادة من أوضاع التبعية والإلحاق، والهيمنة والسيطرة، وعناصر الاستئثار ضمن الإبقاء على المعادلات الشائعة والمشوهة التي تعبر في جوهرها عن البنية الظالمة لمنظومة العلاقات الدولية الناتجة عن تلك المعادلات والتفاعلات، إنها معادلة تقوم على قاعدة من مراعاة مصالح النمط الحضاري الغربي في ظل مقولات من مثل نهاية التاريخ وصدام الحضارات السابق الإشارة إليها، تتضخم فيها الذات لتصير المركز وتمتد وفقا لحركتها ومصالحها على كامل مساحة المعمورة، الآخر فيها ليس أمامه إلا الإلحاق أو اللحاق بالركب الحضاري، إن استطاع في ظل معادلات ظالمة أن يحقق ذلك، إن الرؤية للعالم من خلال العولمة، غير الرؤية للعالم من خلال عالمية الإسلام القائمة على الدعوة، والوظيفة الحضارية القائمة على التعارف والإقناع والاستخلاف[22].

نحن بحق أمام نموذجين يمثلان جوهرا مختلفا بل ربما متناقضا، هذه المقارنة في حاجة إلى دراسات متأنية تحرك عناصر توصيف وتصنيف وكذلك عناصر تقويم لأطر “العولمة” المستحدثة والتي صارت بحكم انتشارها كفكرة، مشروعاً لنموذج معرفي إرشادي يحرك عناصر بحث وأجندة بحثية تتوافق معها، كل ذلك يحتاج إلى دراسات متأنية وعلمية ومنهجية[23].

أحداث الحادي عشر من سبتمبر وإشكالية تصنيف الدور[24]:

في إطار التناول المنهجي لقضية التصنيف وضرورتها، وتبعيتها للتعريف، ووفق ما نؤكده من أنه  “كلما تعقدت وامتدت وتداخلت العلاقات لا بد أن تزيد التقسيمات وتتعدد التصنيفات، وضمن هذا الأمر فمن الأهمية أن نزكي معاني التصنيفات على متصل، في مواجهة التصنيفات الحدية، والتبسيطية والاختزالية، والضيقة أي التي تضيق متسعاً، تصنيفات  سرير بروكست[25] قد يستحضرها المرء وهو يعالج موضوعا مثل تراث العلاقات الدولية في الإسلام ومسألة تصنيف الدور على قاعدة من معياري الصداقة والعداء.

الاستحضار التراثي له ما يبرره فما الذي يبرر استحضار حدث في مفتتح الألفية الثالثة أحداث  الحادي عشر من سبتمبر الذي طال قوة كونية مثل الولايات المتحدة، وبما أن القوى هو الذي يصوغ مسارات العلاقات الدولية وأشكالها، وأجندتها، وتحديد أوزان القضايا وأولوياتها فنحن أمام إشكالية التصنيف الحدي بين فريق يتحدث عن فسطاطين، وفريق يتحدث عن” من معنا” و “من علينا”، من يدافع عن قيم الحرية ومن يهجم على قيم الحرية والمدنية وكان واحد من مواجهات صدام التصنيفات[26] أن تم:

1- قصف  مفاهيم معينة ومن أهم ما قصف من مفاهيم رغم حديث لا ينقطع عن المجتمع المدني العالمي، ومنذ” مؤتمر دربان” لمقاومة العنصرية في جنوب أفريقيا فإنَّ الولايات المتحدة فضلاً عن الدول الأوروبية هددت المنظمات غير الحكومية عند إصدارها بيانا يصف الصهيونية بالعنصرية، العمل الخيري الإسلامي، مفهوم الجهاد والمقاومة، مفاهيم الأمن والحريات، أصبحت تعني اكتساب أمني على حساب أمنك، والدفاع عن حريتي بانتهاك حريتك.

2- خلط المفاهيم تمهيداً  لإقصائها مفاهيم مثل  “الجهاد” و ” الإرهاب” و “العنف” وبدا للبعض يتنصل من مفاهيم هي من أصول البنية الكلية للشريعة، هذا الخلط المتعمد جرّم أحوالا من مثل : المقاومة  المشروعة ـ رد الاعتداء، مقاومة الغاصب والمحتل الحرب العادلة وفق مقاصدها. خلط هذه المفاهيم حمل تصنيفات عبدة لا حرة تصنيفات هيمنة واستئثار.

3- تراتب الأوصاف على التصنيفات، وكما أشرنا فإنَّ وصف الأفعال بالإرهابية حمل وصف ما لا يكون إرهابا بالإرهاب، وتمرير الإرهاب لكونه دفاعا عن النفس يبدو لنا ذلك من الخطاب الأمريكي حيال السلوك الانتفاضي، من أنها تتفهم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة الإرهاب الفلسطيني؟؟؟

وفي مواجهة فتاوى بن لادن وصحبه كانت هناك فتاوى بوش وعصبته، كل يتحدث عن التقسيمات، والمرغوب وغير المرغوب، وهو أمر كان محل تندر حينما تدخل رئيس دولة كبرى ليحدد ما هو صحيح الإسلام وما لا يعد كذلك، فالأمر أصبح فتاوى في مواجهة أفعال وبيانات، وبيانات أقرب  للفتاوى في مواجهة مواقف وردود أفعال.

وبدا الجميع ضمن إغراء التصنيفات التبسيطية والاختزالية وما ترتب عليها من مواقف وسياسات وصياغة أدوار لمؤسسات موجودة، وبدت تشكيلات متداخلة تنبئ عن مرحلة فوضى في العلاقات الدولية وحالة من الاضطراب، تعد العالم لمرحلة تفجير لا يعرف بالضبط مدى تأثيراتها على مناطق إقليمية أو على النظام الدولي.

هل يمكننا أن نتساءل كيف ساد الفكر الأوحد[27]، وكيف تم تشكيل الرؤية الصدامية للحضارات على الأرض. وكيف ساد وشاع التصنيف الحدي المختزل التبسيطي؟ لا يمكن رؤية ذلك إلا باستدعاء الذاكرة التراثية وحقيقة التغيرات العالمية المعاصرة.

إن تصنيفات التعارف غير تصنيفات الهيمنة، وتصنيفات العمران غير تصنيفات الاستئثار والدمار،، والتصنيفات الحرة غير التصنيفات العبدة.


الهامش

[1] وقرب الي ذلك: سيف الدين عبدالفتاح، مدخل القيم …، مرجع سابق، من ص361-393

[2] مرجع سابق، ص361 وما بعدها

[3] في محاولة خدوري إلصاق التصنيف الحدي في الرؤية الإسلامية للعالم من دون الإشارة الي التطورات والتحولات المهمة التي طرأت عليها انظر محاولة خدوري: مجيد خدوري، الحرب والسلم في شرعة الإسلام، بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1993. من ص75 وما بعدها، الفصل الرابع عشر ص199 وما بعدها، الفصل السادس عشر ص229 وما بعدها.

في إطار رؤية التراث والآخر راجع: عبدالله اليوسف، شرعية الاختلاف: دراسة تأصيلية منهجية للرأي الآخر في الفكر الإسلامي، بيروت: منتدى الكلمة للدراسات-دار الصفوة، 1996، ص15 وما بعدها

[4] وفي إطار خدورات التعارف التي تلازمت مع الرؤية الإسلامية: بوزار، إنسانية الإسلام ..، مرجع سابق، من 7-15

[5] رد الجزئي الى كليه، والفرعي الى أصله، عملية منهجية، انظر في هذا المقام: الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، بيروت: دار المعرفة، د.ت، المجلد الأول، ص138-140

[6] في مضار التصنيفات الحدية وما يترتب عليها من رؤى انظر نموذجا لذلك: مجيد خدوري، الحرب والسلم …، مرجع سابق، ص197، ص209 وما بعدها

[7] انظر في قضية تقسيم الدور في: محي الدين قاسم، التقسيم الإسلامي للمعمورة ..، مرجع سابق، ص21-22

[8] صلاحية التصنيف وفاعلياته عملية مهمة، وتبدل عناصر الفاعلية من أهم عناصر الانتقال والتغير في التصنيفات أو الإضافة إليها أو إلغائها والاستبدال بها

[9] في دواعي المراجعة لعملية التصنيف خاصة الذى منه راجع: ا. د. عزالدين فودة، رسالة في النظرية العامة للحدود: رؤية حضارية لحدود دار الإسلام، (مستخرج من كتاب حدود مصر الدولية)، القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، جامعة القاهرة، 1993، ص49 وما بعد. انظر أيضا: ا. د. عزالدين فودة، نظرية الحدود ودار العهد في الإسلام، مجلة شئون عربية، يونيو1996، ص125 وما بعدها

قد نتحدث عن صدام الحضارات لدى صامويل هنتنجتون، وقد يشير إدوارد سعيد أن مفهوم صراع الحضارات اسبق من هنتنجتون وطرحه وقد تعود بذلك لمقالة الغضب الإسلامي لبرنارد لويس، وفي الحقيقة فقد حصلنا علي اكتشاف مهم، وهما كتابان مهمان يتحدثان عن صدام الحضارات وآخر عن صدام الثقافات الأول الف في العام 1962م، والثاني الف في العام1972م.

انظر في هذا المقام برنارد لويس، جذور السخط لا إسلامي، ضمن (الإسلام الأصولي في وسائل الإعلام الغربية من وجهة نظر أمريكية، بيروت: دار الجيل،1994.

حيث يشير لويس في خاتمة مقالة الى صراع الحضارات محددا هذا لا صراع والتطور بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، من ص26-23

[10] Gearge Henry Lane-Fox Pitt-Rivero, The Clash of Cultures and the Contact of races, London: Gearge Routledge & Sons. L T D, 1927

[11] انظر إسناد التصنيفات إلى معيار الصداقة-العداء: محي الدين قاسم، مرجع سابق، ص22 وما بعدها

[12] انظر في اقتران هذه المفاهيم بفكرة العولمة او الكونية علي سبيل المثال: روبن سيزار، لمحات عن المواطنة العالمية، ضن كتاب مواطنون: دعم المجتمع المدني في العالم، سيفيكوس: التحالف العالمي لمشاركة المواطنين، 1994، ص314 وما بعدها

[13] في اطار الأطروحة التي تفارق بين رؤية العولمة ورؤية الإسلام للعالم انظر: سيف الدين عبدالفتاح إسماعيل، الوحدة العربية، بيروت، 1999

[14] التصنيف والرؤية المقاصدية وتلمس عناصر الارتباط بينهما أمر حيوي لا يجب إغفاله. أي أن أحد معايير قبول التصنيف فضلا عن جدواه وجديته وفاعليته في القيام بعملية التصنيف ومصداقيتها، هو عنصر مدخل المقاعد ومد تحقيقها لحفظ المجلات ومراعاة المراتب واتساقها مع مقولات ذلك المدخل

[15] انظر في أخلاف القسمة: د. احمد عبدالرحمن، الإسلام والقتال، القاهرة: دار الشرق الأوسط، 1990، ص25 وما بعدها

[16] Leonard Tivery (ed.), The Nation-State: the Formation of Modern Politics, Britain: Oxford, 1981, see: Introduction

[17] نشير بذلك: فرنسيس فؤكوياما، هل هي نهاية التاريخ، ترجمة عن مجلة ناشيونال إنترست، صيف1989، القاهرة: دار البيادر للنشر والتوزيع 1990 (انظر مقدمة ملف المجلة الاجتهاد حول النظام العالمي الجديد ونهاية التاريخ من الاجتهاد)، السنة الرابعة، العدد ان 15-16 ربيع وصيف 1992، ص275-276

[18] انظر في مقالة هنتنجتون والردود عليها: مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، القرب وبقية العالم بين صدام الحضارات وحوارها، بيروت: مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق،2000. قارن: إبراهيم السعيدي وفوزية أميمي، نظرية صدام الحضارات أو التمديد الإسلامي أو التمديد الإسلامي واقع او اختلاق، الدار البيضاء: منشورات الفرقان، 1999

[19] أشرنا فيما سبق أن بعض الكتابات في هذا المقام ويحسن أن نشير في ذلك الإشارة الى اصل ومنبع جعل الإسلام عدوا: مصطفى الدباغ، الإسلام فوبيا (عقدة الخوف من الإسلام)، عمان: دار القرفان، 1999

[20] انظر في صناعة الصورة وتأثيرها علي رؤية الإسلام وعالم المسلمين: إدوارد سعيد، تغطية الإسلام وكيف تتحكم وسائل الإعلام الغربي في تشكيل ادراك الآخرين وفهمهم، وترجمة: سحيرة نعيم، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1983

[21] في الوظيفة الحضارية في تأسيس رؤية للذات وللعالم انظر: سيف الدين عبدالفتاح، حول التحيز في التحليل السياسي، مرجع سابق

[22] انظر: سيف الدين عبدالفتاح، العولمة والإسلام: رؤيتان للعالم: قراءة معرفية ومنهجية، مرجع سابق

[23] أحداث سبتمبر وتصنيفات الدور انظر: روية فوكوياما (فوكوياما: مفهوم الغرب لم يعدله معنى وموضوع الديمقراطية يحدث يقصد عافي التحالف الأوروبي الأمريكي، مجلة العصر

[24] انظر في أسطورة سرير بروكوست: والذي يعبر عن شخصية أسطورية، كان يضع ضحاياه علي سرير ثابت الأبعاد فان كانوا أطول قطع أجسامهم، وان كانوا اقصر معهم بحيث يكونون بطوله، وان كانوا بطول السرير تماما، اطلق سراحهم ونجوا من الموت. وهي تشير الي تصنيفات أمريكا الحدية. انظر في هذه الأسطورة: جودت سعيد وعبدالواحد علواني، الإسلام والغرب والديمقراطية، دمشق: دار الفكر، 1996، ص24 (هامش). في إطار يعني بأن قضية تصنيف العالم تبدو لنا ضمن الخطاب والسياسات الأمريكية ومنذ الحرب الباردة انظر: علي مزروعي، الثقافة الإمبريالية لعلاقات الشمال بالجنوب: حالة الإسلام والغرب، ترجمة د. صبحي قلنصوة، ضمن قضايا فكرية: إفريقيا والإسلام والغرب على أعتاب عصر جديد، القاهرة: مركز دراسات المستقبل الإقليمي، 1998، ص ص55 وما بعدها. إذ يشير إلى أن الغرب خلال الحرب الباردة قام بتقسيم العالم بحكم الواقع إلى دار الحرب (وبعبارة أخرى العالم الشيوعي)، ودار الغرب)، ودار الصلح ودار العهد، أو دار التوابع أي العالم الإسلامي ومعظم باقي العالم الثالث. ص56

[25] Ali A. Mazroui, the political culture of North, South Relations: The case of Islam and the West, Paper written for Russian literal project conference on, The Decline of Empires, Univer. Of California, San Diego, Jan. 9-11, 1996

[26] محمد عدنان سالم، أميركا والإرهاب: قراءة في أحداث أيلول (سبتمبر) 2001، دمشق: دار الفكر، 2001. انظر أيضا: د. رضوان السيد، الخطابات الأمريكية والعربية بعد 11 سبتمبر، مجلة الاجتهاد، العدد54، السنة (14)، ربيع العام 2002، من ص45-55

[27] كيف ساد الفكر الأوحد وصدام الحضارات انظر مقالة ضافية ل “سوزان جورج”، كيف ساد الفكر الأوحد؟، لوموند ديبلوماتيك، الطبعة العربية نوفمبر 1996، ص30-31 (حيث تصل بين التوجه الاقتصادي وأصحاب المصلحة في الترويج للفكر الأوحد المشار إليه بنهاية التاريخ لدى فوكوياما. انظر في الكتابات الفقهية البحوث التي ستختص بهذا سواء تعلقت بخريطة المصادر المباشرة أو غير المباشرة من كتابات الفقه العام (أبواب الجهاد)، فقه السير، الخراج، الأموال … الخ

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close