fbpx
بحوث

العنف والعنف المضاد بين الدولة والحركات الإسلامية: الإخوان المسلمين نموذجاً

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

يقول سارتر: “العنف يبرّر نفسه دائما بأنّه محارب للعنف، أي أنّه ردّ فعل ضدّ عنف الآخرين”

مقدمة:

إنّ الهدف من هذه الدراسة ليس الوقوف على مجريات الأحداث التاريخية والسياسية في مصر بطريقة مفصّلة، لكنّ هدفنا رصد الأفكار والرؤى التي تحكّمت في سير مجريات العنف وتجلياته في جدلية الدين والدولة، وقد ركّزنا اهتمامنا على الإخوان المسلمين بوصفها أوّل حركة إسلامية ظهرت في التاريخ الإسلامي الحديث. ذلك أنّ الإخوان المسلمين توجّه إليهم أصابع الاتهام بالعنف ضد الدولة في كل مرحلة من مراحلها ابتداء من زمن ظهورهم وصولا إلى صعودهم إلى الحكم، خاصّة أنّ الإخوان أبدوا كرههم للدول الوطنية منذ البداية.

يعتبر العنف من منظور بعض المدارس الفلسفية الغربية الحديثة ظاهرة بشرية جبل عليها الإنسان منذ وجوده على البسيطة. ولتقنين هذه النزعات البيولوجية العنيفة للإنسان احتكرت الدولة مجال العنف لردع الأفراد والمجموعات. والدولة الإسلامية بدورها في صورتها المبكّرة جعلت العنف الجهادي وسيلة الدولة لنشر الإسلام والتوسّع على نطاق الأرض. بيد أنّ الجديد في هذا المجال هو اضطلاع الحركات الإسلامية الحديثة بهذا الدور، أي قيادة الجهاد بوصفها تسعى لإعادة أمجاد الإسلام وانتصاراته في الفتح بعد محاولات التحديث وسقوط الخلافة إثر الهيمنة الاستعمارية الغربية.

  وللوقوف على مظاهر العنف والعنف المضاد بين الدولة والإخوان المسلمين، لا سيما أنّ الأنظمة الحاكمة في الدول العربية تطرح إشكالية ثانية تتضمّن جدلية الدين والدولة، حيث لم تقم بحسمها إلى الآن نظرا للنظرة التمجيدية إلى التراث الإسلامي ككل وإلى نظام الحكم بصفة خاصة، بوصفه نظرية متكاملة في الاجتماع والسياسة معا. وتحصيلا للدقة العلمية المرجوة من البحوث الأكاديمية ومن هذا البحث تحديدا سنتّبع خطوات بعينها، ومن بينها تحديد العلاقة بين الإخوان المسلمين والدولة في كل مرحلة من مراحل الحكم في الدولة المصرية. هذا من الناحية المنهجية أمّا من ناحية المعطيات والمعلومات أي مادة بحثنا فقد حاولنا الاستناد أوّلا إلى مصادر الإخوان المسلمين أنفسهم ولا سيما كتابات حسن البنا وسيد قطب في البداية، حيث شكّل الأوّل النواة الأولى للجماعة في إعادة التفكير في الجهاد، أمّا الثاني فقد شكّلت مقولاته محور اهتمام الحركات الإسلامية اللاحقة في بلورة وتطوير نظريتي “الجاهلية” و”الحاكمية” والذي أتاح من خلالهما إباحة قتل الحكام، أو إباحة الجهاد الداخلي. أمّا في المرحلة الثانية فقد استندنا إلى الدراسات النقدية التي تناولت أدبيات الإخوان المسلمين بالدراسة والتحليل، هدفنا الأساسي الخروج من هذا البحث بنظرة علمية موضوعية من شأنها ملامسة حقيقة العلاقة المتوترة بين الدولة والإخوان المسلمين.

متى نشأت بوادر العنف بين من شرّعت لنفسها العنف وبين من تعتبر في إطار النظام العالمي “خارجة عن القانون”؟ 

طغت ظاهرة العنف في عصرنا الراهن، وسادت المشهد الإعلامي والسياسي والاجتماعي، خاصّة بعد ظهور الحركات الإسلامية الراديكالية التي أدارت ظاهرة العنف بشكل إيديولوجي أبان عن تمثّلاتها لمفهوم مفهوم الجهاد الإسلامي وتأصيله تاريخيا ودينيا، وهي الآلية التي تعسّفت عليها هذه الحركات لاستنطاقها بما لا تطيق، ومن ثمة اعتمادها في واجهة صراعها مع مظاهر الحداثة الليبرالية ومنها الدولة الوطنية الحديثة حيث رفض الإخوان المسلمين هذا الكيان السياسي بوصفه كان بديلا على الحكم الديني الشرعي بعد سقوط الخلافة سنة 1924. وقد أكّد بعض الدارسين والباحثين أنّ هذا العداء للدولة قد ترجمته الحركات الراديكالية الراهنة في فتح جبهات داخلية وإعلان الجهاد داخليّا.

ظروف نشأة الإخوان المسلمين:

 في خضم الجدالات الحاصلة حول كيفية هضم حداثة الآخر التي تتعارض مع نسق المبادئ الإسلامية وأمام الصراعات الإيديولوجية بعد تصدير الأفكار الغربية، ظهرت جماعة الإخوان المسلمين تقف على النقيض من هذه الصراعات لتعلن عودتها للأصول والتشبّث بالهوية الإسلامية، فالحكم الإسلامي هو الأجدر على تخطي مأزق التطور والتقدّم من منظور هذه الحركة لا سيما أنّه أثبت جدواه قديما مع الخلفاء. ولكن هذه المقولات كانت نتيجة ظروفها التاريخية عندما كان الجهاد محرّك التاريخ، بيد أنّه يمكن القول أنّ ظروفا تاريخية جديدة قد حدثت لا يمكن أن يكون فيها الجهاد محرّكا أساسيا أمام التقدم العلمي والتقني للبلدان المتقدمة. التي فرضت نظاما عالميا جديدة تديره بإتقان كما فرضت أنظمة حكم جديدة تكون الدولة فيه هي أساس الحكم بما في ذلك احتكارها للعنف لمحاربة الخارجين عن القانون والمنحرفين.

 ونشير في هذا السياق إلى أنظمة الحكم في العالم العربي حيث استبدّت بالحكم في ظل أحادية حكم الحزب الواحد وتفعيل أجهزة الدولة لممارسة العنف بأشكال مختلفة، من ذلك أنّها تقوم بتصفية المعارضة السياسية اليمينية كما اليسارية. فضلا على منع الحريات العامة والفردية وإسكات الناس بالعنف. وإذا كان “هوبز” منظّر الدولة الحديثة يرى أنّ الدولة قد احتكرت العنف بقوة القوانين، فإنّ الدولة في البلدان العربية أضحت سجنا بفعل هذا الحكم الدكتاتوري.

يعتبر ظهور الإسلام السياسي، فزّاعة مخيفة بالنسبة إلى الحكّام العرب ولا سيما الغرب، لأنّها تمثّل ظاهرة قد قطعت معها الدولة الحديثة وبدأت مرحلة جديدة مع دولة المواطنة ومؤسّساتها وأجهزتها. ذلك أنّ جدلية الدين والسياسة قد انبثق عنها في الغرب أشكال متعدّدة للظلم والاستبداد لذلك استطاعت تجاوزه بالفصل بين المؤسستين. بيد أنّ هذا الفصل قد استحال في الأنظمة العربية باعتبارها أنظمة مشدودة إلى مرجعيتها الدينية. وهذا النموذج للدولة ضارب في أصول الفكر الإسلامي القديم، وقد رسخ هذا في تمثّلات الإخوان المسلمين وفي رؤيتهم للخلافة مقابل رفضهم لدولة المواطنة.

لذلك نتساءل ماهي الطروحات التي ستقدمها الجماعة للتعبير عن رفضهم نظريا وعمليا لفكرة الدولة؟ كيف ستكون العلاقة مع الدولة الوطنية في مصر؟ وهل يمكن أن نتحدّث في هذا الإطار عن إمكانية مظاهر العنف خاصّة أمام احتكار الدولة للعنف الشرعي؟ هل تسعى هذه الحركة إلى تقديم بديل سياسي يعبّر عن قيام دولة إسلامية بديلة، أم أنّها ستقتصر على الجانب الدفاعي عن نموذج دولة الخلافة؟ هل ستسمح الدولة الوطنية ببروز هذه الجماعة في إطار التعدد السياسي دون قمعها عبر وسائلها المشروعة؟ أم ستعتبرها خصما إيديولوجيا ولا تعترف بها؟

قدّمت حركة الإخوان المسلمين نفسها في البداية باعتبارها تيار ديني إصلاحي، باعتباره قد انبثق عن تيار النهضة العربية. حيث مثّلت مقولات محمد رشيد رضا التي ترجمها في كتابه “الخلافة العظمى” النواة الأساسية التي ساهمت في بلورة فكر الإخوان المسلمين. ويمكن أن نميّز في هذا السياق بين فكر الرجلين البنا ورضا، وهذا التباين سيكون على المستوى العملي في الحقيقة أمّا على المستوى النظري فإنهما يحتكمان لذات المرجعية الدينية ويتبنيان المقولات ذاتها. فقد استطاع الأوّل تكوين تنظيم اجتماعي سياسي، أما الرجل الثاني فقد بقيت أفكاره مجرّد نظريات، ولم يخض غمار الممارسة التنظيمية والسياسية.

هناك لحظة تاريخية أخرى فارقة ليس في تاريخ الإخوان المسلمين فحسب وإنّما في الفكر العربي عموما، فقد ظهرت حركة ثقافية مهمة حاولت جميعها بمختلف أطيافها ومكوناتها السياسية والإيديولوجية وبمختلف وجهات النظر، عن إشكالية التقدم الحضاري. وقد قام شكيب أرسلان بترجمته إلى سؤال جوهري: “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟” انبثق عما يعرف بـ “صدمة الحضارة الغربية” فاختلفت الإجابات طبعا باختلاف المرجعيات الفكرية والإيديولوجية والثقافية. وكان جواب الإخوان المسلمين عن هذا السؤال محتكما إلى مرجعيتهم الإسلامية.

هل كان موقف الإخوان من الدولة موقفا جذريّا، أم كانت مواقفهم مجرد مواقف عاطفية محكومة بظرفية تاريخية تقاطعت فيها الروافد الثقافية الغربية مع المخزون الثقافي الإسلامي فأثّرت في مقولاتهم وممارساتهم تجاه الدولة؟ هل العنف عند جماعة الإخوان متأصّل فيهم أم هو نتيجة ظروف محدّدة عكست ردّة فعل عنيفة؟

 العنف ومظاهره:

تتنوع مظاهر العنف في المجتمعات البشرية وتتعدّد مصادره وظواهره فمنه العنف السياسي والديني والاجتماعي والأسري والعنف ضدّ المرأة …إلخ وله أسباب متعدّدة. وقد يكون العنف بصفة فردية وقد يكون بصفة جماعية وهو الأمر الخطير في سياق بحثنا، أي عندما يتحول العنف إلى ظاهرة تشكّل خطرا على المجتمع. ويرى أحد الدارسين أنّ “العنف ليس مفهوما أو لمّا يصبح بعد وذلك على الرغم من أنّه، كممارسة، قديم قدم العالم، كما يظهر من الأساطير والملاحم. لكن الحديث عن العنف يوشك أن يكون معاصرا. فأوّل من حاول التفكير في العنف والتنظير له هو جورج سوريل في (كتابه تأمّلات حول العنف) في القرن التاسع عشر. أما قبل ذلك فإنّ الفلاسفة الأقدمين لم يكونوا ينظرون إلى العنف في ذاته ولذاته بل كنتيجة لإفراط أو لخرق يتّصلان بالآلهة. ولعل هذا الأمر قد يفسّر جانبا من المفارقة التي تظهرها اللغة اللاتينية التي لا تميّز مثلا بين العنف (violence) والقوة force) (“[1]

إذن بدأت الدراسات تهتم بهذا الموضوع حديثا ضمن محاولة الكشف عن أسبابه ومظاهره، وطرق علاجه، حيث تم إرجاع العنف إلى ثلاثة مصادر مهمة في المجتمع وهي “الوجه النفسي: أي من حيث أنّ العنف يتّخذ سمة اللامعقول والخروج عن الحالة الطبيعيّة. الوجه المعنوي والأخلاقي: أي من حيث أنّ العنف يمثّل انتهاكا لممتلكات الآخرين وتعدّيا على أرزاقهم وحرياتهم. والوجه السياسي: من حيث أنّ العنف هو استخدام للقوة بهدف الاستيلاء على السلطة أو الانعطاف بها نحو أهداف غير مشروعة”[2]. وهو التعريف الذي ينطبق على الدولة المصرية بعد الثورة ونجاح الإخوان المسلمين في الانتخابات.

أمّا جون جاك روسو “فيذهب إلى القول أنّ العنف الشرعي هو عنف الدولة التي تكتسب شرعيتها ومشروعيتها من “العقد الاجتماعي” الذي يقيمه المواطنون فيما بينهم، يتنازلون بموجبه عن حق استخدام العنف بعضهم ضد بعض”[3] خاصّة أن روسو يرجع أصل العنف إلى المجتمع. ويذهب ماكس فيبر في السياق ذاته إلى “أنّ العنف هو الممارسة الطبيعية للسلطة من طرف الدولة التي تحتكر لنفسها شرعية تسليطه وشرعية تنفيذ العقوبات الجسدية على الأفراد”[4]

أمّا إنجلز فيرى “بأنّ الوظيفة الاقتصادية ذات الطابع الاجتماعي تنتج العنف السياسي”[5] ترجع المدرسة الماركسية سبب العنف إلى النظام الرأسمالي، وصراع الطبقات، في حين يعتبر الماركسية أنّ العنف الثوري هو “إذا سار في وجهة التطور كان عنفا ثوريا”[6]

تلتقي إذن أغلب التعريفات الواردة في تعريف العنف، في نقطة أساسية مفادها أنّ العنف ظاهرة سلبية إلاّ في حالات معدودة عنف الدولة فقد شرّعت[7] له عبر أجهزتها لقمع الأفراد والجماعات المنحرفة. كما نجد تمجيدا للعنف الثوري الذي يهدف إلى التغيير الإيجابي مع النظرية الماركسية، تمييزا له عن العنف غير الشرعي الذي تضطلع به أفرادا أو مجموعات خارجة عن القانون. “العنف هو الشدّة والقسوة، وهو ضد الرفق. والعنف هو استخدام القوة استخداما غير مشروع وغير مطابق للقانون. والعنيف من الميول الهوى الشديد الذي تضعف أمامه الإرادة وتزداد صورته حتى تجعله مسيطرا على جميع جوانب النفس. وفي الأخلاق، العنف هو كل ضرر يلحق بشخص ما، سواء أكان هذا الضرر قد ألحقه بنفسه، أم ألحقه شخص به، أم ألحقه هو بشخص آخر”[8] 

أما مصادر العنف وأصولها فقد انقسم الفلاسفة حولها إلى قسمان: يرى الفريق الأوّل أنّ العنف متأتّ من الطبيعة البشرية، أمّا الفريق الثاني فقد رأى “أنّ العنف ناتج عن الحياة الاجتماعية وما تتضمّنه من إلزامات ومن قهر وتعسّف”[9]. فقد اعتبر فريق أوّل أنّ العنف نزعة بيولوجية في الإنسان، أمّا الفريق الثاني فقد أوعزها إلى ظروف موضوعية اقتصادية واجتماعية أدّت إلى انبثاق مظاهر العنف إمّا في الأفراد أو في المجموعات. وقد انقسمت الرؤى بحسب المرجعيات الفكرية لكل فريق ذلك وعلى سبيل المثال اهتمام ماركس بالتفاوت الطبقي جعله يفسّر العنف تفسيرا ماديا. أمّا فرويد صاحب نظرية التحليل النفسي فقد ردّ العنف إلى النوازع البشرية الداخلية للإنسان في مخزونه اللاوعي. وهكذا دواليك. 

أمّا لسان العرب فقد عرّف العنف كالتالي: حيث ورد في مادة: “عنف: العنف: الخرق بالأمر وقلّة الرفق به، وهو ضد الرفق. عنف به وعليه ويعنف عنفا وعنافه وأعنفه تعنيفا، وهو عنيف إذا لم يكن رفيقا في أمره. وفي الحديث: إنّ الله تعالى يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، هو بالضمّ، الشدّة والمشقة، وكلّ ما في الرفق من الخير ففي العنف من الشرّ مثله. والعنف والعنيف”[10] وما نلاحظه في خصوص تعريف العنف في جلّ المعاجم بأنّه نقيض اللين، غير أنّ هذا التعريف يعتبر العنف شرّ من الشرور وهو نقيض الخير.

مفهوم الدولة: (état )

تعرّف موسوعة السياسة لعبد الوهاب الكيالي بأنّها: “الكيان السياسي والإطار التنظيمي الواسع لوحدة المجتمع والناظم لحياته الجماعية وموضع السيادة فيه، بحيث تعلو إرادة الدولة شرعا فوق إرادات الأفراد والجماعات الأخرى في المجتمع وذلك من خلال امتلاك سلطة إصدار القوانين واحتكار حيازة وسائل الإكراه وحق استخدامها في سبيل تطبيق القوانين بهدف ضبط حركة المجتمع وتأمين السلم والنظام وتحقيق التقدم في الداخل والأمن من العدوان في الخارج. وإلى جانب الاستخدام العام للمصطلح بمعنى الجسم السياسي للمجتمع، هناك استخدام أكثر تحديدا يقتصر فيه المعنى على مؤسسات الحكم. تتألف عناصر الدولة من الشعب والأرض والسلطة”[11].

  وما يلفت الانتباه في هذا التعريف هو امتلاك الدولة لوسائل الإكراه وهو ما يشي بتشريع ممارسة العنف عبر أجهزتها ومؤسساتها الأمنية إمّا عبر سلطة القوانين وإمّا ضمن ممارسة العنف المادّي ضدّ الأشخاص الخارجين عن هذه السلطة. ومن هذا المنطلق” يحقّ لها طلب الطاعة من الناس واستخدام القوّة لضمان تقيد الأفراد والجماعات بالقوانين”[12] ومن هذا المنظور فالعنف ليس اعتباطا في عرف الدولة وإنّما هو تحت سلطة القانون، وهذا ما عبّر عنه بالمشروعية. وماذا لو استندت الدولة تحت مسمى “شرعية العنف” إلى الظلم والاستبداد؟ وباعتبار أنّ الدولة هي كيان سياسي لحفظ الحياة الاجتماعية هل يمكن القول إنّ عنف الدولة هو عنف مضاد للعنف الطبيعي للإنسان؟ وهل يمكن القول إنّ الإخوان المسلمين هم ضحايا الدولة أم ضحايا أحد أهم مؤسساتها الردعية “الجيش”؟

تعريف الإسلام السياسي:

“يشوب تعريف مصطلح الإسلام السياسي ضغط الإيديولوجيا، فكثيرا ما ترتبط الشحنة المفاهيمية بالخلفيات الإيديولوجية التي يأخذ بها صاحب التعريف”[13] ومن هذا المنطلق فإنّ مفهوم الإسلام لا ينطق عن تعريف محدّد بقدر ما ينطق عن وجهات نظر وخلفيات إيديولوجية تطبع التعريف.

القسم الأول: الإخوان المسلمون: مرحلة التأسيس

برزت في هذه الفترة كتابات تنظّر للدعوة الإسلامية بقيادة الإخوان المسلمين من أهمّها كتاب أرسلان “لماذا تأخرّ المسلمون وتقدّم غيرهم؟” “وقد كان لفترة طويلة دليل عمل الناشطين والدعاة والحركيين الإسلاميين، لا بل إنجيلهم الثوري”[14] والواضح أنّه سؤال في أسباب التقدّم، يثير حيرة فكرية مستفزّة، وكأنّ بحثه في التقدم يبرز كخطاب بعيد كل البعد عن الدين في الوهلة الأولى. غير أنّ متن الكتاب سوف يجلي عن الحيرة المكنونة في السؤال، فالرجل ذو المرجعية الدينية الإسلامية، التي لم تتجاوز القرن السابع الذي ازدهرت فيه الحضارة العربية الإسلامية. ومن ثمّة فالحل بالنسبة له لا يجب أن يكون تغريبيا مستوردا ولكن يجب أن يكون من عمق ثقافتنا وهويّتنا العربية الإسلامية. لأنّ أسباب التقدّم الأساسية تكون على مستوى القيم والأخلاق، وهو يتفق في ذلك مع سيد قطب أحد أبرز منظّري جماعة الإخوان المسلمين.

أمّا آليّة سيد قطب في إحياء الخلافة الإسلامية على غرار السلف، فهي الجهاد، أي “إعادة الاعتبار إلى قيمة أخلاقية اسمها التضحية. إنّها الجسر الذي يقود المسلمين إلى التقدم. وهي هنا العمل والجهاد بمعناه الأوسع والأكثر واقعية، أي بذل الدماء والأموال والأملاك لبناء قواعد صلبة لنهضة حقيقية”[15] ومسألة العمل والجهاد كانت إحدى مقولات الخوارج الأساسية.

موقف الإخوان من الدولة:

  لا يمكن تمثّل كيفية تفكير الإخوان المسلمين في مسألة الدولة الوطنية إلاّ من خلال التطرق إلى مفهوم الهوية لديهم، بوصفها تنبني على أساس الأمّة الإسلامية لا على أساس المواطنة حيث “يقدّم الإسلاميون الولاء للأمّة على الولاء للوطن، والمؤسف أنّ منظّري الإسلام السياسي لم يتمكنوا إلى اليوم من إيجاد حل وسط يجمع الهوية الإسلامية والهوية الوطنية”[16] وهذا الأمر كان عائقا ملازما لهم قد يُرجعه البعض إلى عدم تقبلهم للآخر المعارض و”تدل جميع المؤشّرات الحالية في مصر وتونس إلى عدم شذوذ هاتين التجربتين عن قاعدة جر الإسلاميين أبناء الوطن الواحد إمّا إلى الحرب الأهلية وإمّا إلى تقسيم أبناء الشعب الواحد مؤمنين وغير مؤمنين”[17].

وبعيدا عن التحيّز الإيديولوجي فإنّنا نشير إلى أنّ جميع الأنظمة العربية بمختلف تنوّعاتها السياسية وخلفياتها الإيديولوجية ترفض الآخر/المعارضة خوفا على المناصب السياسية، لا سيما إذا استطاعت المعارضة التفاف الجماهير الشعبية حولها كما فعل الإخوان المسلمون الذي استطاعوا كسب تأييد الناس في فترات زمنية وجيزة. فالسلطة مقدّسة في هذه البلدان بمقتضاها يتمّ تصنيم الحاكم.

أمّا في سياق التقدم وهو المشكلة المحورية لدى المجتمعات العربية حيث ساهمت في انبثاق هذه الجماعة كما غيرها من النواتات الثقافية، فإنّنا نلاحظ قطيعة إبستمولوجية على المستوى الفكري في إطار الحركية الثقافية التي تنتج من حين لآخر، بل على العكس تماما فقد أثبتت المادة التاريخية للحضارة العربية الإسلامية أنّ كل جيل ثقافي ينمو يتم طمسه إمّا من قبل السلطة وإما من قبل الفقهاء الذين كانوا يعتبرون المكوّن الرئيسي لطبقة المثقفين. وهو ما يحدث اليوم ليس فيما يتعلق بالإسلاميين فحسب، بل بجميع نخبنا الثقافية. وعلى اعتبار أنّ الحركات الإسلامية هي مجال بحثنا فقد مثّلت خطابات الإسلاميين “قطيعة حادّة مع تراث الإصلاحية الإسلامية في هذا الميدان”[18] والقطيعة يعني هدم و”انقلاب نظري وإشكالي يعيد صياغة المسألة السياسية في ذلك الفكر على نحو مختلف تماما عمّا استقرّت عليه في القرن التاسع عشر”[19].

  ونشير إلى أنّ تطرّقنا إلى السياق الثقافي في انفصال حلقاته الإبداعية لا يخرج عن سياق بحثنا فيما يتعلق بعلاقة الإخوان بالدولة، وإنّما هو في الحقيقة يدخل في صلب البحث ذلك أنّ كل حركة ثقافية تنشأ في العالم العربي هي مرهونة في مدى رضاء السلطة الحاكمة عليها أو لا، والحركة الإصلاحية في الحقيقة كانت مدعومة من أغلب السلطات السياسية ذلك أنّ مسألة التقدم واستيعاب الحداثة يكون مفروضا عليها من الخارج وليس من الداخل، لذلك يبدو أنّ إعلان الإخوان المسلمين القطيعة مع حركة الإصلاح يندرج في إطار رفضهم للدولة الوطنية ومنتجاتها الإصلاحية والفكرية.

جدلية العنف والدولة في خطاب منظّري الإخوان المسلمين: 

حسن البنا ونشأة الإخوان:

لا تنشأ الظواهر بمعزل عن واقعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني، بل هي نتاج تفاعل كل هذه المجالات مع بعضها أحيانا. ومن ذلك نتبيّن أنّه لا يمكن دراسة ظاهرة الإسلام السياسي الممثّل في جماعة الإخوان المسلمين كنبتة أولى لهذا الفكر الذي انطلق من مصر وانتشر خلال الثلاثينات في كامل الدول العربية تحت عديد التسميات، دون العودة إلى ظروف نشأتها التي لا تنقطع عن حركة التاريخ والواقع والمجتمع، فهي سليلة تجارب وتناقضات عاشتها المجتمعات العربية والإسلامية، بعد معاشرتها سنوات عديدة مظاهر التخلف والتدهور. وكانت استفاقتها مفجعة، مرعبة، لم يسعها استيعاب ما وصل إليه أجوارها من تقدّم وتطوّر. كان سؤال المرحلة الحرج هو لماذا تقدم الغرب وتخلف غيرهم، سؤال ورد على شاكلة حوار باطني في مخاطبة الذات الغفلة. شبيهة بقصّة أهل الكهف.

الإجابة عن السؤال ساهم في خلق ثراء فكريا، وزخما إيديولوجيا، متنوّعا، بين معتنقي العقيدة الغربية، والسير على نهجها، وبين تيار محافظ، انقسم بدوره إلى تيارين: فريق إصلاحي توفيقي، دعا إلى إصلاح معتدل، في حين أبى الفريق الثاني الخروج من جلبابه، متبرئا من كل العوامل الخارجية الدخيلة، لأنّها تمثّل بالنسبة إليهم مصدر تفسّخا على مستوى الهوية العربية الإسلامية، وإفلاس أخلاقي واجتماعي. مقابل الدعوة إلى المحافظة على المرجعية الدينية.

في هذه البيئة الفكرية الجديدة، نبتت جماعة الإخوان المسلمون، معلنة عن مشروعها الديني – السياسي، الذي استمدّت بنوده من عمق التراث الإسلامي. ولم يكن مشروعهم مجرّد ردّة فعل عن مسألة الدولة الوطنية ومحو معالم الخلافة ولا التغريب الحضاري فقط، بل أيضا ردّة فعل على بعض المواقف التي شكّكت في الإسلام واعتبرته عائقا أمام مسألة التحضّر “ونتج عنه أن المسلمين والعرب غير قادرين على تمثّل الحضارة والحداثة، لأنّهم لم ينجحوا في التخلّي عن الإسلام، والانخراط في الحضارة الكاملة. هؤلاء جعلوا من البنية العقائدية الإسلامية، التي لا تعرف التفريق، في نظرهم بين الدين والدولة، السبب الرئيسي في إخفاق الحداثة والتحديث في المجتمع العربي”[20]. وقد تبنّي هذا الموقف بعض العرب أنفسهم ممّن أغرتهم الحضارة الغربية فانساقوا وراء مبادئها وأفكارها مؤمنين بعدم قدرة الإسلام على استيعاب الحداثة.

أ- حسن البنا:

كانت انطلاقة تكوين الإخوان المسلمين مع حسن البنا سنة 1928، كردّة فعل على العلمانية و”مواجهتها الحادّة للنموذج العلماني الكمالي (لا سيما).. إثر إلغاء الخلافة”[21] فالتكوين كان مواجهة لإعلان الدولة مكان الخلافة.

  كانت الجماعة في طورها الأوّل، تعمل بطريقة سرية، هدفها الأوّل السعي إلى التعبئة الاجتماعية على أوسع نطاق، في حشد أكثر ما يمكن من أتباع حتى تستطيع الإعلان عن تنظيمها، من موقع قوّة لا من موقع ضعف. واستطاعت تكوين تنظيم “مليوني”. وكان للبنّا استراتيجية في ذلك فقد “ادّخر هذا الذراع لدعمه في حال الوصول إلى السلطة بالطرق الدستوريّة”[22] معتمدا في ذلك على جماعة أعلنت ترشّحها في الانتخابات البرلمانية “بصفاتهم الشخصية وليس بصفاتهم الإخوانية، وكان يريد في ذلك تأمين ضمانة برلمانية لعمل الجماعة وتطورها في الأطر الدستورية، نظرا إلى ما للبرلمان من أهمية استراتيجية في القرار السياسي للحكومة.”[23]

  يبدو أنّ حسن البنا كان يريد أن يعلن عن التنظيم بصفة مشروعة، في إطار دستوري خالص. وبدت أفكاره متصالحة مع السلطة الحاكمة لا تعارض فيها، وأبدى في خطابه، رضاه عن الدستور المصري في قوله: “إنّ الدستور المصري بروحه وأهدافه العامّة من حيث الشورى وتقرير سلطة الأمّة وكفالة الحريات لا يتناقض مع القرآن … وأنّ دين الدولة الرسمي هو الإسلام”[24] أي أنّه أراد المواءمة بين نظام الحكم الحالي مع النظام الإسلامي تجنّبا للصدام مع الدولة. وهو ما قد يتناقض مع بعض مقولاته الأخرى  التي صرّح بها في وقت مبكّر قائلا: “الإسلام عبادة وقيادة، ودين ودولة، وروحانية وعمل، وصلاة وجهاد، ومصحف وسيف، لا ينفكّ واحد من هذين عن الآخر”[25].

  يبدو أنّ الرجل لا يفصل بين النظرية والممارسة. وهذا الأمر لم يعكس علاقته مع الدولة بقدر ما عكس استراتيجيته التي تبنّاها وتحتّم عليه أن يكون مرحليا في قراراته، لذلك تكون مرحلة الدعوة والتعبئة هي الأولى ثم تأتي مرحلة التغيير. فقيام الدولة الإسلامية التي تطبّق الشريعة، أمر ضروري لدى البنّا، ولكنّه يأتي في فترة لاحقة. وقد صرّح بذلك “في مؤتمر حركة الإخوان في سبتمبر 1945 فكرة “الحكومة الإسلامية” في استراتيجية السياسة للمرحلة المقبلة”[26] كما اعتبر البنّا أنّ مسألة السلطة هي مسألة عقدية من الأصول الإسلامية “فقدّم أطروحات جديدة تدعو ضمنيا إلى: قيام نخبة إسلامية بالاستيلاء على النظام لتفعيل الإسلام في المجتمع وإعادته إلى السلطة”[27] فيصبح الفقيه هو رجل الدين ورجل السياسة في نفس الوقت، لأنّ الإخوان يعتبرون أنّ الناس قد تخلوا عن الشريعة في مجتمعاتنا المعاصرة. لذلك يريد الإسلام الحركي إعادة إحيائها. وبناء على ذلك يجب أن توضع الشريعة في يد السلطة “لا لأنّ الحاكم مقدّس، بل لأنّه مكلّف بمهمة مقدّسة هي تطبيق شرع الله”[28]. وهذا الطرح الجديد في مقولات الإسلاميين، يمكن أن نفهم منه أنّ كل مخالف للشريعة يتعرّض إلى العقاب من قبل السلطة الساهرة على تنفيذ الشريعة. ومن ثمة فإنّ خطاب الجماعة يبطن العنف منذ البداية. رغم ما أبداه البنّا من تسامح ومحاولات للانخراط في الدولة الوطنية والسلطة الليبرالية في ظاهر ممارساته السياسية. حتى أنّه تبرّأ من الاغتيالات التي قام بها التنظيم السرّي كي يقوم بتنزيه نفسه من جميع أعمال العنف.

لذلك كان خطابه في البدايات بعيد كل البعد عن المواجهة مع السلطة وموجها جهوده إلى الدعوة والإعداد. وقد ركّز في دعوته على المناطق الفقيرة والمحرومة، التي يقنعها الخطاب الديني العاطفي أكثر من غيرها من المناطق الغنية. ثم تأتي المرحلة التالية حيث سنلاحظ تغييرا يكاد يكون جذريا في خطاب البنا، حيث عبّر عن آرائه الجديدة في “مجلة النذير” التي أصدرها سنة 1938 وأعلن في عددها الأوّل أنّه سينتقل إلى مرحلة الفعل قائلا: “فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تقوم على نصر الإسلام”[29].

نلاحظ كيفية تدرج البنا في تناول القضايا وفي اختيارات المصطلحات التي تكون فيها تدرج في توصيل الفكرة إلى جماعته وأتباعه، وكل مرحلة تفضي إلى مرحلة أخرى وفق ما توصّل إليه من معطيات في المرحلة السابقة، مع ملاحظة تصاعد في لهجته الخطابية نحو القوة. ورغم ذلك فإنّ التنظيم لم يقع في مواجهة مباشرة مع الدولة إلاّ في عهد جمال عبد الناصر، هذا على المستوى العملي أمّا على مستوى التنظير فقد لعبت مقولات سيد قطب دورا بارزا في المرجعية العنيفة ليس لدى جماعة الإخوان فحسب، بل لدى جميع الحركات الإسلامية بعد ذلك.

 يبدو من المستحيل أن تسلّم الدولة الحديثة بمؤسّساتها الليبرالية السماح بتسليم السلطة إلى حزب ديني، لذلك لم تعترف بهم كحزب سياسي كما لم تسمح لهم بالنجاح في الانتخابات. فقد سعى “أحمد ماهر إلى تزييف الانتخابات وإسقاط مرشّحي الجماعة عنوة، مما كلّفه دفع رأسه ثمنا لذلك حين اغتاله الجهاز السرّي”[30].

  ويبدو أنّها اللحظة الفاصلة في تاريخ الجماعة، حيث بدأ التنظيم يكشف عن بوادر العنف المغيّبة على مستوى خطابه مبدئيّا. لأنّنا سنرى أنّ هذا النوع المرن من الخطابات سيتغيّر بعد ذلك مع منظّرهم سيد قطب.

لم يستطع البنّا مجابهة لعبة السياسة فانقلب السحر على السّاحر، وخاصّة بعد الجريمة التي نُسبت إلى التنظيم السرّي، “فلم يكن يمارس مع من تحالف سوى خدعة تكتيكيّة، تنتمي إلى عالم السياسة المباشر. وقد زجّ ذلك جماعته مباشرة في مشكلة أساسية حول نوعيّة التحالفات السياسية للجماعة”[31] وفقد البنا السيطرة على تنظيمه، مما دفعه إلى تغيير خططه واعتماده على التنظيم السرّي أي “عوّض الجهاز السرّي هنا عن ضعف سيطرته على الجهاز القيادي القاعدي”[32] ممّا جعل هذا التنظيم يوغل أكثر في العنف فيقوم بقتل المستشار أحمد خزندار عام 1948 عقابا له، لأنّه قام بسجن أحد الإخوان. وهذا الأمر كان في الحقيقة ضد رغبة البنّا الذي كان له سياسة مخالفة للعنف ضد السلطة “فقد كان يريد للجهاز أن يعمل أي شيء إلاّ توريطه مع الحكومة”[33].

  يبدو أنّ البنّا فقد السيطرة على التنظيم الذي اتخذ منحى العنف ضد أعضاء الحكومة. وهو بداية إعلان خطير لمنطلقاتهم وتوجّهاتهم ليس على المستوى النظري هذه المرة، بل على مستوى الممارسة، الأمر الذي سيدخلهم في دوّامة من العنف والعنف المضادّ مع الدولة. “لقد حوّل السندي العنف السياسي في مصر إلى فعل إخواني ضاغط ومؤّثّر ومربك”[34] أدخل الجماعة في مرحلة أخرى تختلف عن استراتيجية مرشدها، الذي بدا مرحليّا في توجّهاته السياسية والدينية. كما نُسب لهم التخطيط إلى عدّة عمليات تفجيرية مثل تفجير سفارة فرنسا، وسفارة بريطانيا، وغيرها من المخطّطات التي قالت الحكومة المصرية إنها اكتشفتها عندما كانت تقوم بالقبض على أهم العناصر المدبّرة لذلك، غير أنّ السندي في حقيقة الأمر لم يكن يتصرّف حسب وجهة نظره خارج فتاوى الجماعة.  بل كان المنفّذ لكل ما يتمّ الإفتاء به. في المقابل ردّت الحكومة ردّا أكثر عنفا من عمل الجماعة حيث قامت بحل التنظيم في كامل التراب المصري. كما حجزت كل ممتلكاته وقامت بمصادرة أمواله، كما وجّهت إليهم عدّة تهم كان أخطرها “اتّباع أساليب القوّة والإرهاب لقلب نظام الحكم … وبتصنيع القنابل والمتفجّرات”[35]. ولائحة الاتهامات تطول لا يسعها هذا البحث. وقد انتهت هذه المرحلة من تاريخ الإخوان بقتل مرشدهم حسن البنا من قبل البوليس المصري.

من الواضح أنّ جماعة الإخوان عاشت مرحلة خلاف داخلي كبير، بين الجماعة السرية للتنظيم وبين كوادرها، أدخلها في سلسلة من العنف مع الدولة، أدّى إلى الإجهاز على تنظيمها، بالسجن والاعتقال والقتل، وبإعلان جماعة الإخوان كتنظيم إرهابي عنيف محظور، وهي مرحلة مبكّرة لم يشتدّ فيها عود الجماعة بالدرجة اللازمة بعد. ولم يقف العنف والعنف المضاد إلى هذا الحد خاصّة بعد مقتل النقراشي وخلفه إبراهيم عبد الهادي “فأدار ماكينة العنف الرسمي إلى أقصى درجاتها ضد الجماعة، واعتقل 4000 عضو من الجماعة واتّبع أساليب في التعذيب الوحشي مع المعتقلين لم تعرفه مصر الحديثة … واستصدر فتاوى من مفتي الديار المصرية وبيانا من هيئة كبار العلماء ومن شيخ الأزهر بتحريم الجماعة”[36]

 ويبدو أنّ الإقصاء قد اتخذ بعدا دينيّا لمنع الجماعة من الظهور أي الاستناد إلى المرجعية الدينية نفسها التي تستند إليها الجماعة، ليتخذ المنع بعدا قانونيا لاحقا أي تحالف الدين والدولة لإعلان نهاية الإخوان المسلمين. الأمر الذي شرّعت به الدولة لنفسها ممارسة العنف ضدهم تمثّل في عمليات تعذيب واعتقال خاضعة إلى منطق العين بالعين. ونشير في هذا السياق إلى تدخل الديني لتبرير السياسي، فالجماعة الدينية تطمح إلى مراكز سياسية عليا في الدولة من منطلق ديني، مقابل محاولة الدولة إقصاءهم ضمن المنطق نفسه، أي تحريمه دينيا. وتداول منطق “الدم بالدم” بين الحكومة والجماعة لتبرير العنف المتبادل. وانتهت هذه المرحلة كما سبق ذكرنا بقتل البنا من قبل البوليس السياسي رغم استنكاره لما حدث وتبرّئه منه.

ونشير في هذه المرحلة التأسيسيّة الأولى، أنّ البنّا مؤسس الجماعة لم يسع إلى تكفير المجتمع ولا الحكّام، كما أنّه لم يتبن مقولات العنف في أطروحاته، لأنّ استراتيجيته المرحلية لم تكشف إلاّ عن طموحاته السياسية في السيطرة على السلطة والمسك بدواليب الدولة بطرق شرعية. 

وفي هذا الإطار نتساءل كيف أمكن للجماعة التي هزمت وانحل تنظيمها وقتل مرشدها إعادة البناء والتأسيس؟ وكيف ستكون علاقتها مع الدولة خاصّة أنّ الحكومة ستتغيّر؟ هل ستتواصل مرحلة العنف أم سيكون للتنظيم استراتيجية محكمة هذه المرّة تجنّب الإخوان خسائر بشرية؟

حاول ما تبقى من الجماعة لمّ الشمل مع من تمّ الإفراج عنهم من السجون مع حكومة النحّاس. وتنصيب مرشد جديد، مع اختراق الجيش المصري وتكوين خلية إخوانية داخله. ويبدو أنّ الجماعة الجديدة كانت وفيّة بعض الشيء لاستراتيجية الأب الأوّل البنّا في مرحلتها الأولى على الأقل، واتّباعها سياسة المراحل. فقد “كان من الواضح أن الجماعة حتى أزمة مارس 1954 التي انفجر فيها الصراع بين عبد الناصر ومحمد نجيب كانت تعتمد سياسة “التأييد التكتيكي” المحسوب الذي يخدم في النهاية أهدافها الاستراتيجية العليا في استخلاص الحكم”[37] ولكن هل ستسمرّ الجماعة – التي لملمت نفسها بعد أزمة عنيفة، عاشتها مع أجهزة الدولة – طويلا في اتباع هذه السياسة؟ أم أنّ لعبة السياسة وواقع المجتمع سوف يكشف عن وجه آخر لهذه الجماعة؟

  ستبدأ هذه المرحلة الجديدة من تاريخ الإخوان المسلمين بعلاقتهم بالرئيس المصري جمال عبد الناصر، وكذلك بنظام دولة جديد، كما سيلمع نجم منظّر جديد في صفوف الجماعة سيكون له مواقف مغايرة عن الأب الروحي البنّا. كما أنّها ستعلن موقفا حاسما من المستعمر الإنجليزي بإعلان شرعية الجهاد عليه.

 بيد أنّ اللحظة المفصلية في تاريخ الجماعة والتي ستشهد معها منعرجا خطيرا هي بداية العداء مع عبد الناصر بسبب النزاع عن السلطة. وهذا ما استشعره عبد الناصر في لحظة مبكّرة قائلا: “إنّ الجوّ ينذر بصدام” ما بين الجماعة والسلطة”[38] وستنطلق الشرارة الأولى للتأزّم عندما “قرّر الكادر الطلاّبي الإخواني في الجامعة بالتنسيق مع الشيوعيين إحياء الذكرى السنوية لشهداء الجامعة في معركة القنال في 12 يناير 1954 .. فحدثت مواجهة بين شباب هيأة التحرير وعناصر الإخوان أفضت إلى وقوع عشرات الجرحى وتخريب وحرق سيارات”[39]. وقد أفرزت هذه الأحداث مجموعة من القرارات لم تكن في صالح الجماعة أبدا، أخطرها: اتّهم المجلس الهضيبي و”زمرته” بمحاولة قلب نظام الحكم تحت ستار الدين”[40]. كما تمّ حلّ التنظيم من جديد واعتقال العديد منهم بما في ذلك مرشدهم. حيث تمّ إعادة السناريو نفسه الذي حدث في عهد البنّا. وكأنّ هذا التنظيم مجبول على تكرار نفس الأخطاء بنفس الشاكلة ومن ثم تحمّل نفس النتائج، لتسجّل الدولة انتصارا جديدا على الإخوان، الذي ما يكاد يرمّم نفسه ويشهد انتعاشة، حتى يتّخذ مسار العنف سبيلا للتعبير عن وجوده. ذلك أنّ في لعبة السياسة كل الأسلحة مشروعة، ليس من طرف الأفراد والجماعات فحسب بل أيضا من طرف السلطة الحاكمة حفاظا على مصالحها. وهذا ما يفسّر التحالفات بين مجموعات تختلف إيديولوجيا ولكنّها تتفق في حفظ المصالح المشتركة. فاتُّهم الإخوان المسلمون بالتحالف مع التيار الشيوعي ضدّ الدولة، رغم الاختلاف الإيديولوجي بين الطرفين، فاشتركا في احتجاجات ضد النظام. وبدت في شكل معارضة تهدّد السلطة، ممّا جعل الحكومة تتخذ قرارات حازمة ضدّهم أضفت على المشهد العام مزيدا من مشاهد العنف والعنف المضاد مع الحزبين، وتمّ التعامل معهما بالطريقة نفسها. “فاتّهمت الحكومة الحزب الشيوعي المصري وجماعة الإخوان المسلمين بـ”التحالف” و”الاندماج “بقصد إشاعة الفوضى في البلاد ومقاومة حكومة الثورة للاستيلاء على الحكم”، وأقيمت لهم محاكمة جماعية، كاد هذا القرار أن يجهز على التنظيمين معا.

وفي هذا الطور اتّبع الإخوان نوعا آخر من الحرب ضدّ عبد الناصر وهو ما عرف “بحرب المنشورات” التي تدينه وتتّهمه بالتواطؤ مع إسرائيل. صدرت هذه الاتهامات نتيجة “توقيع عبد الناصر اتفاقية الجلاء بالأحرف الأولى”. وبدأت الأحداث تعرف نسقا تصاعديّا في ممارسة العنف بين الطرفين. فقد “مثّلت محاولة اغتيال جمال عبد الناصر منعطفا فارقا في العلاقة بين الإخوان والثورة سنة 1954”. وكانت هذه الضربة القاضية التي عادت على الإخوان بالسخط، وبردّة فعل عنيفة جدّا من قبل السلطة “تُلخّص الاتهام بإحداث فتنة دامية لقلب نظام الحكم بالقوة وتنظيم جهاز سرّي ملحّ لتنفيذ الانقلاب”[41]

لقد تضاربت الدراسات حول هذه المسألة خاصّة أمام إنكار الإخوان لهذه العملية، معتبرين أنّها حيلة من حيل عبد الناصر ليجهز على تنظيمهم. ومهما كانت الحقيقة، فقد مثّلت فرصة سانحة لعبد الناصر حتى يتخلّص من المعارضين للسلطة بمختلف توجهاتهم الإيديولوجية اليمين كما اليسار، أي الإخوان والشيوعيين على حدّ السواء. وتشتت الجماعة وتفرّقت في بعض البلدان العربية. واستطاع من تبقّى إعادة لململة شملهم من جديد تحت قيادة سيد قطب.

ب. سيد قطب ومنطلقات العنف من خلال عقيدتا الحاكمية والجاهلية.

انضم سيد قطب إلى جماعة الإخوان المسلمين عام 1953، وقد كتب “معالم في الطريق” وهو في السجن بعد صراع الإخوان المسلمين مع الحكم الناصري، حيث تمّ اتهامه بمحاولة قتل الرئيس المصري جمال عبد الناصر. لذلك سنلاحظ أنّ سيد قطب قد وجّه نظرية العنف نحو نعت الحكام العرب بالطاغوت بوصفهم يتحمّلون المسؤولية كاملة فيما عليه هذه البلدان من جاهلية جديدة أسوأ من تلك التي كانت قبل الإسلام. 

  ويبدو أنّ سيد قطب الذي دخل ومجموعته –كما سبق وذكرنا – في اتهامات بالعنف والعنف المضادّ من الدولة التي بادرت بحملة اعتقالات واتهامات للإخوان بتهم عديدة منها تهديد أمن الدولة ومحاولة اغتيال الرئيس عبد الناصر، ردّا على انتقادات ضد هذا الأخير بأنّه لا يحكم بما أنزل الله وأنّه يحارب الإسلام والمسلمين.

استقى سيد قطب معالم فكره في الحاكمية خاصّة من مقولات أبي الأعلى المودودي الذي كان أوّل من نظّر للحاكمية في العصر الحديث. غير أنّ المودودي لم ينف عن المجتمع إسلامه ولكنّه يراه مجتمعا يفتقد إلى المنهج الإسلامي الصرف. لكن قطب قد ذهب بعقيدة “الحاكمية” إلى أقصاها. فقد اعتبر أنّ الجيل الأوّل من الخلفاء قد طبّق المنهاج الإسلامي، المستمدّ من القرآن “لأنّ القرآن هو منهاج حياة وهو منهاج إلهي خالص”[42]. ماعدا ذلك فإنّ جميع الأجيال اللاحقة قد دخلت في جاهلية جديدة. يقول سيد قطب: “نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام وأظلم”[43]. لأنّ كل مظاهرها ومعتقداتها وممارساتها وفنونها وعلومها من منظوره هي تعبير عن تلك الجاهلية. فالمجتمعات الحديثة لم تعد تحكم بما أنزل الله، في تطبيق الشريعة بل أصبحت تحتكم إلى عبودية البشر، ويستند في ذلك إلى الآية “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”[44].

وعلى اعتبار أنّ المجتمعات العربية تحتكم إلى حكام طواغيت، لا يحكمون بما أنزل الله فإنّها مجتمعات تعيش جاهلية جديدة إذن.

ويعتقد البعض أنّ الجماعة قد استندت في مرجعيتها للحاكمية إلى الخوارج، في خصومتهم مع علي، عندما رفضوا تحكيم الرجال قائلين “لم حكّمت الرّجال. لا حكم إلاّ لله”[45] و”هو المعنى نفسه الذي استخدمه سيد قطب في الموضوعات الجديدة والأفكار السياسية المتّصلة بمفهوم الحاكمية[46]، إشارة إلى أنّ السياسة من مشمولات الدين وتخضع للشريعة، وكل حكم يعود للبشر فهو افتئات على الله بما في ذلك الحاكم الذي يتألّه في الأرض. ومن ثمّة فإنّ الشعب الذي يخضع لحكم البشر فهو يندرج تحت ذلك. وانحصر تطبيق الإسلام بالنسبة إليهم في الخلافة الأولى. لذلك يرون ضرورة العمل على إعادة أسلمة المجتمعات. وهذه المقولات بقيت على المستوى النظري فيما يتعلّق بجماعة الإخوان المسلمين الذين لم يسعون إلى استعمال العنف ضد الشعب، لكنّ يمكننا القول أنّ هذه المقولات أو على الأقل مقولات سيد قطب قد تمّ استثمارها لاحقا مع الحركات الجهادية في أعنف صورها، ضمن التنظير لمحاربة جبابرة الحكم أوّلا وقبل كل شيء. ومن هذه المقولة تمّ تدشين مفهوم الجهاد الداخلي في التعامل مع الحكام بوصفهم هم العدو القريب الذين يقفون حاجزا أمام تحقيق ربوبية الله على عباده. مقابل ذلك فإنّ الحكام الذين تعاقبوا على مصر قد قاموا باضطهاد التيار الإسلامي وعدم الاعتراف به كتيار سياسي، فضلا على تزوير نتائج الانتخابات التي تخدم مصلحة السلطة الحاكمة وتقصي الإخوان المسلمين. 

وأما في تعريف سيد قطب للحاكمية فيقول: “الألوهية تعني الحاكمية العليا … وأنّ توحيد الألوهية وإفراد الله – سبحانه – بها معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهّان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام وردّه كلّه إلى الله … ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية… وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله”[47].

أمّا على مستوى المعجم الذي استعمله قطب للتعبير عن موقفه من الواقع ومن الحاكمية ومن أنظمة الحكم الحديثة التي يرفضها. فقد تداول في خطابه مفردات حديثة، من قبيل “دولة” و”مجتمع” و”سلطة”…إلخ. وهو ما لم يعكس توجهاته الفكرية ومرجعيته الدينية، فلم يقم بنسف معالم الحداثة وأدواتها ومصطلحاتها التي يقف على النقيض منها. وهذا يعود ربّما إلى تلقيه مناهج علمية حديثة. فقد درس في الجامعة كما درس في أمريكا وهذا هو الفارق بينه وبين البنّا الذي درس فقط  في الداخل (تخرج من دار العلوم). لكنّ خطاب قطب بدا أكثر تشددّا من خطاب البنّا. وهو يستسلم إلى النقل ولا يقول بالعقل الذي يعتريه النقصان -حسب رأيه – لأنّ العقل عقول وإذا اختلف الناس في تأويل القرآن سوف تعم الفوضى لذلك علينا أن نتقيد بالنص القرآني حرفيّا.

يكشف قطب منذ البداية عن مرجعيته في تمثّلاته لمفهوم الجهاد عندما يستشهد بابن القيم الجوزي تلميذ ابن تيمية. فضلا على أنّه يبني موقفه من خلال انتقاده رواد الإصلاح الذين دعوا إلى التسامح بين الأديان. واعتبروا أنّ الجهاد دفاعيا خالصا. وسيد قطب من المؤمنين أشدّ الإيمان بأنّ الدين عند الله هو الإسلام، استنادا إلى قوله تعالى: “ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين”[48]. ولهذا السبب فإنّ دعوته لا تقف عند الجانب التنظيري وإنّما يتجاوزها إلى الجانب العملي بالدعوة إلى التغيير. يقول قطب في هذا السياق: “ومن ثم تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه … تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات، وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة … إنّها حركة لا تكتفي بالبيان في وجه السلطان المادّي”[49]. فهو يغلّب القوة على البيان.

على مستوى الخطاب يرى البعض تناقضا، ومن أمثلة ذلك قوله: “وإخراجهم من العبودية (أي الناس) للعباد إلى العبودية لربّ العباد، لا بقهرهم على اعتناق عقيدته، ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة … بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة”[50]. فالقضاء على الحكام بالنسبة إليه هو بمثابة إعلان حرية جماعية للإنسانية التي سوف تتحرّر من عبودية البشر إلى عبودية الله وحده، بمجرّد القضاء على الطواغيت كما يسميهم. فهو يعتبر أنّ حركته أو دعوته هي حركة تحرير إنسانية مطلقة.

وفي هذا الإطار يشهد مفهوم الجهاد انزياحا جديدا عند سيد قطب، ليصبح قتال الحكام وتخليص الشعوب من طاغوتهم، لأنّهم في الحقيقة هم الحائل بين الإنسان وعبودية الله لله. لأنّ البشر أصبحوا يعبدون بعضهم البعض. ويبرز مفهوم الجهاد هنا أداة للتغيير الداخلي أو الانقلاب على النظم الفاسدة. 

  لا يرى سيد قطب وجها دفاعيّا للجهاد بقوله: “وإذا لم يكن بدّا أن نسمّي حركة الإسلام الجهادية حركة دفاعية، فلا بد أن نغير كلمة “دفاع” ونعتبره دفاعا عن الإنسان ذاته، ضد جميع العوامل التي تقيّد حريته وتعوق تحرّره”[51]. والإنسان الحر في المفهوم القطبي هو الذي استطاع التخلّص من عبودية الإنسان وأعلن عبودية الله وحده. وهذا مفهوم جديد في مسألة الجهاد، وهو في ذلك ينتقد رجال الإصلاح الذين جعلوا الجهاد مجرّد دفاع عن النفس.

مظاهر العنف والعنف المضاد مع الدولة:

 على المستوى النظري كان خطاب قطب مشحونا بالتحريض على التغيير، أمّا على مستوى التطبيق فسيكون مترويّا قليلا خاصّة أمام ضعف إمكانيات جماعته المادية. في المقابل سعت الدولة إلى شنّ هجمات اعتقالات في صفوف الإخوان زاد من تدهور وضعيتهم، وإضعاف قوتهم البشرية. وقد كثّفت الدولة من الاعتقالات حتى تمّ اعتقال سيد قطب نفسه “وبضربة حظ وقع علي عشماوي بطريقة المصادفة ليعترف بكل شيء، ويسقط التنظيم بيد السلطة وتبدأ محنة جديدة، حوكم فيها 42 من أعضاء التنظيم، وصدر حكم بالإعدام على سيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل ويوسف هواش”[52] لتنتهي مرحلة أخرى من مراحل الإخوان بهزيمة فادحة في معاركهم مع الدولة وبخسارة باهظة.

فكيف سيستطيع هذا التنظيم إعادة التشكّل من جديد في عهد السادات؟ وكيف ستكون علاقتهم بالدولة في هذا الحكم الجديد؟

القسم الثاني: الإخوان ومرحلة الانخراط في الدولة. (في البرلمان المصري مع السادات)

يبدو أنّ مصير الإخوان سيبدأ بنفس الطريقة وسينتهي بنفس الطريقة مع كل حكومة مصرية جديدة، أي ستبدأ كل مرحلة بمحاولة الانسجام بين الطرفين ومحاولة استيعاب الدولة للجماعة دون الاعتراف بها من الناحية القانونية، وتنتهي بالعداء وعدم التوافق. ذلك أنّ حركة الإخوان المسلمين ستظلّ إلى تاريخ الثورة المصرية جماعة معارضين للنظام.

 عندما ترأس السادات الحكم قام بالإفراج عن السجناء بين 1971 و1974. ولكنّ تجمّعهم هذه المرة سيكون تحت جناح السلطة ووسيلة من وسائل لعبة السياسة الخفية. فقد حاول الرئيس الجديد استعمالهم للقضاء على خصومه الإيديولوجيين، حيث “حاول الرئيس السادات إثر حركة مايو 1971 أن يستخدم الإخوان كأداة له في مواجهة خصومه داخل النظام من الناصريين، من دون الاعتراف بوجودهم القانوني والشرعي”. فماهي مجريات الأحداث بين الطرفين: الدولة والجماعة لا سيما أنّ المرشدين الجدد للإخوان المسلمين كانوا ممن عايشوا البنّا؟

في هذه المرحلة التي التقت فيها المصالح بين الإخوان والسادات خاصّة أنّ هذا الأخير قد أبدى توجّها إسلاميّا “واستخدم الشرعية الدينية لدعم سياسته”. وفي هذه المرحلة تمّ توظيف الدين لخدمة السياسة، وحضور جدلية الديني والسياسي. فقد قبل الإخوان العمل مع السلطة رغم عدم الاعتراف بها قانونيا. من جهة ثانية أبدى السادات توجّها دينيا لتدعيم سياسته. وقد دعّمت هذه العلاقة الثنائية القائمة على المصالح بروز: “البنوك الإسلامية” التي لعبت فيها كوادر من الإخوان المسلمين دورا مركزيا فعّالا مستفيدين من هذه التحوّلات”، كما نشطت الثقافة الدينية بما يحيط بها من بناء مساجد، ومساجلات حول تطبيق الشريعة. وهو أبدى تلاقيا في وجهات النظر بين “الصديقَين”. وكان السادات يمحو معالم السياسة الناصرية من خلال الإيغال في الرأسمالية.

  في تلك الأثناء، لم يكن أمام الإخوان من خيار غير القبول بالتعددية الحزبية والديمقراطية “والواقع أنّ الخيار الديمقراطي التعددي قد تعزز تدريجيا داخل الإخوان بالتساوق مع خوضهم المنافسة الديمقراطية التعددية في إطار الاستخدام الأداتي البراغماتي مع الآخرين في المواقع التي أتيح لهم من جماعات ونقابات وحتى انتخابات”. كما بدأوا يدخلون في مجادلات في قضايا الحداثة مثل الديمقراطية والليبرالية والشيوعية وأبدوا ليونة في التعامل معها. وهو ما يمثّل تطوّرا هامّا في تاريخ هذه الجماعة لاحقا، ستخدم طموحهم للسلطة بعد الثورة.

 وهو ما أمكننا من الاستنتاج التالي: حيث وقعت مواءمة بين الإخوان الذين أبدوا اعتدالا وليبرالية من جهة، والسادات الذي أبدى توجهات إسلامية في السلطة من شأنها استيعاب الإخوان المسلمين.

 ولكنّ ما هو مصير هذه المواءمة عند تعارض المصالح بين الطرفين؟

لم يتمكّن الإخوان من الحصول على ترخيص لتنظيم حزب سياسي من الناحية القانونية، رغم المحاولات العديدة، لأسباب منها الخلاف الحاصل داخل الإخوان أنفسهم بين رافض ومؤيد لفكرة التخلّي عن الصيغة الدينية والظهور بالصفة السياسية، أمام منع السادات الترخيص لأيّ تنظيم له توجّه ديني. وهو ما يشي بأنّ السادات كان يوهم الناس بتوجّهاته الإسلامية لا غير. أمّا الإخوان المسلمون فقد اتبعوا استراتيجية أخرى من شأنها إكسابهم شعبية وتقوية قاعدتهم الجماهيرية كوسيلة ضغط. فقد توجّهوا إلى الجامعات وتكوين اتحادات طلابية فازت في الانتخابات الجامعية. حيث “نجح الإخوان بعد لقاءات عديدة في استقطاب بعض رؤساء هذه الاتحادات وأصبحوا فيما بعد من القيادات البارزة في الإخوان”

  وفي هذا السياق نشير إلى الظروف الناشئة في فترة السبعينات قد أفضت إلى هذا النوع من العلاقة بين الإخوان والدولة والتي بدأت بداية هادئة بعيدة عن العنف. حيث عرفت فترة السبعينات تناقضات عديدة اجتماعية وسياسية ودينية ساهمت في ولادة تيارات دينية إسلامية متشدّدة “نتيجة حسابات “الثورة المضادّة” التي كان يقوم بها النظام ضد العهد الناصري”[53] وأهمّ هذه الحركات أو أكثرها تشدّدا هي تنظيم الجهاد الإسلامي 1979 ومجموعة التكفير والهجرة 1977، فتبنّت هذه الحركات مقولة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” متوخيّة أسلوب العنف في تقويم الشعب، كما توجّهت إلى السلطة والمطالبة بتطبيق الشريعة وبعضها من اتهم الحكام بالكفر.

فكيف سيقوم السادات بإخماد المعارضة الجديدة التي أبدت تشدّدا كبيرا وخاصة مع الإخوان بوصفهم النواة الأولى للحركات الإسلامية؟ 

سيعرف الشارع المصري بداية من سنة 1977 حراكا سياسيا متصاعدا، خاصّة أمام الخلافات الإيديولوجية بين الإسلاميين الراديكاليين والإسلاميين المعتدلين والشيوعيين والفقراء المطالبين بالعدالة الاجتماعية وساخطين على التفاوت الطبقي الذي بات يعرفه المجتمع المصري. وكان على السادات إخماد هذا التمرّد قبل أن يصبح ثورة. ويبدو أنّه اختار البدء بتصفية عدوّه الأوّل أي الناصريين القوميين والشيوعيين، مقابل الاقتراب أكثر من الحركات الإسلامية، “فاستُخدم الدين بكثافة من قبل النظام الساداتي حتى بدأ في مجال المنافسة مع الإسلاميين، فأصبح شعاره “العلم والإيمان” و”الرئيس المؤمن” و”كبير العائلة”، وتمّ تأجيل الصدام مع الإسلاميين والتحالف معهم للقضاء على الخطر الداهم خوفا من عودة العلمانية والشيوعية والاشتراكية”[54].

  لكن سرعان ما بدأ هذا التحالف الساداتي الإخواني يعرف بعض التوتر، إثر معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، التي لم يرفضها الإخوان على مستوى الشكل، أي لم يرفضوا مبدأ التعاهد في حدّ ذاته، فقد مارسه الرسول مع اليهود، ولكنهم رفضوا مضمون “الاتفاقية الناتجة عن التفاوض كما قام به السادات”[55]. وهو ما أدّى إلى توتّر العلاقة بين الطرفين جعلت السادات يتخذ قرارات عنيفة ضدّهم، فطبّق عليهم مبدأ الاعتقالات.

ودون المزيد من سرد الأحداث في هذا الإطار لأنّ ما يعنينا هو جدلية العنف بين الدولة وجماعة الإخوان. وعلى ما يبدو فقد تميزت هذه المرحلة من تاريخ الإخوان بالابتعاد عن العنف نظريا وعمليّا، بل على النقيض من ذلك فقد أبدت تسامحا شديدا وعبّرت عن معارضتها للعنف الذي مارسته الجماعات الإسلامية الأخرى. وتنتهي هذه المرحلة باغتيال السادات من قبل جماعة إسلامية متشدّدة. لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الإخوان المسلمين مع حكومة جديدة برئاسة حسني مبارك.

القسم الثالث: مرحلة حسني مبارك: 

 بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الإخوان مع الدولة الوطنية تحت قيادات جديدة، وبرئاسة حسني مبارك. ويبدو أنّ الأمر لم يختلف كثيرا مع كل مرحلة عاشها الإخوان “فمع بداية كل واحدة منها كانت هناك بداية جديدة مع الإخوان المسلمين، ثبت أنّها جميعا كانت تستهدف توظيف الجماعة لموازنة جماهيرية وتيارات أخرى من ناحية، واستكشاف إمكانية احتواء الجماعة في الحدود التي يسمح بها النظام السياسي من ناحية أخرى”[56]

من الناحية السياسية، لم تكن الجماعة قادرة على مجاراة اللعبة السياسية في أيّ عهد من عهودها، حيث سعت السلطة توظيفها ضد خصومها، وخضعت الجماعة لآلية التوازنات التي تفرضها عليها الدولة في كل مرّة. إذ دشّن حسني مبارك فترته الرئاسية بالسماح للإخوان المسلمين بالدخول إلى البرلمان المصري بطريقة مشروطة تتمثّل بعدم الاعتراف بهم كتنظيم سياسي أو ديني، ولكن بطريقة مستقلّة. ويبدو أنّها كانت استراتيجية جديدة من قبل مبارك، لا سيما أنّه في بداية حكمه، ويريد تجنّب التوتّرات الناتجة عن التناقضات التي خلّفها حكم السادات، إضافة إلى تخوّفه من ظهور تيارات الإسلام المتشدّدة، مقابل انشغاله بتركيز سياسته والإمساك بزمام الأمور على الصعيدين الداخلي والخارجي.

 ومن الجدير بالذكر أنّه ورغم هذا الإدماج في البرلمان، أي في إحدى أهم مؤسّسات الدولة إلاّ أن الجماعة في الحقيقة كانت تفتقد إلى الشرعية التي بقيت تبحث عنها منذ ظهورها الأوّل، لكنّ الدولة تسعى إلى استيعابهم دون إعطائهم الشرعية القانونية كتنظيم قائم الذات. لذلك يعتبر “جوهر الصراع بين الإخوان والنظام المصري هو سعي كل منهما إلى تكريس الشرعية بأنماط وأشكال الشرعية المختلفة: شرعية الوجود السياسي، والقانوني والمجتمعي.”[57]

وبداية من ألفينيات هذا القرن بدأت تسريبات إعلامية ومخابراتية تلمّح بخطر الإخوان المسلمين على النظام المصري. ويظهر ذلك في تسريب “لويكيليكس” في وثيقة هامّة وفيها كتب السفير الأمريكي بتونس روبرت جودك يرى أنّ “الوضع في مصر متفجّر للغاية” بل ذهب أبعد من ذلك في التحليل بالقول إنّ جماعة الإخوان المسلمين “سوف تسيطر على الحكم في مصر … سواء الآن أو لاحقا”[58] دون الدخول في تفاصيل إثبات حقيقة هذه القولة من عدمه. ولكنّ حكومة حسني مبارك بادرت إلى سلسلة من الاعتقالات في كوادر التنظيم “وكان أهم مظاهرها تحجيم النشاط السياسي للمعارضة الإسلامية بالأدوات القانونية والتشريعية”[59]

  ومن ذلك نفهم ما يمكن أن تفكر فيه الدولة تجاه تنظيم الإخوان بوصفه يشكّل معارضة سياسية أوّلا وقبل كل شيء على السلطة الحاكمة. لذلك فإنّ لائحة الاتهامات جاهزة في حق الإخوان توجّه إليهم في كل مرة حاولوا فيها إيجاد موقع قانوني لهم، تقوم الدولة بالإجهاز عليهم بالاعتقالات. فلم تسمح لهم بالتحرّك إلاّ داخل الأطر التي ترسمها لهم. ذلك أنّ تهمة تهديد أمن الدولة، تهمة جاهزة توجّه لهم في كل مرة.

وهذا ما يجعل مقولات الإخوان المسلمين في الفكر السياسي تبدو ثابتة لا تتغير، ما عدا ما حدث في طروحات سيد قطب التي شذّت عن التفكير العام للحركة، ماعدا ذلك بقي خطاب الجماعة في إطار الدولة.

  وممّا زاد في تعقيد العلاقة بين الإخوان والدولة هو إصدار الإخوان المسلمين بيانا ندّدوا فيه بما حدث في العراق من خلال جمعياتها ونقاباتها. وهذا الأمر كان ضد سياسة مبارك الذي كان مشاركا في الحرب بالأساس. فكانت ردّة فعله عنيفة “وهكذا افتتح عقد التسعينات بتحول في السياسة الرسمية في اتجاه التضييق على الإخوان وتوجيه ضربات انتقامية ضدهم، واتّهامهم بالإرهاب”[60]. كما وجّه لهم لائحة أخرى من الاتهامات قسمت ظهر التنظيم، مثل اتهامهم بالتعاطي مع الإرهاب، وسعيهم إلى قلب نظام الحكم. وبهذه الطريقة “القانونية” تستطيع الدولة الهيمنة عليهم وكسر شوكتهم، حتى إذا فكّروا في إعادة التنظيم يكون ذلك مضنيا وبعد جهد جهيد، يأخذ سنوات طويلة لإعادة التجمع والتركيز كتنظيم قوي ومتماسك. لذلك كان في كل مرحلة يشهد تنازلات، تعكس مقولاتهم التي كانت تتطور وتجدد وفق النظام الجديد، وليس وفق إرادته التصحيحية أو الإصلاحية كما يعلن.

ويمكن تقييم هذه المرحلة من تاريخ الإخوان المسلمين، حيث استفادت من دخولها الانتخابات من خلال تحقيق انتشار اجتماعي واسع وبالتعبئة على أوسع قدر ممكن مع احتلالها مراكز النقابات والجمعيات. أمّا على المستوى السياسي فإنّها لم تحقق غير خيبات الأمل والهزائم المتكرّرة، فلا هي استطاعت الاندماج في السلطة كلية ولا الدولة أعطتها اعترافا شرعيا، بل بقيت على حدّ تعبير عبد الغني عماد: “في زواج عرفي مع الدولة”. أمّا فيما يخص جدلية العنف بين الإخوان الدولة. فقد مارست الدولة ضدهم جميع أنواع أساليب العنف المادّي والمعنوي.

القسم الثالث: الإخوان ما بعد الثورة: مآل الصعود إلى السلطة ونتائج السقوط منها

نتساءل في هذا المستوى من بحثنا هل آمن الإخوان بالثورة بوصفهم دعوا منذ ظهورهم إلى التغيير؟ وماهي حيثيات نجاحهم في الانتخابات وسقوطهم السريع؟ وكيف دارت أحداث العنف بين الطرفين: الدولة والإخوان المسلمين؟

  بعد عقود من التهميش والظلم وأحيانا الاستغلال للإخوان المسلمين كما بقية الحركات الإسلامية في العالم العربي مع الحكومات السابقة كما رأينا مع السادات، بدت الفرصة سانحة جدا للحركات الإسلامية للصعود إلى الحكم أمام فقدان الثقة في الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية التي عرفت الثورة فضلا على ضعف الدولة الوطنية بعد عجزها عن تحقيق مطالب شعوبها السياسية والاجتماعية. فكان صعود الحركات الإسلامية تعويضا عن ذلك الفشل الذريع الذي عرفته الأنظمة التي وصفت بالدكتاتورية أما منع الحريات الدينية والسياسية أدّى إلى ثورات شعوبها لإسقاطها. 

 فصعد إلى الحكم حركة النهضة في تونس والإخوان المسلمين في مصر محققين الشرعية الانتخابية. حيث كان فوزا ساحقا. يبدو أنّ الشعوب العربية المتعطّشة للعدل والحرية باعتبارها كانت تعاني كبتا سياسيا ودينيا كان أملها كبيرا في الحركات الإسلامية باعتبارها أحزابا دينية، وهو ما يطرح مسألة أخرى غاية في الأهمية بعيدا عن الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية هو البعد الهوي. فالدين إلى جانب اللغة هما المحددان الأساسيان لخصائص الهوية. ذلك أنّ الحداثة قد أحدثت ارتباكا كبيرا في مسألة الهوية وأعادت طرحها بشكل خلافيّا في الأوساط العربية. لا سيما أنّ محدّدات التمايز بين مختلف فئات الشعب الواحد قد أصبحت على مستوى محدّدات غربية مثل إتقان اللغات الأجنبية والتعليم العصري.

 ولذلك رأت الشعوب العربية أنّ الأحزاب ذات التوجّهات الدينية ستساعد في تحقيق العدالة الاجتماعية وتعيد الاعتبار إلى مكوّنات الهوية العربية الإسلامية. والدولة الوطنية لم تستطع القيام بهذه المحددات فلا هي حافظت على مبادئ الهوية ولا هي قادت البلدان العربية نحو التقدم الحضاري، فضلا على عجزها الاقتصادي الفادح. إذن كانت هذه فرصة الإخوان لتحقيق ما عجزت عنه الحكومات السابقة من وعود. فهل استطاعت تحقيق ذلك؟ ثم السؤال الأهم كيف تعاملت الجماعة مع مفهوم الدولة الذي كانت ترفضه عندما وصلت إلى الحكم؟ ثم نتعمق أكثر في قيما يتعلق بإشكاليات بحثنا ونتساءل هذه المرة عن دور العنف بين هذه الجماعة وبين الدولة؟ كيف ستكون علاقتها بالآخر بوصفها حركات تنادي بالعودة إلى النموذج الإسلامي الأول؟  لكنّ الاستفهام الأهم في نطاق بحثنا هو هناك تصالح بين الدولة الوطنية والإسلام السياسي في مصر وبالتالي مصالحة بين الدين والدولة؟ أم أنّ العداء التاريخي والعلاقة المتوترة بين الطرفين ستفضي إلى ما هو أسوأ من العنف في المرحلة الراهنة؟ ما هو مآل الإخوان المسلمين في مصر بعد الانقلاب الذي حصل عليهم وعلى الشرعية الانتخابية والمآل الديمقراطي المنتظر بعد الثورات العربية؟

 أضعفت الحكومات السابقة للثورة جميع كتل المعارضة، إلاّ أن حركة الإخوان المسلمين استطاعت أن تتفرّع في جميع البلدان العربية. فقد حافظت على التعبئة الجماهيرية الضخمة وأصبحت تمثّل المعارضة الوحيدة في مصر من ناحية التجمع والحشد، خاصّة أمام ما قام به السادات من استهداف الأحزاب اليسارية والليبرالية، حتى يتخلّص من نظام عبد الناصر. ورغم ذلك الحشد الجماهيري الكبير في صفوف الإخوان المسلمين إلاّ أنّهم لم يستطيعوا الفوز في الانتخابات البرلمانية ولم يتحصّلوا على ترخيص بوصفهم حركة سياسية.

وفازت الجماعة في الانتخابات الرئاسية مع محمد مرسي سنة 2012 وحصلت على الشرعية التي كانت تبحث عنها منذ 1928 من أوسع أبوابها، رغم تصريحها بأنّها لن تشارك في الانتخابات وهذا الأمر يدعو للتساؤل: هل هذه استراتيجية جديدة من قبل الإخوان المسلمين أم هناك دوافع أخرى لعدم الانسجام بين القول والفعل في خطاب الجماعة؟ ثم ماهي أسباب الفشل في قيادة السلطة، هل هو عامل الخبرة في الممارسة السياسية؟ أم رفضها للدولة الوطنية من جهة ومناداتها بالخلافة قد أربكها بعد صعودها إلى السلطة؟

بعد صعود الإخوان إلى السلطة بدأت التقييميات تظهر في خصوص سياستهم وتسجيل الإخفاقات في إدارة شؤون البلاد. خاصّة أمام شعب متعطّش إلى تحقيق مطالب الثورة وأهدافها “وفي الوقت الذي كانت فيه العلاقات بين الإخوان والعسكر تزداد تماسكا وترابطا، كانت الفجوة بين الجماعة والقوى الثورية تزداد اتساعا وتوتّرا. وكانت لحظة الإعلان الدستوري في 21 نوفمبر 2012 بمثابة “القشّة التي قسمت ظهر البعير” في العلاقة بين الإخوان وبقية القوى السياسية”[61]. ذلك أنّ بقايا الأحزاب القديمة التي استطاعت الأنظمة القديمة تفكيكها بدأت تلملم صفوفها وتعود إلى العمل السياسي مع ظهور أحزاب سياسية جديدة وهي في أغلبها أحزاب ليبرالية ويسارية لها خلافات إيديولوجية تاريخية مع الأحزاب ذات التوجهات الدينية. وكان محور الاختلاف هذه المرة حول بنود الدستور وكذلك حول المؤسّسات التي ستقود المرحلة الانتقالية بكل مكوناتها بدءا بالمجلس الانتخابي مرورا. ويبدو أنّ حسنين توفيق إبراهيم أفضل من عبّر عن التطوّرات التي رافقت المرحلة الانتقالية في تاريخ مصر قائلا: “وقد جرت التطورات السياسية المشار إليها في ظلّ بيئة اتسمت بأربع ظواهر رئيسية هي: الانفلات الأمني الذي شكّل -ويشكّل – تحديا حقيقيّا للدولة والمجتمع، واستمرار تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتواصل الاحتجاجات الفئوية في شكل تظاهرات وإضرابات واعتصامات، وحدوث حالة من الانفلات الإعلامي الذي لا يقل خطورة عن الانفلات الأمني، حيث غابت في كثير من الأحيان أصول وضوابط ممارسة الحرية الإعلامية في إطار من المسؤولية لحساب ممارسات إعلامية أفرطت في تشويه الحقائق وممارسة التحريض وإشعال الحرائق”[62]. ويمكن التعبير عن هذه الوضعية بالفوضى التي تبدو أنّها أربكت الإخوان في حسن قيادة المرحلة التاريخية بوصفها مرحلة تغييرية جذرية وانقلابية على الأنظمة القديمة.

بحسب الأحداث التاريخية للحضارات التي عاشت ثورات شبيهة بالثورات التي عاشتها الدولة العربية يبدو أنّها فوضى طبيعية، قد رافقت جميع الثورات ولا سيما تلك التي عاشتها أوروبا في بداية نهضتها، وهو ما حدث في تونس أيضا، ولكنّ مسار الثورة المصرية قد آل إلى مآل مغاير تماما عن مبادئ الديمقراطية باعتبار أنّ الحزب الذي فاز في الانتخابات الشرعية قد تمّ الانقلاب عليه. 

 بدأت حيثيات الانقلاب من بعض الأحداث كالتالي، حيث يبدو أنّهم لم يستطيعوا تكريس مبدأ الموضوعية في التعاطي مع الزخم الحزبي بعد الثورة. كما عجزوا عن رأب صدع الانقسام العقدي الذي بدأ ينبثق منذ ظهور الحركات الإسلامية بين مؤمنين وغير مؤمنين. وقد تجسّد هذا الخلاف بين والأحزاب المدنية والأحزاب الإسلامية بشكل سياسي خاصّة أمام السيطرة الجماهيرية الواضحة للأحزاب الأخيرة. “فقد طرح البعض منذ أيار/مايو 2011 فكرة التوافق على مبادئ “حاكمة للدستور” أو “فوق دستورية” بحيث تلتزم بها الجمعية التأسيسية لإعداد الستور. وقد أثار جدل واسع بشأن هذه القضية، فهناك من أيّدها وشدّد على ضرورتها، وبخاصة القوى والأحزاب المدنية، وهناك من رفضها باعتبارها تصادر على إرادة الشعب، وتمكّن نخب محدودة من فرض وصاية عليه. وقد شكّل الإسلاميون جبهة الرفض لهذا المقترح، وإن كان بعضهم لم يمانع في وجود مبادئ استرشادية غير ملزمة توضّح أمام الجمعية التأسيسية للدستور. وقد جرت حوارات ومناقشات عديدة لمحاولة ردم الهوة بين الجانبين، إلاّ أنّها لم تصل إلى نتيجة حاسمة”[63] بل تفاقمت الخلافات لاسيما عندما تبيّن أنّ أكثر من نصف أعضاء الجمعية هم من الإسلاميين، الأمر الذي جعل الأطراف الأخرى ترفض هذا الأمر بتعلّة أنّهم لا يمثّلون مختلف فئات الشعب المصري، وفي هذا السياق بدأت الانسحابات من أعضاء الجمعية[64]

  ويبدو أنّ دائرة الخلافات السياسية بين الأطراف المتجادلة حول الجمعية التأسيسية لإعداد الدستور بدأت تتّسع وتجد أنصارا لها في الشارع المصري على أساس إيديولوجي أي بين الإسلاميين والمدنيين. وأمام هذا الوضع الهش بطبعه حيث يسوده الفرقة والخلافات الإيديولوجية، لاقى الإخوان المسلمين بعد وصولهم إلى السلطة معارضة شديدة من الشعب بقيادة الائتلاف الحزبي المدني (أحزاب ذات توجّهات ليبرالية ويسارية) “جبهة الإنقاذ” الذي كانت نتائجه ضعيفة في الانتخابات نظرا إلى أنّ خطابه بقي خطابا نخبويّا لم يمسّ مختلف فئات الشعب بكل أطيافه ومكوّناته كما فعل الخطاب الإسلاموي، حيث دعا هذا الائتلاف إلى التظاهر ضد قرارات مرسي مع عديد الاتهامات. ومما زاد الأمر سوءا هو “مراهنة الإخوان على التحالف مع قوى اليمين الديني خاصة السلفيين والجهاديين السابقين، وذلك من أجل تحقيق التوازن مع القوى المدنية التي نجحت في توحيد صفوفها تحت مظلة ما كان يسمى “بجبهة الإنقاذ””[65] غير أنّ هذا التوحيد لم يقم إلاّ بتقسيم الشعب على أساس إيديولوجي. وهذا الأمر خطير جدّا يوحي بعودة الديكتاتورية بلبوس لاهوتي هذه المرّة. وهذا الأمر لا يرقى إلى مستوى طموحات الثورة، التي قامت على أساس العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين مختلف أطياف المجتمع. وبالتالي الطموح إلى مواطنين وليس إلى جماعات وأطياف دينية وأخرى لا دينية. ومن ثمة فالشعب الذي عبّر عن إرادته وثأر لنفسه لن يرضى مرّة أخرى بهذه الأشكال والممارسات من قبل أنظمة الحكم. وهذا ما أدّى إلى التوتر وعجّل بالتصادم وإحداث أعمال عنف، عبر تشكيل جماعات دعت إلى التظاهر ورفض سياسة الإخوان. فبدأت المداهمات لمقرّات الأحزاب اليمينية الدينية، بما في ذلك مقرّات الإخوان تعبيرا عن رفضهم وسخطهم على سياستهم في السلطة.

  ويبدو أنّ عملية تدخّل الجيش المصري في الحكم بحجة إخفاق الرئيس المنتخب لم تكن مستبعدة من استشرافات المصريين كما التونسيين في الشارع، بيد أنّ الفارق بين البلدين هو عدم تصريح أّي جهة مسؤولة في الدولة في تونس، على العكس من ذلك في مصر فقد صرّح المشير طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة بذلك صراحة: “أنّ الجيش لا يسعى إلى دور سياسي إلاّ أنّه من غير المستبعد أن يتدخل للسيطرة على الأوضاع، في حال أخفق الرئيس المنتخب في إدارة شؤون البلاد إلى الحد الذي يجعلها تواجه خطر الانزلاق إلى حالة فوضى شاملة أو حرب أهلية”[66].

 إنّ سردنا لمختلف معطيات الواقع المصري في مرحلة الانتقال بعد الثورة يندرج في إطار تحليل الخطاب الذي يستدعي ضرورة وضع الظواهر في إطارها التاريخي والأحداث المحيطة بها، لاكتشاف التناقضات التي أفضت بولادة هذه الظاهرة.

 هذا ويمكن أن نذكّر أنّ من بين أهم الأسباب التي قامت عليها الثورة المصرية كما التونسية هي الحدّ من عنف الدولة المطلق الذي كانت تمارسه على الأفراد والمجموعات باستخدام مؤسّساتها العسكرية والبوليسية للحد من حرياتهم العامة والخاصة وتقييد الحرية الدينية والسياسية. “وعلى الرغم من سلمية الثورة، فإنّ العنف السياسي ظلّ سيّد الموقف على امتداد الأعوام التالية، مع تغيّر مساراته باختلاف مراحل المشهد الثوري… الانفلات الأمني… صدامات ميدان التحرير المتكرّرة … ويمكن القول إنّ الدولة كانت محرّكا أساسيا في استمرار تلك المشاهد وتغذيتها الأمر الذي أدّى إلى انتشار العنف والعنف المضادّ”[67].

ورغم ذلك فقد لفت انتباه العالم العنف الذي تمارسه بعض الحركات والمجموعات الدينية وغير الدينية بوصفها حركات خارجة عن القانون تمارس الإرهاب ولكنّ لا أحد يسعى إلى اعتبار أنّ هذه الممارسات في جانب منها هي ردّ فعل عن عنف الدولة بطرق شرعية وأحيانا كثيرة غير شرعية أي لا تخضع إلى سلطة القوانين بقدر ما تخضع إلى القضاء على أشكال المعارضة خاصّة في الدول العربية. وأبرز مثال على ذلك هو ما حدث قبل الثورة وحتى بعدها من تصفية للإسلاميين.

تقول مروة يوسف محمد عرابي: “والعنف الذي استخدم لقمع الإخوان المسلمين وفصول العنف الموجهة ضدّهم دون باقي المجتمع، لإخضاعهم لمعادلة السلطة الحالية. وتلك استراتيجيا اتبعتها الدولة للتعامل مع المعارضة، إضافة إلى ارتباط هذا العنف بظاهرة “البلطجية” الذين يقومون بفضّ بعض التظاهرات بالنيابة عن الشرطة وبموافقتها، وشرعنة قبول هذا النوع من العنف في المجتمع”[68].

  ويجب التنبيه إلى أنّه مهما كانت نوعية أخطاء الإخوان وعدم قدرتهم على قيادة المرحلة أو تحيّزهم إلى الحركات الدينية دون بقية الكتل السياسية الأخرى فإنّهم لم يعتمدوا العنف كوسيلة لتصفية خصومهم وإنّما ما حصل هو العكس، حيث أنّه لم يقم الجيش المصري بقتل جماعي للإخوان فقط وإنّما قام باغتصاب الشرعية الانتخابية وإرادة الشعب في اختيار من يحكمه. حيث “بدأ النظام الجديد ما بعد الثالث من تموز/يوليو 2013، بأكبر عملية قتل جماعي شهدتها مصر الحديثة، حين قامت قوات الشرطة بمساعدة من الجيش باقتحام اعتصامي ميداني “النهضة” و “رابعة العدوية” وفضّهما ما أسفر عن مقتل نحو 1500 شخص في عشر ساعات”[69]. كما تمّ بالحكم المؤبّد على عديد الكوادر في صفوف الإخوان، كما تمّ سجن الرئيس المنتخب وهو من الإخوان المسلمين إلى أن توفي هناك. وقد قامت مروة يوسف محمد عرابي بتعداد أنواع مختلفة لأشكال العنف الذي مارسته الدولة مع مواطنيها وخاصّة مع الإخوان المسلمين في عصر السيسي مثل القتل الجماعي وعمليات الاعتقالات الجماعية، فضلا على العنف الجنسي والتعذيب والتصفية الجسدية …[70] وهي في الحقيقة أشكال قديمة استندت عليها الدولة في الأنظمة العربية قبل الثورة وحتى بعدها للتعامل مع المعارضة بجميع أصنافها اليسارية كما اليمينية.

وهذه الممارسات العنيفة لم تكن من أهداف الثورة ولا من غاياتها، بل إنّه انحراف عن المسار الديمقراطي المنشود، قد أبان عن عنف الدولة الذي بلغ مداه في فترة كان من المفروض أنّها فترة انتقالية للأنظمة العربية السابقة التي كنا ننعتها بـ”الدكتاتورية”.

ويرى أحد الكتاب المصريين أنّ ما قام به السيسي شبيه إلى حدّ ما بما قام به جورج بوش الابن في حربه على الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر “قام السيسي بتنزيل مصطلحات ورؤى الحرب العالمية على الإرهاب مثل “من ليس معي فهو ضدّي” و “الإرهابيون يتآمرون علينا” على الداخل المصري، وذلك لتضمين رؤيته للواقع الداخلي المصري في النطاق العالمي. أمّا على النطاق الداخلي فما عاد مستهجنا مقدار العنف أو كيفية استخدامه لمحاربة ذلك الإرهاب”[71].وقد أراد السيسي من خلال هذه الحرب تبرير استناده إلى العنف في التعامل مع الإخوان المسلمين واعتداء أيضا على الشرعية الانتخابية وإرادة الشعب في اختيار من يرأسه. بيد أنّ الخطاب الرسمي للنظام الحاكم في كل مكان هو المحدّد لمعطيات العنف ومظاهره فضلا على محاربته.

كما يرى الكاتب نفسه أنّ العنف الذي قامت به بعض الحركات الإسلامية مثل “أجناد مصر” هو في الحقيقة ردّ فعل على العنف الذي مارسه النظام مع الإخوان في كل من “رابعة العدوية” و “النهضة” وربّما هذا ما جعل البعض يرى أنّ جماعة أجناد مصر هم من الإخوان المسلمين بصدد انتقامهم من النظام، بيد أنّ الأمر مجرّد احتمالات لأنّ حقيقة هذا الانتماء مختلَف فيها.

  ويمكن أن نشير إلى أنّ وجهة النظر التي قاربت بين “جماعة أجناد مصر” وبين الإخوان المسلمين، قد اعتمدت على عاملين اثنين أولاهما هو مرجعيتهم “القطبية” نسبة إلى سيد قطب الذي كان أوّل من أفتى بمحاربة الحكّام. أمّا العامل الثاني فقد ارتبط بزمن ظهورهم الذي تلا اعتصامي “رابعة العدوية” و”النهضة”[72]. وقد استهدفت هذه الجماعة مختلف مؤسّسات النظام المصري الحالي من شرطة وجيش … وقد تبنّت عمليات تفجيرية في قرابة 26 مقرّ من المقرّات الأمنية المصرية[73]. وأعلنت الجهاد باعتبار أنّ القوة تقابلها القوة في مثل هذه الممارسات، أي مقابلة العنف بعنف مضاد. وهو ما يشي بالأسباب الحقيقية لظاهرة العنف الديني الذي تمارسه الحركات الإسلامية الراديكالية بوصفه نتاج ظلم الدولة لمجتمعاتها. ولذلك يجب التنبيه إلى ضرورة مراجعة الأنظمة العربية لقوانينها وقراراتها ومؤسّساتها الردعية التي تمارس العنف تحت طائلة القانون، وهي سياسات تفضي ضرورة إلى إنتاج حركات وجماعات تمارس العنف السياسي ردّا على عنف الدولة. وقد صرّحت مروة يوسف محمد عرابي بذلك قائلة: “إنّ استمرار استخدام العنف من الدولة يؤدّي إلى زيادة مستوياته في فئات المجتمع كلها، فيزيد العنف المنزلي، كما تزيد الجماعات المسلحة وتتنوع عملياتها، الأمر الذي يؤدّي إلى زيادة معدلات الإرهاب”[74]

وهو ما يفسّر لنا استهداف الحركات الجهادية مؤسّسات الدولة التي تستخدمها في ممارسة العنف، ليس في مصر فقط بل في جميع الدول العربية التي شهدت ثورات، وقتل العديد من الشخصيات الأمنية بوصفها الأذرع المباشرة مع الشعب في ممارسة العنف، مقابل عدم استهداف المواطنين العاديين.

بيد أنّه يمكن القول –  وبصرف النظر عمّا إذا كانت هذه الجماعة تنتمي إلى الإخوان المسلمين أم لا – فإنّ الخطاب الإخواني بعد سيد قطب ولا سيما بعد صعودهم إلى السلطة لم يكن خطابا عنيفا ولم يعتمد العنف للوصول إلى السلطة ولا إلى تصفية أعدائه ومعارضيه، ولكنّ أخطاءهم كانت في التعاطي مع المعطيات الجديدة، أي في إدارة دواليب الدولة. 

خاتمة:

حاول بعض الدارسين الإجابة عن هذه الأسئلة، من خلال تبيّنهم أسباب إخفاقات الإسلام السياسي في الحكم. فذهب الكاتب في علم الاجتماع “طيبي غماري” إلى” أنّ إخفاق الإسلام السياسي الحاكم يعزى إلى عدم قدرته على تطوير مشروع وخطاب يستوعبان جميع الطاقات الوطنية (حيث) دفعا إلى تفكيك المجتمع إلى مؤمنين وغير مؤمنين، متناسيا أنّ الأمر يتعلّق بمواطنين ..”[75] تجمعهم مؤسسات وحقوق وواجبات، وليس الأمر متعلّقا بجماعات طائفية تحت سلطة الحاكم باسم الاله.

 ومن هنا يظهر العائق المفهومي عند الجماعة، لا بل في طبيعة تمثّلهم لمسألة الدولة والحكم، فبقي خطابهم دعويا دينيا، لم يعكس طموحات المواطن العادي الذي يبحث عن أساسيات العيش الكريم على أساس الحرية. وقد عكست ممارستهم في الحكم هذا القصور فضلا على الحكم الأحادي الذي يقوم على الانفراد بالقرار لحساب مجموعة دون أخرى.

 كما نشير إلى أنّ الجماعة لم تدخل في صراع شامل مع الدولة إلاّ في عهد جمال عبد الناصر، أمّا بقية المراحل فقد كانت ممارسات العنف فردية من طرف بعض الأعضاء في التنظيم، قد تبرّأ منها مرشديهم في أغلب الأحيان. وهذا المستوى العملي كما غلب عليهم الاعتراض على بعض المسائل الجزئية التي تتعلقّ بتطبيق الشريعة والبحث عن موقع شرعي لهم في إطار الدولة الوطنية، ولذلك حاولوا الاندراج في بعض مؤسساتها مثل البرلمان والجمعيات والبنوك. أما على المستوى النظري والفكري فقد ظهرت أساسا في مقولات بعض الأطراف أيضا، غير أنّ أكثرها حدّة كانت مقولات سيد قطب التي حصرها في جاهلية المجتمع والحاكمية. أما على مستوى الخطاب الرسمي للإخوان المسلمين فلم يتميز خطابهم بالعنف والتشدّد بل أبدوا ليونة كبيرة عند صعودهم إلى الحكم في التعامل مع الآخر وبالمناداة بالحرية والديمقراطية.

 ويجدر الإشارة في ختام هذا البحث إلى ما تقتضيه الأمانة العلمية، أن نشير إلى أنّ موقف الإخوان المسلمين من الدولة لم يكن موقفا راديكاليا بل كان سعياً من أجل التموقع وتأسيس كيان سياسي قانوني لا سيما أمام التعبئة الشعبية التي يتميّزون بها والتي خوّلت لهم نجاحا باهرا في الانتخابات بعد الثورة المصرية.


الهامش

[1] عبد الوهاب الكيّالي: موسوعة السياسة، ج4، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، ص. 255

[2] عبد الوهاب الكيّالي: موسوعة السياسة، ج4، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، ص. 256

[3] عبد الوهّاب الكيّالي: موسوعة السياسة، 42، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، ص. 256

[4] جلال الدين سعيد: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، تونس، دار الجنوب، ط5، 2016

[5] عبد الوهاب الكيالي: موسوعة السياسة، ج4، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، ص. 256

[6] عبد الوهاب الكيالي: موسوعة السياسة، ج4، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، ص. 257

[7] ورد في لسان العرب من مادّة شرع “شرع الوارد يشرع وشرعا وشروعا: تناول الماء بفيه. وشرعت الدّواب في الماء تشرع شرعا وشروعا أي دخلت. ودوابّ شروع وشرّع: شرعت نحو الماء. والشريعة والشراع والمشرعة: المواضع التي ينحدر إلى الماء منها، قال الليث: وبها سمّي ما شرع الله للعباد شريعة من الصّوم والصلاة والحج والنكاح”[7] وهنا دليل على الاتّجاه الطبيعي لسيلان الماء

[8] جلال الدين سعيد: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، تونس، دار الجنوب، ط1، 2007، ص. 278

[9] جلال الدين سعيد: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، تونس، دار الجنوب، ط1، 2007، ص. 278

[10] ابن منظور: لسان العرب، مج4، بيروت، دار صادر، ط1، 1997 ص. 444

[11] عبد الوهاب الكيّالي: موسوعة السياسة، ج2، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1981، ص. 702

[12] عبد الوهاب الكيّالي: موسوعة السياسة، ج2، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1981، ص. 703

[13] مجموعة مؤلفين: الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، ج1، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2016، ص. 301

[14] سعود المولى: الإخوان والجيش، القاهرة، دار المشرق، ط1، 2017، ص. 16

[15] سعود المولى: الإخوان والجيش، ص.

[16] مجموعة مؤلفين: الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، ج1، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2016، ص. 327

[17] مجموعة مؤلفين: الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، ج1، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2016، ص. 327

[18] عبد الإله بلقزيز: الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2002، ص. 81

[19] عبد الإله بلقزيز: الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1 ، 2002 ، ص. 82

[20] محمد جمال باروت: الحركات الإسلامية في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2013، ص. 119

[21] محمد جمال باروت: الحركات الإسلامية في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2013، ص. 119

[22] عبد الغني عماد: الحركات الإسلامية في الوطن العربي، مج1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2013، ص. 206

[23] عبد الغني عماد: الحركات الإسلامية في الوطن العربي، مج1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العبية، ط1، 2013، ص. 206

[24] المصدر السابق، ص. 207

[25] حسن البنا: مذكّرات الدعوة والداعية، ص. 283

[26] مجموعة مؤلفين: الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، ج1، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2016، ص. 214

[27] مجموعة مؤلفين: الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، ج1، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2016، ص. 215

[28] المصدر السابق، ص. 215

[29] رفعت السعيد: حسن البنا مؤسس حركة “الإخوان المسلمين” متى.. كيف .. ولماذا؟، بيروت، دار الطليعة، ط3، 1980، ص. 186)

[30] محمد جمال باروت: الحركات الإسلامية في الوطن العربي، مج1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، ط1، 2013 ص.207

[31] المصدر السابق، ص. 208

[32] المصدر السابق، ص. 208

[33] المصدر السابق، ص.209

[34] المصدر السابق، ص. 210

[35] محمد جمال باروت، مصدر سابق، ص. 213

[36] المصدر السابق، ص. 216 -217

[37] عبد الغني عماد: الحركات الإسلامية في الوطن العربي، مج1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2013، ص. 223

[38] المصدر السابق، ص. 230

[39] المصدر السابق، ص. 238

[40] المصدر السابق، ص. 238

[41] المصدر السابق، ص ص. 242 ـ 248

[42] سيد قطب: معالم في الطريق، ص. 15

[43] سيد قطب: معالم في الطريق، ص. 17

[44] سورة المائدة: الآية 44

[45] الشهرستاني: الملل والنحل، ج1 ، ص. 114

[46] مجموعة مؤلفين: الإسلاميون وقضايا الدولة

[47] سيد قطب: معالم في الطريق، ص. 22

[48] سورة آل عمران: الآية: 58

[49] سيد قطب: معالم في الطريق، ص. 57

[50] سيد قطب: معالم في الطريق، ص. 58

[51] سيد قطب: معالم في الطريق، ص. 64

[52] عبد الغني عماد: الحركات الإسلامية في الوطن العربي، مج1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2013، ص. 266

[53] عبد الغني عماد، مصدر سابق، ص ص 266 ـ 274

[54] عبد الغني عماد: الحركات الإسلامية في الوطن العربي، مج1، ص. 275

[55] عبد الغني عماد: الحركات الإسلامية في الوطن العربي، مج1، ص. 276

[56] ممدوح الشيخ: الحركات الإسلامية في الوطن العربي، مج1، ص. 282

[57] المصدر السابق، ص. 285.

[58] المصدر السابق، مج1، ص. 288

[59] المصدر السابق، ص. 297

[60] ممدوح الشيخ: الحركات الإسلامية في الوطن العربي، مج1 ، ص. 299

[61] محمد أبو رمان: آفاق الإسلام السياسي في إقليم مضطرب، الإسلاميون وتحديات ما بعد الربيع العربي، عمان، مؤسسة فريدريش إيبرت، ط1، 2017، ص. 77

[62] حسنين توفيق إبراهيم: الثورة المصرية والبناء الديمقراطي: التعثّر في متاهات المرحلة الانتقالية: ضمن كتاب جماعي: الثورة والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي نحو خطة طريق، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2012، ص. 348.

[63] حسنين توفيق إبراهيم، مصدر سابق، ص.357

[64] المرجع نفسه: ص. 359.

[65] آفاق الإسلام السياسي في واقع مضطرب، ص. 80

[66] حسنين توفيق إبراهيم، مصدر سابق، ص. 364

[67] مروة يوسف محمد عرابي: أثر عنف الدولة في المجتمع المصري بعد الثالث من يوليو 2013، جماعة أجناد مصر نموذجا، ضمن كتاب جماعي: العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة مقاربات سوسيولوجية وحالات، ج1، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2017، 263-264.

[68] مروة يوسف محمد عرابي، مصدر سابق، ص. 268

[69] المرجع نفسه: ص. 268

[70] مروة يوسف محمد عرابي، مصدر سابق، ص.268 إلى ص. 273

[71] المرجع نفسه: ص. 276-277.

[72] لمزيد النظر في هذه النقطة أنظر: مروة يوسف محمد عرابي: أثر العنف في المجتمع المصري بعد الثالث من يوليو 2013، ص. 279

[73] مروة يوسف محمد عرابي: مرجع مذكور، ص. 279

[74] المرجع نفسه: ص. 284.

[75] مجموعة مؤلفين: الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، ج1، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2016، ص. 321

الإخوان المسلمون وثورة يناير ـ الجزء الأول

الإخوان المسلمون وثورة يناير ـ الجزء الأول

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close