المرصد العسكري أبريل 2026

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
افتتاحية العدد
شهد شهر أبريل من عام 2026 عددًا من التفاعلات المهمة على المستويين المصري والإقليمي. فعلى المستوى المصري، يتضمن هذا العدد قراءة في المشروع التكتيكي “بدر 2026” الذي نفذه الجيش المصري في النطاق الشرقي للدولة، إلى جانب تناول عدد من الملفات المرتبطة بالشأن المصري.
أما على المستوى الإقليمي، فيقدّم العدد قراءات عسكرية متعددة لتطورات الأوضاع بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل حالة الحصار المفروض على طهران، فضلًا عن تحليل مستجدات المشهد في جبهة الجنوب اللبناني.
كما يتناول التقرير عددًا من الملفات العسكرية المرتبطة بالتسليح والتدريبات، واستراتيجيات المقاومة، إلى جانب تقديم مدخلات تمهيدية للفهم الاستراتيجي لأسس التحليل العسكري.
وأتناول التقرير على النحو التالي:
أولًا: قراءة حول المشروع التكتيكي للجيش المصري (بدر 2026)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من الشرق المصري في محافظة السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، المشروع التكتيكي “المناورة” بدر 2026 بالذخيرة الحية.
وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء يوم الأربعاء 29 أبريل 2026، أن وزير الدفاع الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي نفذته إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.
وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، واللواء أركان حرب أحمد مهدي سرحان قائد الجيش الثالث الميداني وقادة الأفرع الرئيسية ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.
بدأت المرحلة الرئيسية للمشروع بعرض ملخص الفكرة التكتيكية لمراحل المشروع وملخص الأعمال السابقة ، كما تضمنت المرحلة إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات ، وتم دفع العناصر المدرعة والميكانيكية لاختراق الدفاعات المعادية والاشتباك معها وتدميرها بمعاونة الهيلوكوبتر المسلح وعناصر المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات للتصدي لهجمات العدو المضادة ، كما قامت عناصر القوات الخاصة من المظلات والصاعقة بتنفيذ أعمال الإبرار والإغارة لتدمير الأهداف المكتشفة .
وفى سياق متصل شهد الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة إحدى مراحل المشروع التي تضمنت تنفيذ أعمال القتال لاقتحام الحد الأمامي لدفاعات العدو بمعاونة القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات القائمة بالهجوم ، وناقش عدداً من القادة والضباط بالمشروع في أسلوب تخطيط وإدارة المهام وكيفية التعامل مع المواقف التكتيكية الطارئة التي يمكن التعرض لها أثناء مراحل القتال .
تلك المناورات أحدثت داخل دوائر رسمية في “إسرائيل” “قلق وذعر“، من أشكال ذلك القلق تحريض عضو الكنيست “البرلمان الإسرائيلي” عميت هاليفي، من حزب “الليكود” الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ضد الجيش المصري الذي يجري تدريبات عسكرية في سيناء. وقال هاليفي في بيان متلفز: “التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليس إلا عرضًا لصورة أوسع وأكثر إثارة للقلق”. وزعم موقع “والا” العبري أن الجيش المصري “سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل 2026 على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود”، لافتا إلى أن لواء “فاران” التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود المصرية بتلقي تحذير استثنائي بذلك. ونقلت القناة السابعة العبرية، بيانا عن منتدى “غلاف إسرائيل”، عبّر عن قلقه وعضبه من إجراء تلك التدريبات المصرية بالقرب من الحدود. كما قالت منصة “ناتسيف نت” الإخبارية الإسرائيلية أن الجيش المصري أجرى تدريبات عسكرية باستخدام الذخيرة الحية قرب الحدود الإسرائيلية، وهذه التدريبات تجاوزت الأمور العادية.
وأضافت المنصة العبرية أن المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الحدود المصرية عانت من اضطرابات في الاتصالات ناتجة عن تشويش راداري مرتبط بالمناورات التي ينفذها الجيش المصري في سيناء.
قراءة عسكرية لمشروع بدر : قراءة في فلسفة التدريب القتالي داخل الجيش المصري
تُعد مناورات بدر، أو ما يُعرف بالمشروع التكتيكي بدر، أحد أبرز نماذج التدريب القتالي داخل الجيش المصري، حيث تعكس فلسفة متكاملة تقوم على الحفاظ على الجاهزية القتالية ورفع كفاءة الوحدات في بيئة عملياتية تحاكي الواقع. ورغم أن هذه المناورات لا تُنفذ بشكل سنوي ثابت بالاسم ذاته، فإنها تمثل نمطًا تدريبيًا متكررًا ضمن خطة التدريب العام للقوات المسلحة.
تُنفذ هذه المناورات في نطاق الجيش الثالث الميداني في الشرق المصري (سيناء) ، وهو ما يمنحها بُعدًا استراتيجيًا مهمًا نظرًا لطبيعة مسرح العمليات في هذه المنطقة، التي تُعد من أكثر المناطق حساسية في العقيدة العسكرية المصرية. ومن خلال هذه المناورات، يتم اختبار قدرة الوحدات المختلفة على العمل المشترك، سواء على مستوى القوات البرية أو بدعم من الأفرع الأخرى، بما يعزز مفهوم “العمليات المشتركة” الذي أصبح ركيزة أساسية في الحروب الحديثة.
لا تقتصر مناورات بدر على مجرد التدريب التقليدي، بل تُعد مشروع حرب متكامل بالذخيرة الحية، يهدف إلى محاكاة سيناريوهات قتال حقيقية، تشمل الهجوم والدفاع وإدارة المعركة في ظروف معقدة. ومن خلال هذه السيناريوهات، يتم الوقوف على مدى جاهزية القوات، واكتشاف نقاط القوة والضعف، والعمل على تطوير الأداء القتالي بشكل مستمر.
كما تعكس هذه المناورات نهجًا مؤسسيًا داخل الجيش المصري يعتمد على التقييم الدوري للأداء، حيث لا تُعتبر حدثًا استثنائيًا، بل جزءًا من دورة تدريبية مستمرة تهدف إلى الحفاظ على مستوى عالٍ من الكفاءة القتالية. وقد تُنفذ هذه النوعية من التدريبات أحيانًا تحت مسميات مختلفة أو دون الإعلان عن اسم “بدر”، إلا أن جوهرها يظل واحدًا، وهو إعداد القوات لمواجهة مختلف التهديدات المحتملة.
مناورات بدر ليست مجرد تدريب عسكري، بل هي تعبير عن عقيدة قتالية تقوم على الجاهزية الدائمة والتطوير المستمر. ومن خلال هذا النوع من التدريبات، يسعى الجيش المصري إلى الحفاظ على قدرته على الردع، وضمان استعداده للتعامل مع مختلف السيناريوهات، مهما بلغت درجة تعقيدها.
ومن المهم التأكيد على أن مناورات بدر تُعد مناورات اعتيادية ضمن خطة التدريب الدوري للقوات المسلحة المصرية، ولا ترتبط بشكل مباشر بالأوضاع الجارية في الإقليم، نظرًا لأنها تُنفذ على فترات كجزء من برنامج ثابت يستهدف الحفاظ على الجاهزية القتالية وتقييم كفاءة الوحدات بشكل مستمر، بغض النظر عن التطورات الظرفية، وما يدعيه الإعلام العبري بأنها مناورات مستحدثة غير صحيح.
لدى مصر جيشان نظاميان: الجيش الثاني الميداني والجيش الثالث الميداني، وكلاهما يتمركز في نطاق الشرق المصري، وذلك وفقًا للعقيدة التنظيمية للانتشار في النقطة الأقرب إلى العدو، الذي خاضت معه مصر حروبًا في أعوام 1948 و1956 و1967 و1973. وتقوم القاعدة الأصيلة المتجذّرة على أن العدو يأتي من الشرق؛ فقد كان ولا يزال مصدر التهديد الرئيسي لمصر قادمًا من الشرق.
كما يمتلك الجيش المصري أربع مناطق عسكرية: المنطقة المركزية (العاصمة الكبرى)، والمنطقة الشمالية، والمنطقة الغربية، والمنطقة الجنوبية.
بمطالعة إعلام العدو الصهيوني الرسمي والخاص سواء المرئي أو المقروء يتضح أن العدو الصهيوني يُفرق في نظرته لمصر بين مستويين:
الأول، الجيش المصري: فالعدو الصهيوني ينظر إلى الجيش المصري كمؤسسة نَظْرَة عداء ويرى أن قوة الجيش المصري تهديد حقيقي للكيان الصهيوني.
الثاني، السيسي: “فإسرائيل” نظرتها للسيسي كشخص إيجابية وترى أن استمرار السيسي في الحكم مصلحة لأمنها من حدودها الجنوبية، وتدعوا الجهات المختلفة للاستمرار في دعمه حتى يظل في منصبه ويتجاوز أزماته، لأن برحيله ستتغير سياسات الحكم في مصر وقد توجَّه قوة الجيش المصري إلى الكيان.
يمثل موقف الشعب المصري من القضايا الإقليمية امتدادًا لتاريخ طويل من التفاعل والوعي السياسي، حيث يتشكل هذا الموقف على أساس إدراك عميق لطبيعة الصراع في المنطقة. ومن هذا المنطلق، يقف المصريون إلى جانب كل من يعارض ويقف ضد العدو الصهيوني، وهو موقف لا يرتبط بظرف آني، بل يعكس قناعة راسخة لدى قطاعات واسعة من المجتمع المصري، يدركها جيدًا كل من عاش في مصر وخالط أهلها عن قرب، وكوني مصري عشت وسط المصريين طوال حياتي وخالط الشعب المصري عن قرب أستطيع أن اُجزم بهذا.
هذا الوعي الجمعي يتجلى في أن عداء إسرائيل ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو شعور متجذر في وجدان المصريين، تشكل عبر عقود من الصراع والتجارب التاريخية. وفي المقابل، تبقى هناك قلة محدودة لا تعبر عن هذا الاتجاه العام، وهي فئة فقدت البوصلة الصحيحة، ولا تجد أفكارها قبولًا لدى أغلبية المصريين الذين يرفضون هذا الطرح.
في المحصلة، إسرائيل كانت وستظل العدو الأول في الوعي الشعبي المصري، وأن بوصلة مصر، شعبًا ووجدانًا، ما زالت متجهة بوضوح نحو ثوابتها التاريخية، دون التباس أو انحراف.
ثانيًا: الدعم العسكري المغربي-المصري لدول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية
تقرير لموقع أفريقيا إنتليجنس “بعنوان الدعم العسكري المغربي-المصري لدول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية” ذكر فيه دعم كلًا من مصر والمغرب لدول الخليج في الحرب الأخيرة بين أمريكا وإيران، وجاء التقرير على النحو التالي (ترجمة الباحث أحمد مولانا):
“لجأت الرياض وأبوظبي إلى شركائهما في شمال إفريقيا للمساعدة في مواجهة التهديد الذي تمثله الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، في إطار تعاون يركّز على مجالي الدفاع والاستخبارات.
فمع تعرض دول الخليج للاستهداف عقب انطلاق الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير، اضطرت هذه الدول إلى البحث بشكل عاجل عن سبل لتعزيز دفاعاتها الجوية، فاتجهت إلى حلفائها في شمال إفريقيا، ولا سيما المغرب ومصر.
فإلى جانب التعاون الاستخباراتي الذي وفرته المديرية العامة للأمن الوطني بقيادة عبد اللطيف حموشي، أرسل المغرب أيضًا عناصر من القوات المسلحة الملكية إلى الإمارات، للمشاركة في تشغيل أنظمة الدفاع الجوي ضد الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.
ويعتمد نظام الدفاع الصاروخي الإماراتي على نوعين رئيسيين من المعدات: منظومة باتريوت PAC-3 ومنظومة ثاد، وكلاهما من تصنيع شركة لوكهيد مارتن الأمريكية. ويملك المغرب أنظمة باتريوت مشابهة، ما مكّنه من دعم حليفه الإماراتي.
خلال ذروة التصعيد، أرسلت الإمارات ما يصل إلى ثلاث طائرات عسكرية أسبوعيًا إلى المغرب لنقل الأفراد والمعدات المغربية اللازمة للعمليات الاستخباراتية والدعم الفني داخل الإمارات.
ويرتبط المغرب والإمارات باتفاق تعاون عسكري منذ عام 2006، كما أتاحت أبوظبي للمغرب بشكل منتظم استخدام طائرات الشحن العسكرية من طراز بوينغ C-17 غلوب ماستر III لنقل القوات والمعدات.
أما مصر، فقد طوّرت تعاونًا عسكريًا مع السعودية والكويت، إضافة إلى الإمارات. وتم نقل أنظمة دفاع جوي مصرية متطورة إلى الدول الخليجية الثلاث بأوامر مباشرة من السيسي.
وتعتمد هذه الأنظمة التي صُممت أساسًا في الولايات المتحدة على وحدات حارس السماء أمون (Skyguard Amoun) التي حصلت عليها مصر في ثمانينيات القرن الماضي، لكنها خضعت لعمليات تحديث كبيرة عززت قدرتها على اعتراض الصواريخ الإيرانية، حيث باتت قادرة على إطلاق ستة صواريخ في وقت واحد.
ويستخدم النظام صواريخ AIM-7M المصنعة من قبل شركة رايثون الأمريكية، كما يتضمن حاضنة إلكترونية جديدة لمواجهة الصواريخ الجوالة، حيث تم استبدال المستقبل التناظري القديم بنظام معالجة رقمي يسمح بتتبع الأهداف حتى في ظل التشويش والتداخل الإلكتروني. كما يضم النظام مدفعًا من طراز أورليكون من تصنيع شركة راينمننتال الألمانية، مزودًا بتوجيه راداري وقادرًا على استخدام ذخيرة AHEAD (الاعتراض والتدمير عالي الكفاءة)، خاصة قذائف عيار 35 ملم.
وقد طورت مصر هذا النظام بالتعاون مع واشنطن ليصبح قادرًا على اعتراض الطائرات عالية الأداء والصواريخ، بالإضافة إلى الأهداف منخفضة الارتفاع المزودة بإجراءات مضادة إلكترونية”.
في سياق متصل ، ردّ الإعلامي المصري عماد الدين أديب في تصريحٍ متلفز عبر برنامج “بتوقيت مصر” على قناة BBC على الانتقادات الخليجية التي وُجهت لمصر لعدم تدخلها عسكريًا في حرب إيران لحماية دول الخليج.
وقال أديب: “مع احترامي لدول الخليج، بس الدولة اللي بتطفّي النور الساعة 9 مساءً عشان توفر في فاتورة الكهرباء من 500 مليون دولار لمليار و650 مليون، إزاي عاوزينها تقف معاكم عسكريًا؟ هتقوم بنقل فرق وقوات وطائرات ومؤن وتموين من أين؟! ولدينا 165 مليار دولار ديون”.
القرار السليم والاستراتيجي، الذي أؤكده دائمًا، هو ابتعاد مصر عن الانخراط في مسارٍ عسكري في الأزمة الراهنة، حتى مع وجود القدرة. ولكن ما ذكره عماد أديب لخّص ما فعله السيسي في مصر خلال سنواتٍ في ثوانٍ معدودة:
“إنّ الضعيفَ المأزومَ لا يُنتظرُ منه فعلٌ، ولا يُعوَّلُ عليه في الملمّات”.
ثالثًا: حول ما كتبه المشير أبو غزالة عن هزيمة 67 والفريق الشاذلي عن حرب أكتوبر
1-دروس هزيمة 1967: قراءة في أسباب الانكسار وإشكاليات الفكر الاستراتيجي العربي:
تُعد هزيمة يونيو 1967 واحدة من أبرز المحطات الفارقة في التاريخ العربي الحديث، ليس فقط بسبب نتائجها العسكرية المباشرة، بل لما كشفته من اختلالات عميقة في بنية التفكير الاستراتيجي العربي آنذاك. وفي هذا السياق، تكتسب شهادات القادة العسكريين الذين عاصروا تلك المرحلة أهمية خاصة، ومن بينهم المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة “رحمه الله”، الذي قدّم في مذكراته قراءة نقدية صريحة للدروس المستفادة من تلك الهزيمة.
أول هذه الدروس يتمثل في غياب المعرفة الحقيقية بالعدو. فقد أشار أبو غزالة في مذكراته إلى أن “جهلنا بعدونا أدى إلى أن نخسر الحرب بسهولة”، وهو طرح يعكس خللًا جوهريًا في منظومة التقدير الاستراتيجي. فالحروب لا تُحسم فقط بالقدرات العسكرية، بل بمدى فهم طبيعة الخصم، وعقيدته القتالية، وأدواته، ونقاط قوته وضعفه. إن الاستخفاف بالعدو أو بناء التصورات على افتراضات غير دقيقة كان أحد الأسباب المباشرة التي قادت إلى الانهيار السريع في ميدان المعركة.
أما الدرس الثاني، فيتعلق بطبيعة التهديد ذاته. حيث أكد أبو غزالة أن “الخطر الصهيوني ليس موجهًا لدولة عربية بذاتها، وإنما هو خطر يهدد كيان الأمة العربية كلها”. هذه الرؤية تتجاوز الإطار القطري الضيق، وتضع الصراع في سياقه الأوسع كصراع إقليمي شامل. غير أن الإشكالية آنذاك كانت في عدم ترجمة هذا الإدراك إلى سياسات عملية، إذ بقي التعامل مع التهديد مجزأً، بينما كان التحدي بطبيعته كليًا.
ومن هنا يأتي الدرس الثالث والأكثر حسمًا: غياب التنسيق بين الجبهات العربية. فقد أشار أبو غزالة إلى أن “عدم التنسيق بين الجبهات العربية وفّر لإسرائيل حرية القضاء على القوات العسكرية لكل دولة على حدة”. هذا التشخيص يكشف أن الهزيمة لم تكن فقط نتيجة تفوق عسكري للخصم، بل أيضًا نتيجة خلل في إدارة المعركة على المستوى الجماعي. إذ أتاح غياب التنسيق لإسرائيل أن تواجه كل جبهة منفردة، فتجزئ المعركة وتحقق التفوق في كل محور على حدة.
إن استحضار هذه الدروس اليوم لا يهدف إلى إعادة سرد الماضي، بل إلى فهم أن الكثير من التحديات التي واجهتها المنطقة آنذاك لا تزال قائمة بأشكال مختلفة. فمعرفة العدو، وتحديد طبيعة التهديد، وبناء تنسيق فعّال بين الأطراف المعنية، تظل عناصر أساسية في أي معادلة صراع أو توازن قوى.
في النهاية، تكمن أهمية ما طرحه أبو غزالة في أنه لم يكتفِ بوصف ما حدث، بل حاول تفكيك أسبابه العميقة. وهي دعوة ضمنية لإعادة بناء التفكير الاستراتيجي العربي على أسس أكثر واقعية، حيث لا مكان للتقديرات الخاطئة أو العمل الفردي في مواجهة تحديات ذات طابع إقليمي معقد.
2-بمناسبة ذكرى 25 أبريل “تحرير سيناء” أكتب حول ما ذكره الفريق الشاذلي في مذكراته:
“سيشهد التاريخ أن حرب أكتوبر 73 قد بلى فيها الجندي المصري أحسن بلاء، وأن الضباط والجنود جميعًا قد بذلوا جهدهم وأدوا أروع أداء، إلا أن حاكم مصر في ذلك الوقت، المتعطش إلى السلطة وحب الظهور، قد أجهض انتصارهم”.
مقولة ذكرها الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقت حرب أكتوبر، رحمه الله، في كتابه “مذكرات حرب أكتوبر”. ذلك الكتاب الهام الذي أدعو من يريد الوقوف على حرب أكتوبر 1973 وما جرى فيها إلى قراءته.
مقولة الشاذلي ترسخ فكرة أن العسكري المصري كان لديه من الإرادة والعزيمة، بالرغم من التحديات والظروف، أن يقهر الواقع وينتفض لنصرة بلده وتحريرها من المحتل الغاصب. الجندي المصري، عندما، تتيح له الظروف والإمكانيات، قادر على صنع المعجزات.
قدم الجندي والضابط المصري أداءً عسكريًا متقدمًا في حرب أكتوبر، واستطاع العبور وتحطيم سد بارليف المنيع، وكانت المبادأة والمباغتة والمفاجأة له. ونُفذت خطة التقدم بأداء عسكري محكم، من تمهيد جوي ومدفعي مكثف إلى ربط الجسور وعبور القوات، بخلاف عبور القوارب التي استطاعت الوصول إلى الضفة الأخرى من القناة أثناء التمهيد، واشتباكها مع العدو بكل قوة وبسالة.
كان النصر وتثبيت القوات عند النقطة المتفق عليها هو النصر الذي يفرضه الواقع الميداني، وتغيرت معادلة القوة على الأرض، لكي تصبح القوات المصرية في حالة الهجوم، نستطيع من خلالها تحرير كافة الأراضي بالمسار السياسي، بناءً على ما كان من المفترض أن يتم على الأرض، ووقوف القوات عند النقطة التي تغطيها المظلة الجوية المصرية، ليكون التفاوض من باب القوة.
إلا أن تدخل السادات وتطوير الهجوم، وتسريب المعلومة لوزير الخارجية الأمريكي، أربك الموقف، وحدثت الثغرة التي وضعت مصر على طاولة التفاوض، في ظل معادلة تقدم بها العدو على الأرض، نتيجة الثغرة الفادحة التي حدثت بسبب تدخل السادات وقراره، ذهبت بمصر إلى تفاوض “مشوش” بناء على قرارات السادات أدى إلى اتفاقية كامب ديفيد “الفادحة”.
رحم الله كل جندي وضابط مصري شارك في حرب أكتوبر، لقد أدوا أداءً بارعًا كما قال الشاذلي، ولكن السادات أجهض ما كان مخططًا له.
رابعًا: قراءات عسكرية لتطورات الأوضاع بين أمريكا وإيران
1-تقدير موقف بين الحصار والتفاوض… مسار مزدوج ينذر بانفجار إقليمي مجددًا:
تشير المعطيات الراهنة إلى أن الولايات المتحدة تتبنى مقاربة مركبة في التعامل مع إيران في الوقت الراهن، تجمع بين استنزاف المسار السياسي إلى أقصى حد ممكن لنزع الاستسلام الإيراني عبر طاولة المفاوضات، بالتوازي مع أدوات ضغط ذات طابع عسكري غير مباشر، وفي مقدمتها الحصار وحشد عسكري أمريكي يزداد بشكل مكثف ومستمر في المنطقة. يأتي ذلك في سياق إدراك أمريكي متزايد لقدرات إيران على إدارة صراع ممتد، والرد عبر مسارح عمليات متعددة، بما يرفع كلفة أي مواجهة مفتوحة ويحد من فرص الحسم السريع.
أولًا: الحصار كأداة حرب غير معلنة
الحصار في جوهره يمثل أحد أشكال العمل العسكري، نظرًا لتأثيره المباشر على القدرات الاقتصادية واللوجستية للدولة المستهدفة. في هذا السياق، يبدو أن واشنطن تسعى إلى توظيف الحصار كبديل مرحلي عن المواجهة العسكرية الشاملة، عبر:
1- تقويض القدرة الإيرانية على الاستمرار طويلًا في بيئة ضاغطة.
2- خلق فجوة بين الداخل الإيراني ومتطلبات الانخراط الإقليمي.
3- فرض معادلة تفاوضية أقرب إلى الإملاء منها إلى التفاهم.
غير أن هذه المقاربة تصطدم برفض إيراني واضح لأي مسار تفاوضي يُبنى على شروط أحادية، ما يحد من فاعليتها السياسية، ويُبقيها في إطار الضغط دون تحقيق اختراق حاسم. وما زالت إيران تفرض حصارًا على المضيق، وتعترض السفن التي لا تلتزم بتعليماتها وقراراتها.
ثانيًا: توظيف المسار السياسي كغطاء عملياتي
تُظهر أنماط السلوك الإقليمي، خصوصًا في غزة وجنوب لبنان، نموذجًا متكررًا يتمثل في استثمار فترات التهدئة أو الاتفاقات لتنفيذ عمليات عسكرية تحت سقفها، بما يسمح بتحقيق مكاسب ميدانية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
هذه المقاربة — التي تبنتها إسرائيل بوضوح خلال السنوات الأخيرة — يبدو أنها تلهم جزئيًا السلوك الأمريكي الحالي، عبر:
1- الإبقاء على المسار السياسي قائمًا شكليًا.
2- استثمار حالة “اللا حرب واللا سلم” لتنفيذ ضغوط تدريجية.
3- تجنب التزامات واضحة قد تقيد حرية الحركة العسكرية.
إلا أن هذا النموذج يواجه تحديًا متصاعدًا، يتمثل في تآكل الثقة لدى الأطراف المقابلة، وعلى رأسها إيران، التي باتت تنظر إلى هذه المسارات باعتبارها أدوات تعطيل وليست أدوات تسوية، وتتعامل معه ندًا بند.
ثالثًا: تحولات في العقيدة العملياتية لمحور إيران
تشير المؤشرات إلى أن إيران وحلفاءها، وفي مقدمتهم حزب الله، قد أعادوا تقييم تجاربهم السابقة، خصوصًا فيما يتعلق بالالتزام الأحادي بالاتفاقات.
وقد انعكس ذلك في:
1- تبني نهج “الرد على الفعل بشكل مباشر” على أي خروقات، وما يقوم به حزب الله عملياتيًا ضد العمليات الإسرائيلية في الجنوب المستمرة دليل، ويعكس أن الحزب لم يتبع نهجه الذي سار عليه بعد اتفاق 2024، حيث التزم ولم يلتزم الإسرائيلي، وظل يمارس عملياته الحربية دون رد من الحزب. حزب الله يتبنّى نهجًا واضحًا هو “الرد المباشر” على أي خروقات، وما يقوم به عملياتيًا ضد جيش الاحتلال في جنوب لبنان يعكس أن الحزب لم يتبع النهج الذي سار عليه بعد اتفاق 2024، حيث التزم ولم يلتزم الإسرائيلي الذي ظل يمارس عملياته الحربية دون رد من الحزب. حزب الله تعلم من أخطاء الماضي.
2- رفض الفصل بين المسار السياسي والواقع الميداني.
3- تعزيز الجاهزية للعمل في الميدان العسكري.
هذا التحول يعكس انتقالًا من سياسة ضبط النفس المشروط إلى سياسة الردع النشط، بما يقلص هامش المناورة لدى الطرف الآخر، ويرفع احتمالات الاحتكاك المباشر.
رابعًا: بيئة عملياتية قابلة للانفجار
في ظل تداخل المسارين السياسي والعسكري، وغياب التزامات متبادلة واضحة، تتشكل بيئة عملياتية شديدة الهشاشة، تتسم بـ: تصعيد تدريجي غير منضبط، تعدد بؤر الاحتكاك، غياب آليات فعالة لاحتواء التصعيد. هذه العوامل تجعل من أي حادث محدود أو خطأ في التقدير نقطة انطلاق محتملة لتصعيد واسع، قد يتطور سريعًا إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة
1- استمرار الوضع الرمادي:
بقاء الصراع في إطار “اللا حرب واللا سلم”، مع تصعيد محدود وضغوط متبادلة دون انفجار شامل.
2- تصعيد تدريجي متسارع:
انتقال الاشتباكات من الطابع المحدود إلى مواجهات أوسع نتيجة تراكم الخروقات وردود الفعل.
3- انفجار إقليمي مجدد:
اندلاع مواجهة واسعة مجددًا نتيجة حادث نوعي أو استهداف عالي التأثير بسبب فشل المسار السياسي.
الخلاصة: تشير المعطيات إلى أن المنطقة ما زالت في مرحلة حرب، ولكن بصيغة مختلفة عن الحرب الماضية بشكل مؤقت، حيث يتداخل الحصار مع التفاوض، وتُستخدم التهدئة كأداة ضمن إدارة الصراع لا لإنهائه.
في المقابل، لم تعد إيران وحلفاؤها يتعاملون مع المسار السياسي باعتباره مسارًا منفصلًا عن الميدان، بل كجزء من معادلة اشتباك شاملة.
وعليه، فإن استمرار هذه المعادلة دون إطار ضابط أو تفاهمات حقيقية يجعل من التصعيد خيارًا مرجحًا، لا استثناءً، ويضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة لتجدد حرب شاملة وصدام مباشر مجددًا في أي لحظة وسيكون صدام أقوى من الصدام الأخير.
2-الحروب وصناعة القوة: قراءة في صعود إيران ضمن معادلات الإقليم والنظام الدولي :
قرار إيران بعدم الذهاب إلى باكستان في ظل الحصار قرار صحيح واستراتيجي وأثبت لأمريكا قوة موقفها، كما أن قرار ترامب بمد الهدنة مع استمرار الحصار وتشديده يعني أن الموقف العملياتي الإيراني وضعها في موقع قوي على طاولة المفاوضات. الحصار عمل عسكري، واستمراره قد يدفع إيران إلى مواجهته عسكريًا.
في خضم التوترات المتصاعدة، تعكس تصريحات ممثل المرشد الإيراني في الحرس الثوري ملامح نهج واضح في إدارة الصراع، يقوم على رفض التفاوض تحت الضغط، والتمسك بشروط تُفرض من موقع القوة لا من موقع الاستجابة. فالتأكيد على أنه “لا توجد حاليا أي مفاوضات، وسنتفاوض عندما يقبل العدو شروطنا” ليس مجرد تصريح إعلامي، بل تعبير عن رؤية تعتبر أن التفاوض لا يكون إلا امتدادا لميزان القوى، لا بديلا عنه.
هذا الخطاب يعكس إدراكا عميقا لطبيعة الصراعات المعاصرة، حيث لم تعد طاولات المفاوضات ساحة مستقلة، بل نتيجة مباشرة لما يُحسم في الميدان أو عبر أدوات الضغط الاستراتيجي. ومن ثم، فإن تأجيل التفاوض إلى حين توافر شروط مواتية يعكس محاولة لإعادة تشكيل بيئة التفاوض نفسها، بحيث لا تكون قائمة على التنازلات المسبقة، بل على فرض معادلات جديدة.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن “تغيير النظام الإيراني” الذي تكرر في الخطاب الأمريكي، بوصفه نقطة تستحق التوقف. فالتغيير، لم يأتِ في الاتجاه الذي كان يُراد له، بل سار في مسار معاكس. إذ يبدو أن الضغوط المتراكمة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، أسهمت في دفع النظام نحو مزيد من التماسك والتشدد، بدلًا من إضعافه أو تفكيكه.
لقد أدى تراكم الأزمات والتجارب إلى إعادة تشكيل العقل السياسي الإيراني، بحيث أصبح أكثر حذرًا في التعامل مع الولايات المتحدة، وأقل استعدادًا لمنح الثقة. فالتجارب السابقة، بما حملته من اتفاقات لم تصمد أو تفاهمات لم تُحترم وتوجيه ضربات عسكرية أثناء التفاوض، ساهمت في ترسيخ قناعة بأن التعويل على التفاهمات دون امتلاك أدوات قوة موازية هو رهان خاسر.
ومن هنا، يمكن فهم التشدد الحالي ليس فقط كرد فعل ظرفي، بل كنتيجة لمسار طويل من التفاعلات، أعاد صياغة أولويات النظام وحدد خطوطه الحمراء. فالثقة لم تعد عنصرًا حاضرًا في العلاقة، بل استُبدلت بمعادلة تقوم على الردع وتوازن المصالح.
في النهاية، لا يمكن قراءة هذه المواقف بمعزل عن سياق أوسع، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية، وتُبنى القرارات على دروس الماضي بقدر ما تستجيب لضغوط الحاضر. وبين خطاب الرفض المشروط للتفاوض، وحديث الخصوم عن التغيير، تتشكل ملامح مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي: أن الصراع لم يعد يدور فقط حول من يتفاوض، بل حول من يملك شروط التفاوض.
في سياق متصل، لا تُقاس الحروب فقط بحجم الدمار الذي تخلّفه، بل بما تُنتجه من تحولات في موازين القوة. فهي، في مآلاتها، تسير في اتجاهين رئيسيين: إما أن تسحق جيوشًا ودولًا فتُضعفها وتدفعها إلى التراجع، أو أن تخرج منها دولٌ أكثر قوة، وقد أعادت تشكيل قدراتها وموقعها، لتتحول إلى رقم صعب في المعادلة الإقليمية والدولية.
ضمن هذا الإطار، تبدو الحالة الإيرانية نموذجًا لافتًا يستحق القراءة. فحتى هذه المرحلة، لم تُترجم الحرب بالنسبة لطهران إلى حالة إنهاك أو تراجع، بقدر ما مثّلت فرصة لإعادة تثبيت موقعها وتعزيز حضورها. لقد أظهرت إيران قدرة على امتصاص الضغوط، وإدارة المواجهة بصورة تمنع الانهيار، بل وتفتح المجال أمام تحقيق مكاسب نسبية على مستوى النفوذ والتأثير.
هذا التحول لا يرتبط فقط بالأداء العسكري، بل أيضًا بكيفية توظيفه سياسيًا. فالدول التي تنجح في الخروج من الحروب أكثر قوة هي تلك التي تستطيع تحويل إنجازاتها الميدانية (أو حتى صمودها) إلى أوراق ضغط على طاولة التفاوض. وفي هذا السياق، تبدو إيران وكأنها تمضي في هذا الاتجاه، حيث تسعى إلى ترجمة موقعها الميداني إلى وزن سياسي يعزز حضورها في المعادلات الإقليمية، ويمدّ جسور التأثير إلى مستويات أوسع في النظام الدولي.
ومع تزايد تعقيد المشهد الإقليمي، وتداخل الملفات الأمنية والسياسية، باتت طهران طرفًا لا يمكن تجاوزه في عدد من القضايا المحورية. هذا الحضور لا يعني بالضرورة الوصول إلى موقع “صناعة القرار العالمي” بشكل كامل، لكنه يشير إلى انتقال تدريجي نحو موقع أكثر تأثيرًا، يتيح لها المشاركة في صياغة بعض ملامح التوازنات الدولية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالأمن الإقليمي والطاقة والممرات الحيوية.
في المحصلة، تعكس التجربة الإيرانية الحالية إحدى حقائق الصراعات الكبرى: أن الحروب، رغم كلفتها العالية، قد تتحول إلى لحظة إعادة تشكيل، تعيد تعريف موقع الدول في النظام الدولي. وبينما لا تزال نتائج هذه المرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، فإن المؤكد أن إيران نجحت (حتى الآن) في تثبيت نفسها كلاعب صعب، يمتلك من الأدوات ما يؤهله للبقاء ضمن دوائر التأثير في الإقليم، والسعي المتدرّج لتعزيز موقعه على الساحة الدولية.
3-أوروبا وترامب يختلفوا حول قوة إيران:
قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس: “من الواضح أن الإيرانيين أقوى مما كان متوقعًا”، وهو ما دفع ترامب للرد عليه ووصفه بأنه لا يفقه شيئًا عن إيران. غير أن ما قاله المستشار الألماني أثبته الواقع الميداني؛ إذ أفشلت إيران أهداف الولايات المتحدة في تحقيق الحسم السريع.
امتصّت إيران الضربة الأولى، وانتقلت إلى الهجوم، وهو ما قلّما يستطيع جيشٌ القيام به بعد التعرّض للضربة الأولى. كما أدارت معركة استمرت 40 يومًا في ميادين متعددة بقدرات فعّالة، على خلاف التقديرات الأمريكية، فضلًا عن توظيف ورقة الجغرافيا، ما أجبر الولايات المتحدة على التوقف دون تحقيق أي هدف.
فقد ذهبت إيران إلى التفاوض محافظةً على نظامها وبرنامجها الصاروخي والنووي، فضلًا عن أنها، بقدراتها، أغلقت مضيق هرمز ورفعت كلفة الحرب الاقتصادية على الجميع وعلى سوق الطاقة، ولم تمكن الأمريكي من تحقيق أيًا من أهدافه.
وبالتأكيد لحقت بإيران خسائر، سواء على مستوى القادة نتيجة اغتيالات متكررة، أو استهداف بعض المنشآت والبنى العسكرية، لكنها استبدلت قادتها بقادة آخرين. كما أن عمليات الترميم العسكري خلال فترة الهدنة من المنطقي أن تشمل معالجة ما مُنيت به من خسائر. ومع ذلك، لم يتحقق أيٌّ من الأهداف الاستراتيجية الأمريكية، بل أصبح النظام الإيراني أكثر تشددًا، ويتعامل مع الولايات المتحدة بندّية، متعلمًا مما جرى قبل الحرب.
4- هل امتلاك سلاح نووي هو خيار إيران الملح؟
تُعرَّف استراتيجية الردع بأنها قدرة الدولة على امتلاك أدوات عسكرية مؤثرة تُجبر الخصوم على الامتناع عن الهجوم، نتيجة يقينهم بأن كلفة الرد ستكون باهظة وغير محتملة. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن امتلاك أدوات ردع تقليدية، حتى وإن كانت متقدمة كالصواريخ الباليستية أو الفرط صوتية، لم يعد كافيًا وحده لضمان منع الخصوم من المبادرة بالفعل العسكري، خصوصًا إذا كان هؤلاء الخصوم يمتلكون تفوقًا نوعيًا في مجالات أخرى، مثل الاستخبارات، والتكنولوجيا، والسيطرة الجوية.
في الحالة الإيرانية، ورغم ما تمتلكه طهران من قدرات صاروخية مؤثرة، فإن تعرضها لهجمات متكررة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل يعكس خللًا نسبيًا في معادلة الردع. هذا الخلل لا يعني غياب القدرة على الرد، بقدر ما يشير إلى أن هذه القدرة لم تصل إلى مستوى “الردع الحاسم” الذي يمنع الخصم من المخاطرة بالتصعيد. ويبدو أن الخصوم يراهنون على أن الرد الإيراني سيظل تحت سقف قدرة الصد حتى لو كان جزئيًا، وهو ما يفتح المجال أمام عمليات عسكرية محدودة ومتكررة.
الوضع الراهن يمكن توصيفه بأنه “وقفة تعبوية” أكثر منه تهدئة حقيقية، حيث تسعى الأطراف إلى إعادة ترتيب أوراقها، عسكريًا وسياسيًا، في ظل تعثر المسار التفاوضي. هذا التعثر يزيد من احتمالات استئناف التصعيد، خاصة إذا لم تُسفر القنوات السياسية عن تفاهمات تُعيد ضبط قواعد الاشتباك.
في هذا السياق، تبرز معضلة استراتيجية أمام إيران: فاستمرار التعرض لهجمات دون ردع حاسم قد يقوّض من هيبتها الإقليمية وإضعاف نظامها وقدراتها على مراحل، ومن هنا، قد تتجه طهران من وجهة نظري إلى خيار استراتيجي مختلف، يتمثل في تسريع امتلاك سلاح نووي، باعتباره الضامن الوحيد لردع الخصوم بشكل كامل، على غرار نماذج دولية أثبت فيها السلاح النووي فعاليته في منع الحروب المباشرة.
5-إعادة تعريف الردع: من امتلاك السلاح إلى امتلاك القدرة على التصنيع العسكري المستقل:
تمكنت إيران، عبر اعتمادها على الجهد الذاتي وتراكم الخبرات المحلية، من بناء مشروع صاروخي “باليستي- فرط صوتي” متقدم رغم الحصار الممتد والمتعدد الأوجه، وهو ما يعكس قدرة مركبة على التكيف الاستراتيجي مع القيود، وتحويل الضغوط إلى محفزات للتطوير. هذا النموذج لم يكن مجرد استجابة ظرفية للعقوبات، بل تحول إلى عقيدة تصنيع قائمة على الاستقلال، والاعتماد على الذات، وتكامل المؤسسات العسكرية مع البحث العلمي والصناعات المدنية. ونتيجة لذلك، لم يقتصر تأثير هذا المشروع على البعد العسكري المباشر، بل امتد ليشكل أحد أعمدة الردع الاستراتيجي، مانحا إيران قدرة على فرض معادلات جديدة في بيئتها الإقليمية، ورفع كلفة أي مواجهة مع خصومها.
هذا التطور يطرح دلالات أعمق تتجاوز الحالة الإيرانية ذاتها، خاصة بالنسبة للدول التي ترى نفسها في مسار تصادمي مع الكيان الصهيوني. فالتحدي لم يعد فقط في امتلاك السلاح، بل في امتلاك القدرة على إنتاجه وتطويره تحت ظروف الضغط والحصار، بما يضمن الاستمرارية وعدم الارتهان للخارج. التجربة الإيرانية تقدم نموذجا عمليا في كيفية بناء منظومات تسليح تدريجية تبدأ من قدرات بسيطة وتتطور عبر الزمن إلى منظومات أكثر تعقيدا ودقة، مستفيدة من تراكم الخبرة، وتبني استراتيجيات الالتفاف على القيود التكنولوجية، سواء عبر الهندسة العكسية أو الشراكات غير التقليدية.
في هذا الإطار، فإن فتح قنوات تواصل مع إيران لا يجب أن يُفهم فقط كخيار تكتيكي، بل كجزء من رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى نقل المعرفة وبناء قواعد صناعية عسكرية مستقلة. هذه القنوات يمكن أن تشمل تبادل الخبرات، التدريب، بناء مشاريع مشتركة، أو حتى الاستفادة من التجربة الإيرانية في إدارة سلاسل الإمداد تحت الحصار. كما أن التعلم من هذا النموذج لا يعني نسخه حرفيا، بل تكييفه مع الخصوصيات المحلية لكل دولة، سواء من حيث الموارد أو البيئة السياسية أو التهديدات القائمة.
أخيرًا: الدول التي ترى نفسها في حالة صراع مع الكيان الصهيوني مطالبة بإعادة تقييم مقارباتها، ليس فقط على مستوى التسلح، بل على مستوى نماذج التصنيع والاستقلال العسكري. فتح قنوات تواصل مع إيران يمكن أن يوفر خبرات عملية في كيفية بناء منظومات عسكرية تحت الضغط، وتجاوز القيود التكنولوجية واللوجستية، بما يعزز من قدرتها على الصمود والمبادرة في أي مواجهة قادمة.
6-قراءة عسكرية في تكتيكات إدارة المعارك لدى المقاومة:
من خلال قراءتي العسكرية لتكتيكات المقاومة في إدارة المعارك الحربية في لبنان وغزة، التي اتبعوها منذ وسط احتدام القتال في غزة بعد طوفان الأقصى “إلى وقف إطلاق النار”، ودخول حزب الله في الحرب بشكل مباشر وانتقاله من مرحلة الإسناد إلى مرحلة الحرب المباشرة بعد عملية البيجر، والاستهداف المتكرر لقادة الحزب، وكذلك استهداف قادة كتائب القسام في جبهة غزة ، يتضح أن حزب الله وكتائب القسام اتبعا خطة طوارئ بالاعتماد على تعدد غرف العمليات، “إدارة لا مركزية”، وهي خطط تُنفَّذ عند الطوارئ وفي ظل وضع ميداني شديد الحساسية.
اعتمد حزب الله وكتائب القسام هذا التكتيك الفعّال لضمان استمرارية القتال، حتى في ظل استهداف القيادات. وتكون تلك الخطط بناءً على قرار من القيادة المركزية لاستمرار القتال، وألا يتوقف باستهداف القادة.
جبهتي المقاومة في غزة ولبنان اتبعتا تكتيك حرب العصابات بشكل كامل بتعدد غرف إدارة العمليات الحربية لإطالة مدة الحرب واستنزاف العدو. ولذلك تحول تكتيك المقاومة من غرفة عمليات واحدة إلى غرف عمليات متفرقة، وكل غرفة لها قيادة عملياتها الخاصة.
كل غرفة عمليات توضع خططها على مستويين: الأول عمليات هجومية لتنفيذها ونقاط استهداف يومية لاستهدافها، والثاني خطط دفاع مرن متحرك، وذلك لإحداث خسائر يومية في صفوف العدو، وإدخاله في حرب استنزاف ممتدة وطويلة، وتوظيف القدرات بالشكل الأمثل. وتلك تكتيكات حركات المقاومة والتحرر الوطني الفعالة في حالة الظروف الأمنية القاهرة، لضمان استمرارية العمل القتالي.
واستمر حزب الله على النهج نفسه في إدارة المعارك الحربية الجارية في لبنان، مع مبادأة القتال ودخوله على خط المواجهة عقب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
7-عن مفهوم تكتيك الدفاع المرن في حالة الدفاع الاستراتيجي في المعارك:
الدفاع المرن يعني الانسحاب التكتيكي من الأرض التي يصعب الدفاع عنها إذا لزم الأمر من أجل الحفاظ على القدرة على تحريك القوات والعمل من عمق مناطق دفاعية، وذلك بواسطة التوظيف الجيد للقوات المدافعة.
وعليه فإن في حالة الدفاع المرن لا يعد الغرض الرئيس التمسك بكل شبر في أرض المعركة خاصة تلك التي تكون غير مجدية تكتيكيًا وقد تتسبب في خسائر فادحة للقوات المدافعة فيكون الهدف في تلك الحالة هو تقليل خسائر القوات المدافعة مع زيادة خسائر العدو وجره إلى كمائن محكمة وذلك من أجل كسب الوقت وإدخال العدو في حرب استنزاف ممتدة حتى تأتي اللحظة المناسبة لشن هجمات حاسمة في مراحل تالية.
المتطلبات الأساسية للدفاع المرن تتمثل في توزيع القوات بالعمق في منطقة دفاع يصل عمقها إلى عشرات الكيلو مترات على طول الجبهات فضلًا عن التوثيق الدقيق بين العناصر والمجموعات، الدفاع المرن يتطلب التخلي عن خطوط الدفاع الثابتة التي ترتكز في مواقع ثابتة واستبدالها بمواقع متحركة تنطلق من العمق الذي يُمكن من شن هجوم مضاد والذي يهدف إلى استعادة الخط الأصلي ويجبر العدو على التراجع.
8-الميدان لا يُقرأ بالقطعة: نحو فهم استراتيجي للتحليل العسكري:
لا يمكن اختزال التحليل العسكري في متابعة تحركات ميدانية يومية وقراءتها بشكل منفصل عن سياقها العام، إذ إن جوهر التحليل العسكري الحقيقي يقوم على فهم شامل للمستوى الاستراتيجي وربطه بالمستويين العملياتي والتكتيكي. فالميدان لا يُقرأ باللحظة، بل ضمن مسار تراكمي تحكمه أهداف سياسية وعسكرية محددة.
في هذا الإطار، تعتمد الجيوش الحديثة على حزمة واسعة من التكتيكات التي قد تبدو متناقضة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها أدوات مرحلية تُستخدم وفقًا لتقديرات غرفة القيادة والسيطرة.
على سبيل المثال لا الحصر: فتكثيف النيران في قطاع معين لا يعني بالضرورة تحقيق اختراق حاسم، بل قد يكون جزءًا من عملية تثبيت للعدو أو استنزافه. كما أن التباطؤ في التقدم، أو خلق فراغات تكتيكية، قد يُستخدم كوسيلة لخداع الخصم وجرّه إلى كمائن معدة مسبقًا. وفي المقابل، قد يعكس التقدم السريع والمباغت محاولة لفرض واقع ميداني جديد قبل إعادة تموضع الخصم. (هناك تكتيكات أخرى عديدة ولكن ذكرت هنا بعض الأمثلة فقط)
بناءً على ذلك، فإن قراءة أي تحرك ميداني بمعزل عن هذه الاعتبارات تمثل خللًا منهجيًا في التحليل العسكري، إذ لا يجوز اعتبار كل تقدم مؤشرًا على تفوق، ولا كل تراجع دليلًا على ضعف. فميزان القوة في الحروب الحديثة لا يُقاس بلحظة زمنية أو بقطاع جغرافي محدود، بل يُقاس بمدى القدرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية مع الحفاظ على استدامة العمليات.
وتزداد أهمية هذا الفهم في الحروب المركبة، التي تتداخل فيها الأبعاد العسكرية مع السياسية والاقتصادية والإعلامية، حيث تصبح العمليات العسكرية جزءًا من منظومة ضغط شاملة، وليست هدفًا في حد ذاتها. ومن ثم، فإن بعض التحركات التي قد تُفسَّر على أنها تصعيد أو تراجع، قد تكون في الواقع جزءًا من إدارة الصراع وليس حسمه.
وعليه، فإن التحليل العسكري الرصين يجب أن ينطلق من قراءة كلية للمشهد، تأخذ في الاعتبار طبيعة الأهداف الاستراتيجية، وآليات إدارة العمليات، وسلوك الأطراف الفاعلة، بدلًا من الوقوع في فخ القراءة المجتزأة التي تبني استنتاجات قطعية على معطيات جزئية.
وفي هذا السياق، يظل الخلل الأكبر في بعض القراءات التحليلية المعاصرة هو التعامل مع الميدان بوصفه سلسلة أحداث منفصلة، لا كمنظومة مترابطة تحكمها عقيدة قتالية وخطط مرحلية. وهو ما يؤدي إلى تقديرات غير دقيقة، قد تبالغ في توصيف القوة أو الضعف لدى أي من الأطراف.
خلاصة ما أقصده : الميدان العسكري لا يُقرأ بالقطعة، بل ضمن إطار استراتيجي شامل، وما يظهر كتحول في ميزان القوة قد لا يكون سوى انعكاس لتكتيك مرحلي ضمن خطة أوسع. ومن ثم، فإن أي تقدير دقيق يتطلب فهمًا عميقًا لتكامل المستويات الثلاثة: الاستراتيجي، العملياتي، والتكتيكي. ومن هنا، يثير استغرابي كثيرًا، عند استماعي إلى بعض المحللين العسكريين على القنوات الفضائية، اعتمادهم على قراءة جزئية لواقع الميدان، دون إدراك شامل للإطار الاستراتيجي والتكتيكي الذي يحكم سير العمليات.
خامسًا: العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في “خندق واحد”
يمثل توصيف العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارهما في “خندق واحد” أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة التحركات السياسية والعسكرية في المنطقة. فهذه العلاقة لا تُبنى على تنسيق مرحلي أو مصالح عابرة، بل على شراكة استراتيجية عميقة تجعل من الصعب فصل المسارين الأمريكي والإسرائيلي، سواء في القرارات السياسية أو في العمليات العسكرية.
وعلى الرغم من ظهور بعض التباينات في الخطاب أو الأولويات بين الحين والآخر، فإن هذه الاختلافات غالبًا ما تكون شكلية أو تكتيكية، ولا تعكس تعارضًا حقيقيًا في جوهر الرؤية. فالإطار العام للعلاقة يقوم على توافق استراتيجي واسع، يجعل أي حديث عن خلافات جوهرية بعيدًا عن قراءة متماسكة لطبيعة هذا التحالف.
في هذا السياق، يمكن فهم القرارات والتحركات الأمريكية في المنطقة باعتبارها امتدادًا أو استجابة لمتطلبات الأمن الإسرائيلي. إذ تشير العديد من المؤشرات إلى أن مراكز التأثير في تل أبيب تمتلك قدرة واضحة على توجيه الأولويات، بما ينعكس على صناعة القرار في واشنطن، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
هذا النمط من العلاقة يعكس تداخلًا عميقًا في المصالح والرؤى، بحيث يصبح الفصل بين الطرفين في القضايا الكبرى أمرًا أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الواقع العملي. ومن هنا، فإن أي تحليل استراتيجي جاد يجب أن ينطلق من اعتبار أن التحركات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة تُفهم ضمن سياق واحد، تحكمه شبكة معقدة من المصالح المشتركة والتنسيق المستمر.
سادسًا: إجمالي الإنفاق العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي

تظهر البيانات الرسمية أن إجمالي الإنفاق العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي الست، يبلغ قرابة 116.77 مليار دولار سنوياً، ما يضع الخليج في المرتبة الخامسة عالمياً، بعد الولايات المتحدة والصين وروسيا وألمانيا.
وبحسب البيانات، تتصدر السعودية القائمة خليجياً بإنفاق يبلغ 63.99 مليار دولار، تليها الإمارات بـ 23.48 مليار دولار، ثم قطر بـ 11.95 مليار دولار، فيما سجلت سلطنة عُمان نحو 8.36 مليارات دولار، والكويت 7.98 مليارات دولار، وأخيراً البحرين بنحو 0.99 مليار دولار. (الخليج أونلاين)
ومع هذه الموازنات الضخمة، أظهرت الحرب الأخيرة على إيران انكشافا أمنيا كبيرا لجميع دول الخليج، وأنها لازالت تحتاج حماية من أطراف خارجية مثل الولايات المتحدة أمام أسلحة بسيطة مثل المسيرات والصواريخ قصيرة المدى يمكنها أن تهدد ثرواتها النفطية وبنيتها الأساسية من محطات التحلية والكهرباء والمطارات.
سابعًا: حول محاكمات الضابطات مرتكبي الجرائم في سوريا
شهدت الساحة السورية خلال الأيام القلية الماضية عدة أحداث على الصعيدين الأمني والقضائي، إذ أُعلن عن اعتقال أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ “مجزرة حي التضامن”، بالتوازي مع إعلان وزارة العدل بدء محاكمة عدد من رموز النظام البعثي، يتقدمهم المسؤول الأمني الأسبق في درعا عاطف نجيب.
ويُتهم يوسف بالمسؤولية عن إعدام عشرات المدنيين في حي التضامن جنوب دمشق عام 2013 وإحراق جثثهم في حفرة جماعية، وهي مجزرة كُشف عنها عبر تسجيلات مصورة عام 2022. في المقابل، ارتبط اسم عاطف نجيب بالشرارة الأولى للثورة السورية، إثر حادثة اعتقال أطفال درعا لكتابتهم شعارات مناهضة للنظام.
كما أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، الأربعاء 29 أبريل 2026، عن اعتقال اللواء عدنان حلوة، أحد ضباط النظام المخلوع المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية بريف دمشق يوم 21 أغسطس عام 2013.

قراءتي لمشاهد محاكمات الضباط:
محاكمة من يوجّه سلاحه إلى أبناء شعبه ليست مجرد إجراء قانوني عابر، بل لحظة فارقة تختزل معاني العدالة والتاريخ معًا. إنها رسالة ممتدة عبر الزمن لكل من يظن أن السلطة تمنحه حصانة مطلقة، أو أن القوة قادرة على إخفاء الحقيقة إلى الأبد. فالتاريخ، بطبيعته، لا ينسى، والذاكرة الجمعية للشعوب تحتفظ بكل ما جرى، حتى وإن تأخر الحساب.
الدنيا لا تثبت على حال، وتبدّل المواقع سُنّة لا تتخلف. من يجلس اليوم على كرسي الحكم قد يجد نفسه غدًا خارج كل حسابات القوة، بل وربما في موقع المساءلة ذاته الذي ظن يومًا أنه بعيد عنه. لا يدوم منصب، ولا تستمر سلطة، مهما بدت راسخة أو محصّنة. فالتجارب الإنسانية، عبر عصور مختلفة، أثبتت أن دوام الحال من المحال، وأن موازين القوة قد تنقلب في لحظة، لتضع أصحابها أمام نتائج أفعالهم.
إن استخدام السلاح في مواجهة الشعب ليس مجرد قرار أمني أو سياسي، بل هو انكسار أخلاقي قبل أن يكون خطأً استراتيجيًا. فالدولة التي يُفترض أن تحمي مواطنيها تتحول، في هذه اللحظة، إلى خصم لهم، وتفقد بذلك جزءًا كبيرًا من مشروعيتها ومعناها. وحين تُفقد الشرعية، يصبح كل ما بُني عليها هشًا، قابلًا للسقوط مع أول اختبار حقيقي.
وعلى الجانب الآخر، فإن العدالة وإن تأخرت تظل فكرة حاضرة لا تغيب. قد ينجو البعض مؤقتًا من الحساب، وقد تتعطل أدوات المحاسبة في مرحلة ما، لكن ذلك لا يعني نهاية القصة. فهناك دومًا لحظة يعود فيها السؤال: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وكيف يُنصف الضحايا؟ وحين تأتي هذه اللحظة، يجد كثيرون أنفسهم في مواجهة ما حاولوا تجاهله.
بل إن الأمر لا يتوقف عند حدود الحساب الدنيوي؛ فالإيمان بعدالةٍ أوسع وأشمل يضيف بُعدًا آخر للمسألة. من يفلت من محاسبة البشر، لا يفلت من ميزانٍ أدق وأشمل، حيث لا تُنسى الحقوق ولا تضيع المظالم. وهذا الإدراك، في ذاته، يشكل رادعًا أخلاقيًا عميقًا، يتجاوز القوانين والأنظمة.
في النهاية، تبقى العبرة واضحة: القوة لا تعني الأمان، والسلطة لا تعني الحصانة، ومن يوجّه سلاحه إلى شعبه قد يؤجل الحساب، لكنه لا يلغيه. فالدنيا دوّارة، والتاريخ شاهد، والعدالة مهما تأخرت لا تموت.
ثامنًا: التدريبات العسكرية:
- في تطور لافت يعكس تحولات عميقة في المشهد الإقليمي، شاركت قوات خاصة من مصر وتركيا في تدريبات عسكرية مشتركة على الأراضي الليبية ضمن مناورات “فيلنتلوك 2026”، إلى جانب الولايات المتحدة وعدد من الشركاء الدوليين. ويُنظر إلى هذا الحدث باعتباره مؤشرًا عمليًا على انتقال العلاقات بين القاهرة وأنقرة إلى مسار أكثر انفتاحًا وتنسيقًا. في الملف الليبي
وجرت هذه التدريبات في مدينة سرت، التي كانت قبل سنوات قليلة تمثل واحدة من أخطر نقاط الاحتكاك بين الطرفين، حيث كادت أن تتحول في عام 2020 إلى ساحة مواجهة مباشرة بين القوتين الإقليميتين. غير أن اختيار هذه المدينة تحديدًا لاحتضان المناورات يحمل دلالات رمزية واستراتيجية، تعكس حجم التغير في طبيعة العلاقات بين الجانبين.
وتبرز هذه المناورات مستوى متقدمًا من التنسيق العسكري، لا سيما في مجال عمليات القوات الخاصة، وهو ما يشير إلى وجود إرادة سياسية لدى الطرفين لتجاوز خلافات الماضي والانخراط في مقاربات أمنية أكثر براغماتية.
لا تقتصر أهمية “فيلنتلوك 2026” على بعدها العسكري فحسب، بل تتجاوز ذلك لتشكل رسالة سياسية واضحة مفادها أن التوازنات الإقليمية تشهد إعادة تشكل، وأن الخصوم السابقين باتوا قادرين على العمل معًا ضمن ترتيبات أمنية مشتركة تفرضها التحديات الراهنة.
مناورات فلينتلوك 2026
انطلقت في مدينة سرت وسط ليبيا فعاليات التمرين العسكري السنوي “فلينتلوك 2026”، خلال شهر أبريل 2026، بقيادة القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، وبمشاركة قوات من شرق وغرب ليبيا إلى جانب وحدات دولية، بينها القوات الإيطالية وشركاء آخرون.
وقال صدام حفتر، في بيان، إن الوحدات العسكرية الليبية المشتركة إلى جانب “أفريكوم” والقوات الإيطالية وبقية القوات المشاركة بدأت تنفيذ تدريبات التمرين في سرت، موضحًا أن العملية تُجرى وفق أعلى معايير الانضباط والتنسيق العسكري، ضمن المحور الافتتاحي الذي تستضيفه ليبيا للمرة الأولى. وأضاف حفتر أن المشاركين الليبيين أظهروا مستوى متقدمًا من الاحترافية، مشيدًا بتطور قدراتهم خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا أن التمرين يعكس مكانة ليبيا كشريك موثوق في دعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وكذلك في إطار التعاون مع الولايات المتحدة ودول عربية وإفريقية وأوروبية.
ويُعد تمرين “فلينتلوك” من أكبر المناورات العسكرية في القارة الإفريقية، ويُجرى سنويًا منذ عام 2005 تحت إشراف “أفريكوم”، بهدف تعزيز قدرات الدول المشاركة في مجالي مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، إلى جانب ترسيخ الشراكات مع الولايات المتحدة والدول الحليفة.
- نُفذت فعاليات التدريب المصري الباكستاني المشترك ” رعد – 2 “ خلال شهر أبريل 2026 والذى استمرت فعالياته على مدار عدة أيام بميادين التدريب القتالي للقوات الخاصة بدولة باكستان بمشاركة عناصر من قوات المظلات المصرية والقوات الخاصة الباكستانية، والذى جاء في إطار خطة التدريبات المشتركة للقوات المسلحة مع الدول الشقيقة والصديقة لدعم آفاق التعاون العسكري، وتعزيز الكفاءة القتالية للقوات الخاصة المصرية والباكستانية .
وتضمن التدريب على مدار فعالياته تنفيذ عدد من الأنشطة التدريبية النظرية والعملية بهدف توحيد المفاهيم العملياتية وتبادل الخبرات بين كلا الجانبين ، كذلك تعظيم القدرات القتالية للعناصر المشاركة بالتدريب بما يمكنها من القدرة على العمل المشترك بأسلوب احترافي تحت مختلف الظروف .
وتضمنت المرحلة الختامية للتدريب تنفيذ عدد من البيانات العملية المشتركة في مجال مكافحة الإرهاب ومجابهة التهديدات الغير نمطية والتي أظهرت مدى التناغم وما يتمتع به الجانبان من دقة وكفاءة قتالية عالية وقدرة على التعامل مع المهام ذات الطبيعة الخاصة بكفاءة واقتدار .
حضر المرحلة الرئيسية للتدريب اللواء أ ح محمد سعد قائد قوات المظلات المصرية ، واللواء أحمد جواد قائد القوات الخاصة الباكستانية .
- نفذت فعاليات التدريب المصري الهندي المشترك «إعصار- 4»، بمشاركة عناصر من قوات الصاعقة المصرية والهندية، الذي أستمرت فعالياته على مدار عدة أيام بميادين التدريب القتالي لقوات الصاعقة بجمهورية مصر العربية.
بدأت الفعاليات بتنفيذ عدد من المحاضرات لتحقيق التجانس وتوحيد المفاهيم العملياتية بين القوات المشاركة بالتدريب، بالإضافة إلى تنظيم معرضًا للأسلحة والمعدات المستخدمة خلال مراحل التدريب المختلفة، كما يتضمن التدريب تنفيذ عددًا من الأنشطة التدريبية البارزة لتبادل الخبرات والمهارات بين العناصر المشاركة من الجانبين.
جاء التدريب في إطار تعزيز علاقات التعاون العسكري وتبادل الخبرات مع الدول المختلفة.
تاسعًا: ملف التسليح
- تشير تسريبات عسكرية إلى أن ملف تطوير القدرات البحرية المصرية يشهد تحركات مكثفة ومتوازية على أكثر من مسار، في ظل مفاوضات تُوصف بالحساسة ولا يتم تناول تفاصيلها بشكل علني. ووفقاً لما يتم تداوله، فإن القاهرة تواصل محادثاتها مع فرنسا بشأن غواصات “سكوربيون”، مع تسجيل تقدم ملحوظ في مسار التفاوض، بالتوازي مع مسار آخر مع إسبانيا يتعلق بإمكانية الحصول على غواصات إضافية، وهو ما اكتسب زخماً سياسياً ودبلوماسياً عقب زيارة ملك إسبانيا إلى القاهرة ولقائه بالسيسي، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، بما في ذلك التعاون في المجال الدفاعي البحري.
وفي المقابل، كشف موقع تاكتيكال ريبورت عن دخول كوريا الجنوبية كخيار ثالث ضمن دائرة الاهتمام المصري، من خلال غواصاتها من طراز Type 214 KSS-II، التي تُعد من أبرز وحدات الأسطول الكوري الجنوبي، مع توجهات مستقبلية لتطوير نسخ أكثر تقدماً منها (KSS-III). وتشير المعلومات المتداولة إلى أن وفوداً من البحرية المصرية أجرت بالفعل اتصالات وزيارات متكررة لبحث هذا الخيار، في تطور يعكس انفتاحاً على بدائل خارج الإطار الأوروبي التقليدي الذي ارتبطت به القاهرة في السنوات الماضية.
تتميز هذه الغواصة بخصائص تقنية متقدمة، فهي تعمل بنظام الديزل والكهرباء، ويُقدر سعر الواحدة منها بحوالي 330 مليون دولار. وقد تم تقديم هذا الطراز للعالم لأول مرة عام 2001، قبل أن يدخل الخدمة الفعلية في عام 2007.
تمتلك كوريا الجنوبية حالياً نحو 16 غواصة من هذا النوع في الخدمة ضمن قواتها البحرية، مع خطط لرفع العدد إلى 21 غواصة، ما يعني وجود خمس غواصات إضافية قيد التصنيع حالياً.
- تشهد فرنسا تسارعاً ملحوظاً في وتيرة العمل على استكمال تسليم الدفعة الثانية من مقاتلات رافال المخصصة لسلاح الجو المصري. فخلال الأيام الماضية، برزت عدة طائرات جديدة تحمل الأرقام التسلسلية DM23 وDM24 وDM26 بعد خروجها مباشرة من خطوط الإنتاج، ما يعكس تسارعاً واضحاً في مراحل التصنيع والتجهيز للتسليم.
وظهر نموذج جديد ضمن هذا التسلسل، حيث تخضع المقاتلة DM25 لاختبارات أولية فور مغادرتها خط الإنتاج، في خطوة تسبق تسليمها الرسمي. هذا التقارب في تدفق الطائرات الجديدة يشير إلى تقدم متواصل في تنفيذ العقد، ويؤكد أن مراحل تسليم الدفعة الثانية تقترب من الاكتمال، بما يعزز قدرات سلاح الجو المصري على المستويين العملياتي والتقني خلال الفترة المقبلة.
دخلت مصر مجال تشغيل مقاتلات رافال عبر صفقة كبرى مع فرنسا في فبراير 2015، حين تم توقيع أول عقد يقضي بتوريد 24 مقاتلة متعددة المهام من إنتاج شركة داسو للطيران، في إطار صفقة شملت أيضاً فرقاطة متعددة المهام من طراز فريم وصواريخ وتسليحاً جوياً متقدماً. وقد اعتُبرت هذه الخطوة آنذاك أول تصدير خارجي للمقاتلة الفرنسية من هذا الطراز، ما منح القاهرة موقعاً مبكراً بين مشغليها الدوليين.
وقد قُدّرت قيمة هذه الصفقة بنحو 5.2 مليار يورو، ما جعلها حينها من أكبر صفقات التصدير في تاريخ الصناعة العسكرية الفرنسية، وأول تصدير خارجي لمقاتلة الرافال.
لاحقاً، ومع تزايد الاهتمام المصري بتوسيع قدراتها الجوية وتعزيز أسطولها من المقاتلات الحديثة، تم توقيع صفقة إضافية في عام 2021 لشراء 30 مقاتلة رافال جديدة، في عقد قُدّرت قيمته بحوالي 3.75 مليار يورو، ما رفع إجمالي الطلب المصري إلى 54 طائرة. هذه الصفقة جاءت في سياق دعم الاستمرارية التشغيلية وتوسيع القدرة الهجومية والدفاعية لسلاح الجو المصري، مع الحفاظ على نفس التشكيلة متعددة المهام التي تتيح تنفيذ عمليات جو-جو وجو-أرض بدقة عالية.
وتعتمد الصفقات المصرية مع فرنسا على حزمة تسليحية متكاملة، تشمل إلى جانب الطائرات منظومة واسعة من الذخائر الموجهة والصواريخ بعيدة المدى، إضافة إلى دعم لوجستي وتدريب وصيانة، ما يجعلها برنامجاً طويل الأمد وليس مجرد عملية شراء تقليدية. كما تعكس هذه الصفقات مستوى متقدماً من التعاون الدفاعي بين القاهرة وباريس، خاصة في ظل توجه مصر لتنويع مصادر تسليحها وتحديث قواتها الجوية بمنصات قتال من الجيل الرابع المتقدم.
- تشهد الصين توسعًا متسارعًا في حضورها داخل سوق أنظمة الدفاع الجوي عالميًا، حيث باتت تنافس بقوة كبار المصنعين التقليديين في هذا القطاع. وفي ظل التطور المستمر لمنظوماتها الصاروخية والرادارية، أعربت عدة دول عن اهتمام متزايد أو رغبة فعلية في اقتناء الأنظمة الصينية، مستفيدة من تنوع الخيارات وتكلفة أقل نسبيًا مقارنة بنظيراتها الغربية.
وفي السياق ذاته، تُشير التقارير إلى أن صربيا قد تكون بصدد التحضير لاقتناء أنظمة دفاع جوي جديدة، وذلك بعد إعلان الرئيس ألكسندر فوتشيتش عن قرب توقيع عقود دفاعية مهمة تهدف إلى تعزيز شبكة الدفاع متعددة الطبقات في البلاد.
وتهدف عمليات الشراء المخطط لها، والتي قد تشمل أنظمة صينية الصنع، إلى توسيع نطاق التغطية الصاروخية، وتعزيز قدرات الاعتراض على الارتفاعات المنخفضة، وتحسين مستوى الردع العام ضد التهديدات الإقليمية المتطورة. ويأتي هذا الإعلان في 15 أبريل 2026 في ظل زيادة النشاط اللوجستي العسكري المرتبط بالأنظمة الصينية التي تمتلكها صربيا بالفعل من طراز HQ-22 وHQ-17AE، وفق ما أورده حساب Dunav Intel على موقع “إكس” ضمن إطار عملية تحديث أوسع. ويهدف هذا التحديث إلى سد فجوات التغطية، وتعزيز صلابة منظومة الدفاع الجوي المتكاملة، ورفع جاهزية صربيا للتصدي لهجمات الإغراق والتهديدات الجوية المعقدة في بيئة أمنية متغيرة في البلقان.
وفي 15 أبريل 2026، صرّح الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش بأن الوضع الأمني أصبح أكثر تعقيدًا مقارنةً بشهر يناير 2026، معتبراً أن هذا التغير يعود بشكل مباشر إلى زيادة تفعيل محور زغرب–تيرانا–بريشتينا. كما أعلن أن صربيا ستوقّع خلال الأيام المقبلة عقودًا مهمة للغاية لشراء أسلحة ومعدات عسكرية، دون أن يحدد أنواع الأنظمة أو الموردين أو قيم العقود. وتأتي هذه الطلبيات الكبيرة ضمن جهد أوسع لتعزيز الردع وتوسيع بنية دفاع جوي متعددة الطبقات تدمج أنظمة الصواريخ، وأصول الحرب الإلكترونية، وقدرات الرصد بعيدة المدى.
مصر ودول الشرق الأوسط
وفي سياق موازٍ، أفاد تقرير نشره موقع “سوهـو” الصيني أن بعض التوجهات الدفاعية الإقليمية، ومن بينها الحالة المصرية، تندرج ضمن رؤية أوسع لبناء منظومات دفاعية متكاملة متعددة الطبقات، قد تتقاطع مع أنظمة مثل HQ-9B، بما يتيح دمج قدرات الاستطلاع والإنذار المبكر والضرب داخل شبكة واحدة أكثر ترابطًا.
كما أشار التقرير إلى أن المواجهات الجوية بين الهند وباكستان ساهمت في تعزيز الطلب على المقاتلة الصينية J-10C، بعد ما وُصف بإبراز أدائها القتالي خلال فترات التوتر الإقليمي. وفي المقابل، لفت إلى أن الهند تدرك أن خيارات التسلح من روسيا أو الولايات المتحدة لا تخلو من تعقيدات سياسية، قد تتحول في بعض الحالات إلى أدوات ضغط عند تصاعد الأزمات.
وفي الإطار ذاته، تناول “سوهـو” توجه عدد من دول الشرق الأوسط، مثل السعودية والإمارات، نحو تسريع تطوير قدرات الطائرات المسيّرة، مع تركيز متزايد على عاملي السرعة والحمولة القتالية باعتبارهما عنصرين حاسمين في بيئات عملياتية سريعة التغير.
ويرى التقرير أن سياسة تصدير السلاح الأميركية باتت أكثر تقييدًا، وغالبًا ما ترتبط بشروط سياسية وفنية معقدة، ما يجعل عملية الشراء مرتبطة بمنظومة طويلة الأمد من القيود التشغيلية والسياسية، وليس مجرد اقتناء منصة قتالية.
في المقابل، يشير “سوهـو” إلى أن الصين تعتمد نهجًا مختلفًا يقوم على تقديم حزم تسليح متكاملة تشمل الأنظمة والدعم الفني ونقل التكنولوجيا بدرجات متفاوتة، مع منح الدول المستوردة مرونة تشغيلية وتطويرية أوسع مقارنة بالنماذج الغربية.
ويعتبر التقرير أن الحالة المصرية، وفق القراءة الصينية، تعكس تحولًا تدريجيًا في سوق السلاح العالمي نحو تعددية قطبية، حيث لم يعد القرار محصورًا في الكلفة أو الأداء فقط، بل أصبح مرتبطًا بمدى الاستقلالية الاستراتيجية وتقليل الاعتماد الخارجي وتجنب القيود السياسية.
وخلص “سوهـو” إلى أن هذه المقاربة تمنح الدول مساحة مناورة أوسع، وتحد من إمكانية استخدام التسليح كأداة ضغط سياسي، معتبرًا أن بعض الصفقات، رغم كلفتها المرتفعة نسبيًا، تمثل في جوهرها “استثمارًا في الاستقلال الاستراتيجي” أكثر من كونها مجرد عمليات شراء عسكرية تقليدية.
عاشرًا: اللقاءات والزيارات العسكرية
- تقدم السيسي الجنازة العسكرية للواء كمال مدبولي الذي وافته المنية في شهر أبريل 2026، وهو والد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي. يُعدّ مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء المصري الذي يتولى المنصب منذ فترةٍ طويلة مقارنةً بسابقيه في عهد عبد الفتاح السيسي، من أبناء عائلةٍ ذات خلفية عسكرية. فوالده هو اللواء كمال مدبولي، الذي وافته المنية ، وكان اللواء كمال مدبولي قد زامل المشير محمد حسين طنطاوي خلال فترة الدراسة العسكرية. وشغل اللواء كمال مدبولي عددًا من المناصب في قيادة سلاح المدفعية، وكان من أبناء جيل حرب أكتوبر.
كما تضم العائلة مصطفى مدبولي شخصيات عسكرية بارزة، من بينهم اللواء فؤاد نصار، الذي تولّى منصب مدير المخابرات الحربية الأسبق، وكذلك مدير المخابرات العامة الأسبق.
- اجتمع السيسي، خلال شهر أبريل 2026 مع الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع ، واللواء صلاح سليمان وزير الدولة للإنتاج الحربي.
وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية السفير محمد الشناوي، بأن السيسي تابع خلال الاجتماع الموقف التنفيذي للمشروعات التي تنفذها شركات الإنتاج الحربي والوحدات التابعة لها، فضلًا عن خطط تطوير الصناعات الدفاعية.
كما تم في ذات السياق استعراض الإمكانيات التصنيعية والتكنولوجية والفنية والموارد المتاحة لتلك الشركات والوحدات، بما يساهم في تلبية احتياجات القوات المسلحة من مختلف المنتجات العسكرية.
وفي هذا الإطار، أكد السيسي أهمية الدور المحوري لشركات الإنتاج الحربي في تطوير المنتجات العسكرية لتغطية متطلبات القوات المسلحة.
- التقى الفريق أحمد فتحي خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق بانزا مويلامبوى جول رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة بجمهورية الكونغو الديمقراطية والوفد المرافق له الذى زار مصر خلال شهر أبريل 2026. تناول اللقاء مناقشة عدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، كذلك أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الأمن والاستقرار داخل القارة الأفريقية، كما بحث الجانبان سبل تعزيز أواصر التعاون المشترك في مختلف المجالات العسكرية بين القوات المسلحة لكلا البلدين.
حضر اللقاء عدد من قادة القوات المسلحة لكلا البلدين والسفير الكونغولى بالقاهرة .
- شهد الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، مراسم الاحتفال بتكريم عدد من القادة الذين أوفوا العطاء بالقوات المسلحة، اعتباراً من يناير 2026. وذلك بحضور الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من قادة القوات المسلحة وأسرهم. وقام الفريق أشرف سالم زاهر بتقليد القادة المكرمين وسام الجمهورية من الطبقة الثانية، الذى صدق على منحه لهم السيسي تقديراً لما قدموه من جهود مخلصة طوال مدة خدمتهم بالقوات المسلحة .
- التقى الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع، عدداً من دارسي الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية وكلية القادة والأركان والمعاهد العسكرية التخصصية وطلبة الأكاديمية العسكرية المصرية وطلبة الكليات العسكرية عبر تقنية الفيديو كونفرانس، وذلك بحضور الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من قادة القوات المسلحة.
الحادي عشر : الفاعليات العسكرية
- تدخلت القوات المسلحة المصرية للرد على الغضب الشعبي من قرارات حكومية بالتقشف في ملف الطاقة وغلق المحال التجارية في البلاد اعتبارا من الساعة التاسعة مساء (والذي تم رفعه بعد ذلك بقرار من رئيس الوزراء المصري)، ما دفع المصريين للتساؤل حول أسباب التدخل لتبرير القرار
وبعد قرار حكومي برفع أسعار الوقود بكل أنواعه بين 14 و30 بالمئة، تغلق مصر منذ 28 مارس الماضي، المحال التجارية والمولات والمقاهي الـ9 مساءً، ترشيدا باستهلاك الكهرباء والطاقة إثر ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا كنتيجة للحرب “الأمريكية-الإسرائيلية” على إيران منذ 28 فبراير الماضي.
خطاب التبرير
المتحدث العسكري أصدر تقريراً مصوراً، عرض فيه تبريرات عديدة للقرار الحكومي باللهجة العامية المصرية على غير العادة في إصدار بيانات باللغة العربية الفصحى، مؤكدا فيه أن “الدولة اتخذت هذا القرار للحفاظ على اقتصادها ومواردها وشعبها، عارضا التساؤل الجاري على ألسنة 108 ملايين مصري يقيمون في الداخل: لماذا غلق المحال الـ 9 مساء؟”.
وفي خطاب موجه للبسطاء وأصحاب المحال عرض التقرير صورة لحركة الشارع المصري والمناطق الشعبية، بينما يقول: “نعرف أنه قرار ليس سهلا علينا، ونعرف أن أناسا كثيرة تأثرت وشغلها تغير ويومها اختلف”، مخاطبا وطنية المصريين بقوله: “بالتأكيد تعرفون أن مصر المحروسة لا تستحق أنها تُظلم”، لكنه استدرك مسرعا بالقول إن “ما يحدث ليس بمصر وحدها”، وأشار إلى أسماء دول قللت استهلاك الكهرباء وساعات العمل والعمل من المنزل، مؤكدا أن “مصر أفضل الدول من حيث التعامل مع الأزمة ومراعاة كل الفئات”، عارضا مقاطع تكدس بالهند على محطات الوقود، ملمحا إلى قرارات تقشف بباكستان، وسيرلانكا، وسلوفينيا، وزيادة أسعار الوقود بالإمارات، وألمانيا، والنمسا، وأمريكا.
التقرير، أكد على أن “مصر عندما تحركت لم تفعل شيئا خارج السياق العالمي”، متسائلا: لماذا توصف إجراءات تقشف وترشيد ورفع أسعار الوقود بالعالم بأنها نجاح في إدارة الأزمة وعندما تقوم مصر بإجراءات مشابهة نسميه فشل أو إجراء استثنائي؟”.
وعاود مخاطبة المصريين: “وهذا ليس معناه أنك لا تتكلم أو تتضايق، ومن حقك أن تسأل وتفهم وتناقش”، مستدركا: “لكن يجب رؤية الصورة الكاملة، فالإجراء الحالي لكي نبعد عن اتخاذ إجراءات أكثر قسوة أو نضطر لتخفيف الأحمال”.
- اختُتِمت فعاليات الدورة التدريبية رفيعة المستوى بعنوان “تدريب المدربين لهيئة القيادة بالأمم المتحدة ضمن جهود استعادة السلام بالقارة الأفريقية” والتي عٌقدت بمقر جهاز الاتصال بالمنظمات الدولية التابع لهيئة الاستخبارات العسكرية بالتعاون مع الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية ووزارة الخارجية وبمشاركة عدد من الشركاء الإقليميين والمنظمات الدولية.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




