المشهد العسكريعسكري

المرصد العسكري يوليو 2026

مقدمة العدد

شهد شهر يوليو 2026 عدداً من التطورات والتفاعلات المهمة على المستويات المصرية والإقليمية والدولية، في ظل استمرار التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية والعسكرية، وتصاعد التحديات التي فرضتها طبيعة الصراعات الراهنة وتداخل ساحاتها المختلفة.

فعلى المستوى المصري، أتناول في هذا العدد عدداً من الملفات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية وتطوراتها الداخلية، حيث يستعرض بصورة تفصيلية نشرة التنقلات العسكرية لشهر يونيو 2026، والتي اعتمدها السيسي عقب لقائه بوزير الدفاع الفريق أشرف سالم، إضافة إلى  تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية بعد حركة التنقلات، ودلالات هذه التغييرات في ضوء طبيعة إدارة المؤسسة العسكرية خلال المرحلة الحالية.

كما يتناول العدد قانون معاملة كبار قادة القوات المسلحة الصادر عام 2018، من خلال قراءة أبعاده القانونية والسياسية وتأثيراته على العلاقة بين القيادة السياسية والقيادات العسكرية، إلى جانب تقديم تحليل لحادثة استهداف ميناء دمياط، وقراءة تداعياتها والدروس المستفادة منها، وما هي الإجراءات المطلوبة لتعزيز حماية المنشآت الحيوية والاستراتيجية.

وفي الشأن المصري، يتناول التقرير بالتحليل والوصف أدوار جهاز مستقبل مصر وتوسّع النفوذ الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، في ظل تحوّل دوره من إدارة المشروعات إلى امتلاك أدوات أوسع للتأثير في مفاصل الاقتصاد المصري.

وعلى المستوى الإقليمي والدولي، يخصص العدد مساحة لتحليل المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، من خلال استعراض مسار العمليات العسكرية، والتكتيكات والاستراتيجيات التي استخدمتها الأطراف المختلفة، وانعكاسات هذه المواجهة على توازنات القوى الإقليمية والدولية، خاصة في ظل اتساع نطاق الصراع وتداخل مصالح القوى الكبرى.

وعلى المستوى الدولي، يقف العدد بالتحليل والوصف على المساعي الأوكرانية لربط ساحات الصراع في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط، من خلال استهداف السفينة الإيرانية، وما يحمله ذلك من دلالات بشأن محاولة توسيع نطاق المواجهة وإدخال أطراف جديدة في معادلات الصراع الدولي.

ويأتي هذا العدد في إطار متابعة التطورات العسكرية والاستراتيجية المتسارعة، من خلال تقديم قراءة تحليلية للملفات الأكثر تأثيراً، بعيداً عن الرصد الإخباري المجرد، والتركيز على فهم الأبعاد العسكرية والسياسية والاستراتيجية للتطورات الجارية.

إلى جانب ذلك، يتضمن العدد مجموعة من الملفات الأخرى التي تتناول مختلف القضايا العسكرية والأمنية المرتبطة بالشأن المصري والإقليمي والدولي في ملفات متعددة منها ملفات التسليح والتدريبات العسكرية  وملفات أخرى، بما يوفر رؤية شاملة لأبرز التحولات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية خلال هذه المرحلة.

وأتناول التقرير على النحو التالي:

أولاً: نشرة  تنقلات يونيو 2026  على مستوى القادة كاملة…. وقراءة في استراتيجية السيسي مع نشرات تنقلات قادة الجيش

اعتمد السيسي، في 30 يونيو 2026،حركة (نشرة) تنقلات يونيو 2026 على مستوى قيادات الجيش المصري، وذلك عقب لقائه المنفرد بوزير الدفاع الفريق أشرف سالم، الذي عرض عليه الحركة لاعتمادها. وقد أُرجئ إعلان الحركة إلى ما بعد افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، قبل أن تُنشر  داخل القوات المسلحة خلال شهر يوليو 2026 ، وجاءت الحركة على النحو التالي:

1- ترك الفريق ياسر محمد كمال الطودي منصبه كقائد لقوات الدفاع الجوي (أحد الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة المصرية) وتعيينه رئيساً لهيئة العمليات  بدلاً من اللواء أركان حرب محمد ربيع ، وتعيين محمد ربيع امين عام لوزارة الدفاع وترقيته لرتبة فريق وتوليه منصب إضافي بتعيّنه بقرار جمهوري من السيسي، رئيساً للهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ وهي هيئة مستحدثة . . (التسليم والتسلم لفرع قوات الدفاع الجزي لم يتم إلى الان التسليم سيكون في وقت لاحق).

2-تعيين لواء أركان حرب محمد على سيد أحمد على إبراهيم قائداً لقوات الدفاع الجوي بدلاً من الفريق الطودي الذي تم تعيينه رئيساً لهيئة العمليات وينضم بذلك اللواء أحمد علي ليصبح عضو بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، جدير بالذكر ان اللواء أحمد على إبراهيم كان رئيس أركان قوات الدفاع الجوي قبل ان يصعد إلى قيادة قوات الدفاع الجوي. (التسليم والتسلم لفرع قوات الدفاع الجزي لم يتم إلى الان التسليم سيكون في وقت لاحق).

3-ترك اللواء أركان حرب محمد يوسف عساف منصبه كقائد الجيش الثاني الميداني، وتعيين اللواء أركان حرب عامر محيي الدين رمضان بدلاً اللواء عساف كقائد للجيش الثاني الميداني.

4-تعيين للواء أركان حرب عبد المعطي عبد العزيز علام  رئيساً لهيئة التدريب بدلاً من اللواء أركان حرب شريف العرايشي، و تعيين العرايشي مساعد لوزير الدفاع.

5-تعيين اللواء أركان حرب محمد عبد الفتاح رئيساً لهيئة التسليح والتي تعتبر من أهم الهيئات داخل القوات المسلحة المصرية بدلاً من اللواء أ.ح محمد عدلي، وتعيين عدلي مساعداً لوزير الدفاع.

6-ترك اللواء أركان حرب ياسر الخطيب منصبه كقائد للمنطقة الشمالية العسكرية وتعيينه مديراً لهيئة الشؤون المعنوية بدلاً من اللواء أركان حرب محمد رجب ، وتعيين رجب مساعداً لوزير الدفاع.

7-ترك اللواء أركان حرب محمد كمال منصب رئيس هيئة الإمداد والتموين وتعيينه مساعداً لوزير الدفاع.

8- تعيين العقيد أ.ح أحمد عتمان متحدثا عسكرياً جديداً باسم القوات المسلحة المصرية، خلفا للعميد أ.ح غريب عبد الحافظ.

9–ترك اللواء أركان حرب أسامة سمير  منصبه كقائد للمنطقة الجنوبية العسكرية وتعيينه  قائداً لقوات الدفاع الشعبي.

10-تعيين اللواء أركان حرب إيهاب الفيومي نائب ر صندوق مصر السيادي.

11-نقل اللواء أ.ح حاتم زهران من منصب قائد المنطقة الغربية العسكرية، إلى منصب قائد المنطقة المركزية بدلاً من اللواء أ.ح عبد المعطي عبد العزيز علام، ونقل علام إلى هيئة التدريب.

12-تعيين اللواء أ.ح طارق طلبه قائد للجيش الثالث الميداني، بدلاً من اللواء أ.ح أحمد مهدي، وتعيين مهدي نائب لرئيس هيئة الاستخبارات العسكرية ( رئيس هيئة الاستخبارات الحالي هو اللواء أ.ح شريف فكري وربما يكون هذا الانتقال تمهيد لتولي أحمد مهدي رئاسة هيئة الاستخبارات بدلاً من اللواء فكري مستقبلاً).

13-تعيين اللواء أ.ح بشير أحمد عبد الفتاح قائداً للمنطقة الغربية العسكرية بدلاً من اللواء حاتم زهران الذي تم تعيينه قائداً للمنطقة المركزية.

14- تعيين اللواء أ .ح محمد أبو الفتوح نائب مدير الاكاديمية العسكرية المصرية.

15- تعيين اللواء شريف العالم مديراً للكلية الحربية.

16- تعيين اللواء أ.ح صالح الحناوي رئيس لأركان قوات الدفاع الجوي بدلاً من اللواء أ.ح محمد على سيد. تم رسمياً تسليم رئاسة أركان قوات الدفاع الجوي إلى اللواء أركان حرب صالح سمير صالح محمد الحناوي، وقام الموقع الرسمي لوزارة الدفاع المصرية برفع اسم اللواء أركان حرب محمد علي سيد من منصب رئيس أركان قوات الدفاع الجوي، بما يؤكد تنفيذ هذا التغيير رسمياً”.

17- تعيين اللواء  أركان حرب باسم حسب الله من مساعد رئيس اركان منطقة شمالية  الى رئيس اركان المنطقة الغربية العسكرية.

18- نقل اللواء أركان حرب الحسيني من مدير كلية التكنولوجيا الى مدير الكلية الفنية العسكرية.

19- تعيين اللواء أركان حرب تامر منصور  مدير الخدمات الطبية.

قراءة في الدلالات والتفسيرات:

 الجيش المصري يشهد حركتان للتنقلات في صفوف قادة وضباط الجيش المصري بمختلف مستوياتهم بشكل اعتيادي كل عام؛ الحركة الأولى تتم في منتصف العام في شهر يونيو تحديداً، والثانية تتم في نهاية العام في شهر ديسمبر تحديداً، ويتم اعتمادهما من القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية.

منذ تولّيه الحكم، ينتهج عبد الفتاح السيسي في تعامله مع قيادات الجيش سياسات مختلفة عن نهج حسني مبارك؛ بشكل عام استراتيجية السيسي تعتمد بالأساس سياسة التدوير المتسارع لقيادات المؤسسة العسكرية، بهدف تفادي تشكّل مراكز قوى مستقلة داخل الجيش قد تشكّل تهديداً له مستقبلاً. وقد أصبح هذا النهج مقنناً بموجب تعديلات تشريعية صُدّق عليها في يونيو 2021، قلّصت مدة بقاء قادة الأفرع الرئيسية بالقوات المسلحة من أربع سنوات إلى عامين فقط (يُمد للقائد فقط بقرار من السيسي). مع العمل في الوقت ذاته على منح القيادات امتيازات كبرى بعد التخارج لإرضائهم، كما نصّ قانون معاملة كبار القادة. (سأكتب عنه لاحقاً).

استراتيجية  حسني مبارك الذي ظل على كرسي الحكم لمدة 30 عام، كانت تقوم على أن بقاء قيادات الجيش في مناصبهم لفترات طويلة يعزز الاستقرار المؤسسي ويضمن استمرار الولاء داخل المؤسسة العسكرية. لذلك، لم يُعيّن خلال فترة حكمه سوى ثلاثة وزراء للدفاع هم المشير أبو غزالة ثم يوسف  صبري أبو طالب لفترة قصيرة ثم المشير محمد حسين طنطاوي، وظل المشير محمد حسين طنطاوي وزيراً للدفاع منذ عام 1991 وحتى نهاية عهد مبارك.

أما السيسي، فقد اتبع نمطاً مختلفاً يقوم على إجراء تغييرات متسارعة في القيادات العسكرية، بما يحد من بقاء القيادات في مواقعها لفترات طويلة، ويحول دون تشكل مراكز قوى داخل المؤسسة العسكرية قد تمثل تحدياً لمركزية السلطة أو يكون لها رأي أخر عند الاختلاف حول بعض القضايا والملفات مما قد يهدد حكمه. ولذلك، وخلال نحو 12 عاماً، عيّن أربعة وزراء للدفاع، وعدداً مماثلاً من رؤساء الأركان، إلى جانب إجراء تغييرات متكررة في قيادات الجيوش الميدانية والمناطق العسكرية والهيئات الرئيسية داخل القوات المسلحة.

فترة الرئيس مبارك بالفعل كانت هناك مؤسسة عسكرية يتحكم فيها المشير محمد حسين طنطاوي بشكل فعلي، ومؤسسة للرئاسة يتحكم فيها مبارك ونجله، وعند الاختلاف بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية (حول مشروع التوريث) حسمت القوات المسلحة المالكة للقوة موضوع إخراج مبارك استغلالا لحراك يناير 2011 ، ولولا وجود قائد للجيش يسيطر فعلياً على المؤسسة العسكرية لما كان أن يستطيع ان يأخذ قرار مخالف لمؤسسة الرئاسة التي كانت ترغب في استمرار مبارك في الحكم. والسيسي، آخر مدير مخابرات حربية في عهد الرئيس الراحل مبارك، يعلم هذا جيداً، ويسد تلك الثغرات حفاظاً على حكمه، حتى لا يكون مصيره مصير حسني مبارك ويكون له مركزية القرار داخل الجيش المصري تحسم الأمور عند وجود أي خلاف في وجهات النظر حول بعض القضايا.

تسليم وتسلم قيادة الدفاع الجوي للواء محمد على سيد بدلاً من ياسر الطودي التي لم تتم إلى الان، تأتي في سياق القانون العسكري الذي خفض سنوات بقاء القادة من أربع سنوات لسنتين، فالطودي مكث في منصبه لمدة عامين، وهي المدة التي نُصّ عليها بعد تعديل القانون العسكري المعُدل بتقليص بقاء قادة الأفرع في مناصبهم إلى عامين بدلاً من أربع سنوات. وفي حال عدم تمديد السيسي للطودي، فخروجه من منصبه يأتي ضمن إطار التعديلات التي عمل عليها للسيسي لتخفيض بقاء قادة الأفرع في مناصبهم.

حول قانون معاملة كبار القادة:

في 25 يوليو 2018، صدر القانون رقم 161 لسنة 2018 بشأن معاملة بعض كبار قادة القوات المسلحة، والذي منح السيسي سلطة اختيار من يشملهم القانون من كبار القادة العسكريين، ومنحهم عدة امتيازات، على رأسها الحصانة القضائية ضد بعض إجراءات التحقيق، فضلاً عن معاملتهم معاملة الوزراء في الداخل، ومنحهم الحصانات والامتيازات المقررة لأعضاء البعثات الدبلوماسية أثناء سفرهم إلى الخارج.

وقد صدر القانون في 25 يوليو 2018، وبدأ العمل به في 26 يوليو 2018، بعد موافقة مجلس النواب وتصديق عبد الفتاح السيسي عليه. ومن خلال رؤيتي جاء هذا القانون في إطار كسب ولاء القيادات بعد ترك مناصبهم والخروج من الخدمة، بما يضمن سهولة وسرعة إجراء التغييرات القيادية متى تقرر ذلك، كما يمنح القيادات العليا، وتحديداً من انضموا إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، امتيازات غير مسبوقة بعد خروجهم من الخدمة، بما يضمن استمرار ولائهم. ويمكن وصف ذلك بأنه مزيج من سياسة “العصا والجزرة”.

وأبرز ما جاء في القانون:

1- الاستدعاء مدى الحياة

يُستدعى كبار قادة القوات المسلحة (أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة)  الذين يصدر بأسمائهم قرار من رئيس الجمهورية لخدمة القوات المسلحة مدى الحياة.

2- المعاملة المالية والإدارية

يُعامل كبار القادة المخاطبون بالقانون معاملة الوزراء، ويتمتعون بالمزايا والحقوق المقررة للوزراء إذا لم يكونوا قد شغلوا بالفعل منصب وزير.

3- الحصانة القضائية

لا يجوز اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق أو أي إجراء قضائي ضد المخاطبين بأحكام القانون عن الأفعال التي ارتُكبت خلال فترة تعطيل العمل بالدستور وحتى بداية مباشرة مجلس النواب لمهامه، إذا كانت تلك الأفعال مرتبطة بأداء وظائفهم أو بسببها، إلا بعد الحصول على إذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

4- الحصانات أثناء السفر للخارج

يتمتع المخاطبون بالقانون أثناء سفرهم خارج البلاد بالحصانات والامتيازات المقررة لرؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية طوال مدة خدمتهم واستدعائهم. (هذا موضوع شامل  كنت كتبه حول القانون حين إصداره في 2018، الرابط هنا) .

تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الحالي ، بعد حركة تنقلات يونيو  2026 والتي كنت ذكرت تفاصيلها  في الأعلى:

1-عبد الفتاح السيسي – القائد الأعلى للقوات المسلحة.

2-الفريق أشرف سالم زاهر – وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة.

3-الفريق أحمد فتحي خليفة – رئيس أركان حرب القوات المسلحة

4-الفريق محمود عادل فوزي– قائد القوات البحرية.

5-الفريق طيار عمرو عبد الرحمن صقر – قائد القوات الجوية.

6- الفريق ياسر الطودي – قيادة قوات الدفاع الجوي ( إلى أن يتم لاحقاً تسليم وتسلم قيادة قوات الدفاع الجوي للواء أركان حرب محمد على سيد أحمد على إبراهيم).

7-اللواء أ.ح شريف فكري – رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية.

8—الفريق محمد ربيع رئيس هيئة العمليات (إلى أن يتم لاحقاً تسليم وتسلم هيئة العمليات للفريق ياسر محمد كمال الطودي، وتولي ربيع  منصب أمين عام وزارة الدفاع)

9-اللواء أ.ح حاتم زهران – قائد المنطقة المركزية العسكرية.

10-اللواء أ.ح بشير أحمد عبد الفتاح– قائد المنطقة الغربية العسكرية.

11-اللواء أ.ح طارق طلبه – قائد الجيش الثالث الميداني.

12- اللواء أركان حرب عامر محيي الدين رمضان  قائد الجيش الثاني الميداني.

13-اللواء أ.ح محمد صبحي – رئيس هيئة التنظيم والإدارة.

14-اللواء أ.ح أسامة داوود – قائد قوات حرس الحدود.

15-– اللواء أركان حرب محمد عبد الفتاح رئيس هيئة التسليح.

16- اللواء أركان حرب عبد المعطي عبد العزيز علام  رئيس هيئة التدريب.

17-اللواء أ.ح أحمد رضا فرغلي – رئيس هيئة شؤون الضباط.

18-اللواءأ.ح محمد عز الدين جحوش -قائد القيادة الاستراتيجية.

19-اللواء أ.ح حاتم الجزار  – مساعد وزير الدفاع للشؤون الدستورية والقانونية.

20-اللواء سيد قناوي – رئيس هيئة القضاء العسكري.

21-اللواء أ.ح خالد عبد الله – رئيس هيئة الشؤون المالية.

22-االلواء أركان حرب ياسر الخطيب  مديرً  هيئة الشؤون المعنوية

23-اللواء أ.ح هشام شندي – قائد قوات شرق القناة.

24-  اللواء أ.ح مهندس وليد عارف رئيس الهيئة الهندسية.

ثانياً: قراءة لاستهداف السفن في ميناء دمياط عن طريق مسيرات 

“قال ⁠⁠مجلس ⁠⁠الوزراء المصري يوم الخميس 30 يوليو 2026  إن التحقيقات الأولية ⁠⁠أظهرت أن طائرة مسيرة هي التي تسببت في ⁠⁠اندلاع حريق في سفينتين في ميناء دمياط الأربعاء 29 يوليو 2026، دون تحديد الجهة المسؤولة عنه. وذكر مجلس الوزراء أنه “بعد ‌‌السيطرة على الحريق الذي تعرضت له سفينتان في ميناء دمياط يوم 29 يوليو 2026، وبإجراء ⁠⁠الجهات المعنية التحقيقات الأولية حول ⁠⁠الحادث، تبين أنه ناتج عن طائرة مسيرة، ⁠⁠ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها ⁠⁠عن الواقعة .وأضاف مجلس الوزراء تواصل ⁠⁠الجهات المعنية استكمال التحقيقات للوقوف على ملابسات الحادث، واتخاذ ‌‌الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومي”.

في خضم الحروب والأحداث الكبرى، لا تقتصر المواجهة على تبادل الضربات العسكرية أو المناورات الميدانية، بل تمتد إلى ساحة أخرى لا تقل أهمية وخطورة، وهي ساحة المعلومات والإدراك. فكلما اتسع نطاق الحرب، ازدادت محاولات أطراف مختلفة توسيع دائرة الصراع وإدخال لاعبين جدد إلى ساحة المواجهة، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية ويزيد من تعقيد المشهد. هذه الظاهرة تُعرف في العلوم السياسية والعسكرية بـ “عمليات الراية المزيفة” (False Flag Operations) و”استراتيجيات حافة الهاوية”، وهي أدوات قديمة ومتجددة لإدارة الأزمات عبر الخداع الدولي.

لقد أثبتت تجارب العقود الأخيرة أن كثيراً من الحروب لم تتوسع نتيجة قرار مباشر من الدول المتحاربة، وإنما بسبب أحداث جانبية أو روايات إعلامية أو عمليات غامضة جرى استغلالها لدفع أطراف أخرى إلى الانخراط في القتال. وفي مثل هذه الظروف، تصبح المعلومة جزءاً من المعركة، ويصبح التضليل أداة لا تقل تأثيراً عن الصاروخ أو الطائرة المسيّرة.

ولهذا، تنشط خلال الحروب حملات منظمة تهدف إلى صناعة روايات مضللة، أو تضخيم أحداث معينة، أو نشر معلومات غير مؤكدة، أو حتى تنفيذ عمليات تُنسب عمداً إلى أطراف أخرى، بهدف خلق حالة من العداء بين أطراف لم تكن لديها في الأصل مصلحة في الدخول إلى الحرب وتوسيع نطاق الفوضى. والغاية من ذلك هي توسيع رقعة الاشتباك، وإرباك حسابات صناع القرار، وفرض وقائع سياسية وعسكرية جديدة على الأرض.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل رواية أو كل حادثة خلال الحرب هي عملية تضليل، لكن التاريخ العسكري يبين أن الحروب توفر بيئة خصبة لمثل هذه الممارسات، لأن سرعة الأحداث وضبابية المعلومات تمنح الجهات المختلفة فرصة للتأثير في الرأي العام وصناع القرار قبل أن تتضح الحقائق بصورة كاملة.

ومن منظور استراتيجي، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة خلال الحرب هو أن تُدفع إلى الانخراط في مواجهة لا تخدم مصالحها، نتيجة معلومات غير دقيقة أو روايات وأحداث لم تخضع للتحقق الكافي. فالحروب الكبرى لا توسعها القوة العسكرية وحدها، بل قد توسعها أيضاً الحسابات الخاطئة والانفعالات السياسية والأحداث المصطنعة والقرارات التي تُبنى على معلومات غير مكتملة.

كما أن بعض الأطراف قد تجد مصلحة مباشرة في إشعال أكثر من جبهة في الوقت نفسه، لأن تعدد مسارح العمليات يشتت الموارد العسكرية، ويرفع الكلفة الاقتصادية، ويُربك منظومات القيادة والسيطرة، ويمنح أطرافاً أخرى مساحة أوسع لتحقيق أهدافها. ولهذا، فإن محاولة جر دول جديدة إلى الصراع قد تكون هدفاً قائماً بذاته، حتى لو لم تحقق تلك الدول أي مكسب من مشاركتها.

ومن هنا، يصبح التعامل مع الأخبار المتداولة والاحداث المستجدة في ساحات أخرى خلال الحروب مسألة تتطلب قدراً كبيراً من الحذر والوعي. فليس كل ما يُنشر صحيحاً، وليس كل ما يبدو واضحاً يعكس حقيقة ما جرى على الأرض. وفي كثير من الأحيان، تظهر الحقائق الكاملة بعد أيام أو أسابيع، عندما تتوافر المعلومات الموثقة وتتراجع ضوضاء المعركة الإعلامية.

إن القراءة الهادئة والمتأنية للأحداث، والاعتماد على المصادر الموثوقة، وعدم الانجرار وراء الروايات غير المؤكدة، كلها عناصر أساسية لفهم مسار أي حرب بصورة صحيحة. فالمعركة في العصر الحديث لم تعد معركة ميدان فقط، بل أصبحت أيضاً معركة على العقول، وعلى طريقة تفسير الأحداث وتوجيهها.

وفي النهاية، فإن الدول التي تنجح في حماية قرارها السياسي والعسكري من التضليل هي الأكثر قدرة على تجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم مصالحها. أما تلك التي تتخذ قراراتها تحت ضغط الشائعات أو الروايات غير الموثقة، فقد تجد نفسها طرفاً في حرب لم تخترها، وتتحمل كلفة لم تكن مضطرة إلى تحملها. ولذلك، يبقى التحقق من المعلومات، وقراءة الأحداث بعين استراتيجية، أحد أهم عناصر الأمن القومي في زمن الحروب، تماماً كما هو امتلاك القوة العسكرية على الأرض.

رسالة إلى قادة الجيش المصري:

حادث دمياط يطرح العديد من التساؤلات، ويقدم درساً مهماً في ظل حرب ممتدة تتسع رقعتها وتشمل مسارح عمليات متعددة في المنطقة. فحتى الدول التي ليست طرفاً مباشراً في الحرب، أو التي لم تُوجَّه إليها الصواريخ والمسيرات، مطالبة بالحفاظ على أعلى درجات اليقظة، ووضع قوات الدفاع الجوي في حالة جاهزية وطوارئ مستمرة لرصد والتعامل مع أي أهداف تدخل المجال الجوي، ليس فقط لاحتمال الاستهداف المباشر، وإنما أيضاً لاحتمال انحراف المقذوفات أو خروجها عن مساراتها نتيجة أخطاء فنية أو ظروف القتال، وهو أمر وارد وطبيعي في الحروب.

حادث إصابة سفينتين في ميناء دمياط عن طريق مسيرة، يثير تساؤلات مهمة حول منظومة الرصد والإنذار المبكر والتعامل والاستجابة. فإصابة أهداف داخل منطقة استراتيجية، دون اعتراضها أو التعامل معها، تستوجب مراجعة شاملة لإجراءات الرصد والاستجابة، وتقييم جاهزية منظومات الدفاع الجوي المصرية في ظل البيئة الإقليمية الحالية، التي تتسم بارتفاع مستوى التهديدات الجوية والصاروخية.

وتُعد الموانئ والمطارات والمنافذ الاستراتيجية من أهم مراكز الثقل للدولة، الأمر الذي يفرض تعزيز مظلة الدفاع الجوي حولها، ورفع مستويات التأمين والجاهزية بما يتناسب مع طبيعة المخاطر القائمة. كما أن أي حادث من هذا النوع كشف ان تلك المراكز مظلة الحماية لها بها ثغرات وخلل، وهذا يجب أن يكون دافعاً لإجراء تقييم موضوعي لمواطن القوة والقصور، والعمل على معالجتها بصورة عاجلة، لضمان أعلى مستويات الكفاءة والاستعداد.

وفي هذا السياق، قد تستدعي المرحلة الحالية الإسراع في إجراءات تسليم وتسلم قيادة قوات الدفاع الجوي إلى القيادة الجديدة ( تسليم اللواء محمد علي سيد قيادة الفرع بدلاً من  الفريق ياسر الطودي طبقاً لنشرة يونيو 2026) ، مع استثمار هذه المرحلة في إجراء مراجعة شاملة للاستراتيجيات التشغيلية، وتقييم منظومة القيادة والسيطرة، وتطوير آليات الرصد والتعامل مع التهديدات الجوية المستجدة، بما يتلاءم مع طبيعة البيئة العملياتية التي تشهدها المنطقة.

وفي الوقت نفسه، يجب فتح تحقيق شامل ودقيق للوقوف على الجهة التي استهدفت ميناء دمياط، حتى تتضح ملابسات الحادث بصورة كاملة، ودون الانسياق وراء مزاعم أو استنتاجات غير مدعومة بالأدلة قد تدفع إلى الزج بالجيش المصري طرفاً في الصراع قبل اكتمال نتائج التحقيق، فالوصول إلى الجهة الحقيقية المسؤولة عن هذا الاستهداف يمثل أولوية قصوى.

كما أن التقييم العسكري لما جرى لا يقل أهمية عن التحقيق نفسه، إذ إن مراجعة الأحداث واستخلاص الدروس المستفادة هما الضمانة الأساسية لعدم تكرار مثل هذه الوقائع مستقبلاً. ومن ثم، فإن المرحلة الحالية تستدعي إجراء تقييم شامل لمنظومة الدفاع الجوي، من حيث الانتشار، والجاهزية، وآليات الرصد والاشتباك، ومراجعة الإجراءات العملياتية، ومحاسبة أي مقصر إذا ثبت وجود تقصير، بالتوازي مع استكمال التحقيق الفني والأمني لتحديد الطرف المنفذ بدقة. وهذان المساران، التقييم العسكري والتحقيق الشامل، يمثلان في المرحلة الراهنة أولوية ملحة أمام القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية.

ثالثاً: القيادة الاستراتيجية والأوكتاجون في القوات المسلحة المصرية.. رؤية عسكرية

بمناسبة افتتاح السيسي لمجمع القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية (الأوكتاجون)، برزت تساؤلات حول طبيعة هذه القيادة ومهامها. وهل مقر  مجمع القيادة الاستراتيجية هو نفسه هيئة القيادة الإستراتيجية؟

أُنشئت القيادة الاستراتيجية للقوات المسلحة المصرية في ديسمبر 2021، وكان الفريق أحمد خالد حسن سعيد، قائد القوات البحرية الأسبق وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة (على قائمة الاستدعاء)، أول من تولى قيادتها عقب إنشائها، وذلك بعد أن ترددت في عام 2019 أحاديث عن مطالبات من بعض الأطراف بتعيينه نائباً لرئيس الجمهورية، إلا أنه بعد انتهاء فترة قيادته، عين محافظاً للإسكندرية إلى أن تم تغييره مؤخراً، وتولى اللواء أركان حرب محمد عز الدين جحوش قيادة القيادة الاستراتيجية بدلاً منه.

وتُعد القيادة الاستراتيجية إحدى القيادات الرئيسية المستحدثة داخل القوات المسلحة المصرية، شأنها شأن قيادة القوات الجوية، والقوات البحرية، وقوات الدفاع الجوي، والمنطقة المركزية العسكرية، وغيرها من القيادات الرئيسية. وبالتالي من المهم الإشارة إلى أنها ليست كياناً بديلاً عن وزارة الدفاع، ولا تحل محلها أو محل وزير الدفاع؛ فوزارة الدفاع تظل المؤسسة المسؤولة عن إدارة القوات المسلحة، ويظل وزير الدفاع القائد العام للقوات المسلحة، وصاحب الاختصاص في الإشراف على مختلف الأفرع والقيادات الرئيسية، ويتمتع بصلاحيات أوسع من أي قيادة عسكرية أخرى.

وتتمثل أبرز  مهام القيادة الاستراتيجية ، كما جاء في قرار إنشائها  في إدارة منظومات القيادة والسيطرة على المستوى الاستراتيجي، والتنسيق بين الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة وبين المؤسسات الأخرى في الدولة، ودعم عملية اتخاذ القرار من خلال جمع المعلومات وتحليلها، ووضع الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى، وإدارة الأزمات والطوارئ، وربط شبكات القيادة والسيطرة والاتصالات بين مختلف مستويات القيادة، بما يحقق سرعة الاستجابة والتكامل بين التشكيلات العسكرية في مختلف مسارح العمليات؛ بمعني أنه لا تقتصر مهام القيادة الاستراتيجية على التنسيق بين القيادات والأفرع والهيئات العسكرية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى تعزيز التكامل والتنسيق بين مختلف مؤسسات وأجهزة الدولة المدنية والعسكرية، خاصة في أوقات الأزمات والطوارئ والكوارث.

 وتضطلع القيادة بإعداد التقديرات الاستراتيجية، ووضع الخطط والسيناريوهات التي تضمن تشابك وتكامل جهود جميع أجهزة الدولة، بما يكفل توحيد إدارة الأزمات ورفع كفاءة الاستجابة للتهديدات العسكرية والأمنية، فضلاً عن الكوارث والأزمات المدنية، وفق منظومة قيادة وسيطرة موحدة على المستوى الاستراتيجي.

أما مبنى مقر القيادة الاستراتيجية (الأوكتاجون)، أو الكيان العسكري كما يطلق عليه داخل الجيش المصري، فهو  المقر الجديد لوزارة الدفاع المصرية، ويقع داخل العاصمة الإدارية الجديدة.  بدأ العمل على إنشائه منذ سنوات ضمن خطة الدولة المصرية الشاملة لإنشاء عاصمة إدارية جديدة تضم أهم وأبرز المؤسسات السيادية، ونقل الوزارات والهيئات إلى العاصمة الجديدة بعيداً عن قلب القاهرة، مع تعزيز مستويات التأمين وصعوبة الوصول إليها، بما يحول دون تكرار ما حدث خلال ثورة يناير 2011 من وصول المتظاهرين إلى عدد من المؤسسات السيادية.

وقد جرى تخطيط وبناء الأوكتاجون وتنفيذه بالشراكة بين القوات المسلحة وعدد من كبرى الشركات الوطنية، ليحاكي في كفاءته وتأمينه أحدث مراكز القيادة والسيطرة في العالم، معتمداً التصميم الهندسي المثمن الأضلاع (الأوكتاجون) رمزاً للقوة الاستراتيجية والترابط الوثيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة ومنظومات الدولة السيادية، بما يدعم كفاءة العمل المؤسسي المشترك، ويعزز سرعة القيادة والسيطرة وإدارة المواقف والأزمات الطارئة بكفاءة وفاعلية.

وبناء على ذلك، يجب هنا التمييز بين هيئة “القيادة الاستراتيجية” و”مقر القيادة الاستراتيجية (الأوكتاجون)”. فالقيادة الاستراتيجية هي إحدى القيادات الرئيسية داخل القوات المسلحة المصرية، شأنها شأن غيرها من القيادات الرئيسية، وتختص بمهام القيادة والسيطرة والتنسيق الاستراتيجي. أما مقر القيادة الاستراتيجية، المعروف باسم “الأوكتاجون”، فهو مجمع القيادة والسيطرة الرئيسي الذي يضم وزارة الدفاع وعدداً كبيراً من الهيئات والإدارات والقيادات العسكرية، وتوجد القيادة الاستراتيجية داخله بوصفها إحدى الجهات العاملة في هذا المجمع، وليست هي الشاغلة للمجمع بأكمله.

ويعتقد البعض أن القيادة الاستراتيجية أصبحت بمثابة وزارة دفاع جديدة أو كيان موازٍ لها، ويرجع ذلك إلى أن مقرها يقع داخل مجمع القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية (الأوكتاجون)، الذي يُعد أحد أكبر مجمعات القيادة والسيطرة العسكرية الحديثة في المنطقة. كما يضم المجمع عدداً كبيراً من مراكز القيادة والإدارة العسكرية، ما دفع البعض للاعتقاد بأن القيادة الاستراتيجية أصبحت الجهة العليا لإدارة القوات المسلحة. إلا أن هذا الفهم غير دقيق؛ فالمجمع يمثل مقراً للقيادة والسيطرة الاستراتيجية للدولة، ويقع فيه فرع القيادة الاستراتيجية من القوات المسلحة، وليس بديلاً عن وزارة الدفاع ولكن تابعاً لها، كما أن وجود القيادة الاستراتيجية داخله لا يغير من هيكل القيادة الرسمي للقوات المسلحة أو توزيع الاختصاصات داخلها.

ومن المهم أيضاً التمييز بين أهمية القيادة الاستراتيجية، وبين مكانتها القانونية والتنظيمية. فالقيادة الاستراتيجية تؤدي دوراً محورياً في إدارة منظومة القيادة والسيطرة والتنسيق الاستراتيجي، إلا أنها تبقى واحدة من القيادات الرئيسية داخل القوات المسلحة.

كما أن مكانة المنصب لا ترتبط بالضرورة برتبة شاغله، إذ قد يشغله ضابط برتبة فريق في مرحلة ما، أو ضابط برتبة لواء في مرحلة أخرى، وفقاً لاعتبارات تنظيمية وإدارية تتعلق بحركات التنقلات وهيكل القيادة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييراً في اختصاصات القيادة،  أو هيكل التراتبية بين القادة، أو مكانتها داخل القوات المسلحة.

وفي المجمل، فإن إنشاء القيادة الاستراتيجية يعكس توجهاً نحو تطوير منظومة القيادة والسيطرة وتحديث أساليب إدارة العمليات المشتركة داخل القوات المسلحة المصرية، بما يتوافق مع المفاهيم العسكرية الحديثة، مع بقاء وزارة الدفاع المؤسسة العليا المسؤولة عن إدارة القوات المسلحة، وبقاء وزير الدفاع القائد العام للقوات المسلحة، في حين تؤدي القيادة الاستراتيجية دورها كإحدى القيادات الرئيسية المتخصصة في التخطيط والتنسيق والقيادة والسيطرة على المستوى الاستراتيجي.

ومن وجهة نظر عسكرية، فإن إنشاء مجمع يضم جميع إدارات القيادة والسيطرة في موقع واحد يحقق مزايا مهمة من حيث سرعة التنسيق، وتكامل المعلومات، وسهولة اتخاذ القرار. إلا أنه يطرح في الوقت ذاته تحديات تتعلق باستمرارية  وكفاءة مهمة القيادة والسيطرة في حال تعرض هذا المركز لتهديد مباشر؛ فالحروب الحديثة لم تعد تقتصر على خطوط المواجهة التقليدية، بل أصبحت تستهدف مراكز القيادة والسيطرة، والعواصم، والبنية التحتية العسكرية، باعتبارها مراكز الثقل التي يؤثر تعطيلها بصورة مباشرة في كفاءة إدارة العمليات. ولذلك يتجه العديد من الجيوش الحديثة إلى إنشاء مراكز قيادة بديلة، ومنظومات قيادة وسيطرة احتياطية، وتوزيع بعض عناصر القيادة جغرافياً، بما يضمن استمرار إدارة العمليات حتى في حال تعرض أحد المراكز الرئيسية للاستهداف، بدلاً من الاعتماد على مركز واحد رئيس للقيادة والسيطرة، بما يعرضه لمخاطر جمة.

ومن ثَمَّ، فإن نجاح أي منظومة قيادة وسيطرة لا يعتمد فقط على تطورها التقني، وإنما أيضاً على مستوى المرونة، واللامركزية، وتعدد مراكز القيادة البديلة، بما يحافظ على استمرارية القيادة والسيطرة في مختلف ظروف القتال.

رابعاً: تداخل الأدوار بين المؤسسة العسكرية والقطاع المدني… لماذا يضر بالكفاءة العسكرية؟

أعلنت القوات المسلحة المصرية إطلاق “جامعة كيان” كأول جامعة مدنية تعمل تحت مظلتها، على أن تبدأ الدراسة بها اعتباراً من أكتوبر 2026، وتضم كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي والهندسة والحاسبات والذكاء الاصطناعي. ووافق مجلس النواب، برئاسة المستشار هشام بدوي، على مشروع قانون إنشاء جامعة كيان بالقوات المسلحة نهائيا.

تقوم الجيوش الحديثة على مبدأ واضح يتمثل في التخصص. فالمؤسسة العسكرية أُنشئت أساساً لحماية الدولة والدفاع عن أمنها القومي، وإعداد القوات المسلحة وتأهيلها لخوض الحروب وإدارة الأزمات العسكرية. ولهذا تُوجَّه مواردها البشرية والمالية والتنظيمية نحو تحقيق هذا الهدف الرئيسي، باعتباره المهمة التي لا تستطيع أي مؤسسة أخرى القيام بها.

ومن هذا المنطلق، ليس من الدور الطبيعي للجيوش إنشاء جامعات مدنية أو إدارة منظومات تعليمية لا ترتبط بإعداد الكوادر العسكرية. فالتعليم المدني، وإنشاء الجامعات، وإعداد الأطباء والمهندسين والمعلمين وسائر التخصصات المدنية، هي مسؤولية مؤسسات الدولة المدنية المختصة، التي تمتلك الخبرات والأطر الأكاديمية اللازمة للقيام بهذه المهمة.

أما المؤسسة العسكرية، فمن الطبيعي أن تمتلك كلياتها وأكاديمياتها العسكرية التي تُعِد الضباط والمتخصصين العسكريين، لأن ذلك يرتبط مباشرة بمهمتها الأساسية. لكن التوسع خارج هذا الإطار يفتح الباب أمام تداخل الاختصاصات بين المؤسسات، وهو ما يضعف مبدأ التخصص الذي تقوم عليه الإدارة الحديثة للدول.

ولا يتعلق الأمر بقدرة المؤسسة العسكرية على إدارة هذه المشروعات من عدمها، وإنما بتحديد الأولويات. فكل ساعة عمل، وكل جهد إداري، وكل موارد تُوجَّه إلى مجالات مدنية، هي موارد لا تُوجَّه إلى تطوير التدريب العسكري، أو تحديث العقيدة القتالية، أو رفع الجاهزية، أو تطوير منظومات التسليح والقيادة والسيطرة.

وتؤكد تجارب العديد من الدول أن الجيوش الأكثر احترافية هي التي تحافظ على تركيزها الكامل في المجال العسكري، بينما تتولى المؤسسات المدنية إدارة القطاعات الاقتصادية والتعليمية والخدمية. فكل مؤسسة تحقق أعلى مستويات الكفاءة عندما تعمل داخل نطاق اختصاصها، لا عندما تتوسع في مجالات الآخرين.

كما أن الفصل الواضح بين الاختصاصات يعزز من كفاءة مؤسسات الدولة جميعاً. فالجامعات المدنية تتطور عندما تنافسها جامعات مدنية أخرى، والمؤسسة العسكرية تتطور عندما تركز على رفع كفاءتها القتالية، وليس عندما تتحمل أعباء إضافية لا ترتبط مباشرة بوظيفتها الأساسية.

ولهذا، فإن القضية ليست رفضاً لدور المؤسسة العسكرية أو التقليل من قدراتها، بل هي دعوة إلى الحفاظ على احترافيتها وتركيزها على رسالتها الأصلية. فكلما اتسعت مهام أي مؤسسة خارج اختصاصها، زادت احتمالات تشتت جهودها، بينما يبقى التخصص هو الطريق الأقصر إلى بناء جيش أكثر كفاءة، ودولة أكثر قوة، ومؤسسات أكثر فاعلية.

وحتى إذا كان التوسع في الأنشطة المدنية أو إنشاء الجامعات يتم بدافع تحقيق عائد اقتصادي، فإن ذلك لا يغير من جوهر الإشكالية. فالمؤسسة العسكرية، إذا أرادت تعظيم مواردها، فمن الطبيعي أن يكون ذلك من خلال الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية والخدمات المرتبطة باختصاصها، لا عبر التوسع في قطاعات الاقتصاد المدني التي هي من اختصاص القطاعين العام والخاص. فكما أن الجيوش يُفترض أن تبتعد عن العمل السياسي لأنه ليس من مهامها، فإن ابتعادها عن المنافسة في المجالات الاقتصادية والتعليمية المدنية ينسجم مع المبدأ نفسه، وهو الالتزام بحدود الاختصاص. إن احترافية القوات المسلحة تتحقق عندما تركز على رسالتها الأساسية في الدفاع عن الدولة، بينما تتولى المؤسسات المدنية إدارة السياسة والاقتصاد والتعليم، بما يعزز كفاءة كل مؤسسة ويمنع تداخل الأدوار الذي قد ينعكس سلباً على أداء الجميع.

خامساً: التقارب العسكري المصري–التركي… ضرورة تفرضها البيئة الإقليمية:

خطت مصر وتركيا خطوة إضافية في علاقاتهما عبر توقيع خطاب نوايا بشأن التعاون الدفاعي. ووقّع الخطاب وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر مع نظيره التركي يشار غولر، عقب مباحثات بينهما في أنقرة. وعقد الوزيران اجتماعاً ثنائياً، أعقبه اجتماع موسع لوفدي البلدين برئاستهما في مقر وزارة الدفاع التركية في أنقرة، تم خلالهما بحث العلاقات العسكرية بين البلدين، وتعزيز التعاون في مجالات التدريب المشترك والصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات.

تمثل زيارة وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم إلى تركيا أهمية استراتيجية والتي جرت في شهر يوليو 2026، إذ تُعد أول زيارة من نوعها منذ عام 2013، حيث كانت آخر زيارة رسمية لوزير دفاع مصري إلى تركيا قد قام بها عبد الفتاح السيسي عندما كان وزيراً للدفاع عام 2013. وتُعد الزيارة الحالية للفريق أشرف سالم، وما سبقها من تدريبات عسكرية مشتركة بين الجيشين المصري والتركي، مؤشرات واضحة على وجود توجه لدى الجانبين نحو بناء تقارب استراتيجي في ظل البيئة الإقليمية المعقدة. ومن الضروري أن ينعكس هذا التقارب على تعزيز التعاون العسكري والتسليحي بين البلدين، بما يسهم في رفع جاهزيتهما وقدراتهما الدفاعية.

ويكتسب هذا التعاون أهمية خاصة في مجالات الدفاع الجوي، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة وبرامج الطائرات المقاتلة، التي أصبحت تمتلك فيها تركيا قاعدة صناعية متقدمة ومهمة، وهو ما يتيح فرصاً حقيقية للتعاون ونقل الخبرات وتعزيز القدرات العسكرية المشتركة.

ويُعد هذا التقارب ضرورة استراتيجية، إذ إن مصر وتركيا تواجهان عدواً مشتركاً واحداً، هو العدو الصهيوني، الذي يكن كل العداء لمصر وتركيا. ومن ثم، فإن تعزيز التعاون العسكري بين البلدين لا يخدم مصالحهما الثنائية فحسب، بل يمثل أيضاً خطوة مهمة في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين في ظل التحديات المتزايدة التي تشهدها المنطقة.

سادساً: قراءة عسكرية: لماذا تعيد إسرائيل تطوير القبة الحديدية بعد الحرب مع إيران؟

أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية، بالتعاون مع شركة رافائيل، عن استكمال سلسلة من الاختبارات التشغيلية شملت تحديثات جديدة على منظومة القبة الحديدية (Iron Dome)، وذلك بهدف رفع كفاءتها في مواجهة التهديدات الجوية الحالية والمستقبلية. وشملت هذه التحديثات تحسين قدرة المنظومة على اعتراض الصواريخ، وصواريخ الكروز، والطائرات المسيّرة، وزيادة معدل إطلاق الصواريخ الاعتراضية، وتوسيع مدى الاشتباك، بما يسمح بالتعامل مع أعداد أكبر من الأهداف في وقت واحد. كما تضمنت الاختبارات تنفيذ سيناريوهات تشغيل مشتركة مع منظومة الليزر “أور إيتان” (Or Eitan)، في إطار دمجها مع منظومة القيادة والسيطرة الخاصة بالقبة الحديدية، بما يمهد لإنشاء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات تجمع بين الاعتراض الصاروخي والليزر في شبكة عملياتية واحدة.

وتأتي هذه الاختبارات في توقيت يحمل دلالات عسكرية واضحة، إذ إنها ليست مجرد عملية تطوير روتينية، وإنما تمثل جزءاً من عملية مراجعة شاملة لأداء منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية بعد الحرب الأخيرة مع إيران. فمن الثابت في العلوم العسكرية أن الحروب تمثل المختبر الحقيقي لاختبار الأسلحة والمنظومات القتالية، حيث تُكتشف نقاط القوة والضعف التي قد لا تظهر خلال التدريبات أو الاختبارات الميدانية المحدودة. ولهذا السبب، تعقب الحروب الكبرى دائماً عمليات تقييم شاملة تشمل مراجعة الأداء العملياتي، وتحليل الثغرات، وإدخال تعديلات تقنية وتكتيكية على المنظومات المستخدمة استعداداً لأي مواجهة مستقبلية.

وفي هذا السياق، كشفت الحرب الأخيرة أن القبة الحديدية، رغم نجاحها في اعتراض أعداد من المقذوفات، واجهت تحديات كبيرة عند التعرض لهجمات كثيفة ومتزامنة استخدمت فيها إيران مزيجاً من الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ المجنحة، مع توظيف أساليب الإغراق النيراني وتعدد محاور الهجوم، وهو ما أدى إلى اختراق عدد من المقذوفات لمنظومات الدفاع والوصول إلى أهدافها داخل إسرائيل. ولا يعني ذلك فشل المنظومة بصورة مطلقة، لكنه أظهر أن القبة الحديدة بها ثغرات كبرى ومواطن خلل استغلتها إيران بشكل جيد، وهذا يظهر أن أي نظام دفاع جوي، مهما بلغت كفاءته، يظل يمتلك حدوداً عملياتية، خصوصاً عند مواجهة هجمات واسعة النطاق تستخدم تكتيكات مصممة لاستنزاف قدراته وتشتيت جهوده.

ومن هنا يمكن فهم الإعلان الإسرائيلي الأخير باعتباره محاولة لمعالجة الدروس المستفادة من الحرب. فزيادة معدل إطلاق الصواريخ الاعتراضية، وتوسيع مدى الاشتباك، وتحسين قدرات القيادة والسيطرة، ودمج منظومات الليزر ضمن شبكة الدفاع الجوي، كلها إجراءات تستهدف تقليل تأثير هجمات الإغراق، ورفع قدرة المنظومة على التعامل مع أعداد أكبر من الأهداف، مع خفض تكلفة الاعتراض في مواجهة الطائرات المسيّرة والذخائر منخفضة التكلفة، التي لا يكون استخدام صاروخ اعتراضي باهظ الثمن ضدها خياراً اقتصادياً مستداماً.

وفي المقابل، فإن إيران بدورها ستجري مراجعة شاملة لتجربتها القتالية في هذه الحرب، كما تفعل جميع الجيوش بعد انتهاء أي صراع كبير. فمن الناحية الهجومية، أثبتت القدرات الصاروخية الإيرانية مستوى مرتفعاً من الفاعلية، سواء من حيث القدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، أو استخدام هجمات مركبة ومتزامنة، أو الوصول إلى أهداف داخل العمق الإسرائيلي، وهو ما يشير إلى تطور ملحوظ في منظومة الهجوم الصاروخي الإيرانية.

أما على المستوى الدفاعي، فقد أظهرت الحرب أن الدفاعات الجوية الإيرانية كانت الحلقة الأضعف نسبياً. فقد واجهت إيران صعوبات في التصدي لبعض الضربات الجوية والصاروخية، وهو ما يعكس الحاجة إلى تطوير شبكة دفاع جوي أكثر تطوراً، سواء عبر تسريع إنتاج منظومات محلية حديثة، أو من خلال الحصول على منظومات أجنبية متقدمة، سواء من روسيا أو الصين، إذا سمحت الظروف السياسية والعسكرية بذلك. كما يُتوقع أن تركز طهران على تحسين تكامل الرادارات، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وزيادة الاعتماد على وسائل الحرب الإلكترونية ومنظومات الدفاع متعددة الطبقات.

وفي المقابل أيضاً، لن تقف إيران مكتوفة الأيدي أمام عمليات تطوير القبة الحديدية ومنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، بل ستتابع عن كثب هذه التحديثات، وستعمل على دراسة نقاط القوة الجديدة التي أضيفت إلى المنظومة، ثم تطوير وسائل هجومية قادرة على تجاوزها. ومن المرجح أن يتركز جانب من جهودها على تحديث الصواريخ الباليستية والصواريخ الفرط صوتية، وتحسين دقتها وسرعتها وقدرتها على المناورة، إلى جانب تطوير تكتيكات الإغراق النيراني والهجمات المركبة التي تجمع بين الصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة. فالسباق بين وسائل الهجوم والدفاع هو سباق مستمر؛ إذ إن كل تطوير في منظومات الدفاع يقابله سعي مماثل لتطوير وسائل اختراقها، وهو ما يجعل هذا النوع من المنافسة العسكرية عملية ديناميكية لا تتوقف عند حدود حرب بعينها، بل تستمر استعداداً للجولة التالية من الصراع.

وفي المجمل، تؤكد التطورات الجارية أن الحرب لم تنتهِ بانتهاء العمليات العسكرية، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها سباق استخلاص الدروس. فإسرائيل تسعى إلى سد الثغرات التي كشفتها الهجمات الإيرانية عبر تطوير منظوماتها الدفاعية ودمج تقنيات جديدة مثل الليزر، بينما ستعمل إيران على معالجة أوجه القصور في دفاعاتها الجوية، مع المحافظة على الزخم الذي حققته قدراتها الهجومية الصاروخية. ومن ثم، فإن أي مواجهة مستقبلية بين الطرفين لن تكون تكراراً للحرب السابقة، بل ستكون مواجهة بين نسختين مطورتين من القدرات العسكرية لدى الجانبين، بعد أن استفاد كل منهما من الدروس التي فرضتها الحرب الأخيرة.

سابعاً: إيران بعد التصعيد الأخير.. تثبيت معادلة الردع واستمرار معركة كسر الإرادات

تكشف التطورات الميدانية بعد جولة التصعيد الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة عن استمرار تمسك طهران بالمعادلات التي حاولت فرضها خلال المواجهة، وعلى رأسها معادلة التحكم في مضيق هرمز وفرض قواعدها الخاصة على حركة الملاحة داخله.

إن تثبيت إيران لمعادلة “لا مرور في هرمز دون الالتزام بالقواعد الإيرانية”، ومن يخالف ذلك يتعرض للاستهداف، بالتزامن مع استهداف قاعدة ومركز عمليات أمريكي في الأردن، يشير إلى أن طهران لم تتراجع بعد التصعيد الأخير عن استراتيجيتها القائمة على الحفاظ على نفوذها في المضيق وقدرتها على التأثير في حركة الملاحة، كما يؤكد أنها ما زالت تتمسك بمبدأ الرد على أي تهديد يوجه إليها.

ولا تنظر إيران إلى مضيق هرمز باعتباره ممراً بحرياً فقط، وإنما باعتباره ورقة استراتيجية رئيسية ضمن منظومة الردع التي تعتمد عليها في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. ولذلك، فإن الحفاظ على القدرة على التأثير في حركة الملاحة داخل المضيق يمثل بالنسبة لطهران عنصراً أساسياً في معادلة القوة، ورسالة مفادها أن أي مواجهة عسكرية معها ستتجاوز حدود الضربات المباشرة لتصل إلى المصالح الحيوية المرتبطة بالطاقة والتجارة العالمية.

وفي هذا السياق، فإن العمليات الإيرانية ضد النقاط الأمريكية، حتى بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف التصعيد مؤقتاً، تحمل رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن الخيار العسكري لن يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الأهداف الأمريكية، وأن إيران لن تتراجع في أي مفاوضات تحت ضغط القوة العسكرية، وإنما ستستمر في استخدام أدواتها العسكرية والسياسية للحفاظ على موقفها التفاوضي.

كما تؤكد هذه العمليات أن طهران لا تعتمد فقط على الرد التقليدي بعد وقوع الهجمات، بل تحتفظ بخيار العمليات الاستباقية عندما ترى أن ذلك يخدم أهدافها الأمنية والعسكرية، وهو ما يجعل احتمالات تجدد التصعيد قائمة، خاصة في ظل استمرار الخلافات الجوهرية بين الطرفين وعدم حدوث اختراق سياسي حقيقي ينهي حالة المواجهة.

وبقراءة الوضع الميداني، فإن البحرية الإيرانية والقدرات الصاروخية الإيرانية، رغم الضربات التي تعرضت لها خلال حرب الـ40 يوماً والتصعيد الأخير، لم تتعرض لخسائر استراتيجية تؤثر على جوهر قدراتها العملياتية. وتؤكد طهران ذلك من خلال استمرار تحركاتها العسكرية وعملياتها في الميدان، بما يشير إلى قدرتها على استيعاب الضربات والحفاظ على عناصر القوة الأساسية لديها.

وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة ستظل مرتبطة بقدرة كل طرف على فرض قناعة لدى الطرف الآخر بأن استمرار التصعيد العسكري لن يحقق أهدافه، وأن تكلفة المواجهة قد تتجاوز مكاسبها. وحتى حدوث ذلك، ستبقى معادلة الردع المتبادل قائمة، وسيظل مضيق هرمز أحد أهم ساحات اختبار القوة بين إيران والولايات المتحدة.

سيظل المشهد بين أمريكا وإيران يتراوح بين التصعيد وتوقف العمليات والعودة إلى التفاوض، ومن المرجح أن يستمر هذا الوضع لفترة من الوقت، إلى أن يتمكن أحد الطرفين من فرض قناعة على الطرف الآخر بأن الخيار العسكري لن يحقق أهدافه، وأن استمرار التصعيد ستكون كلفته أكبر من عوائده.

أوقفت أمريكا التصعيد لثلاثة أسباب:

1-قدرة إيران على الرد والعمل في أكثر من مسرح عمليات، وإحكام السيطرة بالنيران على مضيق هرمز، بما جاء على خلاف التصورات الأمريكية؛ إذ أثبتت إيران، من خلال قدراتها النيرانية، أن إمكاناتها تفوق التصورات الأمريكية، وجاءت مخالفة لتقديراتها السابقة.

2- الاستنزاف الكبير في مخزون الولايات المتحدة الأمريكية من الصواريخ الاعتراضية، مما دفعها إلى وقف التصعيد الحالي، بالتوازي مع العمل على إنتاج كميات مكثفة من الصواريخ الاعتراضية استعداداً لجولات تصعيد قادمة إذا تعثر المسار السياسي.

3-توقفت أمريكا عن التصعيد لاستكشاف الموقف الإيراني بعد الضربات، ومعرفة ما إذا كانت قد دفعت طهران إلى التراجع عن موقفها التفاوضي، أم أنها لم تُحدث تغييراً في موقف صانع القرار الإيراني، مع استعداد للتصعيد مجدداً إذا تعثر المسار السياسي، بعد تهدئة سوق الطاقة مؤقتاً. استهداف إيران بعد إعلان ترامب وقف التصعيد مؤقتاً  لقاعدة ومركز عمليات أمريكي في الأردن، يشير إلى أن طهران لم تتراجع بعد التصعيد الأخير عن استراتيجيتها القائمة على الحفاظ على نفوذها في المضيق وقدرتها على التأثير في حركة الملاحة، كما يؤكد أنها ما زالت تتمسك بمبدأ الرد على أي تهديد يوجه إليها.

بقراءة عسكرية، فإن الثبات الناري واعتماد مبدأ الرد بالمثل والعمل الاستباقي الذي تنتهجه إيران يعكسان امتلاك إيران قاعدة صاروخية كبيرة ومتنوعة، ويُحسب لها أنها نجحت في بناء هذه القوة وتطويرها على مدار أكثر من أربعة عقود، رغم ما تعرضت له من حصار وعقوبات وضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية متواصلة.

كما تشير قراءة معدلات الإطلاق الإيرانية في التصعيد الأخير،  عبر أكثر من مسرح عمليات إلى امتلاكها مخزوناً وقدرة إنتاجية تمنحها إمكانية خوض حرب استنزاف طويلة الأمد، على غرار ما شهدته المنطقة خلال حرب الخليج الأولى، إذا ما اقتضت الظروف ذلك. إيران تبنّت، منذ سنوات، رؤية استراتيجية قائمة على الاستعداد المبكر للمواجهة، فعملت على تطوير الأدوات والقدرات التي رأت أنها ضرورية لمعادلة أعدائها، وفي مقدمتها القوة الصاروخية الفعالة، والطائرات المسيّرة، ومنظومات الإنتاج العسكري المحلية. وهذا يعكس أحد المبادئ الأساسية في بناء القوة الاستراتيجية للدول، وهو الاستثمار طويل المدى في القدرات التي تعزز الأمن القومي، وتوفر وسائل الردع، وتمنح صانع القرار خيارات أوسع في إدارة الصراعات وحماية المصالح الوطنية.

استراتيجية إيران تقوم على 3 مبادئ:

1-منع تشكل التفوق الأمريكي عبر الضربات الاستباقية.

2-استهداف الشبكات ومراكز الثقل بدلاً من التركيز فقط على القواعد التقليدية.

3- جعل الحرب طويلة ومكلفة على أمريكا. (في هذا الموضوع اتناول بشكل أوسع استراتيجية إيران خلال مواجهتها للولايات المتحدة في الرابط التالي: (من “حرب القواعد” إلى “صيد الأهداف الثمينة”.. قراءة في تحليل الخبير العسكري الصيني دو وينلونغ لتحول العقيدة الإيرانية في مواجهة الولايات المتحدة).

عن عدم مشاركة  إسرائيل في التصعيد الأخير ضد إيران:

اللافت أنه في مراحل التصعيد الأخير ضد إيران إلى أن أعلن ترامب وقف التصعيد مؤقتاً  لم تستهدف إيران إسرائيل، كما لم تشارك إسرائيل إلى جانب الولايات المتحدة في موجة التصعيد الحالية، وهو ما يفتح الباب للتساؤل في ظل الحماس الإسرائيلي لمهاجمة إيران منذ البداية. هناك ثلاث احتمالات رئيسية:

الاحتمال الأول: أن إيران، خلال التصعيد الأخير وما أظهرته من قدرات نيرانية مرتفعة، أثبتت لإسرائيل قدرتها على إيلام الكيان وإحداث حالة كبيرة من القلق والتوتر الداخلي إذا ما شنت أي هجوم عليها. مما قد يكون دفع إسرائيل إلى النأي بنفسها عن هذه المرحلة من التصعيد، طالما الولايات المتحدة متحمسة للتصعيد بمفردها، حتى لا تعيد إدخال جبهتها الداخلية في حالة الارتباك، ولتلتقط أنفاسها بعد انخراطها في حروب ممتدة منذ عام 2023 وحتى الآن، مستغلة هذه الفترة لإعادة بناء جاهزيتها والاستعداد بصورة أكبر، تحسباً لعودتها بقوة إذا اندلعت حرب شاملة مرة أخرى.

الاحتمال الثاني: أن إيران لا تريد فتح جبهة إسرائيل في الوقت الراهن، وطالما أن إسرائيل لم تبادر بمهاجمتها، فقد ركزت عملياتها العسكرية على الطرف الذي شن عليها الحرب، وهو الولايات المتحدة، حتى لا تتعرض لضربات متزامنة من واشنطن وتل أبيب كما حدث خلال حرب الأربعين يوماً، فهي تعتمد استراتيجية “الرد بالمثل”، أي أنها لن تهاجم إسرائيل ما دامت لم تدخل الحرب، لكنها سترد عليها إذا انخرطت في العمليات العسكرية. 

من المنظور العسكري، يُعد هذا النهج منطقياً، إذ يركز الجهد القتالي على جبهة وعدو واحد بدلاً من تشتيت القدرات على أكثر من جبهة. كما أن إيران خرجت من حرب الأربعين يوماً بخسائر كبيرة، وقد تكون حريصة على الحفاظ على مخزونها من الذخائر والصواريخ واستخدامه بأعلى كفاءة ممكنة، بما يمنع استنزافه في توقيت غير مناسب.

الاحتمال الثالث: وهو يرتبط بشكل ما مع الاحتمال الثاني، وهو التفسير الإسرائيلي نفسه، إذ اعتبر  موقع البحث الاستراتيجي العبري أن امتناع إيران عن مهاجمة إسرائيل، في الوقت الذي تواصل فيه استهداف المصالح الأمريكية وبعض القواعد في المنطقة، يعكس نجاح ما يصفه بـ ”الردع الاستراتيجي الإسرائيلي”، وليس عجزاً في القدرات الإيرانية.

ويرى المركز أن طهران تدرك أن أي هجوم مباشر على إسرائيل سيمنحها مبرراً لتوسيع عملياتها العسكرية، وهو ما تسعى إيران إلى تجنبه في المرحلة الحالية. وبحسب هذا التقدير، فإن إسرائيل نجحت في ترسيخ معادلة تجعل الخصم يحسب كلفة الهجوم مسبقاً ويمتنع عنه خشية رد إسرائيلي أشد.

ويخلص المركز إلى أن الردع الحقيقي يتحقق عندما يقتنع الخصم بأن المبادرة بالهجوم ستؤدي إلى نتائج أكثر ضرراً عليه، معتبراً أن هذه المعادلة هي التي تفسر، من وجهة نظره، السلوك الإيراني الحالي.

ثامناً: أوكرانيا تدخل على خط المواجهة مع إيران: رسالة ضغط على واشنطن ومخاطر توسيع الصراع

يمثل استهداف أوكرانيا للسفينة الإيرانية تطوراً لافتاً في مسار المواجهة الدولية، إذ لا يبدو أنه مجرد تحرك عسكري محدود، بل يحمل في طياته رسالة سياسية واستراتيجية موجهة بالدرجة الأولى إلى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

فمن خلال هذا الاستهداف، تسعى كييف إلى إظهار أنها مستعدة للقيام بخطوات تصعيدية تتجاوز ما قام به حلف شمال الأطلسي حتى الآن، في محاولة لدفع واشنطن إلى زيادة مستوى انخراطها في الساحة الأوكرانية، سواء عبر تقديم أسلحة نوعية واستراتيجية أكثر تطوراً، أو من خلال اتخاذ مواقف أكثر حدة تجاه موسكو وحلفائها.

وتدرك أوكرانيا أن استمرار الدعم الغربي بالمستوى الحالي قد لا يكون كافياً لتحقيق تحول استراتيجي في مسار الحرب مع روسيا، لذلك فإن توسيع نطاق المواجهة وربط الساحة الأوكرانية بصراعات دولية أخرى قد يكون وسيلة للضغط على الولايات المتحدة لإعادة تقييم مستوى تدخلها.

لكن في المقابل، فإن أي انخراط أمريكي أكبر في المواجهة الأوكرانية قد يدفع روسيا إلى رفع مستوى دعمها لإيران، سواء بصورة مباشرة أو عبر تزويدها بأنظمة تسليح أكثر تطوراً، بما يفتح الباب أمام تشابك أكبر بين الساحتين الأوروبية والشرق أوسطية.

وفي حال تطور هذا المسار، فقد تتحول المواجهة من صراعات منفصلة إلى مواجهة أوسع بين محاور دولية متنافسة، حيث تصبح إيران وروسيا جزءاً من معادلة واحدة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما يزيد من احتمالات اتساع رقعة التصعيد وارتفاع كلفة أي مواجهة مفتوحة.

وبذلك، فإن استهداف السفينة الإيرانية لا يمكن قراءته فقط باعتباره عملية عسكرية محدودة، بل كخطوة تحمل أبعاداً استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل حسابات القوى الكبرى ودفع الأطراف الدولية إلى مواقف أكثر انخراطاً في الصراع.

تاسعاً: : محمد نجيب ودرس الدولة المدنية: لماذا يجب أن يبتعد الجيش عن السياسة؟

في ذكرى حركة الضباط في 23 يوليو 1952 التي أطاحت بالملكية في مصر، تعود إلى الواجهة واحدة من أهم القضايا التي شغلت الرئيس محمد نجيب أول رئيس عينه الضباط رئيساً لمصر  ثم أزاحه عبد الناصر  ومجموعته داخل مجلس قيادة الثورة من الحكم بسبب أفكاره وتوجهاته ، الرجل  انشغل مبكراً بعد إحكام الضباط قبضتهم على الحكم في مصر بعد  يوليو 1952، بقضية العلاقة بين الجيش والسياسة، وحدود الدور الذي يجب أن تؤديه المؤسسة العسكرية داخل الدولة.

لقد كان محمد نجيب، رحمه الله، أول رئيس للجمهورية المصرية بعد إلغاء الملكية، لكنه سرعان ما دخل في خلافات مع مراكز القوة داخل مجلس قيادة الثورة، وعلى رأسها جمال عبد الناصر، بسبب رؤيته لمستقبل الدولة المصرية. فقد كان نجيب يؤمن بضرورة بناء دولة مدنية تقوم على المؤسسات المنتخبة والحياة السياسية الطبيعية، وأن يعود الجيش إلى ثكناته بعد إنجاز مهمته الوطنية، تاركاً إدارة الشأن العام للمؤسسات المدنية والسياسية.

ولعل أهمية أفكار محمد نجيب لا تأتي فقط من كونه أول رئيس للجمهورية، وإنما لأن كثيراً من التحذيرات التي أطلقها قبل أكثر من سبعين عاماً ما زالت حاضرة في النقاش السياسي حتى اليوم. ففي مذكراته “كنت رئيساً لمصر”، كتب كلمات تحمل دلالات عميقة حول مخاطر تداخل المؤسسة العسكرية مع العمل السياسي، فقال:

“لقد خرج الجيش من الثكنات وانتشر في كل المصالح والوزارات المدنية فوقعت الكارثة التي لا نزال نعاني منها إلى الآن في مصر، فكان لثورة يوليو أعداء وكنا نحن أشدهم خطورة، فكل ضابط في المجلس كان يريد أن يملك مثل الملك، وكان الضباط يقولون: طردنا ملكاً وجئنا بثلاثة عشر ملكاً آخر.”

وفي موضع آخر كتب:

“إذا خرج الجيش من ثكناته؛ فإنه حتماً سيطيح بكل القوى السياسية والمدنية، ليصبح هو القوة الوحيدة في البلد. لقد دفع الجميع ثمن عدم استيعاب هذا الدرس، ودفعته مصر أيضاً. فالسلطة العسكرية لا تطيق تنظيماً آخر ولا كلمة واحدة ولا نفساً ولا حركة، ولا تتسع الأرض إلا لها ولا أحد غيرها.”

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع بعض تقييمات محمد نجيب للأحداث، فإن جوهر الفكرة التي طرحها يستحق التأمل. فالمؤسسة العسكرية في أي دولة هي مؤسسة وطنية بالغة الأهمية، ومهمتها الأساسية حماية الأمن القومي والدفاع عن الحدود وصيانة سيادة الدولة. وكلما تفرغ الجيش لهذه المهمة الجوهرية، ازدادت احترافيته العسكرية وارتفعت جاهزيته القتالية.

أما عندما تتداخل الأدوار بين المجالين العسكري والسياسي، فإن ذلك يخلق تحديات معقدة تمس طبيعة الدولة نفسها. فالسياسة بطبيعتها تقوم على التعددية والاختلاف والتنافس وتداول الأفكار، بينما تقوم المؤسسة العسكرية على الانضباط ووحدة القرار والتسلسل القيادي الصارم. ولهذا فإن الخلط بين المجالين كثيراً ما يؤدي إلى إضعاف الحياة السياسية وإرباك الأدوار داخل الدولة.

لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن نجاح الدول الحديثة يرتبط بوضوح الحدود بين المؤسسات، بحيث يؤدي كل طرف دوره الطبيعي دون تغول على اختصاصات الآخرين. فالجيش القوي هو الذي يركز على مهمته العسكرية، والدولة المدنية القوية هي التي تدير شؤون المجتمع عبر المؤسسات السياسية والقانونية والرقابية المنتخبة.

وفي ذكرى حركة الضباط في 23 يوليو 1952، تبقى كلمات الرئيس محمد نجيب جزءاً من نقاش مصري مستمر حول طبيعة الدولة ومستقبلها. وربما كان الدرس الأهم الذي أراد الرجل تركه للأجيال هو أن قوة الدولة لا تتحقق فقط بامتلاك جيش قوي، بل أيضاً بوجود مؤسسات مدنية قوية وقادرة على إدارة المجتمع، مع بقاء المؤسسة العسكرية في موقعها الطبيعي حاميةً للدولة لا طرفاً في التنافس السياسي داخلها.

رحم الله الرئيس محمد نجيب، الذي ظل حتى آخر أيامه متمسكاً بقناعته بأن ازدهار مصر واستقرارها يرتبطان ببناء دولة المؤسسات، وبأن الجيش يكون أكثر قوة واحتراماً عندما يظل بعيداً عن الصراعات والتجاذبات السياسية.

عاشراً: :  في ذكرى استشهاد القائد محمد الضيف.. عندما يخلّد التاريخ القادة العسكريين

تمر ذكرى استشهاد القائد محمد الضيف، القائد العام لكتائب القسام، لتعيد التذكير بإحدى أبرز الشخصيات العسكرية التي برزت في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي خلال العقود الأخيرة. فبعيداً عن مآلات الصراعات ونتائجها، فإن التاريخ العسكري يخلّد القادة الذين امتلكوا القدرة على التخطيط، وإدارة المعارك بشجاعة، وتطوير أدوات القتال، وتركوا بصمة واضحة في مدارس الفكر العسكري.

وعلى امتداد التاريخ العسكري العربي، برز العديد من القادة الذين عُرفوا بتميزهم في القيادة والعمل العسكري، وفي عصرنا الحالي يُعد محمد الضيف أحد أبرز هذه العقول العسكرية. فقد ارتبط اسمه بتطوير القدرات العسكرية لكتائب القسام، وإدارة العمليات المعقدة، وإظهار قدر كبير من المرونة في التكيف مع المتغيرات الميدانية، إلى جانب قدرته على التخطيط بعيد المدى، والعمل في بيئات عملياتية شديدة التعقيد.

لقد أثبتت السنوات أن شخصية محمد الضيف لم تكن مجرد قائد ميداني، بل كانت عقلاً عسكرياً استطاع أن يدير معركة طويلة ومعقدة، وأن يطوّر تكتيكات وأساليب قتال فرضت نفسها على ساحات المواجهة، وهو ما جعله محل اهتمام واسع لدى الدوائر العسكرية والأمنية، سواء لدى حلفائه أو خصومه.

ويبقى التاريخ العسكري منصفاً في نهاية المطاف؛ فهو لا يقيس القادة بطول بقائهم، وإنما بما تركوه من أثر في فنون الحرب والقيادة وإدارة الصراع. ومن هذا المنطلق، سيظل اسم محمد الضيف حاضراً في الدراسات العسكرية بوصفه أحد أبرز القادة العسكريين العرب في العصر الحديث، ممن امتلكوا براعة في التخطيط، والتكتيك، والاستراتيجية العسكرية.

ورغم أن كتائب القسام تمثل حركة مقاومة وحركة تحرر وطني، وتواجه جيشاً نظامياً يمتلك تفوقاً كبيراً في التسليح، والقوة الجوية، والاستخبارات، والتكنولوجيا العسكرية، فإن محمد الضيف استطاع، وفق الإمكانات المتاحة لديه، أن يوظف قدرات المقاومة بصورة تحقق أقصى مردود عسكري ممكن. فقد اعتمد على مبدأ تعظيم أثر الموارد المحدودة، وتطوير التكتيكات غير التقليدية، وإدارة العمليات بما يرفع كلفة المواجهة على الجيش الإسرائيلي ويزيد من خسائره البشرية والعسكرية. ويُعد هذا، من منظور عسكري، أحد أبرز الجوانب التي تُحسب للضيف بوصفه قائداً نجح في تعظيم فاعلية القوة المتاحة مقارنة بالإمكانات التي كان يواجهها. رحمه الله وتقبله في الشهداء.

الحادي عشر: الشرف العسكري يبدأ من حماية الشعب لا من توجيه السلاح إليه

تُبنى الجيوش في جميع دول العالم من أجل حماية الأوطان والدفاع عن سيادتها وصون أمنها القومي، لا من أجل توجيه السلاح إلى شعوبها. فالقوة العسكرية تكتسب مشروعيتها من رسالتها في حماية الوطن والمواطن، لا في استخدام القوة ضد المدنيين الأبرياء. ولذلك، فإن أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها العقيدة العسكرية الاحترافية هو أن يبقى السلاح موجهاً نحو العدو الخارجي، لا نحو صدور أبناء الوطن.

ولهذا، فإن القائد الذي يأمر بقتل شعبه، مهما كانت الذرائع أو المبررات التي يسوقها، يفقد جوهر القيادة قبل أن يفقد الشرف العسكري. فالشرف العسكري ليس مجرد رتبة أو منصب أو أوسمة، بل هو منظومة من القيم والأخلاق التي تجعل حماية الإنسان جزءاً أصيلاً من رسالة الجندي والقائد على حد سواء.

ولم تعد هذه المبادئ مجرد قيم أخلاقية، بل أصبحت قواعد مستقرة في القانون الدولي الإنساني وأخلاقيات الحرب. فحتى في أوقات النزاعات المسلحة بين الدول، تفرض القوانين والأعراف العسكرية التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وتحظر استهداف الأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ، كما تجرّم الاعتداء على من لا يشاركون في القتال. فإذا كانت هذه الحماية تُمنح لمدنيي الدولة المعادية أثناء الحرب، فمن باب أولى أن تكون واجباً تجاه أبناء الوطن أنفسهم.

كما أن هذا المبدأ ليس قاصراً على القوانين والاتفاقيات الدولية، بل هو أيضاً من صميم تعاليم الدين الإسلامي وأخلاقيات الحرب فيه. فقد نهى الإسلام عن قتل غير المقاتلين، وأوصى بعدم التعرض للأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ والرهبان، وعدم الاعتداء على من لا يشارك في القتال. وقد وردت في السنة النبوية وصايا واضحة تؤكد هذا المعنى، منها نهي النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان، كما أوصى الخلفاء الراشدون قادة الجيوش بعدم قتل الأطفال أو الشيوخ أو النساء، وعدم الاعتداء على المدنيين أو إفساد العمران دون ضرورة عسكرية. وهو ما يعكس أن حماية الأبرياء أثناء الحروب ليست فقط التزاماً قانونياً، بل هي أيضاً قيمة دينية وأخلاقية راسخة في الإسلام.

إن الجندي يقسم عند التحاقه بالخدمة على حماية وطنه، والوطن لا يقتصر على الأرض أو الحدود، بل يشمل أيضاً شعبه. ولذلك، فإن توجيه السلاح إلى المدنيين يمثل انقلاباً على جوهر الرسالة التي أُنشئت القوات المسلحة من أجلها، ويُفقد المؤسسة العسكرية جزءاً مهماً من مكانتها الأخلاقية في نظر شعبها.

والتاريخ العسكري يقدم نماذج عديدة لقادة ارتبطت أسماؤهم بالدفاع عن أوطانهم، كما يقدم نماذج أخرى ارتبطت بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق شعوبها، وبقيت تلك الأفعال وصمة تلاحق أصحابها مهما بلغت رتبهم أو مناصبهم. فالتاريخ لا يخلّد القائد لأنه امتلك القوة، وإنما لأنه أحسن استخدام تلك القوة في موضعها الصحيح.

ولهذا، فإن معيار الشرف العسكري الحقيقي لا يُقاس بعدد الانتصارات أو حجم الترسانة العسكرية، وإنما يُقاس أيضاً بالالتزام بالقيم التي تحكم استخدام القوة. فالقائد الذي يرفض أن تُستخدم قواته في قتل الأبرياء يحافظ على شرف المؤسسة العسكرية، أما الذي يأمر بإراقة دماء المدنيين فإنه يفقد إنسانيته قبل أن يفقد احترام التاريخ.

وفي النهاية، تبقى الجيوش الوطنية مؤسسات وُجدت لحماية الشعوب، لا لإخافتها، وللدفاع عن الأوطان، لا للاعتداء على أهلها. وكلما حافظت المؤسسة العسكرية على هذا المبدأ، ازدادت ثقة الشعب بها، وترسخت مكانتها باعتبارها درع الوطن وسيفه، لا أداةً تُوجَّه إلى أبنائه الأبرياء.

الثاني عشر: اللقاءات والزيارات

  •  استعرض وزير الدفاع المصري أشرف زاهر، خلال شهر يوليو 2026 مع “نائب قائد قوات الشرق الليبي” صدام حفتر، آفاق تعزيز التعاون العسكري بين الجانبين، إلى جانب تنسيق الجهود المشتركة لتأمين الحدود والحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية، وجاءت هذه المباحثات خلال استقبال زاهر، في القاهرة، لصدام حفتر وشقيقه رئيس أركان قوات الشرق الليبي خالد حفتر، بحضور رئيس أركان القوات المسلحة المصرية أحمد خليفة، وفق بيان للقوات المسلحة المصرية، لم يتضمن تفاصيل أو مدة زيارة الوفد الليبي، وبحسب البيان، تناول اللقاء عددا من القضايا ذات الاهتمام المشترك، إضافة إلى بحث آليات دعم وتطوير التعاون العسكري بين القوات المسلحة المصرية ونظيرتها الليبية.

وأكد زاهر، خلال الاجتماع، أهمية مواصلة التنسيق وتوحيد الجهود بين الجانبين لتأمين الحدود، والحد من الهجرة غير النظامية، ودعم ركائز الأمن والاستقرار في مختلف أنحاء الأراضي الليبية.

من جهتهما، أعرب صدام وخالد، نجلا قائد قوات الشرق الليبي خليفة حفتر، عن تطلعهما إلى أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدا من التعاون المشترك بين القوات المسلحة في البلدين، وفق البيان المصري.

وتأتي هذه المباحثات في وقت تشهد فيه ليبيا، الجارة الغربية لمصر، انقساماً سياسياً بين حكومتين؛ الأولى هي حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتتخذ من العاصمة طرابلس مقراً لها وتدير غرب البلاد بالكامل.

في المقابل، يرأس أسامة حماد الحكومة التي عينها مجلس النواب مطلع عام 2022، وتتخذ من مدينة بنغازي مقراً لها، وتدير شرق ليبيا ومعظم مدن الجنوب.

وفي ظل هذا الانقسام، تواصل الأمم المتحدة منذ سنوات جهودها لتقريب وجهات النظر بين المؤسسات الليبية، بهدف تجاوز الخلافات التي تعرقل إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في البلاد الغنية بالنفط.

  •  التقى الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع ، بجى كابومبو مواديامفيتا نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع الوطني والمحاربين القدماء بجمهورية الكونغو الديمقراطية، والوفد المرافق له الذى زار مصر خلال شهر يوليو 2026، حيث أجريت له مراسم استقبال رسمية بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع.

تناول اللقاء تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الأمن والاستقرار داخل القارة الأفريقية ، كذلك التفاهم حول زيادة أوجه التعاون العسكري والأمني بين البلدين.

  •   التقى الفريق محمود عادل فوزي قائد القوت البحرية، الفريق أول بحرى نفيد أشرف رئيس هيئة الأركان البحرية الباكستانية والوفد المرافق له خلال زيارته الرسمية لقيادة القوات البحرية بالإسكندرية. وعقد الجانبان جلسة مباحثات تناولت عدداً من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك في ضوء علاقات التعاون العسكري ونقل وتبادل الخبرات بين البلدين .

التاسع عشر: التدريبات العسكرية:

التدريب الجوي المشترك المصري التركي نسر الأناضول بتركيا:

اُختتمت فعاليات التدريب الجوي المشترك المصري التركي “نسر الأناضول -2026” والذى تم تنفيذه على مدار عدة أيام خلال شهر يوليو 2026  بإحدى القواعد الجوية التركية بمشاركة القوات الجوية لكلاً من مصر وتركيا وأذربيجان فضلاً عن مشاركة طائرة الإنذار المبكر التابعة لحلف الشمال الأطلنطي،  وذلك بحضور الفريق عمرو صقر قائد القوات الجوية المصرية واللواء أركان حرب شريف العرايشي رئيس هيئة التدريب للقوات المسلحة “السابق” وعدد من قادة القوات المسلحة للبلدان المشاركة بالتدريب .

وتضمنت فعاليات التدريب قيام المقاتلات متعددة المهام بتنفيذ العديد من الطلعات الجوية المشتركة للتدريب على مهاجمة الأهداف المعادية والدفاع عن الأهداف الحيوية بكفاءة واقتدار ومواجهة واعتراض المسيرات بالإضافة إلى التدريب على التزود بالوقود في الجو ، فضلاً عن التدريب على تقديم المعاونة الجوية للقوات البرية.

التدريب المصري ـ التركي المشترك «العقاب الذهبي Golden Eagle»:

اختتمت التدريب المصري ـ التركي المشترك «العقاب الذهبي Golden Eagle» خلال شهر يوليو 2026 بمشاركة عناصر من قوات المظلات والصاعقة المصرية والقوات الخاصة التركية، والذي تم تنفيذه على مدار عدة أيام بميادين التدريب القتالي بقيادتي قوات المظلات والصاعقة بمصر.

وتضمنت المرحلة الختامية للتدريب تنفيذ عملية اقتحام بؤرة إرهابية داخل مدينة سكنية باستخدام المروحيات حيث تم تحرير الرهائن والقبض على العناصر الإرهابية.

كما تم تنفيذ عدد من الرمايات النمطية وغير النمطية والتدريب على أسلوب اقتحام الغرف المغلقة، والاقتحام الرأسي باستخدام محاكي الطائرة، وأسلوب التعامل مع العبوات الناسفة، والتدريب على تنفيذ الإسعافات الأولية ودواعي إنقاذ الحياة، وأسلوب استخدام الطائرات الموجهة من دون طيار وطرق مجابهتها، والتدريب على محاكي السقوط الحر بعمود الهواء، وتنفيذ القفز الحر العملياتي.

وتم تنفيذ قفزة الصداقة بأعلام الدولتين، حضر المرحلة الختامية للتدريب عدد من قادة القوات المسلحة المصرية والتركية والملحق العسكري التركي بالقاهرة.

العشرون: جهاز مستقبل مصر وتوسّع النفوذ الاقتصادي للمؤسسة العسكرية: من إدارة المشروعات إلى السيطرة على مفاصل الاقتصاد

أفادت ⁠⁠الجريدة الرسمية في مصر  – بأن السيسي أصدر قانونا بشأن إعادة تنظيم جهاز مستقبل ⁠⁠مصر للتنمية المستدامة “التابع للقوات الجوية المصرية”  والمدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر العقيد بهاء الغنام،  والمعني بالتنمية الزراعية والصناعية واستيراد السلع ليصبح هيئة اقتصادية واسعة ‌‌النشاط تتبع السيسي مباشرة. ويمنح القانون الجهاز صلاحية ضم أراض وشركات تابعة للدولة، وإدارة “مناطق تنمية مستدامة” معفاة من الضرائب.

ومنذ عام ⁠⁠2024، أُسندت إلى “مستقبل ⁠⁠مصر” مهمة إدارة واحدة من أكبر عمليات استيراد القمح على مستوى ⁠⁠العالم.

كما تولى إدارة بحيرات ومصايد ⁠⁠سمكية كبيرة في ⁠⁠مصر واستحوذ على الحصة الأكبر في البورصة السلعية المصرية ووسع نطاق أنشطته ‌‌لتشمل قطاعات الإسكان الفاخر والتشييد، والطاقة المتجددة، وحليب الأطفال الرضع.

وكُلف الجهاز باستصلاح نحو 4.5 ملايين فدان، بما يعادل نحو نصف الرقعة الزراعية الحالية في مصر، في إطار مشروعات التوسع الزراعي والتنمية.

وكانت رويترز نقلت هذا الشهر أن مشروع القانون الجديد يتضمن إنشاء صندوق سيادي جديد باسم “صندوق مستقبل مصر السيادي” أو “أهرامات النيل”، يتولى استثمار الأصول التي تخصصها الدولة داخل مصر وخارجها، وإبرام شراكات مع الصناديق السيادية الأجنبية، بما يسهم في تنمية الثروة الوطنية والحفاظ عليها للأجيال المقبلة.

قراءة تحليلية:

يمثل إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة وتحويله إلى هيئة اقتصادية واسعة الصلاحيات تطوراً جديداً في مسار توسع الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية داخل الدولة المصرية، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على مشاركة القوات المسلحة في تنفيذ بعض المشروعات القومية، بل أصبح يتجه نحو إنشاء كيانات وصناديق وهيئات تمتلك صلاحيات واسعة لإدارة الأصول والمشروعات والموارد الاقتصادية.

فالجهاز الذي نشأ في الأساس كذراع لتنفيذ مشروعات زراعية وتنموية، بات وفق الإطار الجديد يمتلك أدوات تمكنه من ضم أراضٍ مملوكة للدولة، وإدارة مناطق تنموية، والاستحواذ على شركات أو المشاركة فيها، إضافة إلى تمتعه بإعفاءات وتسهيلات خاصة. وهذا التحول يعكس نمطاً متزايداً في إدارة الاقتصاد المصري يقوم على إنشاء كيانات ذات طبيعة سيادية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية أو تعمل تحت إشراف مباشر من القيادة السياسية، لتصبح لاعباً اقتصادياً رئيسياً ينافس المؤسسات المدنية التقليدية.

ومن منظور العلاقات المدنية–العسكرية، فإن جوهر القضية لا يرتبط فقط بوجود ضباط على رأس مؤسسات اقتصادية، بل بانتقال المؤسسة العسكرية من دورها التقليدي المرتبط بالدفاع والأمن القومي إلى دور اقتصادي واسع يجعلها شريكاً أساسياً في إدارة قطاعات مدنية متنوعة. فخلال السنوات الماضية توسع حضور المؤسسات التابعة للقوات المسلحة أو المرتبطة بها في مجالات متعددة، مثل الإنشاءات، والبنية التحتية، والإنتاج الغذائي، والنقل، والخدمات اللوجستية، وصولاً إلى إدارة ملفات استراتيجية مثل استيراد السلع الأساسية.

ويأتي إنشاء وتوسيع صلاحيات كيانات مثل جهاز مستقبل مصر ضمن نمط أوسع يعتمد على استخدام “الصناديق والهيئات الخاصة” كأدوات لإدارة الاقتصاد بعيداً عن الهياكل الحكومية التقليدية. فبدلاً من أن تكون الوزارات المدنية هي الجهة الرئيسية المسؤولة عن التخطيط والتنفيذ، يتم إنشاء كيانات تتمتع بمرونة أكبر وصلاحيات أوسع، لكنها في الوقت ذاته تكون أكثر ارتباطاً بمراكز القوة السيادية داخل الدولة.

ويشير ذلك إلى تحول مهم في طبيعة الاقتصاد المصري؛ إذ لم تعد المؤسسة العسكرية مجرد منفذ لمشروعات الدولة، بل أصبحت تمتلك أدوات تمكنها من الدخول في مراحل مختلفة من الدورة الاقتصادية، بدءاً من امتلاك الأراضي، مروراً بإدارة الشركات والمشروعات، وصولاً إلى التحكم في بعض سلاسل الإمداد والقطاعات الاستراتيجية.

ويطرح هذا النموذج عدداً من التساؤلات حول تأثيره على القطاع الخاص والمؤسسات المدنية، خاصة في ظل حصول هذه الكيانات على مزايا تنظيمية وإدارية قد لا تتوفر للفاعلين الاقتصاديين الآخرين. فحين تعمل مؤسسات ذات طابع سيادي داخل الأسواق الاقتصادية، فإن المنافسة لا تصبح قائمة فقط على الكفاءة الاقتصادية، بل تتأثر أيضاً بدرجة القرب من مراكز القرار والقدرة على الوصول إلى الموارد والأصول العامة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الهدف المعلن من هذه الكيانات هو إقصاء القطاع المدني، إذ تقدم السلطة مبررات تتعلق بسرعة الإنجاز، ومواجهة البيروقراطية، وتحقيق الأمن الغذائي، وإدارة المشروعات القومية بكفاءة. إلا أن النتيجة العملية تتمثل في اتساع نطاق الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، وتحولها إلى أحد أهم الفاعلين في الاقتصاد الوطني.

وبالتالي، فإن حالة جهاز مستقبل مصر لا يمكن قراءتها كخطوة منفصلة، بل كحلقة جديدة في مسار طويل من إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية داخل الدولة المصرية، حيث أصبحت أدواتها الاقتصادية جزءاً من منظومة إدارة الدولة. والسؤال المركزي الذي يظل مطروحاً في هذا السياق هو: هل يؤدي هذا النموذج إلى تعزيز قدرة الدولة على تنفيذ مشروعاتها، أم أنه يرسخ بشكل أكبر اندماج المؤسسة العسكرية في المجال الاقتصادي على حساب الدور الطبيعي للمؤسسات المدنية والسوق التنافسي؟

في النهاية : المؤسسة العسكرية في مصر لن تتراجع قيد أنمله عن امتيازاتها الاقتصادية التي توسعت بشكل كبير بعد 2013م، الجيش تحول من وضعية لاعب كبير في الملف الاقتصادي الى وضعية الفاعل المهين والمسيطر على الحياة الاقتصادية ككل، السيسي يعلم ان إرضاء الجيش هو  العامل الأساسي لبقائه في الحكم، وهو حريص على توسع امتيازات الجيش لكسب ولائه اكبر فترة ممكنه والجيش من زاوية أخرى لم يتنازل او يتراجع عن امتيازاته ، هناك حرص من المؤسسة العسكرية لعدم المس بأي شكل من الأشكال لامتيازات القوات المسلحة ، أو  “عرق الجيش” كما قال اللواء محمود نصر.

الواحد والعشرون : ملف التسليح

  •  في مؤشر جديد على استمرار تنفيذ برنامج تحديث القوات الجوية المصرية، أظهرت صور التُقطت يوم الخميس 2 يوليو 2026 ثلاث مقاتلات جديدة من طراز «رافال» المصرية وهي تخضع لمراحل الاختبارات النهائية داخل منشآت شركة داسو للطيران في فرنسا، تمهيداً لتسليمها إلى القوات الجوية المصرية خلال الفترة المقبلة. وتحمل الطائرات أرقام التسجيل DM25 وDM27 وEM16، في خطوة تؤكد استمرار عمليات الإنتاج والتسليم ضمن الدفعات المتعاقد عليها سابقاً.

وتأتي هذه المقاتلات ضمن العقد الثاني الذي وقعته مصر مع فرنسا في مايو 2021، والذي شمل شراء 30 مقاتلة رافال إضافية، ليُرفع إجمالي عدد الطائرات المتعاقد عليها إلى 54 مقاتلة، بعد الصفقة الأولى التي أُبرمت عام 2015 وتضمنت 24 طائرة، لتصبح مصر بذلك أول دولة خارج أوروبا تشغل مقاتلات رافال، وإحدى أكبر الدول المالكة لها على مستوى العالم.

محمود جمال

باحث متخصص في العلاقات المدنية العسكرية والدراسات الاستراتيجية والأمنية ومدير وحدة الرصد والتوثيق بالمعهد المصري للدراسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى