المرصد العسكري أغسطس 2026

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
افتتاحية العدد
شهد شهر أغسطس لعام 2026 عددًا من التطورات والتفاعلات المهمة على المستويات المصرية والإقليمية والدولية، في ظل استمرار التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية والعسكرية، وتصاعد التحديات التي فرضتها طبيعة الصراعات الراهنة وتداخل ساحاتها المختلفة.
فعلى المستوى المصري، أتناول في هذا العدد عددًا من الملفات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية وتطوراتها الداخلية، حيث يستعرض بصورة تفصيلية مستجدات نشرة التنقلات العسكرية على مستوى قيادات الجيش المصري لشهر يونيو 2026، والتي اعتمدها السيسي عقب لقائه بوزير الدفاع الفريق أشرف سالم الشهر الماضي، إضافة إلى تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية بعد حركة التنقلات، ودلالات هذه التغييرات في ضوء طبيعة إدارة المؤسسة العسكرية خلال المرحلة الحالية.
كما يتناول العدد قراءة عسكرية لتدريبات “نسور الحضارة” بين مصر والصين، وأسباب انزعاج الهند وإسرائيل من هذه التدريبات، وما تحمله من دلالات عسكرية واستراتيجية.
ويغطي العدد، بالوصف والتحليل، القاعدة الإسرائيلية التي تبعد 70 مترًا عن الحدود المصرية، ومخاطر وجودها وانعكاساته المحتملة على الأمن القومي المصري.
وفي الشأن الإقليمي، يغطي العدد التحالفات الجاري تشكلها في المنطقة، سواء تلك التي أُعلن عنها، كاتفاق مكة الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، والذي غابت عنه مصر، مع الوقوف على أسباب غياب مصر عن هذا التحالف؛ أو تلك التي يجري تشكيلها على أرض الواقع دون إعلان رسمي، كالصفقة الإسرائيلية مع اليونان، التي جاءت بعد الإعلان عن تحالف مكة، وما تحمله من دلالات عسكرية واستراتيجية.
كما يغطي العدد بالتحليل سباق التصنيع العسكري والتسليح في الإقليم، والذي تتقدم فيه تركيا بشكل لافت، إلى جانب الصين على المستوى الدولي، وما يعكسه ذلك من تحولات في موازين القوة وقدرات الدول على بناء استقلاليتها العسكرية.
ويأتي هذا العدد في إطار متابعة التطورات العسكرية والاستراتيجية المتسارعة، من خلال تقديم قراءة تحليلية للملفات الأكثر تأثيرًا، بعيدًا عن الرصد الإخباري المجرد، والتركيز على فهم الأبعاد العسكرية والسياسية والاستراتيجية للتطورات الجارية.
إلى جانب ذلك، يتضمن العدد مجموعة من الملفات الأخرى التي تتناول مختلف القضايا العسكرية والأمنية المرتبطة بالشأن المصري والإقليمي والدولي، في ملفات متعددة، منها التسليح والتدريبات العسكرية وغيرها من القضايا، بما يوفر رؤية شاملة لأبرز التحولات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية خلال هذه المرحلة.
وأتناول التقرير على النحو التالي:
أولًا: مستجدات نشرة تنقلات يونيو 2026 على مستوى قادة الجيش…. وقراءة في استراتيجية السيسي مع نشرات تنقلات قادة الجيش
كما ذكرت في العدد الماضي من المرصد العسكري (عدد يوليو 2026) ، اعتمد السيسي، في 30 يونيو 2026،حركة (نشرة) تنقلات يونيو 2026 على مستوى قيادات الجيش المصري، وذلك عقب لقائه المنفرد بوزير الدفاع الفريق أشرف سالم، الذي عرض عليه الحركة لاعتمادها. وقد أُرجئ إعلان الحركة إلى ما بعد افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، قبل أن تُنشر داخل القوات المسلحة خلال شهر يوليو 2026 ، وجاءت الحركة، كما ذكرت على النحو التالي:
1- ترك الفريق ياسر محمد كمال الطودي منصبه كقائد لقوات الدفاع الجوي (أحد الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة المصرية) وتعيينه رئيسًا لهية العمليات بدلًا من اللواء أركان حرب محمد ربيع ، وتعيين محمد ربيع امين عام لوزارة الدفاع وترقيته لرتبة فريق وتوليه منصب إضافي بتعيّنه بقرار جمهوري من السيسي، رئيسًا للهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ وهي هيئة مستحدثة . . (التسليم والتسلم لفرع قوات الدفاع الجزي لم يتم إلى الان التسليم سيكون في وقت لاحق).
2-تعيين لواء أركان حرب محمد على سيد أحمد على إبراهيم قائدًا لقوات الدفاع الجوي بدلًا من الفريق الطودي الذي تم تعيينه رئيسأ لهيئة العمليات وينضم بذلك اللواء أحمد علي ليصبح عضو بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، جدير بالذكر ان اللواء أحمد على إيراهيم كان رئيس أركان قوات الدفاع الجوي قبل ان يصعد إلى قيادة قوات الدفاع الجوي. (التسليم والتسلم لفرع قوات الدفاع الجزي لم يتم إلى الان التسليم سيكون في وقت لاحق).
3-ترك اللواء أركان حرب محمد يوسف عساف منصبه كقائد الجيش الثاني الميداني، وتعيين اللواء أركان حرب عامر محيي الدين رمضان بدلًا اللواء عساف كقائد للجيش الثاني الميداني.
4-تعيين للواء أركان حرب عبد المعطي عبد العزيز علام رئيسًا لهيئة التدريب بدلًا من اللواء أركان حرب شريف العرايشي،و تعيين العرايشي مساعد لوزير الدفاع.
5-تعيين اللواء أركان حرب محمد عبد الفتاح رئيسًا لهيئة التسليح والتي تعتبر من أهم الهيئات داخل القوات المسلحة المصرية بدلًا من اللواء أ.ح محمد عدلي، وتعيين عدلي مساعدًا لوزير الدفاع.
6-ترك اللواء أركان حرب ياسر الخطيب منصبه كقائد للمنطقة الشمالية العسكرية وتعيينه مديرًا لهيئة الشؤون المعنوية بدلُأ من اللواء أركان حرب محمد رجب ، وتعيين رجب مساعدًا لوزير الدفاع.
7-ترك اللواء أركان حرب محمد كمال منصب رئيس هيئة الإمداد والتموين وتعيينه مساعدًا لوزير الدفاع.
8- تعيين العقيد أ.ح أحمد عتمان متحدثا عسكريًا جديدًا باسم القوات المسلحة المصرية، خلفا للعميد أ.ح غريب عبد الحافظ.
9–ترك اللواء أركان حرب أسامة سمير منصبه كقائد للمنطقة الجنوبية العسكرية وتعيينه كقائدًا لقوات الدفاع الشعبي.
10-تعيين اللواء أركان حرب إيهاب الفيومي نائب ر صندوق مصر السيادي.
11-نقل اللواء أ.ح حاتم زهران من منصب قائد المنطقة الغربية العسكرية، إلى منصب قائد المنطقة المركزية بدلًا من اللواء أ.ح عبد المعطي عبد العزيز علام، ونقل علام إلى هيئة التدريب.
12-تعيين اللواء أ.ح طارق طلبه قائد للجيش الثالث الميداني، بدلًا من اللواء أ.ح أحمد مهدي، وتعيين مهدي نائب لرئيس هيئة الاستخبارات العسكرية ( رئيس هيئة الاستخبارات الحالي هو اللواء أ.ح شريف فكري وربما يكون هذا الانتقال تمهيد لتولي أحمد مهدي رئاسة هيئة الاستخبارات بدلًا من اللواء فكري مستقبلًا).
13-تعيين اللواء أ.ح بشير أحمد عبد الفتاح قائدًا للمنطقة الغربية العسكرية بدلًا من اللواء حاتم زهران الذي تم تعيينه قائدًا للمنطقة المركزية.
14- تعيين اللواء أ .ح محمد أبو الفتوح نائب مدير الاكاديمية العسكرية المصرية.
15- تعيين اللواء شريف العالم مديرًا للكلية الحربية.
16- تعيين اللواء أ.ح صالح الحناوي رئيس لأركان قوات الدفاع الجوي بدلًا من اللواء أ.ح محمد على سيد. تم رسميًا تسليم رئاسة أركان قوات الدفاع الجوي إلى اللواء أركان حرب صالح سمير صالح محمد الحناوي، وقام الموقع الرسمي لوزارة الدفاع المصرية برفع اسم اللواء أركان حرب محمد علي سيد من منصب رئيس أركان قوات الدفاع الجوي، بما يؤكد تنفيذ هذا التغيير رسميًا”.
17- تعيين اللواء أركان حرب باسم حسب الله من مساعد رئيس اركان منطقة شمالية الى رئيس اركان المنطقة الغربية العسكرية.
18- نقل اللواء أركان حرب الحسيني من مدير كلية التكنولوجيا الى مدير الكلية الفنية العسكرية.
19- تعيين اللواء أركان حرب تامر منصور مدير الخدمات الطبية.
الجديد في هذا الشهر، والمستجد الأبرز، أن قيادة فرع الدفاع الجوي لم تُسلَّم إلى اللواء أ.ح محمد علي سيد (رئيس أركان قوات الدفاع الجوي إلى قبل صدور النشرة) للشهر الثاني على التوالي، وإلى الآن لا يزال الفريق ياسر الطودي مستمرًا في منصب قائد قوات الدفاع الجوي، رغم أن حركة يونيو 2026 شملت تغيير الطودي، الذي مكث في منصبه عامين، كما نص القانون العسكري. وهي المدة التي نُصَّ عليها بعد تعديل القانون العسكري الذي قلّص مدة بقاء قادة الأفرع في مناصبهم إلى عامين بدلًا من أربع سنوات، إلا في حال تمديد السيسي بقرار جمهوري للقائد المعني، ولكن نشرة يونيو شملت الطودي، حسب ما أُعلن.
قائد قوات الدفاع الجوي حتى الآن هو الفريق ياسر الطودي، وما زال موقع وزارة الدفاع المصرية يضع الفريق ياسر الطودي قائدًا لقوات الدفاع الجوي، ولم يتم حتى الآن تسليم قيادة قوات الدفاع الجوي إلى اللواء أ.ح محمد علي إبراهيم، رئيس أركان قوات الدفاع الجوي السابق، كما نصت نشرة تنقلات يونيو 2026. أما اللواء أ.ح صالح الحناوي، فقد تم تسليمه رئاسة الأركان بدلًا من اللواء محمد إبراهيم.
(وهي واقعة غريبة حتى الآن، وتشير إلى أن هناك أمرًا ما أدى إلى تأخير تسليم وتسلم قيادة قوات الدفاع الجوي للواء أ.ح محمد علي سيد، رئيس الأركان السابق، على أن يتم التسليم في وقت لاحق، أو قد تكون حادثة استهداف السفن في ميناء دمياط هي السبب في التأخير، حتى تتم معاينة الحادث من خلال فرع قوات الدفاع الجوي، المسؤول الأول عن ذلك الحادث، والذي كان منوطًا به صدّ المسيّرات التي هاجمت السفن في ميناء دمياط. وقد يشير هذا التأخير أيضًا إلى أن التعديل في منصب قائد قوات الدفاع الجوي تم التراجع عنه، ولذلك استمر الفريق الطودي في منصبه قائدًا لقوات الدفاع الجوي).
تم رسميًا تسليم رئاسة أركان قوات الدفاع الجوي إلى اللواء أ.ح صالح الحناوي، وذلك كما سبق أن أشرتُ في نشرة تنقلات يونيو 2026 الشهر الماضي. وقد قام الموقع الرسمي لوزارة الدفاع المصرية برفع اسم اللواء محمد علي من منصب رئيس أركان قوات الدفاع الجوي، ووضع اسم اللواء الحناوي.
قراءة في الدلالات والتفسيرات:
الجيش المصري يشهد حركتان للتنقلات في صفوف قادة وضباط الجيش المصري بمختلف مستوياتهم بشكل اعتيادي كل عام؛ الحركة الأولى تتم في منتصف العام في شهر يونيو تحديدًا، والثانية تتم في نهاية العام في شهر ديسمبر تحديدًا، ويتم اعتمادهما من القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية.
منذ تولّيه الحكم، ينتهج عبد الفتاح السيسي في تعامله مع قيادات الجيش سياسات مختلفة عن نهج حسني مبارك؛ بشكل عام استراتيجية السيسي تعتمد بالأساس سياسة التدوير المتسارع لقيادات المؤسسة العسكرية، بهدف تفادي تشكّل مراكز قوى مستقلة داخل الجيش قد تشكّل تهديداً له مستقبلاً. وقد أصبح هذا النهج مقنناً بموجب تعديلات تشريعية صُدّق عليها في يونيو 2021، قلّصت مدة بقاء قادة الأفرع الرئيسية بالقوات المسلحة من أربع سنوات إلى عامين فقط (يُمد للقائد فقط بقرار من السيسي). مع العمل في الوقت ذاته على منح القيادات امتيازات كبرى بعد التخارج لإرضائهم، كما نصّ قانون معاملة كبار القادة. (سأكتب عنه لاحقًا).
استراتيجية حسني مبارك الذي ظل على كرسي الحكم لمدة 30 عام، كانت تقوم على أن بقاء قيادات الجيش في مناصبهم لفترات طويلة يعزز الاستقرار المؤسسي ويضمن استمرار الولاء داخل المؤسسة العسكرية. لذلك، لم يُعيّن خلال فترة حكمه سوى ثلاثة وزراء للدفاع هم المشير أبو غزالة ثم يوسف صبري أبو طالب لفترة قصيرة ثم المشير محمد حسين طنطاوي، وظل المشير محمد حسين طنطاوي وزيرًا للدفاع منذ عام 1991 وحتى نهاية عهد مبارك.
أما السيسي، فقد اتبع نمطًا مختلفًا يقوم على إجراء تغييرات متسارعة في القيادات العسكرية، بما يحد من بقاء القيادات في مواقعها لفترات طويلة، ويحول دون تشكل مراكز قوى داخل المؤسسة العسكرية قد تمثل تحديًا لمركزية السلطة أو يكون لها رأي أخر عند الاختلاف حول بعض القضايا والملفات مما قد يهدد حكمه. ولذلك، وخلال نحو 12 عامًا، عيّن أربعة وزراء للدفاع، وعددًا مماثلًا من رؤساء الأركان، إلى جانب إجراء تغييرات متكررة في قيادات الجيوش الميدانية والمناطق العسكرية والهيئات الرئيسية داخل القوات المسلحة.
فترة الرئيس مبارك بالفعل كانت هناك مؤسسة عسكرية يتحكم فيها المشير محمد حسين طنطاوي بشكل فعلي، ومؤسسة للرئاسة يتحكم فيها مبارك ونجله، وعند الاختلاف بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية (حول مشروع التوريث) حسمت القوات المسلحة المالكة للقوة موضوع إخراج مبارك استغلالا لحراك يناير 2011 ، ولولا وجود قائد للجيش يسيطر فعليًا على المؤسسة العسكرية لما كان أن يستطيع ان يأخذ قرار مخالف لمؤسسة الرئاسة التي كانت ترغب في استمرار مبارك في الحكم. والسيسي، آخر مدير مخابرات حربية في عهد الرئيس الراحل مبارك، يعلم هذا جيدًا، ويسد تلك الثغرات حفاظًا على حكمه، حتى لا يكون مصيره مصير حسني مبارك ويكون له مركزية القرار داخل الجيش المصري تحسم الأمور عند وجود أي خلاف في وجهات النظر حول بعض القضايا.
حول قانون معاملة كبار القادة:
في 25 يوليو 2018، صدر القانون رقم 161 لسنة 2018 بشأن معاملة بعض كبار قادة القوات المسلحة، والذي منح السيسي سلطة اختيار من يشملهم القانون من كبار القادة العسكريين، ومنحهم عدة امتيازات، على رأسها الحصانة القضائية ضد بعض إجراءات التحقيق، فضلًا عن معاملتهم معاملة الوزراء في الداخل، ومنحهم الحصانات والامتيازات المقررة لأعضاء البعثات الدبلوماسية أثناء سفرهم إلى الخارج.
وقد صدر القانون في 25 يوليو 2018، وبدأ العمل به في 26 يوليو 2018، بعد موافقة مجلس النواب وتصديق عبد الفتاح السيسي عليه. ومن خلال رؤيتي جاء هذا القانون في إطار كسب ولاء القيادات بعد ترك مناصبهم والخروج من الخدمة، بما يضمن سهولة وسرعة إجراء التغييرات القيادية متى تقرر ذلك، كما يمنح القيادات العليا، وتحديدًا من انضموا إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، امتيازات غير مسبوقة بعد خروجهم من الخدمة، بما يضمن استمرار ولائهم. ويمكن وصف ذلك بأنه مزيج من سياسة “العصا والجزرة”.
وأبرز ما جاء في القانون:
1- الاستدعاء مدى الحياة
يُستدعى كبار قادة القوات المسلحة (أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة) الذين يصدر بأسمائهم قرار من رئيس الجمهورية لخدمة القوات المسلحة مدى الحياة.
2- المعاملة المالية والإدارية
يُعامل كبار القادة المخاطبون بالقانون معاملة الوزراء، ويتمتعون بالمزايا والحقوق المقررة للوزراء إذا لم يكونوا قد شغلوا بالفعل منصب وزير.
3- الحصانة القضائية
لا يجوز اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق أو أي إجراء قضائي ضد المخاطبين بأحكام القانون عن الأفعال التي ارتُكبت خلال فترة تعطيل العمل بالدستور وحتى بداية مباشرة مجلس النواب لمهامه، إذا كانت تلك الأفعال مرتبطة بأداء وظائفهم أو بسببها، إلا بعد الحصول على إذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
4- الحصانات أثناء السفر للخارج
يتمتع المخاطبون بالقانون أثناء سفرهم خارج البلاد بالحصانات والامتيازات المقررة لرؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية طوال مدة خدمتهم واستدعائهم. (هذا موضوع شامل كنت كتبه حول القانون حين إصداره في 2018، الرابط هنا) .
تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الحالي ، بعد حركة تنقلات يونيو 2026 والتي كنت ذكرت تفاصيلها في الأعلى:
1-عبد الفتاح السيسي – القائد الأعلى للقوات المسلحة.
2-الفريق أشرف سالم زاهر – وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة.
3-الفريق أحمد فتحي خليفة – رئيس أركان حرب القوات المسلحة
4-الفريق محمود عادل فوزي– قائد القوات البحرية.
5-الفريق طيار عمرو عبد الرحمن صقر – قائد القوات الجوية.
6- الفريق ياسر الطودي – قيادة قوات الدفاع الجوي ( إلى أن يتم لاحقًا تسليم وتسلم قيادة قوات الدفاع الجوي للواء أركان حرب محمد على سيد أحمد على إبراهيم).
7-اللواء أ.ح شريف فكري – رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية.
8—الفريق محمد ربيع رئيس هيئة العمليات (إلى أن يتم لاحقًا تسليم وتسلم هيئة العمليات للفريق ياسر محمد كمال الطودي، وتولي ربيع منصب أمين عام وزارة الدفاع)
9-اللواء أ.ح حاتم زهران – قائد المنطقة المركزية العسكرية.
10-اللواء أ.ح بشير أحمد عبد الفتاح– قائد المنطقة الغربية العسكرية.
11-اللواء أ.ح طارق طلبه – قائد الجيش الثالث الميداني.
12- اللواء أركان حرب عامر محيي الدين رمضان قائد الجيش الثاني الميداني.
13-اللواء أ.ح محمد صبحي – رئيس هيئة التنظيم والإدارة.
14-اللواء أ.ح أسامة داوود – قائد قوات حرس الحدود.
15-– اللواء أركان حرب محمد عبد الفتاح رئيس هيئة التسليح.
16- اللواء أركان حرب عبد المعطي عبد العزيز علام رئيس هيئة التدريب.
17-اللواء أ.ح أحمد رضا فرغلي – رئيس هيئة شؤون الضباط.
18-اللواءأ.ح محمد عز الدين جحوش -قائد القيادة الاستراتيجية.
19-اللواء أ.ح حاتم الجزار – مساعد وزير الدفاع للشؤون الدستورية والقانونية.
20-اللواء سيد قناوي – رئيس هيئة القضاء العسكري.
21-اللواء أ.ح خالد عبد الله – رئيس هيئة الشؤون المالية.
22-االلواء أركان حرب ياسر الخطيب مديرً هيئة الشؤون المعنوية
23-اللواء أ.ح هشام شندي – قائد قوات شرق القناة.
24- اللواء أ.ح مهندس وليد عارف رئيس الهيئة الهندسية.
ثانيًا: إسرائيل تعيد تعريف حدودها بعد 7 أكتوبر.. قاعدة عسكرية على بُعد 70 مترًا من الحدود المصرية
كشفت صور أقمار صناعية وتحليل بصري لمقطع فيديو متداول، عن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية جديدة في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بالقرب من ساحل البحر المتوسط وعلى مسافة لا تتجاوز 70 مترًا من الحدود المصرية.
وبحسب تحليل الصور ومطابقة معالم الفيديو مع صور الأقمار الصناعية والخرائط، يقع الموقع عند منطقة التقاء الطرف الشمالي لمحور صلاح الدين “فيلادلفي” مع ساحل البحر المتوسط، عند إحداثيات تقريبية 31.3231284، 34.2207180.
شكل1: صورة تظهر التطور في الإنشاء بالتواريخ
وتُظهر الصور المؤرشفة أن المنطقة شهدت تحولًا تدريجيًا من موقع مراقبة ميداني إلى منشأة عسكرية أكثر ثباتًا، مع أعمال تسوية ورصف وإنشاءات دفاعية وسواتر رملية تحيط بالموقع.
وتشير صور القمر الصناعي «سنتينل-2» التابعة لبرنامج «كوبرنيكوس» الأوروبي إلى تسارع أعمال الإنشاء خلال يوليو 2026 الماضي.
ففي صورة بتاريخ 18 يوليو، تبدو المنطقة مجرفة بالكامل تقريبًا، من دون وجود منشآت رئيسية واضحة. وبعد خمسة أيام فقط، في 23 يوليو، ظهرت مؤشرات على بدء إنشاء قواعد خرسانية لمنشأة مركزية.
شكل2: صورة حديثة من المواقع العبرية
ويعزز هذا التسلسل الزمني احتمال أن تكون إسرائيل بصدد إنشاء نقطة ارتكاز عسكرية ثابتة في موقع بالغ الحساسية، عند نقطة التقاء محور صلاح الدين بالساحل، بما يثير تساؤلات جدية بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية القائمة على الحدود المصرية–الفلسطينية، ولا سيما بعد إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في المحور منذ عام 2024.
ويقع الموقع في الجانب الفلسطيني من الحدود، ضمن المنطقة التي تُعرف في الملحق الأمني لمعاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية بالمنطقة «د»، وهي إحدى المناطق التي حددت المعاهدة طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي فيها قبل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005. ولذلك فإن التطور الحالي ينبغي ربطه ليس فقط بمعاهدة السلام الموقعة عام 1979، وإنما أيضًا بالترتيبات التي أعقبت الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة واتفاق فيلادلفيا لعام 2005.
تفاصيل نقاط انتشار اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية:
طبقًا لاتفاقية كامب ديفيد التي أبرمها السادات مع العدو الصهيوني والبرتوكلات الأمنية التي أنبثقت عنها 1979، فقد قسمت سيناء وخط التماس إلى 4 مناطق (أ، ب، ج، د) وفي الملحق الأول في مادته الثانية لبروتوكول ترتيبات الأمن طبقًا للاتفاقية، تم تحديد كيفية انتشار وتوزيع القوات في تلك المناطق، وكانت على النحو التالي.
شكل 3: تقسيمات سيناء طبقًا لمعاهدة السلام وملاحقها
المنطقة أ:
تنحصر بين قناة السويس وخليج السويس إلى الخط (أ) الذي يمتد من شرق قرية قاطية (مركز بئر العبد) إلى جبل قديرة مرورًا بقريتي الجفجافة (بمركز الحسنة) وقرى صدر الحيطان، وجبل بوضيع، جبل كيد (كلها بمركز نخل) – إلى راس محمد (جَنُوب سيناء). حسب البروتوكول، توجد في المنطقة (أ) قوات عسكرية مصرية من فِرْقَة مشاة ميكانيكية واحدة ومنشآتها العسكرية وكذا تحصينات ميدانية، وحدد البروتوكول العناصر الرئيسية لهذه الفِرْقَة، وحدد عدد أفراد القوات المصرية بإجمالي 22 ألف فرد.
المنطقة ب:
تنحصر المنطقة (ب) ما بين الخط (أ) والخط (ب ) الذي يمتد من مدينة الشيخ زويد (شرق العريش) إلى قرية أبو عويقيلة (مركز الحسنة) مرورًا بجبل الحلال (نخل) ليلاقي الخط ( أ ) عند جبل كيد (نخل) ثم ينطبق عليه حتى مدينة شرم الشيخ. توفر الأمن في المنطقة (ب) وحدات حدود مصرية من أربع كتائب مجهزة بأسلحة خفيفة وبمركبات، لمعاونة الشرطة المدنية في المحافظة على النظام في المنطقة، وتتكون العناصر الرئيسية لكتائب الحدود الأربع من إجمالي حتى 4000 فرد.
المنطقة ج :
تنحصر المنطقة (ج) ما بين الخط (ب) والحدود المصرية مع كل من قطاع غزة والكيان الصهيوني (من رفح إلى طابا) والشاطئ الغربي لخليج العقبة حتى شرم الشيخ، وتتمركز فيها القوات متعددة الجنسيات والشرطة المدنية المصرية فقط. وحسب المراسم ففي المنطقة (ج) تتولى الشرطة المدنية المصرية المسلحة بأسلحة خفيفة أداء المهام العادية للشرطة داخل هذه المنطقة دون تواجد عسكري إلا بتفاهمات خاصة بين مصر والكيان الصهيوني.
المنطقة “د”:
تنحصر فيمَا بين خط الحدود المصرية والأراضي المحتلة والخط “د”يمتد من شرق رفح إلى إيلات بعرض2.5 كيلومتر وعمق4 كلم، ويسمح ملحق معاهدة السلام “المزعومة” بأن يضع العدو فيها قوة محدودة من أربع كتائب مشاة غير مزودة بدبابات أو مدفعية أوصواريخ أرض جو. يمتد محور صلاح الدين على الحدود بين مصر وغزة بطول14كم من البحر المتوسط شمالًا حتى معبر كرم أبو سالم جنوبًا. بموجب معاهدة السلام، وتأكد في اتفاقية المعابر2005 يعتبر منطقة عازلة، يقع بالكامل ضمن المنطقة د وهي مناطق يُحظر على الإسرائيلي أي تحرك عسكري فيها الإ بموافقة الجانب المصري.
مسافة 70 مترًا من الحدود المصرية
وبحسب القياسات التي أُجريت باستخدام صور الأقمار الصناعية، لا تتجاوز المسافة بين موقع المنشأة الجديدة وخط الحدود المصرية نحو 70 مترًا.
وتمنح هذه المسافة القصيرة للقاعدة أهمية استراتيجية كبيرة؛ إذ تقع في نقطة شديدة الحساسية عند الطرف الغربي لقطاع غزة، وبالقرب المباشر من الحدود المصرية وساحل البحر المتوسط.
وكان اتفاق محور فيلادلفيا لعام 2005 قد وضع ترتيبات خاصة للشريط الحدودي بين مصر وقطاع غزة في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، بما في ذلك انسحاب القوات الإسرائيلية من المحور ونشر قوات حرس حدود مصرية على الجانب المصري وفق ترتيبات أمنية محددة. وقد بدأ نشر القوة المصرية على طول الشريط الحدودي البالغ نحو 14 كيلومترًا في سبتمبر 2005، بعد الانسحاب الإسرائيلي.
لكن إسرائيل أعادت انتشار قواتها في رفح خلال الحرب على القطاع، بعد بدء عمليتها العسكرية في المدينة في مايو 2024، لتصبح المنطقة منذ ذلك الحين إحدى أبرز نقاط الاحتكاك في العلاقة الأمنية بين إسرائيل ومصر.
ومن ثم، فإن تشييد منشأة عسكرية جديدة في هذه المنطقة يمثل تطورًا ميدانيًا إضافيًا يثير تساؤلات بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية القائمة على الحدود المصرية، خصوصًا في ظل غياب معلومات معلنة عن تفاهم جديد بين القاهرة وتل أبيب بشأن طبيعة هذا الوجود.
ولا تقتصر التطورات على إنشاء المبنى الرئيسي؛ إذ تشير الصور إلى إقامة سواتر رملية حول الموقع وأعمال تسوية وتحضير للأرض، وهي إجراءات تتوافق عادةً مع الانتقال من وجود ميداني مؤقت إلى موقع أكثر ثباتًا وقابلية للاستخدام المستمر.
ويأتي ذلك في سياق أوسع يشهد إنشاء إسرائيل سواتر وتحصينات ومواقع عسكرية داخل مناطق مختلفة من القطاع، بالتزامن مع استمرار الجدل حول مستقبل انتشار القوات الإسرائيلية وإمكانية الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها.
وتكتسب القاعدة الجديدة أهمية إضافية بسبب موقعها الجغرافي، إذ يمكن أن تمنح القوات الموجودة فيها قدرة على مراقبة منطقة واسعة تشمل الساحل ومحور فيلادلفيا والمنطقة الحدودية مع مصر، وهو ما يجعل موقعها ذا قيمة عملياتية تتجاوز حجم المنشأة نفسها.
رؤية تحليلة:
إسرائيل تعيد تعريف مفهوم الحدود
إن إنشاء منشأة عسكرية ثابتة في هذه المنطقة لا ينبغي قراءته باعتباره إجراءً ميدانيًا منفصلًا عن التحولات التي شهدها مفهوم الأمن الإسرائيلي منذ حرب طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023، وإنما باعتباره جزءًا محتملًا من تحول أوسع في طريقة إسرائيل في النظر إلى حدودها مع دول الجوار (مصر، غزة، سوريا، لبنان).
فبعد «طوفان الأقصى»، والحرب الإسرائيلية على غزة، والحرب مع حزب الله، والتطورات التي شهدتها الجبهة السورية، يبدو أن إسرائيل باتت أكثر ميلًا إلى التعامل مع الحدود ليس باعتبارها خطوطًا قانونية ثابتة فحسب، وإنما باعتبارها مساحات أمنية ينبغي أن تتوسع لتضمن لها قدرًا من العمق والإنذار المبكر والقدرة على التدخل قبل وصول التهديد إلى أراضيها.
وهنا تبرز أهمية ما طرحه القائد السابق لخلية التوأمة العملياتية مع الجيش الأمريكي، العقيد الإسرائيلي أمير نيفي، الذي ذهب إلى أن الحدود المرسومة على الخرائط لا تكون بالضرورة حدودًا أمنية جيدة إذا لم توفر ظروفًا أمنية معقولة، معتبرًا أن أفضل الحدود هي التي تمنحها الطبيعة، مثل الأنهار وسلاسل الجبال والأودية والمرتفعات والعوائق الجغرافية.
وأضاف، في مقال نشرته صحيفة «معاريف»، أن إسرائيل مطالبة باستغلال الحرب لصياغة مفهوم جديد للحدود يقوم على التضاريس والعمق الاستراتيجي والمناطق العازلة والإشراف الدولي وآليات التدخل عند حدوث الانتهاكات، رابطًا ذلك بمبادئ مفهوم «الحدود الدفاعية» الذي طوره يغآل آلون بعد حرب 1967.
وأشار كذلك إلى أن دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي ترى أن الحدود الاستراتيجية الصحيحة ينبغي أن تستند إلى مسار تضاريسي يشكل عائقًا دائمًا، ويوفر عمقًا استراتيجيًا ويتيح الإنذار المبكر. وهذه الرؤية شديدة الأهمية لفهم التحرك الإسرائيلي الحالي؛ لأنها تعني أن إسرائيل قد لا تنظر إلى الحدود باعتبارها خطًا تنتهي عنده مسؤوليتها الأمنية، وإنما باعتبارها نقطة تبدأ عندها منظومة دفاعية أوسع تمتد إلى ما وراء الخط الحدودي عندما ترى أن ذلك ضروريًا لأمنها.
يعزز من هذا المفهوم أن دولة إسرائيل ليس لها حدود معرفة قانونيًا أو دستوريًا منذ إنشائها، مما يجعل مفهوم الحدود لديها مرنًا بما يخدم على أجندتها الأمنية، وكذلك أجندتها التوسعية بشكل عام.
من الخط الحدودي إلى العمق الأمني
يشير نيفي كذلك إلى أن تطور الصواريخ والطائرات المسيرة والاستخبارات الفضائية لم يُلغِ الحاجة إلى المساحة ووقت الإنذار والسيطرة على مسارات التهديد. وهذه النقطة بالذات تكتسب أهمية كبيرة في الحالة المصرية؛ فالمسألة بالنسبة إلى إسرائيل ليست فقط: أين يقع الخط الحدودي؟ وإنما: كم من الوقت تحتاجه إسرائيل لاكتشاف التهديد، وتحديد مصدره، واتخاذ القرار، ثم التعامل معه؟
ومن هنا يصبح إنشاء موقع عسكري قريب جدًا من الحدود ذو قيمة عسكرية؛ لأنه قد يوفر نقطة مراقبة وإنذار متقدمة، ويمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على جمع المعلومات ومراقبة الحركة في منطقة حساسة، بدل الاعتماد فقط على وسائل الاستطلاع الموجودة في العمق.
وبالتالي، فإن قاعدة تقع على مسافة لا تتجاوز 70 مترًا من الحدود لا ينبغي تقييم أهميتها من حيث المساحة أو عدد القوات التي يمكن أن تستوعبها، وإنما من حيث الموقع الذي تشغله داخل منظومة الاستشعار والإنذار والسيطرة الإسرائيلية.
الجبهة السورية نموذج لما بعد 7 أكتوبر
ويضرب نيفي مثالًا بالحدود السورية، معتبرًا أن انهيار نظام الأسد غيّر الواقع الميداني، وأن إسرائيل وسعت سيطرتها على المنطقة العازلة والمناطق المجاورة ودمرت أجزاء كبيرة من القدرات العسكرية السورية المتبقية.
وبغض النظر عن الموقف من هذه الرؤية، فإنها تكشف بوضوح عن التفكير الذي بدأ يفرض نفسه داخل دوائر الأمن الإسرائيلية: إذا تغيرت البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، فإن الاتفاقات والخطوط القديمة لا يُنظر إليها بالضرورة باعتبارها نقطة النهاية، وإنما باعتبارها ترتيبات قابلة لإعادة النظر عندما تتغير طبيعة التهديد.
وفي لبنان، يطرح نيفي نهر الليطاني باعتباره نموذجًا لـ«الحدود الاستراتيجية»؛ إذ يرى أن وجود عائق جغرافي واضح يوفر عمقًا ويصعّب حركة الخصم يمكن أن يمنح إسرائيل شروطًا أمنية أفضل .أما في غزة، فيعتبر نيفي، الذي يسرد مايدور في العقلية الصهيونية، أن الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب عام 2005 مثالًا على خطورة التخلي عن السيطرة الأمنية على الحدود والاعتماد على ترتيبات أخرى لضمان الأمن.
وهنا تتضح صلة هذا الطرح الذي ذكرته على لسان نيفي بما يحدث في رفح. فالتحرك الإسرائيلي في محور صلاح الدين (فيلادلفي) منذ 2024 والسيطرة عليه ، ثم الإجراءات التي تتم الأن لتثبيت مواقع عسكرية فيه، لا يبدو مجرد عودة مؤقتة لقوات دخلت المنطقة في إطار عملية عسكرية؛ بل قد يمثل، إذا استمر وتوسع، محاولة للانتقال من الوجود العملياتي المؤقت إلى التموضع الأمني المستدام.
القاعدة الثابتة أخطر من الانتشار المؤقت؛ تلك هي النقطة الأهم عسكريًا في التطور الحالي. فالانتشار العسكري المؤقت يمكن تفسيره باعتباره جزءًا من عملية عسكرية محددة الأهداف والمدة. أما إنشاء مبانٍ ثابتة، وتسوية الأرض، وإقامة سواتر وتحسين البنية التحتية، فيشير إلى احتمال مختلف: بناء قدرة عسكرية قابلة للاستمرار.
والفرق بين الحالتين كبير، فالموقع الثابت يمكن أن يتحول إلى مركز للمراقبة والاستطلاع، ونقطة قيادة وتحكم، وموقع دعم للقوات المنتشرة، ومركزًا لوجستيًا محدودًا، ونقطة تجمع أو إسناد، وربما جزءًا من منظومة إنذار مبكر تغطي المنطقة الساحلية والحدودية. وهذا لا يعني بالضرورة أن المنشأة تؤدي كل هذه الوظائف بالفعل، إذ لا تسمح المعلومات المتاحة وحدها بالجزم بطبيعة مهمتها العملياتية؛ لكن اختيار الموقع وطبيعة الإنشاءات واستمرار أعمال التحصين كلها تجعل احتمال تحويله إلى نقطة ارتكاز عسكرية أمرًا يستحق الدراسة الجادة.
والأخطر استراتيجيًا أن المنشآت العسكرية تميل إلى خلق «أمر واقع» جديد. فما يبدأ كنقطة مؤقتة يمكن أن يتحول إلى موقع دائم، وما يصبح دائمًا يمكن أن يتحول لاحقًا إلى جزء من ترتيبات أمنية توسعية جديدة، ثم إلى عنصر تفاوضي تفرض إسرائيل على الطرف الآخر التعامل معه باعتباره واقعًا قائمًا. وهذه هي آلية صناعة الأمر الواقع التي ينبغي أن تكون موضع اهتمام مصري.
ماذا يعني ذلك لمحور صلاح الدين “فيلادلفي”؟
محور فيلادلفي ليس مجرد شريط من الأرض بطول نحو 14 كيلومترًا، وإنما يمثل منطقة تماس ثلاثية الأهمية بين مصر وقطاع غزة وإسرائيل. ويمتد المحور بمحاذاة الحدود المصرية–الغزية، من ساحل البحر المتوسط غربًا إلى منطقة كرم أبو سالم شرقًا، ويتقاطع مع معبر رفح، ولذلك فإن السيطرة على المحور تمنح قيمة عملياتية في إدارة حركة القوات والمراقبة والسيطرة على المجال الحدودي. ولهذا لم يكن الانسحاب الإسرائيلي من المحور عام 2005 مجرد انسحاب جغرافي؛ فقد ارتبط بترتيبات أمنية وسياسية معقدة، كان من بينها نشر قوات مصرية على الجانب المصري من الحدود، مع تحديد طبيعة القوة ومهامها.
ومن هنا فإن إعادة تثبيت الوجود العسكري الإسرائيلي في المحور بعد نحو عقدين من الانسحاب تكتسب أهمية تتجاوز العمليات الجارية في غزة. إنها تعيد فتح سؤال أُغلق عام 2005: من يملك حق الوجود الأمني والعسكري على هذه المنطقة، وما حدود هذا الوجود، ومن يحدد طبيعة الترتيبات الأمنية فيها؟.
جدير بالذكر أن إسرائيل قامت بالسيطرة الكاملة على محور صلاح الدين في خضم حرب طوفان الأقصى، في مخالفة صريحة لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية. ولا تزال هذه السيطرة مستمرة حتى الآن، كما تسيطر إسرائيل على معبر رفح من الجانب الفلسطيني، وهو وضع مستمر حتى الآن، إلى أن نرى ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية، وفقًا لاتفاق شرم الشيخ، للانتقال إلى المراحل اللاحقة، التي تشهد تعقيدات كبرى. وعليه، فإن السيطرة الإسرائيلية على محور صلاح الدين ومعبر رفح من الجانب الفلسطيني لا تزال قائمة حتى الآن.
القاعدة جزء من منظومة أوسع
قبل تشييد هذه المنشأة العسكرية الثابتة، كانت إسرائيل قد أعلنت في نوفمبر 2025 تحويل الحدود مع مصر إلى منطقة عسكرية مغلقة، معللة ذلك بازدياد عمليات تهريب الأسلحة عبر الأراضي المصرية. وبغض النظر عن التبرير الإسرائيلي، فإن هذه الخطوة تكتسب دلالة أكبر إذا وُضعت إلى جانب التطورات اللاحقة في رفح ومحور صلاح الدين “فيلادلفي”؛ فإذا بدأ الأمر بالسيطرة على محور صلاح الدين بمخالفة صريحة لإتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، ثم بإعلان المنطقة منطقة عسكرية مغلقة، ثم تلاه انتشار عسكري، ثم إنشاء تحصينات، ثم إنشاء مواقع أكثر ثباتًا، فإننا أمام تدرج في بناء بنية أمنية وعسكرية جديدة. وهذا هو ما يجعل التعامل مع كل خطوة باعتبارها إجراءً منفصلًا خطأً في التقدير. فالخطورة لا تكمن فقط في القاعدة الجديدة، وإنما في احتمال أن تكون القاعدة حلقة ضمن سلسلة من الخطوات التي تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية على الحدود المصرية–الغزية.
جغرافيا الحدود المصرية مع الأراضي المحتلة
تمتد الحدود المصرية مع إسرائيل على مسافة تقارب 200 كيلومتر، من منطقة إيلات وخليج العقبة جنوبًا وحتى منطقة رفح وقطاع غزة شمالًا، وتشكل هذه الحدود واحدة من أكثر الحدود استقرارًا من الناحية العسكرية في المنطقة منذ توقيع معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية عام 1979. ولهذا تحديدًا تكتسب التطورات الحالية أهمية استثنائية.
فأي انتقال من حالة الاستقرار العسكري النسبي إلى إعادة بناء انتشار عسكري إسرائيلي متقدم بالقرب من الحدود المصرية لا يمثل مجرد تغير تكتيكي، وإنما قد يكون مؤشرًا على محاولة إعادة تعريف طبيعة البيئة الأمنية التي قامت عليها هذه الحدود طوال العقود الماضية.
أما محور صلاح الدين «فيلادلفي» ومعبر رفح، فعلى الرغم من أنهما يقعان داخل قطاع غزة وليس داخل الأراضي المصرية، فإنهما يمثلان نقطة التماس الحيوية بين مصر وقطاع غزة وإسرائيل، ولذلك فإن أي ترتيبات إسرائيلية جديدة فيهما تنعكس بصورة مباشرة على الأمن القومي المصري، والإنتشار العسكري في تلك المناطق له شكل خاص ومحدد، وهذا طبقًا لاتفاقية السلام، فضلًا عن اتفاق المعابر، وأي تغيير في أشكال الانتشار يعني إختراق للمعاهدة، إلا إذا كانت هناك تفاهمات بين الجانبان، ومن خلال قراءة المعلن لا يبدوا ان هناك تفاهمات مصرية إسرائيلية على ما تقوم به إسرائيل الأن.
الأهداف العسكرية المحتملة للوجود الإسرائيلي
من منظور عسكري، يمكن أن يخدم إنشاء مواقع ثابتة في هذه المنطقة عدة أهداف محتملة، أبرزها:
- تثبيت وجود عسكري إسرائيلي عند نقاط التماس الحساسة.
- توفير قدرة متقدمة على المراقبة والاستطلاع على طول جزء من الحدود.
- مراقبة محور فيلادلفي ومعبر رفح والمنطقة الساحلية.
- تقليص زمن الاستجابة أمام أي تهديد ترى إسرائيل أنه يأتي من المنطقة الحدودية.
- توفير نقاط إسناد للقوات الإسرائيلية العاملة في رفح.
- إنشاء شبكة من المواقع العسكرية يمكن ربطها بمنظومات الاستطلاع والإنذار والمراقبة.
- دعم استمرار السيطرة العملياتية على محور فيلادلفي.
- تحويل الوجود العسكري الذي بدأ باعتباره جزءًا من عملية عسكرية إلى واقع أمني أكثر استدامة.
ولا يعني ذلك أن كل هذه الأهداف تتحقق في المنشأة التي يجري الحديث عنها تحديدًا، وإنما تمثل الوظائف المحتملة التي يمكن أن تؤديها المواقع العسكرية الثابتة في مثل هذه البيئة العملياتية.
المسألة ليست قاعدة فقط.. وإنما مفهوم أمني جديد
وهنا نصل إلى جوهر التطور المرصود. فمن خلال قراءة التحركات الإسرائيلية مع دول الجوار ، إذا كان إنشاء القاعدة مجرد قرار تكتيكي مرتبط بالعمليات الحالية في المنطقة المعنية، فإن أهميته ستبقى محدودة نسبيًا. أما إذا كان جزءًا من تصور إسرائيلي جديد للحدود، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة.
فإسرائيل، وفق هذا التصور ، لا تريد حدودًا تمنع الخصم من عبورها فقط، وإنما تريد حدودًا توفر لها الإنذار المبكر، والعمق، والقدرة على المراقبة، والمساحة اللازمة لاتخاذ القرار، والقدرة على التدخل قبل وصول التهديد إلى مستوطناتها. وهذا ما يجعل التحرك الإسرائيلي في غزة وسوريا ولبنان وعلى الحدود المصرية مترابطًا من زاوية التفكير الأمني، رغم اختلاف طبيعة كل جبهة.
ففي سوريا، ظهر مفهوم المنطقة العازلة والوجود المتقدم. وفي لبنان، يظهر التركيز على الحواجز الطبيعية والعمق جنوب الليطاني والمناطق العازلة. وفي غزة، يبرز محور صلاح والمناطق العازلة والانتشار العسكري المتقدم. ومن ثَمَّ فإن ما يحدث في رفح يمكن أن يكون جزءًا من إعادة صياغة أوسع لمفهوم الحدود الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر.
المشكلة المصرية ليست في القاعدة وحدها؛ فبالنسبة إلى مصر، فإن التحدي الاستراتيجي لا يتمثل فقط في وجود منشأة إسرائيلية على مسافة قريبة جدًا من حدودها، وإنما في احتمال تحول هذه المنشأة إلى سابقة. فالقاعدة الثابتة تعني وجودًا دائمًا، والوجود الدائم يعني قدرة مستمرة على المراقبة، والمراقبة المستمرة تمنح صاحبها معرفة أفضل بالبيئة المحيطة، ثم يمكن أن تتطور هذه المعرفة إلى نفوذ عملياتي، ثم إلى ترتيبات أمنية جديدة.
وهنا يصبح السؤال المصري الأهم ليس فقط: هل توجد قاعدة إسرائيلية بالقرب من الحدود؟ بل: هل تتحول الحدود المصرية–الغزية تدريجيًا من خط فصل متفق عليه إلى منطقة نفوذ أمني إسرائيلي متقدم؟ وهذا سؤال مختلف تمامًا.
التجربة الإسرائيلية في الجبهات المختلفة تظهر أن المناطق العازلة والمواقع العسكرية المتقدمة لا تكون بالضرورة مجرد ترتيبات مؤقتة، وإنما يمكن أن تتحول إلى عناصر تفاوضية وأمنية طويلة المدى. ولهذا فإن السماح بتحول الوجود العسكري المؤقت إلى منشآت ثابتة يرفع تكلفة العودة إلى الوضع السابق. فكلما زادت المنشآت، والتحصينات، والطرق العسكرية، ونقاط المراقبة، أصبح الانسحاب منها أكثر تعقيدًا سياسيًا وعسكريًا، وأصبح الطرف الذي أنشأها قادرًا على التعامل معها باعتبارها جزءًا من “الواقع الأمني الجديد”. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالخطر ليس فقط في المكان الذي أقامت فيه إسرائيل القاعدة، وإنما في احتمال أن تصبح القاعدة أساسًا لمواقع أخرى، وأن تتحول المواقع الأخرى إلى شبكة، وأن تتحول الشبكة في النهاية إلى منظومة أمنية جديدة على الحدود.
ماذا يعني ذلك للأمن القومي المصري؟
من المنظور المصري، فإن أي إعادة تشكيل للانتشار العسكري الإسرائيلي بالقرب من الحدود تستحق التعامل معها باعتبارها قضية أمن قومي، ليس لأن المنشأة الحالية تمثل في حد ذاتها تهديدًا عسكريًا مباشرًا لمصر، وإنما لأن تغيير طبيعة البيئة العسكرية المقابلة للحدود يمكن أن يغير معادلة الأمن التي حافظت على استقرار الجبهة المصرية–الإسرائيلية لعقود. كما أن القرب الشديد من الحدود يعني أن أي تطور في طبيعة هذه المنشأة، أو توسعها، أو ربطها بمواقع أخرى، سيؤدي إلى تقليص المسافة الفاصلة بين القوات الإسرائيلية والمنظومة الأمنية المصرية في منطقة شديدة الحساسية. ومن هنا ينبغي أن يكون التقدير المصري مبنيًا على مراقبة الاتجاه لا على مراقبة المنشأة وحدها. هل ستظل نقطة منفردة؟ هل ستتوسع؟ هل ستنشأ مواقع أخرى على امتداد محور فيلادلفيا؟ هل ستُربط هذه المواقع بشبكة مراقبة واستطلاع؟ هل ستظهر طرق عسكرية وبنية لوجستية تدل على نية البقاء طويلًا؟ وهذه المؤشرات أهم من شكل المبنى نفسه.
الخلاصة
نحن أمام إعادة رسم للحدود الأمنية.
إن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية جديدة بالقرب من الحدود المصرية، إذا تأكد استمرار تطورها وتحولها إلى منشأة ثابتة، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل في حرب غزة. فالموقع الجغرافي، والتوقيت، وطبيعة الإنشاءات، والعودة الإسرائيلية إلى محور فيلادلفي، إلى جانب التحولات التي طرأت على العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر، كلها تجعل التطور جديرًا بالقراءة ضمن سياق أوسع.
والمؤشر الأخطر هنا هو الانتقال من فكرة السيطرة العسكرية المؤقتة إلى بناء بنية تحتية عسكرية قابلة للاستمرار. فإسرائيل التي عانت في 7 أكتوبر من فشل منظومة الإنذار والحدود والعمق، يبدو أنها تعمل على إعادة بناء تصورها للأمن الحدودي على أساس مختلف: حدود أكثر عمقًا، ومناطق عازلة، ونقاط مراقبة متقدمة، وقدرة على اكتشاف التهديد قبل وصوله إلى أراضيها، وحرية أكبر في التعامل مع البيئة المحيطة بها عندما ترى أنها تشكل تهديدًا لأمنها.
غير أن تطبيق هذا التصور في مواجهة مصر يختلف جذريًا عن تطبيقه في غزة أو سوريا أو لبنان؛ لأن الحدود المصرية–الإسرائيلية ليست جبهة مفتوحة أو منطقة نزاع غير محسومة، وإنما حدود دولية قامت عليها ترتيبات أمنية ومعاهدة سلام مستمرة منذ عقود. ولهذا فإن أي محاولة لتحويل الجانب الفلسطيني من الحدود إلى منطقة انتشار عسكري إسرائيلي دائم تضع سؤالًا أكبر من سؤال القاعدة نفسها: هل تحاول إسرائيل، بعد 7 أكتوبر، إعادة تعريف حدودها الأمنية مع دول الجوار بحيث لا تعود الحدود القانونية هي الحد النهائي للحركة العسكرية الإسرائيلية، وإنما يصبح «العمق الأمني» هو المعيار الحاكم؟
إذا كان هذا هو الاتجاه فعلًا، فإن ما يجري في رفح لا يمثل مجرد قاعدة عسكرية جديدة، وإنما حلقة في إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، وقد يكون من أخطر تطبيقات هذا التصور عندما يقترب من الحدود المصرية.
ومن هنا، فإن التحدي أمام مصر لا يتمثل في التعامل مع منشأة واحدة، وإنما في منع تحول المنشأة إلى نقطة ارتكاز، ونقطة الارتكاز إلى شبكة، والشبكة إلى واقع أمني جديد يصعب التراجع عنه لاحقًا. وهذه تحديدًا هي النقطة التي تستحق أن تكون موضع متابعة مصرية دقيقة: ليس فقط أين تبني إسرائيل، وإنما ماذا تبني، ولماذا تبني، وهل تبنيها مؤقتًا أم لكي تبقى؟ ويجب ان يكون هناك تعامل مصر جاد لوقف هذا التمدد والإنتشار الذي يخالف بالأساس اتفاقية السلام، لأن الفارق بين الانتشار والتموضع هو في النهاية الفارق بين عملية عسكرية تنتهي بانتهاء مهمتها، وبين تغيير طويل المدى في الخريطة الأمنية للحدود.
وأخيرًأ: إن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية على بُعد لا يتجاوز 70 مترًا من الحدود المصرية، لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً ميدانيًا منفصلًا، وإنما يأتي في سياق أوسع تتجه فيه إسرائيل، منذ فشل منظومتها الأمنية في 7 أكتوبر 2023، إلى إعادة بناء مفهومها للحدود على أساس الدفاع المتقدم، وإنشاء مواقع عسكرية كاشفة ونقاط ارتكاز ومناطق عازلة على مختلف جبهاتها. فإسرائيل لا تسعى فقط إلى تأمين حدودها، وإنما تعمل على خلق عمق أمني متقدم يمنحها قدرة أكبر على المراقبة والإنذار والتدخل قبل وصول التهديد إلى حدودها.
وتقوم هذه الاستراتيجية، في جوهرها، على تحويل الوجود العسكري المؤقت إلى تموضع أكثر استدامة؛ فالمنطقة العازلة تتحول إلى نقطة ارتكاز، ونقطة الارتكاز إلى شبكة من المواقع العسكرية والتحصينات ووسائل المراقبة، ثم تتحول الشبكة تدريجيًا إلى واقع أمني جديد يصعب التراجع عنه لاحقًا.
وهنا تكمن أهمية القاعدة التي يجري إنشاؤها قرب الحدود المصرية؛ فالخطر الاستراتيجي لا يكمن فقط في المنشأة ذاتها، وإنما في أن تصبح جزءًا من نمط أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، بحيث لا تعود الحدود بالنسبة إليها مجرد خط قانوني، وإنما تصبح مساحة أمنية متقدمة تسعى إلى التحكم فيها أو التأثير في طبيعة ما يجري على الجانب الآخر منها.
فما يحدث في رفح يتقاطع، من حيث المنطق العسكري، مع ما فعلته إسرائيل في الجنوب السوري وجنوب لبنان: إنشاء مساحات فاصلة، وإقامة مواقع متقدمة، وتثبيت وجود عسكري، ثم التعامل مع هذا الوجود باعتباره ضرورة أمنية مستمرة. ونحن نصف هذا الاتجاه بأنه تحول نحو عقيدة أوسع للمناطق العازلة، تجمع بين العمق العسكري والتغيير المادي للحدود والوجود العسكري المباشر.
إن ما قامت به إسرائيل في محور صلاح الدين 2024، وما تقوم به في رفح الان، من إنشاء قواعد ونقاط عسكرية على بُعد 70 مترًا من الحدود المصرية، يمثل اختراق مباشر لمعاهدة السلام 1979 واتفاقية المعابر 2005. وتمتلك مصر، من الناحية القانونية، ما يمكنها الاستناد إليه كخطوة أولى لوقف مثل هذه المخططات والمساعي الإسرائيلية. لكن المشكلة أن إسرائيل أصبحت تتعامل مع الاتفاقيات باعتبار أن مقتضيات أمنها القومي تبرر تجاوزها أو إعادة تفسيرها. ومن ثم، يطرح ذلك تساؤلًا مهمًا أمام صانع القرار المصري: هل تمتلك مصر خيارات أخرى، إلى جانب المسار الدبلوماسي الذي قد لا يكون وحده كافيًا لوقف التحركات الإسرائيلية، لحماية أمنها القومي ومنع فرض واقع عسكري جديد على حدودها؟
وتُعد هذه القاعدة، من الناحية العسكرية، مصدر خطر على الأمن القومي المصري، نظرًا لقربها الشديد من الأراضي المصرية؛ إذ يمكن أن تتحول إلى محطة عمل دائمة لرصد الحدود المصرية ومراقبة ما يجري في شرق البلاد من تحركات عسكرية، بما يتيح للعدو الإسرائيلي متابعة التحركات والانتشار العسكري المصري، ليس على الحدود الشرقية فقط، بل في العمق الشرقي أيضًا، وقراءة أنماطها وتحليلها بصورة مستمرة، بما يفرض على مصر تحديًا استخباراتيًا وأمنيًا متزايدًا، ويزيد من مستوى انكشاف تحركاتها العسكرية أمام إسرائيل.
أخيرًا، ومن خلال قراءتي للعقلية الصهيونية، فإنها تقوم على الاختبار والتحسّس؛ فإذا لم ترَ رد فعل قويًا يوقف خططها، تندفع أكثر وتتحمّس لاتخاذ خطوات لاحقة لتثبيت الواقع الذي تريد تحقيقه. فالسيطرة على محور صلاح الدين، ثم إعلان منطقة الحدود منطقةً مغلقة من جانبها، ثم إنشاء قواعد ونقاط عسكرية على بُعد 70 مترًا من الأراضي المصرية، يعني أن إسرائيل تتدرج في خطواتها وتختبر الواقع، وكلما لم ترَ رد فعل قويًا ومناسبًا للفعل، زادت من إجراءاتها لفرض واقع أمني جديد على الحدود المصرية، دون النظر إلى اتفاقية السلام الموقعة عام 1979.
ثالثًا: لماذا غابت مصر عن تحالف مكة؟
بعد سنوات من الحديث عن تحالف عسكري شرق أوسطي جماعي على غرار «الناتو»، أُطلق عليه اسم «الناتو العربي»، وتنافست السعودية والإمارات على لعب دور قيادي في بناء مثل هذا الترتيب الأمني، بدأت في أواخر عام 2025 إرهاصات الحديث عن تشكيل تحالف دفاعي إقليمي، خصوصًا بعد ما كشفته الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان، وصولًا إلى مرحلة الحرب الشاملة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في فبراير 2026، واتضحت مخاطر الإعتماد الأحادي على مظلة أمنية أمريكية. بذلك بدا الإقليم في حاجة إلى مظلة دفاعية جماعية شبه مستقلة، من دول المنطقة، لمواجهة المخاطر المختلفة التي باتت تهدد أمنها ومصالحها.
وقبل بدء الحرب الأمريكية على إيران، بدأ الحديث جديًا عن تحالف رباعي يكون نواة لتحالف إقليمي، يضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان، وهي أربعة أضلاع تمتلك سويًا ثقلًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا في المنطقة. إلا أنه بعد أشهر من الحديث عن تشكيل هذا التحالف، ورغم الإعلان عن تكوين مجموعة ال R4 بالفعل من الدول الأربعة، خرج إلى الوجود اتفاق دفاعي ثلاثي ضم السعودية وتركيا وباكستان، بينما غابت مصر عن هذا الترتيب.
التفسيرات المطروحة لغياب مصر
تناول الإعلام المصري، بشكل عام، غياب مصر باعتباره نتيجة طبيعية لسياسة القاهرة “الحكيمة” التي تتعامل مع أزمات المنطقة من منظور سياسي بالأساس، وتعمل على تجنب الانخراط في الصراعات العسكرية بأي شكل.
لكن هذه الرواية لا تبدو كافية لتفسير الغياب المصري، خصوصًا أن القاهرة كانت حاضرة في النقاشات السابقة حول تشكيل إطار إقليمي أوسع، كما أن تصريحات أطراف مشاركة في الاتفاق تشير إلى أن الباب أمام انضمام مصر لم يكن مغلقًا.
وفي هذا السياق، ذكر تقرير لموقع «مدى مصر» أن مصر عُرض عليها الانضمام إلى التحالف، لكنها رفضت. كما أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يريد توسيع التحالف، وأن مصر من بين الدول المرشحة للانضمام إليه، مشيرًا إلى أن هناك بعض المسائل الفنية التي يجري العمل عليها حتى تصبح مصر جزءًا منه.
في أعقاب مراسم التوقيع على اتفاق مكة، تصدرت وسائل الإعلام تصريحات وزير الخارجية التركي بأن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تماثل، من الناحية الفنية، المادة الخامسة من معاهدة حلف الناتو فيما يتعلق بالدفاع الجماعي.
كما أشار مسؤول مصري رفيع المستوى ومسؤول حكومي مصري، تحدثا إلى «مدى مصر» خلال الأشهر الأخيرة عن احتمال تحول الرباعية إلى إطار دفاع إقليمي، إلا أنهما أفادا أنه ليس من المنطقي توقع أن تتمكن دول الخليج من اللجوء إلى أي طرف آخر غير الولايات المتحدة لتأمين مصالحها الأمنية.
ويقول دبلوماسي عربي سبق أن خدم في تركيا إن اتفاقية مكة، في جوهرها، ليست اتفاقًا دفاعيًا بقدر ما هي رسالة سعودية. وفي تقديره، فإن السعودية «تقول إننا قادرون وسنعمل على وضع استراتيجية دفاعية جديدة تتجاوز الترتيبات القائمة والراسخة». أما بالنسبة إلى تركيا وباكستان، فثمة فائدة أخرى، تتمثل في ما يسميه «مخططًا سياسيًا».
ويشرح المصدر السياسي التركي هذه الفائدة بقوله إن الهند، جارة باكستان، تنسق بشكل كامل مع إسرائيل، التي تقع بجوار تركيا. وفوق ذلك، تتعاون كل من الهند وإسرائيل مع اليونان، ما يعني أن هناك بالفعل محورًا يتشكل على الخريطة بين الهند واليونان وإسرائيل.
إلا أنه، بحسب ما أورد التقرير، فإن مسؤولين في القاهرة ودبلوماسيين في عواصم المنطقة ومصادر في الدول الموقعة يرون أن الاتفاقية لا تتعلق كثيرًا بالدفاع الفعلي بقدر ما تتعلق بالاصطفاف السياسي. فمصر ليست مستعدة للتوقيع على ما تراه كتلة سياسية صاغتها السعودية، من شأنها تقويض قدرتها على المناورة إقليميًا.
ويُعد تردد مصر في التعامل مع هذه الديناميكية الإقليمية المتغيرة أحد الأسباب الرئيسية وراء غيابها عن اجتماع مكة، بحسب الدبلوماسي العربي السابق الذي يتمتع بعلاقات في عواصم المنطقة، والذي أوضح أن مصر لن تنضم إلى اتفاق دفاعي مع تركيا، خصوصًا بالنظر إلى طبيعة علاقتها المعقدة مع اليونان وقبرص.
وبالمثل، من الصعب تصور انخراط مصر في اتفاق دفاعي مع باكستان، في وقت تجري فيه القاهرة محادثات لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الهند.
أما فيما يتعلق بالتوتر المحوري في المنطقة، فقد امتنعت مصر عن الانحياز إلى أي من طرفي الشد والجذب بين الرياض وأبوظبي؛ ففي الوقت الذي قد تسعى فيه السعودية إلى جذب دول بعيدًا عن الإمارات، التي باتت تنافس بصورة متزايدة موقعها التقليدي كقوة إقليمية قائدة، تحافظ مصر على قنوات اتصال مع أطراف عدة على امتداد خطوط الصدع الإقليمية، ولا تبدو مستعدة بالقدر نفسه لاختيار طرف على حساب آخر.
ويقول المسؤول المصري الحكومي السابق إن القاهرة تحتاج إلى الرياض لأنها تعمل معها وفق المسار ذاته في السياسة الخارجية، خصوصًا في السودان والصومال، لكن الإمارات هي الأكثر انفتاحًا وإقبالًا عندما يتعلق الأمر بمصالحها في شراء أصول في مصر. وبالتالي، لا تملك القاهرة، بحسب المسؤول، ترف اختيار أحد الجانبين على حساب الآخر.
القراءة الاستراتيجية لغياب مصر
لا يمكن اختصار طبيعة التحالف في كونه تحالفًا موجهًا ضد إيران؛ فمن الصعب توقع أن تدخل تركيا وباكستان في أي صراع عدائي مباشر مع إيران، خصوصًا أن الدولتين ترتبطان معها بعلاقات جغرافية وسياسية وأمنية معقدة، وتتعاملان معها باعتبارها دولة جوار. وقد صرح بذلك المتحدث بإسم الخارجية الإيرانية نفسه.
إلا أنني أرى أنه لا يمكن التغافل عن المادة السادسة من معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، فضلًا عن الموضوع الشائك المتعلق بعلاقات مصر مع السعودية والإمارات.
أولًا: القيود التي تفرضها معاهدة السلام
قد تكون المادة السادسة من اتفاقية السلام مع إسرائيل من أهم أسباب عدم مشاركة مصر في تحالف مكة ، حيث جاء في أحد فقراتها: “يتعهد الطرفان بعدم الدخول في أي التزام يتعارض مع هذه المعاهدة”.
كما نصت المادة في فقرة أخرى: “مع مراعاة المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة، ففي حالة وجود تعارض بين التزامات الطرفين بموجب هذه المعاهدة وأي من التزاماتهما الأخرى، تكون الالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة ملزمة ويتم تنفيذها”.
لا تمنح معاهدة السلام مع إسرائيل حقًا صريحًا للفيتو على التحالفات المصرية، لكنها تفرض على مصر قيدًا تعاقديًا ملزمًا بعدم الدخول في أي التزام دولي يتعارض مع أحكام المعاهدة. ومن ثَمَّ، فإن أي اتفاق دفاعي جماعي ينشئ التزامًا مصريًا بالمشاركة العسكرية في مواجهة إسرائيل، أو يتعارض بصورة مباشرة مع الالتزامات التي رتبتها المعاهدة، سيصطدم بهذا القيد القانوني. وهذه إحدى كوارث معاهدة السلام التي رفضها بعض أركان الدولة وقيادات في الجيش المصري.
بالتالي، فإن طبيعة الالتزامات التي ينشئها أي تحالف دفاعي إقليمي تصبح مسألة أساسية عند تقييم قدرة مصر على الانضمام إليه، خصوصًا إذا كان هذا التحالف يمكن أن يتحول مستقبلًا من مجرد إطار للتنسيق الأمني والعسكري إلى التزام جماعي بالدفاع عن أي دولة عضو في مواجهة طرف آخر.
وهنا لا يمكن النظر إلى غياب مصر عن اتفاق مكة باعتباره قرارًا سياسيًا منفصلًا عن شبكة الالتزامات التي ترتبت على معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية؛ فهامش الحركة المصرية في بناء ترتيبات دفاعية إقليمية يظل مرتبطًا، بدرجة أو بأخرى، بما تسمح به تلك الالتزامات وما يمكن أن ينشأ عنها من تعارض مع أي التزام عسكري جديد.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الإعتراضات الإسرائيلية الرسمية مرتفعة الصوت على اتفاق مكة، والتهديد الصريح بمواجهة التحالف الجديد بتحالفات مع دول أخرى في المنطقة، مثل اليونان وقبرص والإمارات وأرض الصومال.
بين تصريحين حول اتفاق مكة:
تصريح المتحدث بإسم الخارجية الإيرانية
في تعقيبه على اتفاق مكة للدفاع المشترك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إنه لا يوجد ما يدعو طهران إلى القلق من “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” الموقعة بين تركيا والسعودية وباكستان. وخلال مؤتمره الصحفي الأسبوعي، تطرق بقائي إلى الاتفاقية التي وقعتها الدول الثلاث، بحسب ما نقل التلفزيون الرسمي الإيراني، مضيفًا: “عندما يتعلق الأمر بثلاث دول تربطنا بها روابط دينية وتاريخية وحضارية عميقة، وهي تركيا وباكستان والسعودية، فلا يوجد ما يدعونا للقلق من أن تكون هذه الاتفاقية موجهة ضد إيران”.
ورأى بقائي أن الاتفاقية تمثل مؤشرًا على توصل دول المنطقة إلى قناعة مفادها أنها لا تستطيع الاعتماد على ادعاءات الولايات المتحدة وبعض الأطراف من خارج المنطقة بشأن توفير الأمن.
تصريح الوزير الصهيوني عميحاي شيكلي:
في المقابل، أعرب وزير شؤون الشتات الصهيوني عميحاي شيكلي عن قلقه البالغ إزاء التقارب الإقليمي الجديد، وبخاصة الاتفاقية الدفاعية التي تضم تركيا وباكستان والسعودية، معتبرًا أن الخطوة تمثل تطورًا خطيرًا ومباشرًا ضد المصالح الإسرائيلية.
ونقلت القناة 14 العبرية عن شيكلي قوله إن “تحالف مكة هو تطور خطير ومقلق للغاية لإسرائيل”.
وأضاف أن “السعودية كانت في الأساس مترددة. كان لديها بالفعل اتفاقية دفاع مع باكستان، لكن بمجرد أن يدخل الأتراك، الذين هم في مواجهة مباشرة معنا، فإن المواجهة قد تتطور إلى أبعاد قد تكون لها عواقب خطيرة للغاية”. وأشار إلى أن “خطورة ذلك قد تصل إلى البحر الأبيض المتوسط أو إلى الجبهة السورية»، مبينًا أن «هذا تطور سيئ جدًا لنا، لإسرائيل”، وأنه يتطلب من إسرائيل تعميق تحالفاتها مع اليونان وقبرص والإمارات العربية المتحدة والصومال.
قراءة في التصريحين
إن ترحيب المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي باتفاق مكة الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان، واعتراض الوزير الصهيوني عميحاي شيكلي على الاتفاقية، يشيران بوضوح إلى اختلاف النظرة إلى طبيعة هذا التحالف وأهدافه؛ فالطرف المرحِّب يرى أن الاتفاق لا يمثل تهديدًا له، بينما يرى الطرف المعترض أنه تحالف يأتي لعرقلة أطماعه الاستراتيجية.
ويكشف تصريح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بصورة أكثر وضوحًا، عن الفهم الإيراني لأهمية وجود مظلة دفاعية إقليمية مستقلة، بعيدًا عن الأطراف والقوى الخارجية، وهو ما يتوافق مع الرؤية الإيرانية التي تدفع باتجاه أن تتولى دول المنطقة مسؤولية أمنها، بدلًا من الاعتماد على قوى خارجية لتوفير الأمن الإقليمي وعلى رأس تلك القوى الولايات المتحدة الامريكية.
وفي المقابل، فإن اعتراض الوزير الصهيوني لا يعكس مجرد تحفظ على اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، وإنما يكشف عن إدراك إسرائيلي بأن دخول تركيا إلى هذا الترتيب يمنحه وزنًا استراتيجيًا وعسكريًا أكبر، ويخلق شبكة من العلاقات الدفاعية قد تمتد تداعياتها إلى أكثر من ساحة إقليمية، وهو ما يفسر حديث شيكلي تحديدًا عن البحر المتوسط والجبهة السورية، وعن ضرورة تعزيز العلاقات الإسرائيلية مع اليونان وقبرص والإمارات والصومال.
ثانيًا: علاقة مصر بالإمارات
العامل الاستراتيجي الثاني الذي لا يمكن تجاهله هو علاقة مصر بالإمارات، أو بالأخص العلاقة بين الرئيس عبدالفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد. فالسيسي لا يسعى إلى الانخراط في أي تحالف أو اتفاقيات لا تصب في إطار مصالح أبوظبي، أو يمكن أن يُفهم منها أنها تمثل تقاربًا مع الرياض على حساب أبوظبي، في ظل الخلافات المتزايدة بين السعودية والإمارات حول عدد من الملفات الإقليمية.
ومن ثم فإن انضمام مصر إلى تحالف صاغته السعودية ويضم تركيا وباكستان لا يمكن النظر إليه فقط باعتباره قرارًا يتعلق بالأمن والدفاع، وإنما باعتباره أيضًا قرارًا سياسيًا قد تكون له دلالات على تموضع مصر داخل التوازنات الخليجية والإقليمية، خصوصًا في ظل حرص القاهرة على الحفاظ على علاقاتها مع كل من الرياض وأبوظبي، وعدم الانحياز بصورة واضحة إلى أحد الطرفين على حساب الآخر.
ثالثًا: هل رفضت السعودية إنضمام مصر:
نقل موقع ميدل إيست أي ، أن ثلاثة مصادر سعودية أفادت للموقع، بأن السعودية عارضت انضمام مصر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وُقّع مع تركيا وباكستان الأسبوع الماضي، رغم مساعي أنقرة لدفع القاهرة إلى الانضمام إلى الاتفاق.
وقال أحد المصادر، حسب ما نقله موقع ميدل ايست أي، ووصفه بأنه مستشار سابق رفيع المستوى لدى القيادة السعودية، أن الرياض لم تكن ترغب في انضمام مصر إلى الاتفاق “في الوقت الراهن على الأقل”
إلا أن المصادر الثلاثة، التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هوياتها نظراً إلى حساسية القضية حسب ما ذكر الموقع، قالت إن الموقف السعودي نابع من تزايد حالة الاستياء تجاه حكومة السيسي، ومن اعتقاد سائد في الرياض بأن مصر لم تعد تقدم القيمة الاستراتيجية أو العسكرية التي كانت تقدمها في السابق.
وبحسب المصادر للموقع المذكور، جاء القرار السعودي بمعارضة انضمام مصر إلى الاتفاق على خلفية توترات متراكمة بين الرياض والقاهرة. وقالت المصادر إن السعودية كانت أكبر داعم مالي لحكومة السيسي بعد استيلائه على السلطة عام 2013، إذ أنفقت في البداية نحو 25 مليار دولار لدعم الاقتصاد المصري المتعثر، إلا أن الرياض باتت مستاءة مما تعتبره غياباً للدعم المتبادل في القضايا الأمنية الرئيسية.
وأشار أحد المصادر إلى الدور «المحدود وغير الموثوق» الذي تؤديه مصر في حرب السعودية الطويلة مع جماعة الحوثيين في اليمن، فضلاً عن موقفها المخيب للآمال خلال الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران. كما أشارت المصادر إلى تزايد القلق في الرياض إزاء «تبعية» القاهرة للإمارات العربية المتحدة، ولا سيما في أعقاب الخلاف بين الرياض وأبوظبي بشأن دعم الأخيرة لجماعات انفصالية في جنوب اليمن، والتي «تهدد الأمن والمصالح الوطنية للسعودية”.
وأشار مصدران إلى أنه رغم إرسال مصر طائرات مقاتلة إلى أبوظبي رداً على الهجمات الإيرانية، وحرص السيسي على زيارة الرئيس الإماراتي محمد بن زايد أكثر من مرة خلال الحرب، فإن القاهرة لم تتخذ خطوات مماثلة تجاه السعودية. وخلصا إلى أن الرياض باتت تشعر بقلق متزايد إزاء اصطفاف السيسي إلى جانب أبوظبي.
وقالت المصادر إن ذلك يعود إلى رؤية الرياض أن عدداً من السياسات الإماراتية يتعارض مع المصالح الاستراتيجية لمصر نفسها. ومن بين هذه السياسات انخراط الإمارات في أرض الصومال، وعلاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل، ودعمها لإثيوبيا خلال الخلافات بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير، فضلاً عن دعمها قوات الدعم السريع في السودان. وقال أحد المصادر إن استمرار القاهرة في الانخراط مع أبوظبي عمّق الشكوك في الرياض بشأن مدى موثوقية مصر بوصفها شريكاً استراتيجياً.
ووصف مصدر آخر العلاقة في عهد السيسي بأنها باتت على نحو متزايد علاقة ترى فيها السعودية أن مصر «تعتمد» على الدعم الخليجي، بدلاً من أن تكون شريكاً موثوقاً. وقال المستشار السابق رفيع المستوى إن مصر اعتمدت تاريخياً على المملكة والولايات المتحدة وقوى خارجية أخرى، في حين لم تقدم في المقابل سوى القليل. وقال المستشار: «لطالما كانت مصر دولة تعتمد علينا وعلى الولايات المتحدة، وهي لا تقدم شيئاً في المقابل؛ إنها تأخذ وتأخذ من دون أن تقدم شيئاً في المقابل».
من وجهة نظري، فليس من المرجح أن يكون السبب الرئيس في عدم التحاق مصر بتحالف مكة هو أن السعودية قد رفضت مشاركة مصر في التحالف، حتى في ظل الخلافات المعروفة بين مصر والسعودية حول عدد من الملفات في المنطقة، وعدم توافر الثقة التامة بين الطرفين. هناك إشارات كثيرة تدل على حرص تركيا وباكستان، وحتى السعودية، على انضمام مصر إلى التحالف، وقد تكون الإسقاطات التي وردت في تقرير “ميدل إيست أي” بناء على بعض الشواهد والإفادات من بعض المصادر غير دقيقة بشكل كامل. في الأغلب القرار بعدم المشاركة كان قرارًا مصريًا للأسباب التي ذكرتها. ما أراه هو أن السعودية حريصة على انضمام مصر إلى هذا الحلف، مما يعزز تقارب المملكة مع القاهرة، ويُبعدها عن الفلك الإماراتي ودوائره.
الجدير بالذكر ، أنه بعد نشر تقرير موقع ميدل ايست أي، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن مصر تدرس بكل جدية مسألة الانضمام لاتفاقية مكة الدفاعية، من مختلف الجوانب لأن هناك اعتبارات دستورية وقانونية يجب دراستها بدقة.
وأضاف عبد العاطي في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره التركي هاكان فيدان عقب جلسة مباحثات في القاهرة، الخميس 13 أغسطس 2026، إن مصر لديها تعاون مع ثلاثي الاتفاقية: السعودية وتركيا وباكستان، في إطار الآلية الرباعية التي تجمعهم، كما أن العلاقات الثنائية بين القاهرة وكل من هذه الدول الثلاث متميزة للغاية.
وأجاب عبد العاطي، ردا على سؤال حول موقف مصر من الاتفاقية، بأن القاهرة “على دراية بهذا الأمر منذ البداية، وتتم دراسته من خلال المؤسسات المعنية داخل الدولة المصرية”، موضحا أنه “عندما يتعلق الأمر بالتعاون في مجالات دفاعية تكون هناك التزامات في هذا الشأن تحتاج لدراسات معمقة في ضوء الدستور المصري والأمور القانونية”.
وأشار إلى أن هناك “أفكارا كثيرة حول الترتيبات الأمنية في الإقليم في ظل التحديات غير المسبوقة التي تشهدها المنطقة”، مضيفا أن مصر “تتعامل مع هذه الأفكار والمبادرات بما في ذلك مبادرة أمن البحر الأحمر بمنتهى الجدية، لكن هناك اعتبارات دستورية وقانونية تتم دراستها بشكل معمق لاتخاذ الإجراءات المطلوبة”.
وشدد على أن “هناك تنسيقا كاملا بيننا نحن الأربعة والوزير فيدان طرح هذا الأمر منذ فترة في ما يتعلق بالجانب الدفاعي”.
من جهته، قال الوزير التركي، إن المناقشات كانت جارية مع مصر أولا بأول بشأن اتفاق مكة، ونقلت القاهرة رأيها حول الاتفاقية، فيما تعمل الآن على تقييم كل الأبعاد، مضيفا: “نتمنى أن تكون مصر معنا”.
ما قاله وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي حول وجود اعتبارات دستورية وقانونية تدرسها القاهرة قبل الانضمام إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، يأتي متسقًا مع ما ذهبنا إليه، بشأن القيود والالتزامات التي تحكم حركة مصر في مجال التحالفات العسكرية، وفي مقدمتها الالتزامات الناشئة عن معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية، ولا سيما ما تنص عليه المادة السادسة بشأن أولوية الالتزامات الواردة في المعاهدة عند تعارضها مع أي التزامات دولية أخرى.
ومن ثم، فإن مسألة انضمام مصر إلى اتفاق مكة لا تبدو كمجرد قرار سياسي او بسبب عدم ترحيب من الجانب السعودي، وإنما ترتبط أيضًا بمدى توافق الالتزامات الدفاعية الجماعية التي ينص عليها الاتفاق مع الإطار القانوني والدستوري الذي يحكم التزامات مصر الدولية، فضلًا عن العوامل الأخرى التي أوردناها في الدراسة.
الخلاصة:
إن تفسير غياب مصر عن تحالف مكة باعتباره مجرد رفض للانخراط العسكري أو رغبة في الابتعاد عن الصراعات الإقليمية يبدو تفسيرًا قاصرًا.
أن عدم إنضمام مصر، من وجهة نظري، كان قرارًا مصريًا يرتبط بحسابات أوسع تتصل بهامش الحركة الاستراتيجية للقاهرة، وبشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية. هذا القرار قد يكون نتاجًا لتداخل مجموعة من الاعتبارات، وليس عاملًا واحدًا منفردًا؛ فإلى جانب الرؤية المصرية التقليدية التي تفضل تجنب الالتزامات العسكرية المفتوحة، هناك طبيعة التحالف نفسه، والقيود التي تفرضها معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية، وهناك حساسية العلاقات المصرية مع تركيا واليونان وقبرص، وكذلك العلاقات المصرية مع الهند وباكستان، فضلًا عن التوازن الدقيق الذي تحاول القاهرة الحفاظ عليه في علاقاتها مع السعودية والإمارات.
ومن الواضح أن دول الحلف كمجموعة حريصة على انضمام مصر في مرحلة لاحقة عندما تتحين الظروف المناسبة، نظرًا لما يضيفه وجود مصر في المنظومة الأمنية في المنطقة بعيدًا عن علاقات أكثر ارتباطًا بدول منافسة لأعضاء الحلف مثل إسرائيل والإمارات واليونان وقبرص والهند.
رابعًا: إسرائيل تبيع اليونان منظومة دفاع جوي بـ3.6 مليار دولار.. قراءة عسكرية في دلالات الصفقة
بناءً على ما كشفته صحيفة “جيروزاليم بوست” وقعت اليونان الاثنين 31 أغسطس 2026 في تل أبيب، صفقة دفاعية مع إسرائيل بقيمة 3.6 مليارات دولار، لشراء منظومة دفاع جوي متكاملة ومتعددة الطبقات، بهدف بحسب وصف الصحيفة “للتصدي لتهديدات محتملة من تركيا وإيران”.
وأوضحت الصحيفة أن الاتفاق، الذي استغرقت مفاوضاته ثلاث سنوات، سيصبح أكبر صفقة تصدير دفاعية في تاريخ إسرائيل، متجاوزاً صفقة بيع منظومة “آرو 3” لألمانيا بقيمة 3.5 مليارات دولار عام 2023.
وبموجب الاتفاق، ستزوّد شركة “رافائيل” اليونان بمنظومات “مقلاع داود” لاعتراض الصواريخ الثقيلة والباليستية، ومنظومات “سبايدر” المتنقلة لمواجهة الطائرات المسيّرة، فيما ستقدّم شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية منظومة “باراك إم إكس” المضادة للطائرات والصواريخ.
وتشمل الصفقة أيضاً إنشاء مركز للقيادة والسيطرة، مزوّد بقدرات للذكاء الاصطناعي، لتشغيل المنظومات وإدارة عمليات الاعتراض، على غرار المركز المستخدم في إسرائيل. ومن المتوقع أن تحصل شركات يونانية على نحو 700 مليون يورو من قيمة الصفقة، من خلال عملها متعاقدةً من الباطن مع الشركتين الإسرائيليتين.
ويُعرف المشروع في اليونان باسم “درع أخيل”( Achilles Shield)، ويتضمن نشر بطاريات “سبايدر” في عدد من الجزر اليونانية، بينها وجهات سياحية يقصدها إسرائيليون.
وأشارت الصحيفة إلى أن اليونان أصبحت من أبرز عملاء الصناعات الدفاعية الإسرائيلية، بعدما اشترت صواريخ “سبايك” و”رامبيج”، وقنابل “سبايس” دقيقة التوجيه، ومسيّرات “هيرون 2”.
التحليل العسكري والاستراتيجي
لا تبدو الصفقة الإسرائيلية-اليونانية مجرد صفقة تسليح تقليدية لتحديث منظومة الدفاع الجوي اليونانية، وإنما يمكن قراءتها في إطار التحولات الاستراتيجية الكبرى التي تشهدها المنطقة وإعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات بعد الحرب الإيرانية-الأمريكية وحرب طوفان الأقصى. فالاتفاق، الذي استغرقت مفاوضاته نحو ثلاث سنوات، يأتي في توقيت تتجه فيه دول المنطقة إلى بناء ترتيبات أمنية وعسكرية جديدة، وتزداد فيه أهمية الدفاع الجوي والصاروخي بصورة غير مسبوقة.
وتكتسب الصفقة أهميتها من طبيعة المنظومات التي ستحصل عليها اليونان؛ فهي لا تشتري منظومة واحدة، وإنما تبني دفاعًا جويًا متعدد الطبقات يجمع بين “مقلاع داود” لاعتراض الصواريخ الثقيلة والباليستية، و”سبايدر»” للتعامل مع الطائرات والمسيّرات، و”باراك إم إكس” لمواجهة الطائرات والصواريخ، إلى جانب مركز قيادة وسيطرة مزود بقدرات للذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن إسرائيل لا تبيع لليونان أسلحة منفردة، وإنما تساعدها على بناء بنية متكاملة للإنذار والاشتباك والقيادة والسيطرة.
وهنا تظهر الدلالة العسكرية الأهم: إسرائيل لا تعزز فقط قوة اليونان الدفاعية، وإنما ترفع مستوى الترابط العملياتي بينها وبين منظومة دفاعية إسرائيلية الصنع. فكلما زاد اعتماد دولة ما على منظومات إسرائيلية مترابطة، أصبحت إسرائيل شريكًا طويل الأمد في التدريب والصيانة والتحديث وتطوير البرمجيات وربط المنظومات وتبادل الخبرات. ومن ثم فإن العلاقة لا تتوقف عند لحظة تسليم السلاح، وإنما تمتد إلى بناء اعتماد دفاعي طويل المدى.
ومن منظور أوسع، يمكن قراءة ذلك ضمن توجه العدو الصهيوني لبناء شبكة من العلاقات الأمنية والعسكرية مع دول تتقاطع مصالحها مع إسرائيل في مواجهة خصوم أو تهديدات مشتركة. وقد تناولت تحليلات إسرائيلية بالفعل تنامي البعد الإقليمي للعلاقة مع اليونان، وربطت الصفقة بالتطورات المتعلقة بتركيا.
وهنا يمكن وضع الصفقة في سياق ما يمكن وصفه بـ”شبكة التحالفات غير المعلنة” التي تعمل إسرائيل على تطويرها؛ أي شبكة لا تحتاج بالضرورة إلى إعلان حلف عسكري رسمي أو توقيع معاهدة دفاع جماعي، وإنما تقوم عمليًا على تسليح الحلفاء، وتبادل المعلومات، والتدريب، وربط منظومات الدفاع، والتعاون الاستخباراتي والتكنولوجي. وفي هذه الحالة تصبح الدول المرتبطة بإسرائيل عسكريًا جزءًا من بيئة أمنية أوسع، حتى من دون وجود إعلان رسمي عن تشكيل حلف.
وتأتي اليونان في هذا السياق باعتبارها دولة ذات أهمية جغرافية واستراتيجية؛ فهي تقع عند تقاطع شرق المتوسط والبلقان وبحر إيجه، ولها صراع استراتيجي طويل مع تركيا. ولذلك فإن بناء شبكة دفاع جوي يونانية متطورة، خصوصًا مع نشر بعض منظومات SPYDER في الجزر اليونانية، يمنح أثينا قدرة أكبر على حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية والقواعد العسكرية في بيئة جغرافية حساسة.
وهناك نقطة عسكرية أخرى تستحق الانتباه: الدفاع الجوي المتعدد الطبقات يصبح أكثر أهمية بعد تجربة الحروب الأخيرة، التي أثبتت أن التهديد لم يعد يأتي فقط من الطائرات المأهولة والصواريخ الباليستية، وإنما من مزيج من المسيّرات والصواريخ الجوالة والصواريخ الباليستية والأسلحة بعيدة المدى. ولذلك فإن جمع SPYDER وBarak MX وDavid’s Sling داخل شبكة قيادة وسيطرة واحدة يمنح اليونان قدرة أكبر على توزيع مهام الاعتراض بحسب نوع التهديد ومداه ومساره، بدل الاعتماد على منظومة واحدة للتعامل مع جميع التهديدات.
ومن هنا، فإن الصفقة تحمل أيضًا درسًا عملياتيًا مهمًا: إسرائيل لا تقدم لليونان مجرد “مظلة صاروخية”، وإنما تنقل إليها جزءًا من مفهوم الدفاع الجوي الإسرائيلي القائم على الطبقات وتكامل المستشعرات ومراكز القيادة والسيطرة ووسائط الاعتراض. وهذا النوع من التكامل قد يكون أكثر أهمية من مواصفات كل منظومة منفردة.
أما على المستوى الإقليمي الأوسع، فإن توقيت الصفقة بعد التحولات التي أفرزتها الحرب الإيرانية-الأمريكية وحرب غزة يشير إلى أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تسليح وإعادة تموضع؛ فالدول لا تنتظر فقط ظهور تحالفات رسمية، وإنما بدأت تبني قدراتها العسكرية وعلاقاتها الدفاعية وفق تصورها للتهديدات المقبلة. وفي المقابل، يعمل العدو الصهيوني على تثبيت علاقات أمنية وعسكرية مع عدد من الأطراف، بما يسمح له بتوسيع دائرة نفوذه العسكري خارج حدوده المباشرة.
وهنا يمكن فهم التقارب الإسرائيلي مع اليونان بالتوازي مع علاقاتها الاستراتيجية مع الهند، وغيرها من الشراكات التي تتطور في مجالات التسليح والتكنولوجيا والدفاع الجوي. كما أن ذلك يأتي في بيئة تشهد تحركات مقابلة من قوى إقليمية أخرى؛ فإعلان ترتيبات “اتفاق مكة” الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان يمثل بدوره مؤشرًا على أن المنطقة تتحرك نحو شبكات أمنية متعددة ومتداخلة، بدل النظام الأمني الإقليمي التقليدي.
وبالتالي، فإن ما يجري ليس مجرد سباق على شراء الأسلحة، وإنما سباق على بناء شبكات القوة. العدو الصهيوني يسعى إلى أن يكون موردًا ومطورًا وشريكًا أمنيًا للدول التي يرى أنها تقع في دائرة مصالحه، بينما تسعى دول أخرى إلى بناء ترتيبات دفاعية مقابلة أو تنويع مصادر تسليحها وتقليل اعتمادها على مصدر واحد.
ومن هذه الزاوية، فإن صفقة اليونان ليست مهمة فقط بسبب قيمتها المالية البالغة نحو 3.6 مليار دولار، وإنما لأنها تضيف دولة أوروبية أخرى إلى شبكة المستخدمين لمنظومات الدفاع الإسرائيلية، وتمنح إسرائيل حضورًا دفاعيًا وتقنيًا طويل الأمد في شرق المتوسط. كما أن حصول اليونان على منظومة دفاع جوي متكاملة قد يغير تدريجيًا حسابات القوة في بحر إيجه وشرق المتوسط، خصوصًا إذا اقترن ذلك بتطوير قدراتها الجوية والصاروخية وباقي عناصر الردع.
والخلاصة أن الصفقة يمكن قراءتها باعتبارها جزءًا من مرحلة جديدة في المنطقة: مرحلة لا تنتظر فيها الدول إعلان الأحلاف رسميًا، وإنما تبدأ ببناء مكونات الحلف على الأرض؛ تسليح متقدم، دفاع جوي مشترك المفاهيم، قيادة وسيطرة، استخبارات، تدريب، وتكنولوجيا. ولذلك فإن التحول الأخطر ليس في عدد البطاريات التي ستحصل عليها اليونان، وإنما في أن إسرائيل تعمل على تحويل علاقاتها الدفاعية مع بعض الدول إلى بنى أمنية طويلة الأمد، بما يجعل السلاح الإسرائيلي أداة لبناء النفوذ والتحالف في الوقت نفسه.
من زاية أخرى، فالصفقة بين العدو الصهيوني واليونان تشير إلى ان الصراع بين تركيا والعدو الصهيوني يتصاعد بصورة تدريجية متسارعة، العدو الصهيوني، من خلال هذه الصفقة، يعمل على بناء خط دفاعي متقدم في مواجهة البيئة الاستراتيجية المحيطة بتركيا، ولا سيما في ظل تصاعد الإشكالات والخلافات بين أنقرة وتل أبيب. وتكتسب اليونان أهمية خاصة في هذا السياق بحكم موقعها الجغرافي في شرق المتوسط وعلاقتها المتوترة مع تركيا، بما يجعل تعزيز قدراتها الدفاعية بمنظومات إسرائيلية متقدمة ذا دلالة تتجاوز مجرد تحديث الجيش اليوناني.
وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل تصاعد التنافس الإسرائيلي-التركي حول سوريا؛ فاستهداف العدو الصهيوني لقاعدة أبو الظهور العسكرية في شمال غرب سوريا، في أغسطس الجاري، جاء في سياق اعتراض إسرائيلي على تنامي الحضور العسكري التركي في سوريا، بينما نفت أنقرة ودمشق وجود خطط لإنشاء قاعدة تركية في الموقع. وقد حذر المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والسفير لدى تركيا، توم باراك، من أن الضربة ربما كانت تهدف إلى استفزاز تركيا، واعتبرها لعبة شديدة الخطورة. وهو ما يوضح أن الخلاف والصراع بين العدو الصهيوني وتركيا بدأ يأخذ أبعادًا عسكرية تتجاوز التصريحات السياسية.
ومن ثم، فإن صفقة اليونان يمكن قراءتها كجزء من تحرك إسرائيلي أوسع لبناء شبكة من الشراكات والقدرات العسكرية المتقدمة حول الخصوم المحتملين، وليس بالضرورة في صورة حلف معلن. وفي المقابل، فإن استمرار التنافس الإسرائيلي-التركي والذي بدأ يأخذ أشكال ومناحي عسكرية، سيدفع أنقرة إلى تعزيز وجودها العسكري سواء في سوريا أو نقاط أخرى في المنطقة، وتطوير قدراتها الدفاعية واتخاذ خطوات مقابلة لحماية مصالحها.
خامسًا: قراءة عسكرية للتدريبات الاستراتيجية الجوية بين مصر والصين- (نسور الحضارة 2026)
يمثل تنفيذ تدريب “نسور الحضارة الجوي بين مصر والصين2026” للعام الثاني على التوالي خطوة مهمة في مسار تطور العلاقات العسكرية بين البلدين، ولا سيما مع اتساع مستوى المشاركة الصينية في التدريب، ليس فقط من حيث الطائرات المقاتلة، وإنما أيضًا من خلال منصات الإنذار المبكر والتحكم الجوي والنقل الاستراتيجي.
وبجسب ما أعلنه المتحدث الرسمي بإسم الجيش المصري، فعاليات التدريب الجوى المصرى الصينى المشترك (نسور الحضارة- 2026) جاءت بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من مختلف الطرازات لكلا الجانبين، والذى يتم تنفيذه بعدد من القواعد الجوية بجمهورية مصر العربية. وأضاف المتحدث باسم الجيش المصري أنه تم تنفيذ عدد من الطلعات المشتركة للتدريب على إدارة أعمال القتال الجوى لمهاجمة الأهداف المعادية وحماية الأهداف الحيوية وفقاً لأحدث التكتيكات الجوية بما يسهم فى تبادل الخبرات وتطوير مهارات وقدرات الطيارين على العمل المشترك فى تناغم وتنسيق كامل فيما بينهم، فضلاً عن التدريب على أعمال التزود بالوقود فى الجو. وأضاف المتحدث العسكري المصري ، ان التدريب هدف إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة للعناصر المشاركة فى التخطيط والتنفيذ لإدارة العمليات الجوية الحديثة، وكذا تعظيم الخبرات المتبادلة بما ينعكس على قدرة وجاهزية القوات الجوية لكلا البلدين لتنفيذ كافة المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار.
وبحسب ما تداولته حسابات متخصصة في استخبارات المصادر المفتوحة ضم التشكيل الجوي الصيني المشارك في التدريب 6 مقاتلات من طراز J-16، إلى جانب طائرة الإنذار المبكر والتحكم الجوي KJ-500G، وطائرة النقل الاستراتيجي Y-20. وتعكس طبيعة هذا التشكيل رغبة في اختبار العمل المشترك بين منصات القتال الجوي ومنظومات القيادة والسيطرة والإنذار المبكر، بما يتجاوز مفهوم التدريب التقليدي بين المقاتلات.
وتكمن أهمية مشاركة هذه المنصات تحديدًا في أنها تتيح للقوات الجوية المصرية التعرف بصورة عملية على مفاهيم تشغيلية مختلفة، خصوصًا في مجالات إدارة المعركة الجوية، والإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، وتنسيق العمليات بين الطائرات المقاتلة ومنصات القيادة والسيطرة. كما تمنح الجانب الصيني فرصة لاختبار قدراته في بيئة تشغيلية مختلفة، وفهم طبيعة العمل مع القوات الجوية المصرية.
لكن الأهمية الأكبر لهذا التطور لا ينبغي أن تتوقف عند حدود التدريبات والمناورات المشتركة. فالتدريب العسكري يكتسب قيمته الاستراتيجية الأكبر عندما يتحول إلى مدخل لبناء تعاون دفاعي أكثر عمقًا، يشمل التسليح ونقل التكنولوجيا والصيانة والتدريب وتطوير القدرات المشتركة.
ومن هذه الزاوية، فإن التقارب العسكري المصري الصيني ينبغي أن يتجاوز مرحلة المناورات الدورية إلى مرحلة أكثر تقدمًا تقوم على صفقات تسليح مدروسة، خصوصًا في المجالات التي تحتاج فيها مصر إلى تنويع مصادر تسليحها، وبناء قدرات متقدمة في القتال الجوي والإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والاستطلاع والقيادة والسيطرة.
ولا يعني ذلك بالضرورة التحول الكامل نحو التسليح الصيني، وإنما الاستفادة من المنافسة بين مصادر التسليح المختلفة لتعزيز هامش الحركة الاستراتيجية المصرية. فامتلاك مصر خيارات متعددة في مجال التسليح يمنحها قدرة أكبر على التفاوض، ويقلل من مخاطر الاعتماد المفرط على مصدر واحد.
وعليه، فإن استمرار تدريب “نسور الحضارة” للعام الثاني يمثل مؤشرًا إيجابيًا على تطور التعاون العسكري بين القاهرة وبكين، لكن الاختبار الحقيقي لهذا التقارب سيكون في مدى قدرته على الانتقال من التدريب المشترك إلى التعاون الدفاعي الفعلي، ومن المناورات إلى صفقات تسليح وبناء قدرات.
فالمناورات تفتح الباب، لكن الصفقات ونقل التكنولوجيا والتعاون طويل الأمد هي التي تستطيع تحويل التقارب العسكري المصري الصيني إلى شراكة استراتيجية أكثر رسوخًا.
وقد حاولت مصر بالفعل إبرام صفقات مع الصين وروسيا للحصول على مقاتلات شبحية متطورة، إلا أن عدم الترحيب الأمريكي بهذه الخطوات حال دون استمرارها، فتوقفت مصر عن المضي فيها. وما يجري في المنطقة اليوم يفرض على دولها تنويع مصادر تسليحها، وعدم الاعتماد بشكل مفرط على التسليح الأمريكي، خصوصًا في مجال القوة الجوية، في ظل السياسة الأمريكية التي تحرص على الحفاظ على التفوق الجوي النوعي للعدو الصهيوني في المنطقة.
في تدريب “نسور الحضارة الجوي” بين مصر والصين، تم نشر صور للمقاتلات المشاركة في التدريب من الجانبين، والتي شملت مقاتلات ميغ-29 ورافال المصرية، إلى جانب مقاتلات J-16 التابعة للقوات الجوية الصينية. وتكتسب مشاركة مقاتلات رافال المصرية أهمية خاصة، كونها المرة الأولى التي تشارك فيها هذه المقاتلات المتقدمة في تدريب جوي مشترك مع مقاتلات صينية. وخلال آخر تدريب جوي مشترك بين البلدين “نسر الحضارة 2025” ، شاركت مصر بمقاتلات ميغ-29، بينما شاركت الصين بمقاتلات J-10.
والدلالة العسكرية الأهم هنا ليست مجرد مشاركة الرافال، وإنما وضع منصة فرنسية متقدمة في بيئة تدريبية مباشرة مع مقاتلة صينية ثقيلة ومتطورة مثل J-16، بما يتيح اختبار مفاهيم القتال والتنسيق بين فلسفتين مختلفتين في تصميم وتشغيل القوة الجوية.
كما أن الجمع بين الرافال الفرنسية وJ-16 الصينية في تدريب واحد يحمل دلالة استراتيجية تتجاوز حدود التدريب ذاته؛ فهو يعكس قدرة القوات الجوية المصرية والصينية على تشغيل منصات تنتمي إلى مدارس تسليح مختلفة داخل بيئة عملياتية واحدة، واختبار مدى قابلية دمجها وتنسيق أدوارها في إدارة المعركة الجوية. وهذه نقطة مهمة بالنسبة لمصر التي تمتلك أسطولًا جويًا متعدد المصادر، إذ إن القيمة الحقيقية لهذا التنوع لا تتحقق بمجرد امتلاك طائرات من دول مختلفة، وإنما بامتلاك القدرة على توظيفها بصورة متكاملة ضمن مفهوم عملياتي واحد.
ومن هذه الزاوية، فإن مشاركة الرافال إلى جانب J-16 تمنح التدريب قيمة إضافية؛ فالاحتكاك المباشر بين منصات مختلفة في الأداء والتصميم وأنظمة الاستشعار والتسليح يتيح للقوات المصرية فهم نقاط القوة والقيود لكل مدرسة قتالية، كما يوسع خبرتها في التعامل مع تكتيكات وطرق تشغيل غير مألوفة. وقد يكون هذا الجانب تحديدًا أكثر أهمية من مجرد عدد الطائرات المشاركة، لأنه يرتبط ببناء خبرة تراكمية في إدارة قوة جوية متنوعة المصادر.
والأهم أن هذا النوع من التدريبات يفتح لمصر مساحة أوسع لتنويع خياراتها العسكرية والتكنولوجية؛ فالتدريب المشترك مع الصين، بمشاركة الرافال المصرية، لا يعني بالضرورة اتجاه القاهرة إلى استبدال مصدر تسليح بآخر، وإنما يمنحها فرصة لاختبار قدرات وخيارات متعددة، وهو ما يمكن أن يشكل قاعدة للتوسع مستقبلًا في التعاون الدفاعي والتسليحي مع الصين، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والجدوى العملياتية.
أخيرًا: ما يجري في المنطقة اليوم يفرض على دولها تنويع مصادر تسليحها، وعدم الاعتماد بشكل مفرط على التسليح الأمريكي، خصوصًا في مجال القوة الجوية، في ظل السياسة الأمريكية التي تحرص على الحفاظ على التفوق الجوي النوعي للعدو الصهيوني في المنطقة.
سادسًا: ما وراء القلق الهندي من تدريب نسور الحضارة (المصري- الصيني)
سلّطت India Global Review (IGR)، التي تأسست وتُدار من قبل الصحفية بالكي شارما (Palki Sharma)، الضوء على المناورات الجوية الصينية-المصرية “نسور الحضارة”، معتبرةً أن التدريبات تحمل أهمية تتجاوز مجرد كونها تمرينًا عسكريًا روتينيًا، خصوصًا مع مشاركة مقاتلات J-16 الصينية ورافال المصرية.
وأوضحت شارما أن ما يجري فوق الأجواء المصرية ليس حربًا حقيقية، وإنما مواجهة جوية محاكية ضمن تدريب عسكري سنوي يجمع القوات الجوية الصينية والمصرية. ووفق العرض الذي قدمته، بدأت فعاليات التدريب، بمشاركة مقاتلات J-16 من الجانب الصيني ورافال من الجانب المصري، مع تنفيذ سيناريوهات تحاكي ظروف القتال الجوي، بما في ذلك الاشتباكات القريبة والهجمات من خارج مدى الرؤية.
وترى IGR أن أهمية هذه المناورات تكمن أيضًا في كونها تمثل أول ظهور للمقاتلة J-16 في تدريبات جوية مع مقاتلة غربية خارج آسيا، ما يمنح الصين فرصة لاختبار قدراتها في بيئة عملياتية مختلفة والتعامل مع مقاتلة أوروبية متقدمة مثل رافال.
وركز التقرير بشكل خاص على البعد الهندي، نظرًا إلى اعتماد سلاح الجو الهندي على مقاتلات رافال. وأشارت شارما إلى أن الهند تشغل 36 مقاتلة رافال، إلى جانب خطط لاقتناء مقاتلات إضافية للقوات الجوية والبحرية.
وبحسب التقرير، فإن مشاركة رافال المصرية في مواجهة تدريبية مع J-16 قد تمنح الجانب الصيني فرصة لاكتساب خبرة مباشرة في التعامل مع هذا النوع من المقاتلات، بما في ذلك دراسة أساليب القتال الجوي وملاحظة بعض نقاط القوة والضعف المحتملة.
ومع ذلك، شددت شارما على ضرورة عدم التعامل مع نتائج أي مناورة باعتبارها مؤشرًا حاسمًا على نتيجة مواجهة حقيقية، موضحةً أن الطائرات المصرية ليست بالضرورة مطابقة للطائرات الهندية من حيث التسليح والتجهيزات والبرمجيات والتعديلات التشغيلية، فضلًا عن اختلاف مستوى وخبرة الطيارين.
وتتميز J-16 بكونها مقاتلة ثقيلة ثنائية المحرك والمقاعد، صُممت لتنفيذ مهام بعيدة المدى ومتعددة الأدوار، بينما تعتمد على منظومة استشعار وتسليح بعيدة المدى تمنحها قدرة على الاشتباك مع أهداف جوية من مسافات كبيرة.
أما رافال فهي مقاتلة فرنسية متعددة المهام ثنائية المحرك، صُممت لتنفيذ طيف واسع من العمليات، من القتال الجوي والضربات بعيدة المدى إلى تنفيذ مهام من على متن حاملات الطائرات في نسخها البحرية.
ولا تقتصر أهمية المناورات، وفق قراءة IGR، على اختبار المقاتلات داخل المجال الجوي المصري. فقد ركز التقرير على الرحلة التي قطعتها الطائرات الصينية للوصول إلى شمال أفريقيا ” 6 آلاف كيلومتر”، باعتبارها مؤشرًا على تنامي قدرة الصين على بسط نفوذها الجوي خارج محيطها الإقليمي.
ثانيًا: التحليل العسكري والاستراتيجي
من خلال قراءتي، فالقلق الهندي من تدريب “نسور الحضارة” لا يرتبط بالمناورة المصرية الصينية في حد ذاتها، وإنما بما يمكن أن تنتجه هذه المناورة من تراكم في المعرفة التكتيكية الصينية المتعلقة بالتعامل مع مقاتلات رافال. فمشاركة الرافال المصرية في مواجهة تدريبية مع J-16 تتيح للجانب الصيني فرصة التعامل المباشر مع منصة غربية متقدمة، ومراقبة سلوكها في سيناريوهات مختلفة للقتال الجوي، بما في ذلك الاشتباك القريب والقتال من خارج مدى الرؤية.
وبالطبع، لا يعني ذلك أن الصين أصبحت تمتلك “مفاتيح الرافال” الهندية بمجرد تنفيذ تدريب واحد؛ فالنسخ المصرية والهندية تختلف في التجهيزات وأنظمة الحرب الإلكترونية والاتصالات والتسليح والبرمجيات، كما أن نتائج التدريب تتأثر بمستوى الطيارين وقواعد الاشتباك والسيناريو التدريبي. لكن القيمة العسكرية للتدريب تكمن في الخبرة التراكمية؛ فكل احتكاك مباشر مع منصة قتالية أجنبية يمكن أن يضيف إلى معرفة الطرف الآخر بأساليب المناورة والتعامل معها وتطوير التكتيكات المضادة لها.
وتزداد حساسية الأمر بالنسبة للهند لأن الصين تمثل أحد أبرز المنافسين العسكريين والاستراتيجيين لها، في الوقت الذي ترتبط فيه بكين بشراكة دفاعية وثيقة مع باكستان، تشمل التسليح والتدريب والمناورات والتعاون في التكنولوجيا والمعدات العسكرية. ومن هنا، فإن أي خبرة عملياتية أو تكتيكية تراكمها الصين في التعامل مع الرافال قد تتجاوز أهميتها حدود التدريب المصري الصيني، خصوصًا إذا تطورت الشراكة العسكرية الصينية-الباكستانية مستقبلًا إلى حصول باكستان على مقاتلات J-16؛ إذ يمكن عندها أن تصبح الخبرة الصينية المتراكمة في التعامل مع الرافال ذات قيمة غير مباشرة في تطوير القدرات والتكتيكات الباكستانية المضادة لها.
وهنا تظهر النقطة الأكثر أهمية في القلق الهندي: احتمال حصول باكستان مستقبلًا على مقاتلات J-16. فباكستان تشغل بالفعل مقاتلات صينية مثل J-10C وJF-17، وتمتلك خبرة متراكمة في تشغيل منظومات التسليح والاستشعار الصينية. وإذا انتقلت إسلام آباد مستقبلًا إلى تشغيل J-16، فإنها ستحصل على مقاتلة ثقيلة بعيدة المدى ومتعددة المهام، على دراية تشغيلية بمقاتلات الرافال، وهذا يمكن أن تضيف بعدًا جديدًا إلى قدراتها في مواجهة القوة الجوية الهندية.
وفي هذه الحالة، فإن الخبرة التي تراكمها الصين من خلال التدرب مع الرافال يمكن أن تصبح ذات قيمة أكبر بالنسبة إلى باكستان؛ ليس بالضرورة من خلال نقل معلومات تقنية سرية، وإنما عبر التعلم العملياتي والتكتيكي. فالجيوش لا تنقل فقط المعدات، وإنما تنقل معها مفاهيم الاستخدام، وأساليب التدريب، وتقييم أداء الخصم، وطرق تطوير التكتيكات المضادة.
وبالتالي، فإن السيناريو الذي يثير القلق في نيودلهي من وجهة نظري، يمكن اختصاره في سلسلة مترابطة: الصين تتدرب مع الرافال المصرية، وتراكم خبرة في التعامل مع هذه المنصة، ثم تتطور الشراكة العسكرية الصينية الباكستانية مستقبلًا إلى حصول باكستان على J-16، فتجد الهند نفسها أمام مقاتلة صينية ثقيلة تشغلها باكستان، بينما يمتلك الجانب الصيني خبرة متزايدة في دراسة طرق التعامل مع الرافال.
وهنا لا يصبح الأمر مجرد مقارنة بين J-16 ورافال، وإنما يتعلق بتطور البيئة العملياتية التي يمكن أن تواجه فيها الرافال الهندية مستقبلًا. فالقيمة الحقيقية للمقاتلة لا تتحدد بمواصفاتها الفنية منفردة، وإنما بقدرتها على العمل داخل منظومة متكاملة تشمل الرادارات والإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والصواريخ والاتصالات والقيادة والسيطرة. ولذلك فإن أي تطوير في قدرة الخصم على بناء تكتيكات مضادة للرافال يجب أن يؤخذ في الاعتبار حتى لو لم يكن قادرًا على الوصول إلى التفاصيل التقنية الخاصة بالنسخة الهندية.
كما أن انتقال J-16 إلى باكستان، إذا حدث مستقبلًا، سيكون أكثر أهمية من مجرد إضافة مقاتلة جديدة إلى الأسطول الباكستاني؛ لأنه سيمنح باكستان مزيجًا من المقاتلات الصينية المتوسطة والثقيلة، مثل J-10C وJ-16، بما يسمح بتشكيل تشكيلات جوية متعددة الأدوار والقدرات، ويزيد من تعقيد التخطيط الهندي للمعركة الجوية.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الاهتمام الهندي بالرحلة التي قطعتها الطائرات الصينية إلى مصر أيضًا. فالصين لا تختبر فقط أداء J-16 في مواجهة مقاتلة غربية، وإنما تختبر كذلك قدرتها على إسقاط قوة جوية متكاملة لمسافة بعيدة وتشغيلها خارج محيطها الجغرافي المباشر، خصوصًا مع مشاركة طائرات الدعم والإنذار المبكر والتزود بالوقود. وهذه خبرة عملياتية مهمة بالنسبة لقوة جوية تسعى إلى توسيع نطاق انتشارها وحضورها العسكري خارج شرق آسيا.
وبالنسبة لمصر، فإن الأمر يحمل فائدة مقابلة؛ فإدخال الرافال المصرية في تدريب مع J-16 يتيح للقوات الجوية المصرية التعامل مع مدرسة قتالية مختلفة، واختبار مقاتلاتها ضمن سيناريوهات لا توفرها التدريبات التقليدية مع المنصات الغربية فقط. وبالتالي فإن التدريب يمكن أن يخدم مصر في تنويع خبرتها العملياتية، بينما يخدم الصين في توسيع خبرتها في التعامل مع منصات غربية متقدمة.
لذلك، فإن أهمية “نسور الحضارة” لا تكمن في معرفة من تفوق على الآخر في مواجهة تدريبية، ولا ينبغي قراءة نتائج المناورة باعتبارها محاكاة دقيقة لحرب حقيقية؛ وإنما تكمن في الخبرة التي يراكمها كل طرف من الاحتكاك بمنظومة قتالية مختلفة.
أما بالنسبة للهند، فإن مصدر القلق الحقيقي هو أن يتحول هذا التراكم في المعرفة والخبرة الصينية إلى عنصر ضمن شراكة عسكرية صينية-باكستانية أكثر عمقًا، خصوصًا إذا حصلت باكستان مستقبلًا على J-16. وعندها قد تجد الهند نفسها أمام خصم على جبهتين يمتلك منصات صينية متطورة وخبرة متزايدة في تطوير أساليب مواجهة مقاتلاتها الغربية، وفي مقدمتها الرافال.
ومن ثم، فإن المغزى الاستراتيجي الأوسع للتدريب ليس ما يحدث فوق الأجواء المصرية اليوم، وإنما ما يمكن أن ينتج عنه من تراكم للخبرة العسكرية في المستقبل، وكيف يمكن أن تنتقل آثار هذا التراكم من الصين إلى بيئة جنوب آسيا، حيث توجد الرافال الهندية وخصمها الباكستاني في معادلة عسكرية شديدة الحساسية.
سابعًا: ما وراء القلق الإسرائيلي من تدريب نسور الحضارة (المصري- الصيني)
يسعى العدو الإسرائيلي بصورة مستمرة إلى الحفاظ على تفوقه الجوي النوعي في المنطقة، ويحظى في ذلك بدعم أمريكي واضح، فالأمريكي يحرص من جانبه أيضًا على التفوق النوعي الصهيوني الجوي في المنطقة، ولذلك فإن الصهيوني يراقب بحساسية وخوف أي توجه لدى دولة إقليمية نحو تنويع مصادر تسليحها الجوي والبحث عن مقاتلات متقدمة من خارج المنظومة الأمريكية. ومن هذا المنظور، تنظر إسرائيل إلى تدريب “نسور الحضارة، الذي يجرى للعام الثاني على التوالي، بين مصر والصين بقلق وخوف ظاهر، باعتباره من وجهة نظرها أكثر من مجرد تدريب جوي؛ فقد يكون مؤشرًا على توجه مصري متزايد نحو تعميق التعاون العسكري مع الصين، وربما يمثل مقدمة لمحاولات مصرية حثيثة للحصول على مقاتلات صينية متقدمة، وفي مقدمتها J-16، وهو ما قد يثير مخاوف إسرائيلية بشأن مستقبل ميزان القوة الجوية في المنطقة.
ومن منظور الأمن القومي المصري، فإن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة تجعل تنويع مصادر التسليح، ولا سيما في مجال القوة الجوية، مسألة تتجاوز حدود التعاون العسكري والتدريبات المشتركة إلى كونها أحد متطلبات الحفاظ على القدرة الدفاعية والاستقلالية الاستراتيجية. ولذلك، فإن امتلاك مقاتلات صينية متقدمة يمثل خيارًا مهمًا لمصر، خصوصًا في ظل الحاجة إلى عدم الاعتماد بصورة مفرطة على المصدرين الأمريكي والأوروبي للتسليح الجوي، اللذين يعملان على الحفاظ على التفوق الجوي الصهيوني، وعدم السماح للمخاوف أو الضغوط الأمريكية بأن تحدد وحدها خيارات مصر في بناء قدراتها الجوية. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء المحاولات المصرية السابقة للحصول على مقاتلات روسية وصينية متقدمة، والتي واجهت تحفظات وضغوطًا أمريكية حالت دون المضي فيها.
من خلال قراءتي، العالم يشهد تحولات استراتيجية كبرى بعد الحرب الإيرانية-الأمريكية، وما كان مستبعدًا في الماضي قد لا يبقى كذلك في المرحلة المقبلة؛ فالتغير في موازين القوى قد يدفع الدول إلى إعادة النظر في سياسات التسليح والتصدير التي حكمت المرحلة السابقة، وقد تتجه الصين وروسيا لتصدير معدات كانت لا تصدرها في الماضي.
ثامنًا: وزير المياه الإثيوبي يتوعد بإنشاء سدود أخرى على النيل.. عن السدود والحرب الهيدرولوجية
قال وزير المياه الإثيوبي إن تدفقات مياه نهر النيل المتجهة إلى دول المصب (مصر والسودان) ستكون تحت سيطرة إثيوبيا بفضل بناء سد النهضة، ملوّحًا بالمضي قدمًا في إقامة سدود إضافية على مجرى النهر. المياه أمن قومي، وإثيوبيا تستمر في تعنتها. هذا التحدي ليس مجرد إعلان تحدٍّ، بل يمثل إعلان حرب.
التنمية لإثيوبيا جزءٌ من أهداف بناء سد النهضة، ولكن ليس لديَّ أيُّ شكٍّ في أن كل التحركات في ملف المياه وبناء السدود تقف وراءها إسرائيل (العدو الرئيسي لمصر)، للتحكم في ملف يمس الأمن القومي المصري، والضغط على مصر في ملفات أخرى لتقييد حرية الحركة المصرية.
كان تعامل النظام المصري مع قضية سد النهضة شديد السلبية تجاه ملف جوهري لأمن مصر القومي، وهو ما أوصل الوضع إلى ما هو عليه الآن. والعمل العسكري أصبح أمرًا فائت الأوان في التعامل مع سد النهضة، لكن الحل الوحيد، من وجهة نظري، هو أن تفرض مصر نفسها على الساحة الإثيوبية بشتى الطرق لإدارة السد بما يحافظ لمصر على حقوقها المائية، وفي الوقت نفسه تجني إثيوبيا التنمية التي تريدها من بناء السد. وعلى مصر، في الوقت نفسه، إذا رأت أي سد آخر تقوم إثيوبيا ببنائه، أن تقصفه في المهد قبل أن يُشيَّد أو تُحفر فيه سنتيمترًا واحدًا.
التحكم في المياه، الذي عملت وتعمل عليه إثيوبيا بدعم كامل من إسرائيل ، فالمياه هنا لم تعد مجرد مورد طبيعي، بل سلاح سيوظف عند الخلافات بين ومصر وتلك الدول عبر طريقتين أساسيتين:
1- الحرمان التدريجي: عبر تقليص كميات المياه المتدفقة نحو دول المصب، بما يخلق اضطرابات اقتصادية وأمنية عميقة. ويُستخدم هذا الأسلوب كـ«ورقة تفاوض» أو أداة ابتزاز سياسي.
2- الإغراق والتخريب: الإغراق أو التفريغ المفاجئ من خلال فتح بوابات السدود في مواسم الامتلاء أو الفيضان، ما يؤدي إلى موجات مائية قد تتسبب في فيضانات كارثية، وهو ما يُعرف بـ”الحرب الهيدرولوجية”.
بناء السدود بهدف التحكم في المياه المتجهة إلى دول المصب، سواء من خلال الحرمان التدريجي من المياه أو استخدام الإغراق والتخريب، ليس مجرد خلاف سياسي حول إدارة مورد طبيعي، ولا ينبغي ولا كان أن ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد استفزاز يمكن احتواؤه بالمفاوضات والبيانات والاتفاقيات.
عندما تستخدم دولة ما قدرتها على التحكم في مجرى نهر مشترك للضغط على دولة أخرى، وتهديد أمنها المائي والاقتصادي والغذائي، فإننا أمام ممارسة تتجاوز حدود الخلاف السياسي إلى استخدام المياه كأداة من أدوات الصراع. وإذا كان الهدف هو ابتزاز الدولة الأخرى وإجبارها على تقديم تنازلات في ملفات مختلفة، فإن الأمر يصبح أقرب إلى ممارسة فعلية من ممارسات الحرب الهيدرولوجية.
الحرمان التدريجي من المياه يضرب الزراعة والإنتاج الغذائي والاقتصاد، ويخلق أزمات اجتماعية وأمنية متراكمة، بينما يمكن أن يؤدي الإغراق أو التفريغ المفاجئ وغير المنضبط للمياه إلى كوارث واسعة النطاق على رأسها فيضانات تغرق الدول. وفي الحالتين تصبح السدود، عندما تُستخدم بهذه الطريقة، أدوات ضغط استراتيجية قادرة على إلحاق أضرار بالدولة المستهدفة دون الحاجة إلى استخدام السلاح التقليدي بالصورة المعروفة.
ومن هنا، فإن الخطأ الأساسي كان في التعامل مع هذا النوع من التهديد باعتباره استفزازًا سياسيًا وليس فعلًا عدائيًا يستوجب الردع. فالتهديد للأمن المائي لا يقل خطورة عن التهديد للأمن العسكري، لأن المياه بالنسبة إلى دول مثل مصر ليست مجرد مورد اقتصادي، وإنما قضية مرتبطة مباشرة بالأمن القومي ووجود الدولة نفسها.
ولهذا كان ينبغي أن تكون الخيارات العسكرية جزءًا أصيلًا من أدوات التعامل مع هذه الممارسات، لا أن يجري استبعادها مسبقًا لصالح مسار سياسي تفاوضي مفتوح، ثم الوصول في النهاية إلى اتفاقيات قد تفرض على الدولة المتضررة واقعًا جديدًا أو تنتقص من حقوقها المائية.
المشكلة ليست في أن تبني إثيوبيا سدًا بهدف التنمية أو إنتاج الطاقة، وإنما في أن يتحول السد إلى أداة للسيطرة على المياه وابتزاز دول المصب وفرض إرادة سياسية عليها ن قبل أعدائها. وهنا تحديدًا يجب أن يتغير مفهوم التعامل مع القضية: فحين تتحول المياه إلى سلاح، لا يمكن أن يكون الرد سياسيًا فقط.
الدبلوماسية يمكن أن تكون أداة، والمفاوضات يمكن أن تكون أداة، والاتفاقيات يمكن أن تكون أداة، لكن الدولة التي تواجه استخدام المياه كسلاح يجب أن تمتلك في المقابل قدرة ردع حقيقية، بما فيها القدرة العسكرية، حتى لا تتحول المفاوضات إلى وسيلة لإدارة الخطر بدلًا من إزالته.
لقد كان المطلوب هو التعامل مع بناء السدود التي تهدد الأمن المائي باعتبارها جزءًا من صراع استراتيجي، وليس مجرد ملف فني أو دبلوماسي. فالدولة التي تسمح بفرض أمر واقع على مورد يمس وجودها، ثم تحاول معالجة النتائج بالتفاوض، قد تجد نفسها في النهاية أمام واقع لا تستطيع تغييره إلا بتكلفة أكبر بكثير.
بناء سدود للتحكم في المياه عن دول المصب، سواء بالحرمان التدريجي أو الإغراق والتخريب، بهدف الابتزاز السياسي، ليس استفزازًا للدخول في حرب؛ بل هو ممارسة فعلية من ممارسات الحرب الهيدرولوجية، وكان ينبغي التعامل معها منذ البداية بخيارات ردع عسكرية حقيقية، بما فيها الخيارات العسكرية المتقدمة، وليس بممارسات سياسية واتفاقيات تُضيّع الحقوق وتكرّس الأمر الواقع.
أكرر مرة أخرى، كان تعامل النظام المصري مع قضية سد النهضة شديد السلبية تجاه ملف جوهري لأمن مصر القومي، وهو ما أوصل الوضع إلى ما هو عليه الآن. والعمل العسكري أصبح أمرًا فائت الأوان في التعامل مع سد النهضة، لكن الحل الوحيد، من وجهة نظري، هو أن تفرض مصر نفسها على الساحة الإثيوبية بشتى الطرق لإدارة السد بما يحافظ لمصر على حقوقها المائية، وفي الوقت نفسه تجني إثيوبيا التنمية التي تريدها من بناء السد. وعلى مصر، في الوقت نفسه، إذا رأت أي سد آخر تقوم إثيوبيا ببنائه، أن تقصفه في المهد قبل أن يُشيَّد أو تُحفر فيه سنتيمترًا واحدًا.
تاسعًا: عن الاتفاق العسكري الأمني بين أمريكا وإثيوبيا
اتفقت إثيوبيا والولايات المتحدة الأمريكية على الارتقاء بعلاقاتهما في مجالي الدفاع والأمن إلى مستوى جديد من التعاون الاستراتيجي الشامل، وذلك خلال مشاورات ثنائية عقدت في مقر وزارة الحرب الأمريكية. وجاء الاتفاق عقب زيارة وفد إثيوبي رفيع المستوى إلى الولايات المتحدة يومي 19 و20 أغسطس 2026، برئاسة اللواء تيسومه غيميتشو، المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري في وزارة الدفاع الإثيوبية.
تعليقي على اسباب الإتفاق:
إثيوبيا تتحرك لتوفير غطاء استراتيجي أمريكي قبل الدخول في مرحلة جديدة من ملفات المياه والسدود. إن الاتفاق الإثيوبي الأمريكي على الارتقاء بالعلاقات الدفاعية والأمنية إلى مستوى “التعاون الاستراتيجي الشامل” يمثل تطورًا مهمًا، ليس فقط في سياق العلاقات الثنائية، وإنما بالنظر إلى توقيته وطبيعة الملفات التي تتحرك فيها إثيوبيا خلال المرحلة المقبلة. فإثيوبيا، التي نجحت في فرض سد النهضة كأمر واقع، تبدو وكأنها تعمل على بناء مظلة سياسية وأمنية أوسع قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة في إدارة ملف المياه، بما في ذلك التوسع في إنشاء سدود أخرى على النيل وروافده. ومن هذه الزاوية، فإن رفع مستوى التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة يمنح أديس أبابا قدرًا أكبر من الثقة والغطاء السياسي والاستراتيجي في مواجهة أي ضغوط إقليمية محتملة، ولا سيما من مصر والسودان، إذا ما انتقلت إثيوبيا من مرحلة استكمال وتشغيل سد النهضة إلى مرحلة بناء مشروعات مائية إضافية، وهذا ما صرح به وزير المياه الأثيوبي الذي اعلن أن أثيوبيا بسدد إنشاء سدود أخرى على نهر النيل.
واللافت أن الاتفاق لا يقتصر على التعاون العسكري التقليدي، وإنما يتحدث عن تعزيز التنسيق الاستراتيجي، وتوسيع التعاون المؤسسي بين مؤسسات الدفاع، وبناء شراكة طويلة الأمد. وهذا يعني أن واشنطن وأديس أبابا تعملان على تأسيس علاقة أمنية أكثر عمقًا، ستمتد آثارها إلى ملفات القرن الأفريقي والأمن الإقليمي، وليس فقط إلى التعاون العسكري المباشر.
وبالتالي، فإن السؤال المهم بالنسبة لمصر ليس فقط: ماذا تريد إثيوبيا من الولايات المتحدة؟ وإنما أيضًا: لماذا تعمل إثيوبيا الآن على رفع علاقتها الدفاعية مع واشنطن إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية في ذلك التوقيت؟
إثيوبيا تستعد لمرحلة جديدة من مشروعات السدود واستغلال موارد النيل، وبناء علاقة أمنية وسياسية أكثر رسوخًا مع الولايات المتحدة في ذلك التوقيت، من وجهة نظري جزءًا من استراتيجية أوسع لتأمين البيئة الدولية والإقليمية اللازمة لتنفيذ هذه السياسة.
ومن ثم، ينبغي على القاهرة ألا تنظر إلى هذا التطور باعتباره اتفاقًا عسكريًا منفصلًا، بل باعتباره تطورًا في البيئة الاستراتيجية المحيطة بملف النيل؛ خصوصًا أن ذلك تزامن مع الإعلان عن مشروعات مائية إثيوبية جديدة.
من منظور أمني وعسكري “من وجهة نظر إثيوبيا كما تدعي”، تحتاج إثيوبيا إلى تطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها داخليًا وإقليميًا، ولا سيما في ظل استمرار التوترات والصراعات في بعض أقاليمها، وفي مقدمتها إقليم تيغراي، إلى جانب التحديات الأمنية الأوسع في القرن الأفريقي. ومن ثم، فإن الارتقاء بالتعاون الدفاعي والأمني مع واشنطن يمكن أن يوفر لأديس أبابا دعمًا عسكريًا واستخباراتيًا وتدريبًا وتعاونًا مؤسسيًا تحتاج إليه لتعزيز قدراتها على مواجهة هذه التحديات.
لكن أهمية هذا الاتفاق بالنسبة لمصر تتجاوز البعد الأمني المباشر، إلى ما يمكن أن يترتب عليه من آثار على السياسة الإثيوبية تجاه مياه النيل. فبعد أن نجحت إثيوبيا في فرض سد النهضة كأمر واقع، فإن تعزيز شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة سيمنحها شعورًا أكبر بالثقة والقدرة على التحرك في ملف المياه، وسيشجعها للانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على التوسع في إنشاء سدود أخرى على النيل وروافده، مستفيدة من المظلة السياسية والأمنية التي يمكن أن توفرها لها علاقتها المتنامية مع واشنطن.
ومن هنا، فإن التطور لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره اتفاقًا أمريكيًا إثيوبيًا لتطوير التعاون الدفاعي، وإنما ينبغي مراقبة انعكاساته على السلوك الإثيوبي في ملف المياه؛ فالسؤال الأهم بالنسبة لمصر هو ما إذا كانت أديس أبابا ستوظف هذه الشراكة الجديدة لتعزيز أمنها الداخلي فقط، أم ستستخدمها أيضًا كرافعة سياسية واستراتيجية للمضي قدمًا في بناء مشروعات مائية جديدة كما اعلنت، بما يفرض واقعًا أكثر تعقيدًا على دولتي المصب، مصر والسودان
عاشرًا: القوات الأمريكية 45 طائرة استطلاع وهجوم من طراز MQ-9 Reaper
بناءً على ما ذكرته صحيفة واشنطن بوست فقد فقدت القوات الأمريكية 45 طائرة استطلاع وهجوم من طراز MQ-9 Reaper خلال الحرب مع إيران، بما يعادل نحو ربع أسطولها الذي كان يضم قرابة 185 طائرة قبل اندلاع المواجهات في 28 فبراير، وبتكلفة تتجاوز 1.3 مليار دولار، وفق تقديرات تتراوح فيها قيمة الطائرة الواحدة بين 30 و50 مليون دولار بحسب تجهيزاتها.
وإلى جانب خسائر الطائرات، استنزفت الولايات المتحدة مخزونًا مهمًا من صواريخها الهجومية والدفاعية، بما في ذلك صواريخ THAAD وTomahawk، و“باتريوت” (Patriot) وهو ما يكشف حجم الاستنزاف الذي نجحت القوات المسلحة الإيرانية في فرضه على القدرات الأمريكية خلال الحرب.
ومن هذا المنظور، فإن قرار واشنطن وقف العمليات لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تراجع سياسي، بل يمكن النظر إليه بوصفه وقفة عملياتية لإعادة بناء القدرات واستعادة المخزونات وتعويض الخسائر، بالتوازي مع فتح مسار تفاوضي يتيح للولايات المتحدة وقف النزيف العسكري والاستراتيجي وإعادة ترتيب خياراتها قبل استئناف المواجهة أو الانتقال إلى تسوية سياسية.
في هذا الموضوع تناولت وتتبعت عملية الاستنزاف التي طالت قاعدة الصواريخ الامريكية الاستراتيجية خلال الحرب (رابط الموضوع)
الحادي عشر: الصواريخ الإيرانية وتطور قدرات المناورة وإعادة الاستهداف – تحول في معادلة الدفاع الصاروخي
أعلن المتحدث باسم الحرس الإيراني، العميد حسين محبي، في 10 أغسطس 2026، أن الصواريخ الإيرانية باتت تمتلك قدرات متقدمة لتغيير مسارها أثناء الطيران، وتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، بل وإعادة توجيه بعض الصواريخ نحو أهداف أخرى بعد الإطلاق. ووصف محبي هذا التطور بأنه جزء من استراتيجية إيران في “الحرب التكنولوجية”، القائمة على الذكاء الاصطناعي والابتكار العلمي وأنظمة التوجيه المتقدمة.
لا تكمن الأهمية العسكرية الأساسية في الإعلان الإيراني عن امتلاك الصواريخ القدرة على تغيير مسارها أو إعادة استهدافها بحد ذاته، وإنما في الاتجاه الذي يكشفه هذا الإعلان عن تطور العقيدة الصاروخية الإيرانية. فإيران لا تعمل فقط على زيادة مدى الصواريخ أو سرعتها أو دقتها وعددها، وإنما تتجه بصورة متزايدة إلى جعل الصاروخ نفسه أكثر قدرة على التكيف مع بيئة الاعتراض بعد الإطلاق.
وعليه، فإن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للتطور الذي تعلنه إيران تكمن في انتقالها التدريجي من بناء صاروخ أكثر دقة إلى بناء منظومة ضرب أكثر قدرة على المناورة والتكيف مع منظومة الدفاع المعادية. وإذا نجحت طهران في الجمع بين المناورة، والدقة، وتعدد المسارات، والخداع، والقدرة على تحديث المهمة أثناء الطيران، فإن ذلك لن يجعل الدفاعات الأمريكية والإسرائيلية عاجزة عن الاعتراض فقط، لكنه سيجعل عملية الاعتراض أكثر تعقيدًا وكلفة وأقل يقينًا.
وبذلك تصبح المعادلة الجديدة بين إيران وخصومها أقل ارتباطًا بمن يمتلك الصاروخ الأفضل منفردًا، وأكثر ارتباطًا بمن يستطيع إدارة معركة استنزاف طويلة بين منظومة الهجوم ومنظومة الدفاع؛ وهو ما يفسر تركيز إيران المتزايد على تحسين الصواريخ، ليس فقط من حيث السرعة والمدى، وإنما من حيث القدرة على البقاء، والمناورة، والدقة، والعمل ضمن هجوم مركب متعدد الوسائط.
الموضوع كاملًا الذي كتبته عن التطور النوعي في الصنيع الصاروخي الإيراني على الرابط التالي (الصواريخ الإيرانية وتطور قدرات المناورة وإعادة الاستهداف – تحول في معادلة الدفاع الصاروخي)
الثاني عشر: سوريا تعيد تنظيم الوجود الروسي في الساحل:
أعلنت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى مذكرة تفاهم مع روسيا بشأن مستقبل الوجود الروسي في الساحل السوري، بعد نحو عام ونصف من المفاوضات والمباحثات المكثفة بين الجانبين، في خطوة تعيد رسم طبيعة الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس.
وقالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الخارجية السورية لوكالة الأنباء الرسمية “سانا” إن المذكرة تحسم مصير القاعدتين الروسيتين وتحدد ملامح المرحلة المقبلة من العلاقات بين دمشق وموسكو.
وبموجب التفاهم الجديد، ستبدأ عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيدًا لإدخالهما تدريجيًا ضمن منظومة الإدارة المدنية السورية.
من القواعد العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة
أما المنشآت والمواقع ذات الطابع العسكري، فتتضمن المذكرة إعادة صياغة وظيفتها، بحيث تتحول من قواعد عسكرية روسية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة سورية–روسية، وفق ترتيبات جديدة تراعي المصالح المتبادلة بين الطرفين.
وحددت مذكرة التفاهم مهلة زمنية لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية إعادة التنظيم والتحويل، على أن تدخل الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ بعد انتهاء هذه الفترة.
وتكتسب حميميم وطرطوس أهمية استراتيجية كبيرة ضمن منظومة الوجود الروسي في سوريا؛ فمطار حميميم يمثل إحدى أبرز المنشآت الجوية الروسية في المنطقة، بينما يشكل ميناء طرطوس الركيزة الأساسية للحضور البحري الروسي على الساحل السوري.
وبذلك، يضع الاتفاق مستقبل الوجود الروسي في سوريا أمام صيغة جديدة تختلف عن نموذج القواعد العسكرية الذي ساد خلال السنوات الماضية، مع انتقال إدارة المنشآت المدنية إلى الجانب السوري، وإعادة توظيف المنشآت العسكرية ضمن إطار مراكز تدريب مشتركة.
ويمثل الإعلان أيضًا تطورًا مهمًا في واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين دمشق وموسكو، إذ يحدد للمرة الأولى إطارًا معلنًا لإعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، مع الإبقاء على التعاون بين الطرفين، ولكن في صورة مختلفة عن المرحلة السابقة.
القراءة التحليلية
تحمل مذكرة التفاهم من خلال قراءتي، التي ستنفذ خلال ثلاثة أشهر دلالة استراتيجية مهمة جدًا؛ لأن الأمر لا يتعلق فقط بإعادة تنظيم قاعدتي حميميم وطرطوس، بل بإعادة تعريف طبيعة الوجود الروسي في سوريا. ويمكن تلخيص أهم ما فيها في عدة نقاط:
1-انتهاء نموذج القواعد الروسية بصيغته السابقة: تحويل المنشآت العسكرية من قواعد روسية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة يعني، إذا نُفذ الاتفاق كما أُعلن، انتقال الوجود الروسي من نموذج الانتشار العسكري المباشر إلى نموذج أقل ظهورًا وأكثر اعتمادًا على التعاون والتدريب.
2-الاحتفاظ بالوجود الروسي بدلًا من إنهائه: المهم هنا أن دمشق وموسكو لم تتجها إلى القطيعة، وإنما إلى إعادة صياغة الوجود الروسي. وهذا يعني أن روسيا لا تزال حريصة على الاحتفاظ بموطئ قدم في الساحل السوري، وإن كان في صورة مختلفة.
3- حميميم وطرطوس نقاط استراتيجية: لا تكتسب حميميم وطرطوس أهميتهما من كونهما منشأتين عسكريتين روسيتين فحسب، وإنما من موقعهما الجغرافي على الساحل السوري المطل على شرق المتوسط، بما يمنحهما قيمة كبيرة في حسابات الانتشار والنفوذ الروسي في المنطقة. فحميميم توفر لروسيا موقعًا جويًا متقدمًا يتيح لها دعم عملياتها وقدراتها في شرق المتوسط، بينما تمثل طرطوس نقطة ارتكاز بحرية مهمة للحضور الروسي، وتمنح موسكو منفذًا استراتيجيًا على المتوسط.
وتزداد أهمية هاتين النقطتين في ضوء سعي روسيا إلى الحفاظ على انتشارها في المواقع الجغرافية التي تمكنها من منافسة النفوذ الأمريكي والغربي، ولا سيما في المناطق ذات القيمة الجيوسياسية العالية. ومن ثم، فإن موسكو ستكون حريصة، على الأرجح، على عدم فقدان هذا الموقع الاستراتيجي في شرق المتوسط، حتى وإن اضطرت إلى تغيير طبيعة وجودها العسكري وصيغته القانونية والسياسية. وبالتالي، فإن إعادة تنظيم حميميم وطرطوس لا تعني بالضرورة تراجع الأهمية الاستراتيجية للوجود الروسي، بل قد تمثل إعادة صياغة للوجود بما يسمح لموسكو بالحفاظ على موطئ قدمها في شرق المتوسط، مع تقليل الكلفة السياسية المرتبطة ببقاء قواعد عسكرية روسية بصيغتها السابقة.
4- حول مفهوم التسمية من الناحية العسكرية: إن تحويل القواعد إلى «مراكز تدريب وتأهيل مشتركة» لا يعني بالضرورة انتهاء الاستخدام العسكري الروسي للموقعين، ولا يعني تلقائيًا أن روسيا فقدت قدرتها على الاستفادة منهما عسكريًا؛ فالتغيير في التسمية القانونية أو الوظيفية للمنشأة لا يساوي بالضرورة تغييرًا مماثلًا في وظيفتها الاستراتيجية. فمراكز التدريب المشتركة تعني استمرار وجود عسكري روسي وسوري داخل هذه المواقع، وإن اختلفت طبيعة الأدوار والمهام ومستويات الانتشار.
وعليه، فإن القراءة العسكرية للتفاهم لا ينبغي أن تتوقف عند مسمى «مراكز تدريب مشتركة»، وإنما يجب أن تنصرف إلى ما وراء التسمية: طبيعة الوحدات والقوات الروسية التي ستبقى، وحجمها وتسليحها، ونوعية المعدات والأنظمة الموجودة، وقدرتها على استقبال أو تشغيل وسائل عسكرية متقدمة، فضلًا عن حرية الحركة والدخول والخروج، وحقوق استخدام المدارج والمنشآت والميناء، ونطاق الصلاحيات التشغيلية التي ستحتفظ بها موسكو.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين إلغاء القاعدة عسكريًا وإعادة توصيفها سياسيًا وقانونيًا؛ فقد تتحول القاعدة من منشأة روسية خالصة إلى منشأة مشتركة، دون أن يعني ذلك بالضرورة زوال الوظائف التي كانت تؤديها روسيا من خلالها. بل إن هذا النموذج قد يمنح موسكو صيغة أكثر مرونة لاستمرار وجودها، ويتيح لدمشق في المقابل استعادة قدر أكبر من المظهر السيادي على هذه المنشآت.
لذلك، فإن المؤشر الحقيقي على حجم التغيير الروسي لن يكون في اسم المنشأة، وإنما في القدرة العسكرية الفعلية التي ستبقى لروسيا داخلها؛ فإذا بقيت القوات والمعدات وحقوق الاستخدام والقدرة على الحركة والتشغيل، فإننا نكون أمام إعادة صياغة للوجود الروسي أكثر من كوننا أمام إنهائه. أما إذا اقترنت إعادة التسمية بتقليص جوهري للقوات والمعدات والصلاحيات والقدرة على الاستخدام العسكري المستقل، فهنا فقط يمكن الحديث عن تراجع حقيقي في طبيعة الوجود الروسي.
5-بالنسبة إلى سوريا: الاتفاق يمنح دمشق، على المستوى السياسي، مظهرًا أكبر من السيادة على منشآت كانت تمثل رمزًا للوجود العسكري الروسي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقة مع موسكو وعدم الذهاب إلى مواجهة معها.
6-بالنسبة إلى روسيا: يبدو الأمر أقرب إلى إعادة تموضع منه إلى انسحاب؛ أي الحفاظ على المصالح الاستراتيجية بأقل تكلفة سياسية وعسكرية ممكنة، خصوصًا في ظل التحولات الكبيرة التي شهدتها سوريا والمنطقة.
7-إعادة تعريف الوجود الروسي قد تكون أهم من تقليصه: فإذا احتفظت روسيا بعناصر عسكرية، أو بقدرات لوجستية، أو بحقوق تشغيلية داخل هذه المنشآت، فإن تغيير وصفها من «قواعد» إلى «مراكز تدريب مشتركة» سيكون في الأساس إعادة صياغة للوجود الروسي، وليس إنهاءً له. ولذلك فإن الحكم على حجم التراجع الروسي يجب ألا يستند إلى المسمى القانوني للمنشآت وحده، وإنما إلى ما سيبقى لموسكو من قدرات وصلاحيات فعلية على الأرض.
8-أما بالنسبة إلى موقع سوريا، فإن التفاهم يعكس محاولة دمشق إعادة ضبط علاقتها بموسكو من موقع أكثر استقلالًا، دون القطيعة مع أحد أهم الشركاء العسكريين الذين ارتبطوا بسوريا خلال المرحلة السابقة والمنافس للنفوذ الامريكي على الساحة الدولية. وهذا يعني أن سوريا تحاول، في المرحلة الجديدة، إدارة علاقاتها الدولية بطريقة تمنحها مساحة أكبر للمناورة بدل الارتهان الكامل لأي قوة خارجية.
أخيرًا: من قراءة تلك المذكرة، يُلاحظ أن الوجود الروسي في سوريا سيبقى، مع تغيير صيغته القانونية والسياسية التي يُدار بها هذا الوجود، وستتضح معالم ذلك التواجد أكثر بحجم وطبيعة القوات الروسية التي ستبقى في سوريا. وأخيرًا، فإن الخيار الاستراتيجي لسوريا الجديدة هو فتح علاقات مع الجميع بلا استثناء، وعدم الرهان على الأمريكي فقط؛ ففتح علاقات متوازنة استراتيجية عميقة مع روسيا وكذلك الصين “المنافسان للنفوذ الأمريكي ومخططاته وأساليب هيمنته” أمر ضروري لسوريا الجديدة، وسيعمل على تحقيق التوازن وعدم انجرار النظام السوري إلى الفلك الأمريكي. فالولايات المتحدة لديها هدف استراتيجي تتحرك من خلاله في المنطقة العربية، وهو تحقيق نظرية الأمن الإسرائيلي والعمل على ضمان تفوق إسرائيل على محيطها. فالولايات المتحدة تمنح وتمنع طبقًا لما تراه ضروريًا لتحقيق هيمنتها في المنطقة، وتحقيق نظرية الأمن الإسرائيلية فيها.
ومن هنا، فإن التوازن في علاقات سوريا الخارجية لا يعني بالضرورة الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة، وإنما يعني امتلاك هامش مستقل لصناعة القرار وعدم تحويل العلاقة مع واشنطن إلى مصدر وحيد للشرعية أو الدعم أو الخيارات الاستراتيجية. فكلما امتلكت دمشق بدائل في علاقاتها الدولية، ازدادت قدرتها على التفاوض والمناورة، وانخفضت احتمالات تحولها إلى طرف تابع ضمن ترتيبات إقليمية تُصاغ وفق أولويات القوى الأخرى
الثالث عشر : تركيا تدخل قلب تكنولوجيا الحرب الحديثة.. أسيلسان تطور كواشف الأشعة تحت الحمراء:
كشفت شركة «أسيلسان» التركية عن عائلة من كواشف الأشعة تحت الحمراء طورتها للاستخدام في الصناعات الدفاعية، لتصبح تركيا من الدول القليلة المنتجة في هذا المجال. وأوضحت الشركة، في تدوينة على منصة «إن سوسيال»، تفاصيل تقنيات الكواشف التي طورتها للأنظمة الاستراتيجية.
ووفقًا للمعلومات الواردة في الفيديو المرفق بالتدوينة، صُممت الكواشف بتكوينات مختلفة لتلبية الاحتياجات العملياتية المتنوعة، وأظهرت اللقطات استخدامها في عدد من الأنظمة المحلية، من بينها نظام المراقبة «يامغوز 200» المدمج في دبابة القتال الرئيسية «ألتاي»، ونظام «تويغون» المستخدم في الطائرة المسيّرة القتالية «بيرقدار قزل ألما».
وتضم المنظومة عائلة من كواشف الأشعة تحت الحمراء المبرّدة وغير المبرّدة، بما يعزز قدرات المنصات التركية على الرؤية الليلية والعمل في الظروف الجوية السيئة، ويرفع كفاءة اكتشاف الأهداف. كما يمكن استخدام هذه الكواشف في أنظمة الاستطلاع والمراقبة، ورؤوس توجيه الصواريخ، وأنظمة الاستهداف، والطائرات المسيّرة، والأنظمة الكهروبصرية للمقاتلة التركية «قآن».
من تصنيع السلاح إلى تصنيع التكنولوجيا
الأهمية الحقيقية لهذا التطور لا تكمن في الكاشف باعتباره مكونًا إلكترونيًا جديدًا فحسب، وإنما في اتجاه تركيا إلى تصنيع التقنيات والمكونات التي تمثل قلبًا حقيقيًا للمنظومات العسكرية الحديثة.
فالحروب الحديثة لا تُحسم بالمنصة وحدها، وإنما بقدرتها على اكتشاف الهدف ورصده وتعقبه وتحديده في مختلف ظروف القتال. ومن هنا تأتي أهمية كواشف الأشعة تحت الحمراء، التي تمنح المنصات القدرة على العمل ليلًا وفي ظروف الغبار والدخان والضباب.
والأهم أن تركيا لا تطور هذه التكنولوجيا لاستخدامها في نظام واحد، وإنما تضعها في خدمة مجموعة واسعة من المنظومات، من الدبابات والطائرات المسيّرة إلى الصواريخ والمقاتلات. وهذا يعني أن أنقرة تتحرك باتجاه بناء قاعدة تكنولوجية عسكرية متكاملة، بدل الاكتفاء بإنتاج المنصات نفسها.
وهنا تكمن دلالة التطور التركي: تركيا لم تعد تهتم فقط بصناعة السلاح، وإنما بصناعة المكونات التي تجعل السلاح قادرًا على خوض حروب المستقبل. فامتلاك المستشعرات وأنظمة الرصد والتوجيه يعني امتلاك جزء من التكنولوجيا التي تحدد فعالية السلاح في ميدان القتال.
وإذا استمرت تركيا في هذا المسار، فإنها لن تكون مجرد دولة منتجة لمنصات عسكرية متقدمة، وإنما دولة تسعى إلى امتلاك التكنولوجيا الحساسة الموجودة داخل تلك المنصات، وهو تحول أكثر أهمية من مجرد زيادة عدد الأسلحة المنتجة.
إن تطوير كواشف الأشعة تحت الحمراء يمثل، في هذا السياق، حلقة جديدة في انتقال الصناعة الدفاعية التركية من تصنيع المنصات إلى امتلاك التكنولوجيا الاستراتيجية للحرب الحديثة.
الرابع عشر: الصين تنتقل من تصدير السلاح إلى تصدير منظومات التفوق الجوي والدفاع الصاروخي المتكاملة:
تتجه الصين إلى ترسيخ مكانتها كمورّد لحزم دفاعية متكاملة، لا تقتصر على بيع منصة عسكرية منفردة، بل تشمل شبكة مترابطة من المقاتلات الشبحية، وطائرات الإنذار المبكر، وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي بعيدة المدى، ومنظومات القيادة والسيطرة. ويبرز هذا التوجه بوضوح في التعاون العسكري المتنامي مع باكستان.
وبحسب تقارير متخصصة، وقّعت بكين وإسلام آباد اتفاقًا دفاعيًا تُقدَّر قيمته بنحو 12 مليار دولار، يتضمن تزويد القوات الجوية الباكستانية بـ40 مقاتلة شبحية من طراز J-35A، إضافة إلى ست طائرات للإنذار المبكر والسيطرة الجوية، من بينها طائرات KJ-500، إلى جانب نشر عدد من منظومات الدفاع الصاروخي بعيدة المدى HQ-19.
ولا تمثل هذه الصفقة مجرد تعزيز لأسطول سلاح الجو الباكستاني، بل تعكس انتقال الصين إلى تقديم منظومة متكاملة للتفوق الجوي والدفاع الصاروخي، تجمع بين القدرة على كشف الأهداف، وإدارة المعركة الجوية، والسيطرة على المجال الجوي، والدفاع ضد الصواريخ الباليستية والتهديدات فرط الصوتية.
وتُعد المقاتلة الشبحية J-35A حجر الأساس في هذه المنظومة، إذ تمنح القوات الجوية قدرة أكبر على تنفيذ عمليات الاختراق العميق والاشتباك خارج مدى الرؤية (BVR)، مستفيدة من رادار مصفوفة المسح الإلكتروني النشط (AESA) وصواريخ PL-15 بعيدة المدى، وهو ما يجعلها منافسًا جادًا للعديد من المقاتلات الغربية في سيناريوهات القتال الجوي الحديثة.
وفي المقابل، تؤدي طائرات KJ-500 دورًا محوريًا في مضاعفة الكفاءة العملياتية، من خلال توفير صورة جوية متكاملة، وإدارة عمليات القيادة والسيطرة، وتوجيه المقاتلات، واعتراض التهديدات في مراحل مبكرة، بما يعزز التكامل والتنسيق بين مختلف مكونات القوة الجوية.
أما منظومة HQ-19، فتمثل الطبقة العليا من شبكة الدفاع الصاروخي الصينية، إذ صُممت لاعتراض الصواريخ الباليستية في المراحل النهائية من مسارها، بما في ذلك الأهداف التي تحلق خارج الغلاف الجوي أو على ارتفاعات شاهقة، مع قدرة معلنة على التعامل مع بعض التهديدات الحديثة، مثل المركبات الانزلاقية فرط الصوتية.
ولا يُقاس أداء HQ-19 بمدى الصاروخ التقليدي، بل بمنطقة الاعتراض التي تغطيها المنظومة؛ إذ تشير تقديرات غربية إلى أنها تستطيع التعامل مع تهديدات تقع ضمن نطاق يتراوح بين 1000 و3000 كيلومتر من حيث تغطية مسار الصواريخ، وعلى ارتفاعات قد تتجاوز 200 كيلومتر، ما يجعلها تُقارن في دورها العملياتي بمنظومة THAAD الأمريكية، رغم استمرار الجدل حول مستوى فعاليتها الفعلية في مواجهة بعض التهديدات الأكثر تطورًا.
في قراءة المدلول العسكري
تعكس هذه التطورات تحولًا واضحًا في الاستراتيجية الصينية، من تصدير الأسلحة والمنصات العسكرية بصورة منفردة إلى تصدير منظومات قتالية متكاملة تضم المقاتلات الشبحية، وطائرات الإنذار المبكر، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة القيادة والسيطرة ضمن حزمة عملياتية واحدة، بما يوفر للمشتري قدرة قتالية متكاملة بدلاً من امتلاك معدات منفصلة تحتاج إلى سنوات طويلة لتحقيق التكامل بينها.
وإذا نجح هذا النموذج في باكستان، فمن المرجح أن يصبح أساسًا لصفقات دفاعية صينية مماثلة مع دول أخرى. وفي هذا السياق، يصبح من المهم أن تدرس مصر بجدية إمكانية إبرام صفقات استراتيجية مماثلة مع الصين، بما يحقق تنويعًا حقيقيًا لمصادر التسليح، ويعزز قدراتها القتالية بعيدًا عن القيود السياسية التي فرضتها الإدارات الأمريكية على بعض صفقات التسليح المصرية في السابق، ومن بينها صفقة مقاتلات سوخوي الروسية، فضلًا عن توقيف مصر صفقة لحصول القاهرة على مقاتلات شبحية متقدمة من الصين بسبب الامتناع الأمريكي.
كما أن التحولات التي كشفت عنها الحرب الأمريكية-الإيرانية، وما أظهرته من تحديات تواجه المظلة الدفاعية الأمريكية في التعامل مع حروب الاستنزاف والتهديدات الصاروخية والجوية المركبة، يجب أن تدفع العديد من دول منطقة الخليج إلى إعادة تقييم خياراتها الدفاعية، والبحث عن منظومات متكاملة توفر قدرًا أكبر من الاستقلالية والجاهزية العملياتية، وأن تفكر في عدم الارتهان إلى المظلة الدفاعية الأمريكية، والبحث عن بدائل أخرى، وهو ما يمنح النموذج الصيني فرصة متزايدة للحضور في أسواق التسليح الإقليمية خلال السنوات المقبلة.
الخامس عشر: العدو الصهيوني ورهان الذكاء الاصطناعي: نحو مقاتلة شبحية بلا طيار:
يسعى العدو الصهيوني إلى تطوير مفهوم لمقاتلة مستوحاة من إف-35، تجمع بين الذكاء الاصطناعي وأنظمة الاستشعار المتقدمة وقدرات الضربات الدقيقة، مع الاستغناء بالكامل عن الطيار البشري. ويدرس العدو الصهيوني إمكانية إدخال مقاتلة جديدة إلى الخدمة مستوحاة من إف-35، لكن مع إزالة أحد أهم عناصرها: الطيار.
ويأتي ذلك بناءً على ما كشفته تقارير حيث قال مسؤول صهيوني، وفقًا لما أوردته تلك التقارير، إن هذه الخطوة تهدف إلى توسيع الإنتاج الدفاعي المحلي وتقليل اعتماد إسرائيل على المساعدات العسكرية الأجنبية.
ومن المقرر أن تجمع الطائرة المقترحة بين أنظمة استشعار متطورة وقدرات توجيه ضربات دقيقة، فيما سيتولى الذكاء الاصطناعي مهام اتخاذ القرار على متنها.
كما يُتوقع أن تتكامل مع تقنيات الحرب الشبكية، بما يتيح لها العمل كـ”جناح وفيّ” غير مأهول إلى جانب المقاتلات التقليدية المأهولة.
ووفقًا للتقارير، يمكن لهذه المقاتلة ذاتية التشغيل أن تعيد تشكيل مستقبل الحرب الجوية، من خلال تمكين القادة العسكريين من تنفيذ المهام عالية الخطورة دون تعريض حياة الطيارين للخطر.
وأشار المسؤول الصهيوني إلى أن المناقشات لا تزال في مراحلها الأولى، مضيفًا أن التعاون الدولي قد يسهم في بلورة وتطوير هذا المشروع.
وطورت شركة لوكهيد مارتن مقاتلة إف-35 بتصميم شبحي منخفض البصمة الرادارية، ما يسمح لها بالعمل داخل الأجواء المعادية مع تقليل احتمالات اكتشافها.
وتضم المقاتلة منظومة استشعار متقدمة قادرة على جمع بيانات ساحة المعركة ومعالجتها ومشاركتها من مصادر متعددة، ما يمنح الطيارين وعيًا ميدانيًا عاليًا.
وقد تشكل هذه القدرات الشبحية وأنظمة الاستشعار أساسًا للمقاتلة الإسرائيلية المستقبلية غير المأهولة، التي قد تجمع بين انخفاض البصمة الرادارية، وإمكانات استخباراتية متقدمة، وقدرات تشغيل ذاتية.
وتشغل إسرائيل حاليًا 48 مقاتلة إف-35، بعدما طلبت في البداية 50 طائرة. وفي عام 2024، أبرمت طلبية إضافية لشراء 50 مقاتلة أخرى، على أن تبدأ عمليات التسليم الأولى بحلول عام 2031.
وقال وزير دفاع العدو الصهيوني يسرائيل كاتس، إن المقاتلة لعبت دورًا محوريًا خلال الحرب الأخيرة مع إيران، مؤكدًا أنها “أثبتت مرة أخرى قوة سلاح الجو الإسرائيلي ودوره الحاسم في حماية إسرائيل”.
وتندرج المقاتلة المقترحة ضمن استراتيجية إسرائيل الأوسع لإحلال المعدات العسكرية الأمريكية تدريجيًا بمنظومات وتقنيات وأبحاث محلية الصنع خلال العقد المقبل.
ويرى المسؤولون الصهاينة أن هذه الخطوة قد تمنح إسرائيل مرونة تشغيلية أكبر، بغض النظر عن المتغيرات الجيوسياسية أو القيود المحتملة على صادرات السلاح.
وبالمقارنة مع المقاتلات التكتيكية الحالية لدى إسرائيل، فإن الطائرة الجديدة ستُصمم خصيصًا لتنفيذ المهام عالية الخطورة، مع الجمع بين الخصائص الشبحية، وأنظمة إدارة المعركة المتقدمة، وقدرات التشغيل الذاتي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
بقراءة استراتيجية العدو الصهيوني، فإنه يسعى باستمرار إلى تطوير منظومته الجوية؛ لأنها تُعد أهم قوة داخل الجيش الإسرائيلي، ويعتمد عليها بالأساس في حروبه، كما يعمل على ضمان التفوق الجوي على جميع دول المنطقة، ليحافظ على الأفضلية الجوية بصورة دائمة. وقد كشفت حروب العدو الصهيوني في المواجهات المباشرة عن ثغرة كانت، ولا تزال، مستمرة نتيجة عدة عوامل، يأتي في مقدمتها طبيعة الجندي الصهيوني الذي يتجنب القتال المباشر. لذلك، تعمل إسرائيل على امتلاك المعدات والأدوات التي تحقق لها التفوق وتُمكنها من القتال عن بُعد، والآن، وللحفاظ على العنصر البشري، تعمل على إنشاء هذا النموذج، حفاظًا على الطيارين، معتمدة بصورة أكبر على الذكاء الاصطناعي.
ويجب على دول منطقة الشرق الأوسط أن تدخل في سباق جاد مع إسرائيل في مجال الصناعات الجوية وامتلاك طائرات شبحية مماثلة، لتحقيق حالة من توازن الردع معها. وقد دخلت تركيا على هذا الخط، وقرأت ما يجري من سباق تسلح في المنطقة بصورة صحيحة، لذلك تتقدم في مشروع مقاتلتها الشبحية “قآن” (KAAN)، إلى جانب الطائرة المسيّرة النفاثة “قزل إلما” (Kızılelma).
فالعدو الصهيوني يسعى دائمًا إلى ضمان التفوق الجوي، وعليه فإن دول المنطقة يجب أن تدخل في سباق شرس معه في هذا الفرع، سواء من خلال برامج تطوير محلية، أو برامج مشتركة محلية–خارجية، أو عبر عقد صفقات لاقتناء مقاتلات شبحية من دول مثل روسيا أو الصين، بما في ذلك مقاتلات سو-57 الروسية أو J-10CE الصينية، وفقًا لاحتياجات كل دولة ومتطلباتها العملياتية.
السادس عشر: التدريبات العسكرية:
في إطار خطة التدريبات لتشكيلات ووحدات القوات المسلحة المصرية، نفذت خلال شهر أغسطس 2026 عدد من التشكيلات مشروع حرب متكامل لمراكز القيادة الاستراتيجي التعبوي، استمر على مدار عدة أيام بنطاق الجيش الثاني الميداني (بحضور الفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع ، والفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة الأفرع الرئيسية وعدد من قادة القوات المسلحة.
وتُعد مشروعات مراكز القيادة الاستراتيجية والتعبوية من التدريبات الدورية والاعتيادية داخل القوات المسلحة المصرية، وتُنفذ بصورة منتظمة ضمن خطط التدريب السنوية، سواء على مستوى الجيشين الثاني والثالث الميدانيين، أو المناطق العسكرية الأربع: المركزية والشمالية والغربية والجنوبية، فضلًا عن التدريبات التي تنفذها الهيئات والإدارات والتشكيلات المختلفة بصورة مستقلة.
ولا ينبغي، من ثم، قراءة تنفيذ هذا المشروع باعتباره استجابة مباشرة للتطورات العسكرية والسياسية الراهنة في الإقليم، إذ إن هذا النوع من التدريبات يأتي في إطار دورة تدريبية مؤسسية مستمرة تستهدف الحفاظ على الجاهزية القتالية، ورفع كفاءة مراكز القيادة والسيطرة، وتقييم قدرة القيادات والتشكيلات على التخطيط وإدارة العمليات في ظل ظروف وسيناريوهات مختلفة.
وتكتسب هذه المشاريع أهميتها من كونها لا تقتصر على اختبار القدرات القتالية للوحدات في الميدان، وإنما تركز بصورة أساسية على كفاءة منظومة القيادة والسيطرة وإدارة العمليات، ومدى قدرة المستويات المختلفة على اتخاذ القرار والتنسيق بين التشكيلات والأفرع والوحدات في إطار سيناريو عملياتي متكامل.
كما أن اختلاف أسماء هذه المشاريع أو عدم الإعلان عنها أحيانًا تحت مسمى محدد لا يعني بالضرورة اختلاف طبيعتها أو أهدافها الأساسية؛ إذ تظل جزءًا من منظومة تدريبية متدرجة تهدف إلى اختبار جاهزية القوات، واكتشاف أوجه القصور، ورفع كفاءة الأداء، والاستعداد لمختلف التهديدات والسيناريوهات المحتملة.
وعليه، فإن الدلالة الأهم للمشروع الحالي لا تكمن في توقيته بقدر ما تكمن في طبيعته التدريبية؛ فهو يعكس استمرار القوات المسلحة المصرية في تنفيذ برامجها التدريبية السنوية المخططة، وعدم ربط عملية بناء الجاهزية العسكرية بالتطورات الظرفية وحدها. وفي الوقت نفسه، فإن إجراء هذا النوع من المشاريع في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب يمنحها أهمية إضافية، باعتبارها توفر للقوات فرصة لاختبار كفاءة منظومة القيادة والسيطرة وإدارة العمليات في مواجهة سيناريوهات تتسم بدرجات أعلى من التعقيد، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المشروع أُجري بسبب تطور إقليمي بعينه.
السابع عشر: القوات المسلحة المصرية تستعرض إمكانات جامعة «كيان».. 6 كليات ومنظومة تعليمية تعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
في خطوة غير مسبوقة وتعد السابقة الأولى من نوعها للجيش المصري، نشر الموقع الرسمي لوزارة الدفاع والإنتاج الحربي فيديو، من إنتاج إدارة الشئون المعنوية للقوات المسلحة، استعرضت خلاله الإمكانات التعليمية والتكنولوجية والطبية المتطورة بجامعة “كيان” بالقوات المسلحة، والتي تضم 6 كليات في التخصصات الطبية والهندسية والتكنولوجية، والتي تم إنشاؤها في إطار توجيهات القيادة السياسية بإنشاء جامعة بتخصصات مدنية تتبع الجيش المصري.
وأكدت القوات المسلحة، أن إنشاء الجامعة يأتي حرصًا من القوات المسلحة على مواكبة التطور العلمي المتلاحق، من خلال تقديم تجربة تعليمية تجمع بين الدراسة الأكاديمية والتكنولوجيا الحديثة والتطبيق العملي، بما يفتح أمام الطلاب آفاقًا واسعة للتخصص والتميز، ويؤهل خريجين قادرين على المنافسة محليًا ودوليًا.
وأعلنت وزارة الدفاع المصرية، أن جامعة «كيان» تضم بالقوات المسلحة 6 كليات، هي: كلية الطب البشري، وكلية الصيدلة، وكلية العلاج الطبيعي، وكلية طب الفم والأسنان، وكلية الهندسة، وكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي.
وأوضحت القوات المسلحة أن الجامعة تضم منشآت تعليمية وطبية وهندسية مجهزة بأحدث الإمكانات، إلى جانب منشآت إدارية متكاملة وأماكن إقامة متميزة للدارسين، فضلًا عن ملاعب لمختلف الألعاب الرياضية وحمامات سباحة أولمبية، بما يوفر بيئة جامعية متكاملة تهتم بالجوانب الأكاديمية والبدنية والثقافية للطلاب.
وأكد جودة إسماعيل محمد، عميد كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي بجامعة كيان بالقوات المسلحة، أن الكلية تتيح 5 برامج أكاديمية، وتتواكب مع المعايير الدولية، بما يعطي قدرة للخريج على المنافسة بسوق العمل، مشيرًا إلى أن الكلية تضم معامل متطورة للربط بين المفاهيم النظرية، والتطبيقات العملية.
وفي إطار ربط الدراسة النظرية بالتطبيق العملي، تضم الجامعة مركزًا متكاملًا للمحاكاة الطبية وصفته القوات المسلحة بأنه «الأول من نوعه في الشرق الأوسط»، بالإضافة إلى مستشفى جامعي مجهز على أحدث مستوى، ومركز للتأهيل والعلاج الطبيعي مزود بإمكانات وتقنيات متطورة.
وأشارت إلى أن تلك المنشآت تستهدف إتاحة التدريب العملي للطلاب منذ مراحل الدراسة الجامعية، بما يسمح لهم بتطبيق المفاهيم العلمية والنظرية في بيئة تعليمية تحاكي الممارسة المهنية الفعلية.
رؤية تحليلية: تداخل الأدوار بين المؤسسة العسكرية والقطاع المدني… لماذا يضر بالكفاءة العسكرية؟
أعلنت القوات المسلحة المصرية إطلاق “جامعة كيان” كأول جامعة مدنية تعمل تحت مظلتها، على أن تبدأ الدراسة بها اعتبارًا من أكتوبر 2026، وتضم كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي والهندسة والحاسبات والذكاء الاصطناعي.
تقوم الجيوش الحديثة على مبدأ واضح يتمثل في التخصص. فالمؤسسة العسكرية أُنشئت أساسًا لحماية الدولة والدفاع عن أمنها القومي، وإعداد القوات المسلحة وتأهيلها لخوض الحروب وإدارة الأزمات العسكرية. ولهذا تُوجَّه مواردها البشرية والمالية والتنظيمية نحو تحقيق هذا الهدف الرئيسي، باعتباره المهمة التي لا تستطيع أي مؤسسة أخرى القيام بها.
ومن هذا المنطلق، ليس من الدور الطبيعي للجيوش إنشاء جامعات مدنية أو إدارة منظومات تعليمية لا ترتبط بإعداد الكوادر العسكرية. فالتعليم المدني، وإنشاء الجامعات، وإعداد الأطباء والمهندسين والمعلمين وسائر التخصصات المدنية، هي مسؤولية مؤسسات الدولة المدنية المختصة، التي تمتلك الخبرات والأطر الأكاديمية اللازمة للقيام بهذه المهمة.
أما المؤسسة العسكرية، فمن الطبيعي أن تمتلك كلياتها وأكاديمياتها العسكرية التي تُعِد الضباط والمتخصصين العسكريين، لأن ذلك يرتبط مباشرة بمهمتها الأساسية. لكن التوسع خارج هذا الإطار يفتح الباب أمام تداخل الاختصاصات بين المؤسسات، وهو ما يضعف مبدأ التخصص الذي تقوم عليه الإدارة الحديثة للدول.
ولا يتعلق الأمر بقدرة المؤسسة العسكرية على إدارة هذه المشروعات من عدمها، وإنما بتحديد الأولويات. فكل ساعة عمل، وكل جهد إداري، وكل موارد تُوجَّه إلى مجالات مدنية، هي موارد لا تُوجَّه إلى تطوير التدريب العسكري، أو تحديث العقيدة القتالية، أو رفع الجاهزية، أو تطوير منظومات التسليح والقيادة والسيطرة.
وتؤكد تجارب العديد من الدول أن الجيوش الأكثر احترافية هي التي تحافظ على تركيزها الكامل في المجال العسكري، بينما تتولى المؤسسات المدنية إدارة القطاعات الاقتصادية والتعليمية والخدمية. فكل مؤسسة تحقق أعلى مستويات الكفاءة عندما تعمل داخل نطاق اختصاصها، لا عندما تتوسع في مجالات الآخرين.
كما أن الفصل الواضح بين الاختصاصات يعزز من كفاءة مؤسسات الدولة جميعًا. فالجامعات المدنية تتطور عندما تنافسها جامعات مدنية أخرى، والمؤسسة العسكرية تتطور عندما تركز على رفع كفاءتها القتالية، وليس عندما تتحمل أعباء إضافية لا ترتبط مباشرة بوظيفتها الأساسية.
ولهذا، فإن القضية ليست رفضًا لدور المؤسسة العسكرية أو التقليل من قدراتها، بل هي دعوة إلى الحفاظ على احترافيتها وتركيزها على رسالتها الأصلية. فكلما اتسعت مهام أي مؤسسة خارج اختصاصها، زادت احتمالات تشتت جهودها، بينما يبقى التخصص هو الطريق الأقصر إلى بناء جيش أكثر كفاءة، ودولة أكثر قوة، ومؤسسات أكثر فاعلية.
وحتى إذا كان التوسع في الأنشطة المدنية أو إنشاء الجامعات يتم بدافع تحقيق عائد اقتصادي، فإن ذلك لا يغير من جوهر الإشكالية. فالمؤسسة العسكرية، إذا أرادت تعظيم مواردها، فمن الطبيعي أن يكون ذلك من خلال الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية والخدمات المرتبطة باختصاصها، لا عبر التوسع في قطاعات الاقتصاد المدني التي هي من اختصاص القطاعين العام والخاص. فكما أن الجيوش يُفترض أن تبتعد عن العمل السياسي لأنه ليس من مهامها، فإن ابتعادها عن المنافسة في المجالات الاقتصادية والتعليمية المدنية ينسجم مع المبدأ نفسه، وهو الالتزام بحدود الاختصاص. إن احترافية القوات المسلحة تتحقق عندما تركز على رسالتها الأساسية في الدفاع عن الدولة، بينما تتولى المؤسسات المدنية إدارة السياسة والاقتصاد والتعليم، بما يعزز كفاءة كل مؤسسة ويمنع تداخل الأدوار الذي قد ينعكس سلبًا على أداء الجميع.
الثامن عشر : وزير الدفاع ورئيس الأركان للجيش المصري يلتقيان رئيس هيئة الأركان العامة للجيوش الفرنسية
التقى الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع خلال شهر أغسطس 2026م، بالفريق أول فابيان ماندون رئيس هيئة الأركان العامة للجيوش الفرنسية والوفد المرافق له الذى زار مصر، حيث تناول اللقاء بحث علاقات التعاون العسكرى بين القوات المسلحة لكلا البلدين الصديقين بما يدعم جهود الأمن والاستقرار بالمنطقة .
كما التقى الفريق أحمد فتحي خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أول فابيان ماندون رئيس هيئة الأركان العامة للجيوش الفرنسية والوفد المرافق له ، حيث أجريت له مراسم إستقبال رسمية بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع وتناول اللقاء مناقشة عدد من الموضوعات ذات الإهتمام المشترك ، وسبل تعزيز أوجه التعاون فى العديد من المجالات العسكرية . حضر اللقاء عدد من قادة القوات المسلحة المصرية والفرنسية .
التاسع عشر: السيسي يلتقي بحفتر في العلمين
استقبل السيسي، الأربعاء 19 أغسطس 2026، خليفة حفتر، القائد العام للقيادة العامة لقوات شرق ليبيا، برفقة نجله خالد حفتر، رئيس أركان قوات شرق ليبيا، والمهندس بلقاسم حفتر، مدير صندوق إعادة إعمار ليبيا، وذلك بحضور رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد.
وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي أن السيسي جدد التأكيد على ثوابت الموقف المصري تجاه الأزمة الليبية، وفي مقدمتها الحفاظ على وحدة الدولة وسلامة أراضيها، والعمل على توحيد المؤسسات الليبية، والمضي نحو إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، كما شدد على استمرار دعم القاهرة لأمن ليبيا واستقرارها، ومساندتها للمبادرات الرامية إلى تحقيق التسوية السياسية، بما يهيئ الظروف لتحقيق التنمية والازدهار ويحافظ على وحدة الأراضي الليبية.
ورغم أن زيارة حفتر إلى القاهرة ليست الأولى من نوعها، فإن توقيتها، وتركيبة الوفد المرافق له، فضلًا عن الحراك المصري المتسارع تجاه مختلف أطراف المشهد الليبي، والتوترات التي شهدتها الساحة الليبية خلال الأيام الماضية، تمنح الزيارة أهمية سياسية استثنائية، فهي لا تبدو مجرد محطة جديدة في مسار العلاقات التقليدية بين القاهرة وقيادة شرق ليبيا، بقدر ما تكشف عن ملامح إعادة تموضع مصرية أوسع، ومحاولة لإعادة ضبط المقاربة المصرية تجاه الملف الليبي في ضوء التحولات الداخلية والإقليمية والدولية المتسارعة.
تأتي زيارة حفتر وأبنائه إلى القاهرة بعد أقل من ثلاثة أسابيع على استقبال السيسي رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، عبد الحميد الدبيبة، بمدينة العلمين، في خطوة مثّلت أعلى مستوى من التواصل بين القاهرة وحكومة الوحدة منذ سنوات، وكان قد سبق ذلك تحرك مماثل في يونيو الماضي، حين زار رئيس المخابرات العامة المصرية طرابلس والتقى الدبيبة، في مؤشر على اتساع دوائر الاتصال المصرية مع مختلف أطراف المشهد الليبي.
ويكشف هذا التتابع في التحركات، والتنقل بين التواصل مع حكومة طرابلس وقيادة الشرق، أن القاهرة تخلت إلى حد كبير عن سياسة الرهان الحصري على شرق ليبيا، وانتقلت من الانحياز العملي إلى أحد أطراف الصراع، إلى مقاربة أكثر مرونة تقوم على إدارة التوازن بين مراكز القوة المختلفة، والحفاظ على قنوات مفتوحة مع الأطراف الأكثر تأثيرًا في المعادلة الليبية.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




