fbpx
دراساتسياسة

تشريح الثورة المصرية: عقبات وتحديات ومسارات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

كانت الثورات في المنطقة العربية مثل قطع الدومينو التي تسقط جميعًا إثر سقوط القطعة الأولى، فما إن قامت الثورة في تونس حتى امتدت الثورات في المنطقة بأسرها.

وعندها تصارعت الإرادات: فمن بين مؤيد للثورة، ويعتبرها خلاصًا له من واقع مرير جاثم على الصدور.

وبين رافض لها يراها حائلًا بينه وبين مصالحه التي اكتسبها ونمت وتكاثرت في ظل الوضع السابق للثورة.

وفريق ثالث لا تشغله الثورة رغم أنه اكتوى بنيران الوضع السابق، وما يشغله هو لقمة العيش التي يكتسبها، وإن جاءت بشق الأنفس، وبضياع الكرامة.

وما يحدث في المنطقة كان له تبعاته على الصعيد الدولي؛ فالقُوى المؤثرة ذات النفوذ في المنطقة حاولت تطويق تلك الثورات حرصًا على نفوذها ومصالحها التي كادت تفقدها بإزاحة عملائهم عن سدة الحكم في بلدان الربيع العربي.

وقد حاولت إظهار قبولها لهذا الوضع الجديد، وتعاطيها مع المستجدات، ولكنها حاولت ترتيب أوراقها من جديد، فتعاطت مع القوى الجديدة، وأظهرت تعاونًا معها، ولم تقطع صلتها بالقوى القديمة التي كانت ترعى مصالحها، وتتبع أفكارها وأيديولوجيتها.

ولما وصل صراع الإرادات نقطة كادت تفقد نفوذها في المنطقة تدخلت تدخلًا مباشرًا كما في ليبيا وسوريا، أو حرّكت عملاءها لإعادة الأوضاع على ما كانت عليه قبل الثورة.

فتلاقت بعض الإرادات الداخلية مع التدخلات الخارجية لوأد الحركة التحررية الجديدة التي اشتعلت في العالم العربي، والتي كان لها أثر عظيم في نفوس الأحرار في العالم.

وبالنسبة للثورة المصرية فمنذ اليوم الأول وهي تواجه تحديات وصعوبات مختلفة، ومع تصدّر التيار الإسلامي -متمثلًا في الإخوان المسلمين- للمشهد السياسي، زادت الصعوبات والعقبات من أجل وأد الثورة والتخلص منها من قِبل العسكر والفلول [1]، وهو ما أدى إلى انقلاب يوليو 2013م، وتقهقر الثورة للوراء أمام ضربات العسكر الباطشة.

وهذا لا يعني أن الثوار معفيون من الخطأ، وأن طهارتهم الثورية لم تتلوث، ولكن يمكن وصف تحركهم بأنه كان بلا رؤية واضحة، بل هو ردّ فعل لما يدور حولهم، ولم يكونوا مستعدين -أصلًا- للثورة، ولم يكونوا -في الغالب- على وعي كامل بما يدور حولهم وما يحاك ضدهم، ولم تكن خططهم المضادة على المستوى المطلوب.

وهذا يعني أنه خلال كل مراحل الصراع وقع التيار الإسلامي والثوري في أخطاء جسيمة كان لها أثر كبير في الوصول إلى تلك النتيجة القاسية.

وسنستعرض -فيما يلي- بعضًا من تلك المشكلات، محاولين الوصول إلى إيجاد حلٍّ لها.

تحديد الشكل والمفهوم العام للثورة المصرية

يجب أن تحدد الثورة المصرية شكلها ومفهومها وهدفها، وكيفية الوصول إلى ذلك الهدف، مثل: تحديد الأطر العامة لها، وهل هي ثورة بكل ما تحمله الكلمة من معان من: الدفاع عن النفس، والسعي إلى اجتثاث النظام الفاسد من جذوره، أم أنها غير ذلك؟

وأيضًا تحديد وسائل وأساليب الثورة بداية من حقّ التظاهر حتى حق الدفاع عن النفس والمقاومة.

ينبغي توضيح كل تلك النقاط، ووضع شبه دستور عام تقرّ به كل القوى الثورية، ويصبح بمثابة دستور ثوري لتلك المرحلة حتى سقوط النظام.

الخطة الاستراتيجية للمراحل التالية في الثورة

إحدى كبرى المشاكل التي تواجه التيار الثوري، هي عدم وضع خطة للمراحل المتلاحقة، فأثناء الثورة -مثلًا- تنعدم الرؤية عما بعدها من مراحل، وتصبح ضبابية ومتروكة بأيدي الغير، مما يسهل عليهم التلاعب بالثوار والهيمنة عليهم، لذا يجب أن تكون كل خطوة ومرحلة مدروسة بعناية فائقة، مع وضع احتمالات الفشل أو النجاح، ووضع خطة استراتيجية للمرحلة التالية، وكيفية التعامل معها.

على سبيل المثال:

ماذا لو سقط النظام الحالي وانهار، كيف يكون التصور لشكل الدولة؟

وكيف تتم عملية السيطرة عليها؟

وكيف تتم عملية البناء؟

وكيف؟

كما يجب وضع تصور استراتيجي مبني على حساب دقيق لمعطيات الواقع وتوقعات المستقبل، والأخذ بعين الاعتبار دراسة جدية لحالة البلاد، جغرافيتها، وديمغرافيتها السكانية، وتركيبتها الدينية والقومية والسياسية، وطبيعة النظام وتركيبته، ونسبة قوتنا الذاتية إلى قوته، وطبيعة القوى الصديقة والمعادية، ومعطياتها وإمكانية الإفادة منها.

كما يجب وضع خطط مسبقة للمشاكل والأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها، ووضع تصورات لطريقة التعامل معها، حتى لا تحدث المفاجآت والصدمات الرهيبة إثر التعرض لتلك الأزمات بدون استعداد كاف لها.

من قبيل:

ماذا لو نجح الحراك الثوري في إسقاط النظام في مصر كيف ستكون رؤيتنا للمشاكل الاقتصادية والأزمات الطاحنة التي يعاني منها؟

فمن الممكن أن يسقط النظام في أي وقت سواء بأيدينا أو بأيدي غيرنا، وغياب أي تصور عن مرحلة ما بعد سقوط النظام لو حصل بفعلنا أو بفعل غيرنا مشكلة.

فما هو تصورنا بعد ذلك السقوط؟

وكيفية التعامل مع الأمر كيف سيكون موقفنا من انقلاب مفاجئ… من سقوط مفاجئ… تعاملنا مع الجوار… مع الكتل.. مع الجماعات.. توزع قوانا المطلوب.. إلخ.. [2].

وما هي الخطة لو طال أمد الصراع، وكلّت العزائم وضعفت، وانشغل أصحاب القضية بمشاكلهم الخاصة عن المشاكل العامة، وأصبح توفير لقمة العيش والاستقرار هي الشغل الشاغل.

يبرز هنا حتمية وضع خطة استراتيجية لمواجهة الأحداث التالية، فأهم المشاكل التي واجهت الثورات في معظم دول العالم كانت غياب الاستراتيجية والرؤية، كان شهر العسل في تلك الثورات قصيرًا، سرعان ما بدأت بعد سقوط النظام القديم علامات واضحة على أن المنتصرين لم يكونوا مجمعين على ما يفعلونه لإعادة تشكيل البلاد كما دلت خطب واحتفالات الانتصار [3].

ومن الخطط الاستراتيجية المهمة والمطلوب التدقيق والبحث فيها، كيفية استخلاص ذلك العدد الكبير من المعتقلين من يد النظام العسكري، وضرورة وضع كل الاحتمالات وبحثها.

فماذا لو هدد النظام بتصفية هؤلاء واستخدامهم كورقة ضغط قوية على الثوار، كيف يكون التحرك حينها؟

هل تكون المعاملة بالمثل بتهديد عملاء النظام بذويهم؟

أم وضع خطط محكمة للهجوم على السجون وتحرير الأسرى؟ أم.. أم ….

الشفافية وعملية خداع الشعب

تعرض الشعب المصري لعملية خداع كبرى حين أوهمه من تصدروا السلطة بعد ثورة يناير أنهم يسيطرون على الوضع، وأنهم متحكمون في مقاليد الأمور.

وعلى هذا الأساس ظلّ الشعب المصري كامنًا حتى فوجئ بالانقلاب الذي توقعه البعض وصرح به، لكن القيادات أنكرت ونفت احتمالية وقوع الانقلاب.

كان هذا أكبر خطأ ضرب الثورة في مقتل وأصابها بالنكسات.

فقد كان لزامًا على القادة من البداية نقل الصراع من بين جماعة ودولة عميقة إلى شعب ودولة عميقة، عبر القيام بمصارحة شاملة عما يدور في الكواليس من مؤامرات لإفشال الثورة والقضاء عليها.

والمشكلة الكبرى أن متصدري المشهد الآن ينتهجون نفس النهج السابق من خلال إدارة الحراك الثوري بنفس الطريقة القديمة، وإخفاء الكثير من الحقائق عن الشعب وعدم التصريح بها.

والمطلوب عملية مكاشفة كاملة وصريحة لما يدور في الكواليس؛ ليتحمل الشعب نتيجة اختياره وتوجهه، بدلًا من كونه تابعًا أعمى لمجموعة تديره وتتحكم فيه دون أن يدري أي طريق يسلك.

الشفافية داخل الحركة الإسلامية

في المنعطفات التاريخية المهمة على الدول والتنظيمات والجماعات مراجعة مواقفها وأهدافها ورؤاها، والنظر في وسائلها وأفكارها.

فإن كان الجمود هو سيد الموقف تعرضت هذه الدول والجماعات والتنظيمات للسقوط والانحدار.

فالوقوف والجمود في حدّ ذاته تراجع عن الآخرين الذين يتحركون ويسبقون.

فإن لم يصح العزم للحركة والتغيير كان الفناء والتلاشي.

والحركات الإسلامية الفاعلة عليها مراجعة أهدافها المرحلية والتكتيكية؛ لمعرفة إلى أين وصلت بها الأمور، وتستخدم من الوسائل ما يناسب العصر والظروف التي تعيشها.

لذا فإن المراجعة والتقويم مطلوب بين الفينة والأخرى.

نقدٌ للبناء، وليس نقضًا للهدم.

هي من باب النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين.

ولا نريد أن يكون حالنا كقول القائل:

أَمَرْتُهُمُ أَمْرِي بمُنعَرَجِ اللِّوَى … فلم يَسْتبِينُوا الرُّشدَ إِلا ضُحَى الغَد

ومن أوائل ما نريد البدء به مسألة «الشفافية».

والشفافية تعني: الوضوح، وهي عكس التعتيم والسرية.

وهي حقّ كلِّ مواطن في الحصول على المعلومات، ومعرفة آليات اتخاذ القرار المؤسسي.

وهي مطلب ضروري؛ لوضع معايير أخلاقية، وميثاق عمل مؤسسي؛ لما تؤدي إليه من اكتشاف الفساد ومنعه، أو اكتشاف مكامن القصور وعلاجها.

والحركات الإسلامية يعتريها ما يعتري التنظيمات والجماعات والأحزاب، وليست بدعًا في ذلك، وإن كانت أقلّ من غيرها؛ لاتباعها للمنهج القويم، ودعوتها لما تراه الحق والصواب من كتاب رب العالمين وسنة نبيه الكريم.

ومنذ ثورة يناير وما تبعها من أمور تسارعت الأحداث، فبعد أن كانت الحركات الإسلامية تمارس نشاطها الدعوي والسياسي في نطاق ضيّق سمح به نظام مبارك، أصبحت تحمل همّ إصلاح دولة دمرها نظام يوليو العسكري من الخمسينيات وحتى قيام الثورة.

فبدأت الأحداث تتلاحق، وشعر الإسلاميون أن عليهم مسؤولية تاريخية فتقدموا الصفوف، ودخلوا باب السياسة من أوسع أبوابها، وفي مقابله انحسرت الدعوة.

ثم انقلبت الأحوال.

ودفع الإسلاميون فاتورة فترة الثورة؛ إذ كان الثأر والانتقام يشتعل في قلوب أتباع نظام مبارك، ودراويش الحكم العسكري.

ومن الجدير بالذكر هنا أن للإعلام دورًا كبيرًا في الإثارة، وقد فشل الإسلاميون في الاستفادة من الإعلام، وكان القادة يتوجسون منه خيفة، وكانوا في مقام المدافع، ولم يستطيعوا الإجابة عن التساؤلات التي تموج بها الفضائيات طوال الوقت.

وترك الأتباع فريسة للشائعات تنهشهم، يؤثر تأثيرًا سلبيًّا لا يخفى على أحد، ولا سيما أن الإعلام يرغي ويزبد، ولا تجد الجواب الشافي من القيادة لأفرادها.

وذلك دأب المجتمعات البشرية، والإسلاميون ليسوا بدعًا في ذلك، فالله -تعالى- يقول على لسان الخضِر: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 68]، فمن لا عِلم له لا صبر له على الأفعال التي لا علم له بوجوه صوابها، وإنما يحكم على صواب المصيب وخطأ المخطئ بالظاهر الذي عنده، وبمبلغ علمه [4].

وفي المجتمعات البشرية هناك من يستمع إلى الشائعات ويخوض فيها؛ لأن الحقيقة لم تظهر عنده، ولم يتبين الحق، قال -تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 47]، «أي: مطيعون لهم، ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شرّ بين المؤمنين وفساد كبير» [5].

ورسول الله × أغلق باب الفتنة على أصحابه ولم يدع للشيطان عليهم سبيلًا عندما قال لهم: «عَلَى رِسْلِكُمَا؛ إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ».

وعلّل ذلك بقوله: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا» [6].

فالشفافية تغلق باب الشائعات وسوء الظن.

ولا نعني بالشفافية إفشاء الأسرار، بل الكتمان مطلوب في بعض الأحيان؛ لاتخاذ التدابير، ولكن أن ينقضي الأمر، ولا يعرف الناس له علّة، ولاسيما إن ترتب عليه ضرر كبير، فذلك لا يصحّ ولا يجوز.

فالشفافية توضح الأمور، وتجعل الصفّ على بينة من أمره في تبِعات ما يقدمون عليه، ومثال ذلك يوم بدر؛ فرسول الله × لم يتفق مع الأنصار في بيعته معهم على الخروج للقتال خارج المدينة، فقام فيهم خطيبًا قائلًا: «أشيروا علي، وإنما يريد الأنصار.

فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أجيب عن الأنصار، كأنك يا رسول الله تريدنا؟

قال: أجل.

قال: فامض -يا نبي الله- لما أردت» [7].

فهنا شرطٌ جديد، والأمر فيه قتال، وتبعات عظيمة، فأعلمَ الصف بما استجد من أمور، فمن وافق فقد تحمّل معه، ومن رفض فلا حرج عليه، ولا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها.

والشفافية ليست طعنًا في الثقة في القادة، بل هي تؤكد على الثقة بين القيادة والصف؛ حتى لا تترك الصف فريسة للظنون، والفهم أول أركان البيعة، والقادة بشر يصيبون ويخطؤون.

والشفافية للمحاسبة، وذلك حتى تتم معالجة الأخطاء، ويتحمل كل فرد نتيجة قراره، وحتى يتم تصويب المسار إذا حدث انحراف، أو التأكيد على صحة الطريق والاستمرار على نفس المنوال، وذلك حسب آليات يكون متفقًا عليها، وعدم المحاسبة سبيل إلى الفساد.

فشل التيار الإسلامي في التوحّد مع الأمة والاندماج معها وجرها إلى مشروعه

إن العقلية والفلسفة التي تبناها التيار الإسلامي لإقامة دولة الإسلام هي عقلية التنظيم النخبوي المدرب والمجهز بالكوادر أصحاب الفكر والرؤية والإمكانات، والذي يقوم وحده بإسقاط النظام، ثم تقوم الأمة بمبايعته فيقيم دولة الإسلام.

هذه النظرية أثبتت فشلها في جميع الساحات؛ لأن نتيجة المواجهة بين التنظيم والنظام المدعوم من كل العالم غالبًا ما تكون نتيجتها لمصلحة النظام؛ إذ إن الأمة بالنسبة للتنظيم كالماء للسمكة، فلما نجحت الأنظمة في عزل التنظيم عن محيطه سهل عليها القضاء عليه وتصفيته [8].

وأيضًا في أكثر الأحيان فشل الإسلاميون في تحديد مفاتيح للصراع وشعارات للمواجهة، يمكن حشد الناس عليها ضد النظام؛ فقد كان هناك مواضيع هامّة جدًّا من الممكن تعبئة الشعب بها حول الثورة.

من قبيل:

مشاكل الجوع والظلم، وهدر الكرامات، والنهب والسرقة، والفساد السياسي والاقتصادي، إلى آخر ذلك من الشعارات التي أحسن الوطنيون والقوميون واليساريون استغلالها، وكلها مسائل شرعية في أساسها، ويمكن طرحها بأسلوب إسلامي وجهادي [9].

فمثلًا قد تم جرّ الإخوان وحلفاءهم من قِبل حزب النور إلى قضية الهوية، وثارت الكثير من النقاشات والجدالات حولها، وضاع الكثير من الوقت كان غيرها من القضايا التي تمس حاجيات الشعب أولى منها.

ولكي تنجح الثورة يجب أن ينتقل الصراع من صراع جماعة أو حزب أو تيار مع النظام، إلى صراع بين شعب بأكمله ونظام فاسد، ولا تقتصر المواجهة على أبناء التيار الإسلامي وحدهم، بل يشاركهم الشعب كله الصدام والمواجهة.

إن دور أبناء الدعوة الإسلامية هو دور ريادي قيادي؛ فهم يشكّلون طلائع بعث لإحياء الأمة، ويمثلون البادئ (الصاعق) المحرض الذي يفجّر طاقات الأمة الإسلامية، ويُخرج ينابيع الخير والبر من أعماقها.

والدعوة الإسلامية التي لا تستطيع أن تكسب ولاء الشعب، ولا تحظى بمحبته تولد ميتة، وتعيش منغلقة على نفسها، تأكل بعضها بعضًا، وتتآكل إلى أن تموت.

والحركة الإسلامية التي تظن نفسها أنها تستطيع مواصلة حرب طويلة الأمد مع الأنظمة وبمعزل عن الشعب وعن طاقاته هذه الحركة -إن كانت تظن هذا- فإنها تعيش في أوهام وتسبح في أحلام.

إن الحركة الإسلامية وحدها لا تستطيع الوقوف طويلًا أمام الأنظمة؛ لأن أعداد أفرادها منحصر منحسر، فكيف يمكن لدعوة أو حركة أن تقف أمام قوة كبرى أو دول عظمى أو أحلاف دولية ضخمة؟![10].

فالحركة الإسلامية تمثل الصاعق (البادئ) الذي يفجر أطنان المتفجرات، فالشعب هو المتفجرات، والحركة الإسلامية هي الصاعق الذي يشغلها ويفجرها، ولا تستطيع حركة إسلامية مهما كانت أن تواصل حربًا طويلة الأمد ضد دولة ولو كانت صغيرة، فضلًا عن أن تقف سنوات أمام دولة كبرى، والحركة إذا عزلت عن الشعب فقد قضت على نفسها بالموت [11].

إذن فعماد النهضة هو كل المواطنين وليس الإخوان المسلمين وحدهم أو التيار الإسلامي، بل هم بمثابة خميرة للنهضة أو طليعة لها.

ودور التيار الإسلامي هو الإيقاظ، وأن الذي سيقوم بالمواجهة هي الأمة كلها وليس التيار الإسلامي وحده؛ لأنه إذا استيقظت الأمة فلن يقف أمامها شيء [12].

فعملية الاستقطاب مهمة جدًّا، ونقصد بالاستقطاب هنا هو جرّ الشعوب إلى المعركة بحيث يحدث بين الناس -كل الناس- استقطاب، فيذهب فريق منهم إلى جانب أهل الحق، وفريق إلى جانب أهل الباطل، ويتبقى فريق ثالث محايد ينتظر نتيجة المعركة لينضم للمنتصر، وعلينا جذب تعاطف هذا الفريق وجعله يتمنى انتصار أهل الإيمان، خاصة أنه قد يكون لهذا الفريق دور حاسم في المراحل الأخيرة من المعركة الحالية [13].

إنسانية الشعارات

نحن مسلمون نعيش بين مسلمين، فلماذا الاهتمام الزائد برفع الشعارات الإسلامية التي قد تجعل بين الإسلاميين وبين الشعوب جدارًا.

فالتركيز على الشعارات الإنسانية أولى وأسلم ما لم تكن الحروب مع عدو خارجي صريح كفره، أو عدو داخلي صريح في عداوته للدين.

فالرسول × في الحديبية يقول: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطة يُعظِّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» [14]؛ فهو يبحث عن المشترك بينه وبين قريش.

وقال ×: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حِلفًا ما أُحب أن لي به حُمْر النَّعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت»، وكان سبب الحلف أن قريشًا كانت تتظالم بالحرم، فقام عبد الله بن جدعان والزبير بن عبد المطلب فدعوهم إلى التحالف على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، فأجابهما بنو هاشم وبعض القبائل من قريش [15].

وقد نجح الغرب في تثبيت فكرة أنهم حماة حقوق الإنسان في العالم، رغم أنه من يثير الحروب في الأرض، ويُهلك الحرث والنسل في كل مكان.

نشر القضية بين شعوب العالم باستخدام الشعارات الإنسانية

العالم الغربي وإن كان مؤيدًا للنظام الانقلابي في مصر إلا أنه يضع نصب عينيه رد فعل شعوبه ومجتمعاته، لذا يحاول جاهدًا إظهار نفسه بصورة المنصف والداعم للحريات، لذا يجب على التيار الثوري الوصول إلى القاعدة الشعبية لتلك المجتمعات والتواصل معهم والتعريف بالقضية المصرية، مع طرح مبادئ عامة للثورة المصرية مثل: محاربة الظلم والفقر والفساد، ووضع أسس عامة وقواعد مشتركة يمكن العمل معها من أجل الضغط على حكوماتها بالتخلي عن النظام الانقلابي وعدم تأييده.

وقد كان لجولات جولدا مائير في العالم الغربي ومؤتمراتها وسط تلك المجتمعات أثر كبير في نقل وجهة نظر اليهود عن ضرورة إنشاء وطن لهم في فلسطين، وجلب تعاطف تلك الشعوب معهم، وجمع التبرعات الكبيرة جراء تلك الجولات التي أعطت القضية اليهودية بُعدًا مجتمعيًّا كبيرًا في أوروبا خاصة بريطانيا، كما في الولايات المتحدة [16].

إعداد الكوادر المؤهلة في جميع المجالات: سياسيًّا، اقتصاديًّا… إلخ

بعد ثورة 25 يناير عانت معظم التيارات الثورية وخاصة الإسلامية من عدم وجود كوادر مؤهلة سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا وأمنيًّا، لكي تتصدر المشهد عن جدارة واستحقاق.

وأصبحت الكوادر غير المؤهلة سببًا كبيرًا في عدد من المشاكل، والتي كان لها أثر كبير في نجاح الانقلاب العسكري وتراجع الثورة.

فإدارة الدولة مختلفة كلية عن إدارة الجماعات أو المنظمات أو العدد الصغير من الأفراد، فكلما زاد العدد زادت صعوبة السيطرة عليه، وكلما زادت الأعباء زادت متطلبات وجود الكفاءة وحسن الإدارة.

ومن هنا يصبح لزامًا وجود الكوادر المؤهلة والمدربة على التعامل مع تلك المواقف والظروف المختلفة.

ففي بولندا في بداية التسعينيات أشارت نعومي كلاين إلى عدم وجود الكوادر المهيأة لإدارة الدولة فقالت: «في الصيف الذي تلا انتصار الحركة في الانتخابات، كانت الحكومة مشلولة وغير قادرة على اتخاذ القرارات، وشكّلت سرعة انهيار النظام السابق والانتخابات الخاطفة بحدّ ذاتها سلسلة من الصدمات؛ ففي غضون شهور قليلة أصبح الناشطون في الحركة الذين كانوا يختبئون من الشرطة السرية مسؤولين يدفعون رواتب هؤلاء الشرطيين.

وقد تعرّض هؤلاء لصدمة ثانية عندما علموا أنهم بالكاد يملكون المال لدفع الرواتب.

فبدلًا من بناء اقتصاد ما بعد المرحلة الشيوعية الذي حلموا به، باتت الحاجة إلى تجنّب انهيار اقتصادي شامل ومجاعة شعبية محتملة أكثر إلحاحًا» [17].

استغلال الطاقات الموجودة خارج مصر

بعد الانقلاب العسكري حدثت عملية هجرة خارج مصر لعدد ضخم من الأفراد، من بين هؤلاء عدد كبير من الطلبة الذين التحقوا بعدد من الجامعات الأوروبية والعربية.

وهؤلاء الطلبة يختارون كلياتهم بطرق عشوائية، أو حسب المنح التي تُقدم لهم.

ووسط هؤلاء الشباب عدد متميز جدًّا علميًّا وأخلاقيًّا، وهم شديدو التحمس لخدمة دينهم وقضيتهم، ويجب أن يتم استغلال طاقات هؤلاء وتوجيههم نحو دراسات معينة كـ: الإعلام والاقتصاد والعلوم السياسية والعلوم النووية والأمنية، والتكفّل بنفقات تعليمهم، وتأهيلهم عمليًّا وأخلاقيًّا من خلال برنامج قوي؛ ليصيروا كوادر متميزة فيما بعد.

كما يوجد عدد ضخم من الكوادر المهاجرة غير المستغلة والمهملة لأسباب عديدة، وترك تلك الكوادر دون استغلال لإمكاناتهم وخبراتهم هدر لطاقة بشرية من الممكن توجيهها واستغلالها على نحو جيد.

وعليه، فإنه يتعين القيام بعملية حصر لتلك الكوادر، ووضع أسس عامة لكيفية الاستفادة منهم، مع وضع برنامج تأهيلي لهم كلٌّ في مجاله.

تقديم مشروع حضاري للشعب

عجزت الحكومات المتلاحقة منذ انقلاب 52 حتى الآن عن تقديم مشروع حضاري وفكري يلتف حوله الناس [18]، فقط كانت هناك وعود وشعارات جوفاء، وجمل مطاطة، لم يحصد منها الشعب أي شيء.

المطلوب وضع مشروع فكري حضاري، يلتف حوله الشعب، ويبذل من أجله الغالي والنفيس.

وذلك المشروع لن يتأتى له ذلك الالتفاف إلا إذا كان ملامسًا لآلام الشعب وأوجاعه، واضعًا الحلول لمشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ومن ميزات المشروع الحضاري أنه يجذب إلى صفوف الثورة جماهير اللامنتمي، أو ما يطلق عليه في مصر (حزب الكنبة)، فتلك الجماهير تنظر إلى الثورة والنظام بصورة سلبية، فلا هي داعمة للنظام ولا هي داعمة للثورة، بل كل ما يهمها هو مصلحتها الخاصة فقط.

ليس هذا اللامنتمي العادي الشخص المعادي بنشاط، إنه ليس المعتدل الساخط، بل هو ذلك الرجل البسيط الذي يشكل أمثاله معظم المجتمعات، الرجل الذي يقبل عمومًا ما يفعله الآخرون في السياسة، والذي سرعان ما يلتحق بالركب.

إن الثورة -خصوصًا في فترة أزمتها- قاسية على نحو رهيب إزاء هذا اللامنتمي.

غير أن ثمة مؤشرات كثيرة في الثورة الفرنسية أظهرت سأم اللامنتمين من ذلك، وأنهم وجدوا في المدى الطويل الطقوسَ الكاثوليكية القديمةَ أحبّ إليهم [19].

فاللامنتمي إذا وجد في المشروع الحضاري للثورة آماله وطموحاته وما يحركه، فسرعان ما سيلحق بركبها وينضم إليها، وهو ما سيعطي الثورة دفعة قوية للأمام، ويخلق حاضنة شعبية قوية تحتضن الثورة وتحميها.

الاستفادة من تآكل الكتلة المؤيدة للانقلاب

أضرّت سياسات الانقلاب بشرائح وفئات كثيرة من المجتمع المصري، وبدأت هذه الفئات تتململ من الوضع القائم، لكنها لم تصل بعدُ إلى مرحلة الانفجار.

وإن النزول بلغة الخطاب إلى هذه الفئات لاستقطابها، والتركيز على قضاياهم وإبرازها، مفيد في تعجيل ساعة الصفر الثورية القادمة.

فالخطاب الموجّه للفقراء والمعدومين -على سبيل المثال- يكون عن السرقة والنهب اللذين تحدثان داخل النظام، والفارق الكبير بين مرتبات رجال الجيش والشرطة والقضاء وبين باقي أفراد الشعب، مما يُثير حالة من الغضب داخل صفوف الفقراء، ويحثهم على التحرك نحو المطالبة بحقوقهم.

ويعاني الاقتصاد المصري من تدهور وانهيار قد يكون وشيكًا في حالة فشل النظام في إيجاد حلول للأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تضربه بقوة.

ويجب على الثورة التحرك بقوة وفعالية في هذا الاتجاه، من خلال توضيحات حول النهج الخاطئ للاقتصاد الذي يسير عليه النظام، والذي أضرّ كثيرًا بالطبقات الفقيرة، وجعل الكثير من المستثمرين الأجانب ينهون استثماراتهم داخل مصر.

مع التركيز على توجيه النظام للأموال إلى مؤيديه وداعميه في المؤسسات الحكومية مثل: الجيش والقضاء والشرطة، وزيادة رواتبهم ومعاشاتهم بصورة كبيرة جدًّا.

استغلال التنافس الغربي بما يخدم أهداف القضية

النظام العالمي الحالي تحكمه قواعد وسياسات دولية، لكن تبقى المصلحة العامة لكل دولة هي القاعدة الأهم التي تحكم سياساتها، وتجبر الساسة على اللهاث خلف المصلحة العامة.

وقد رأينا كيف استطاع عبد الناصر ومن بعده السادات استغلال الحرب الباردة والصراع السوفيتي الأمريكي في دعم وضعهما في مصر، ونيل دعم كبير من قبل الاتحاد السوفيتي [20]، والاستفادة من كلا الفريقين المتصارعين من أجل مصلحتهم.

والمطلوب من الثورة حاليًا توجيه أفقها السياسي نحو الانفتاح السياسي على الكثير من دول العالم المناهضة للسياسة الغربية، أو التي تسعى للعب دور في السياسة العالمية من أجل التحالف معها واستغلال وضعها لصالح الثورة.

وقد يكون ذلك التحالف سريًّا لبعض الوقت؛ لعدم دخول تلك الدول في مشاكل سياسية مع النظام العالمي.

ولا زلنا نرى كيف يلعب أردوغان على التوازنات الدولية رغم حرج الموقف السياسي له، ومحاولة القوى العالمية التخلص منه.

تكوين مجموعات ضغط داخلية وخارجية

مجموعات الضغط الداخلية والخارجية لها تأثير قوي على النظام وعلى الجمهور، فوجود تكتلات قوية تستطيع التحرك بصورة منظمة ومخطط لها، تكون قادرة على إرباك النظام بل وإسقاطه.

وهذه التكتلات قد تكون مكوّنة من رجال الأعمال أو التجار أو أي من أصحاب المهن أو الفئة المجتمعية الواحدة.

إن عقود ما قبل الثورة في الكثير من المجتمعات تظهر شدة الجهود من جانب مجموعات الضغط، وهي الجهود الموجهة على نحو متزايد بمرور الوقت نحو التغيير الجذري للحكومة القائمة.

وفي واقع الحال تبدأ بعض المجموعات بتجاوز ممارسة التأثير والدعاية إلى التخطيط وتنظيم العمل المباشر، أو على الأقل الحلول محل الحكومة على نحو مثير.

وهذه بدايات لما عرف لاحقًا بـ: الحكومة غير الشرعية.

فمثلًا:

قد تولت لجان التجار في أمريكا التي نظمت لمقاومة إجراءات السيطرة الاستعمارية بالقدر الكبير من العمل الهادئ التي تقوم به مجموعات الضغط الحديثة من الدعاية المباشرة إلى تنظيم مظاهرات شعبية وتعاون بين المستعمرات، ومن خلال القرارات والمؤتمرات وما شابه ذلك.

وقد أظهرت جهود كوشان (مؤرخ الثورة الفرنسية) في فرنسا كيف أن ما أطلق عليها جمعيات الفكر -وهي مجموعات تجتمع لمناقشة التأثير الكبير لحركة التنوير- قد تحولت تدريجيًّا إلى الإثارة السياسية، وساعدت أخيرًا في توجيه الانتخابات إلى مجلس الطبقات العامة عام 1987.

ويقر مؤرخو الثورة الفرنسية أنه كان للماسونية دور في الإعداد للثورة.

وفي روسيا ازدهرت زمنًا طويلًا مجموعات منظمة من كل درجات العداء للأوضاع كما كانت.

عبّر المؤمنون بالعدمية والفوضوية والاشتراكيون من كل الأنواع والليبراليون وغربيو الثقافة عن أنفسهم بوسائل مختلفة من رمي القنابل إلى التصويت في انتخابات مجلس الدوما [21].

وقد رأينا كيف كان لرجال الأعمال اليد الطولي في إفساد الثورة وتخريبها، وقد تحالفوا مع العسكر والشرطة لإسقاط الإخوان.

والمطلوب الآن السعي الحثيث لإيجاد جماعات ضغط قوية داخل الشارع المصري، تنتشر بصورة كبيرة بين غالبية المواطنين، مخاطبة كل فئة بما يتناسب مع فكرها وتوجهها.

فجماعات الضغط يكون دورها إيصال الرسالة والفكرة للجمهور، وتحفيزه نحو التحرك، مع وضع ضوابط من جهتها حول ذلك التحرك والسيطرة عليه.

تولية القيادة لأهل الولاء واستبعاد أهل الخبرة

من أكثر المشاكل تأثيرًا على الثورة، وآثارها السيئة جلية للعيان، تقديم أهل الثقة على أهل الكفاءة؛ فتعيين أهل الولاء واستبعاد أهل الخبرة، يجعل مقدرات الثورة في يد من لا يُحسن إدارتها واستغلال فرصها، والتحرك نحو الأمام.

وتعاني الثورة في ظل قيادة أهل الولاء من نظام إدارة المجموعات ذات الفكر الواحد والرؤية الواحدة، مما يُفقد الثورة حيويتها وقدرتها على التعامل مع الظروف المختلفة، فأهل الولاء وإن كان مطلوبًا وجودهم بقوة إلا أنه لا يجب أن يطغى على وجود أهل الخبرة، وأهل الخبرة يجب ضمان ولاءهم، أو الاستعانة بهم في أماكن معينة لا يتسبب خروجهم أو اختلافهم بعد ذلك في مشاكل للثورة.

وقد رأينا كيف عانت الثورة السورية في الثمانينيات من اختيار أهل الولاء على أهل الخبرة، بل تم وضع أهل الولاء على سدة الجهاز العسكري للثورة، وهم لا يحسنون التعامل والتعاطي معه، وتم التغافل عن أصحاب السبق والخبرة لمجرد الاختلاف في الرؤية، مما كان له أثر كبير في اختلاف الثوار وهزيمتهم.

وكانت الطامة في الكوادر التي تصدرت القيادة العسكرية فحملت معها كل أساليب الدعوة السلمية المسجدية المدنية لتطبقها في العمل العسكري، وكان فشل الشيخ ذريعًا عندما لبس بدلة الجنرال! [22].

إيجاد رموز ثورية تحبها وتهابها الجماهير

مشكلة القيادة في الثورة المصرية تجلّت منذ اللحظة الأولى؛ فعدم وجود رمز قوي شعبي صاحب كاريزما تجذب الجمهور تسبب في تقاسم الجماهير لعدة رموز، والسير وراهم مما ساهم في تشرذم قوى الثورة وتفرقها.

«كلما اجتمع عدد متفاوت الكبر من الكائنات الحية، سواء أكانوا قطيعًا من الحيوان أم جمعًا بشريًّا، بادروا من فورهم وبصورة غريزية إلى وضع أنفسهم تحت سلطة قائد؛ فالجمهور قطيع طيِّع، لا يستطيع الحياة بلا سيد، وظمؤه إلى الطاعة شديد، حتى إنه ليخضع غريزيًّا لمن ينصِّب نفسه زعيمًا عليه.

لكن إنْ يكن الجمهور بحاجة إلى زعيم، فمن الضروري أن يتمتع هذا الأخير ببعض الكفاءات الشخصية -أيضًا، فلا بد أن يكون هو نفسه مفتون اللب بإيمان عميق (بفكرةٍ ما)؛ ليتمكّن من توليد الإيمان لدى الجمهور.

ولا بد أن تكون إرادته قوية، آسرة، قادرة على تحريك الجمهور المتجرد من الإرادة» [23].

أما علّة تأثير القادة على الجمهور فتكمن من ضمن ما تكمن في الهيبة، ونميز «بين هيبة مكتسبة أو مصطنعة، وبين هيبة شخصية، الأولى يتقلّدها الأشخاص بقوة أسمائهم، أو غناهم، أو علو مقامهم، كما تتقلّدها المذاهب والأعمال الفنية بفعل التقاليد.

أما الهيبة الشخصية فوقْفٌ على قلة قليلة من الأشخاص، ممن يتأتى لهم -بحكم هذه الهيبة تحديدًا- أن يفرضوا أنفسهم كزعماء، وأن يحملوا الآخرين على طاعتهم كما لو بسحر ساحر.

لكن مهما يكن من شأن الهيبة، فإنها تبقى مرهونة بالنجاح، وتزول إذا ما تكررت الإخفاقات» [24].

لذا يصبح لزامًا على الثورة إيجاد تلك الشخصيات القيادية صاحبة الهيبة والقوة، القادرة على مخاطبة الجمهور وتحريكه.

وتحتاج تلك المرحلة إلى عملية تلميع إعلامي ضخم لبعض الرموز، وتعريف الناس بفكرهم ورؤيتهم، ومخاطبتهم بأسلوب عاطفي ملامس لأوجاعهم وآلامهم.

ولكننا نلاحظ حتى الآن محاولات لهدم الرموز، ورمي كل فريق للآخر بأنه خان الثورة ودم الشهداء، أو أنه يعمل لصالح المخابرات.. إلخ من الاتهامات الجاهزة، والتي تفيد الانقلاب في مد أجله.

التوعية

نشر قضية الوعي بين الجماهير هي قضية الثورة الأولى؛ فالإنسان عدو ما يجهل، وطالما يجهل المواطن أهداف الثورة الفضفاضة، ويجهل حقوقه، ويجهل حكم الفساد المتراكم فهو عدو للثورة، فأهم أدوات المستبد هو جهل الشعب، وعدم إدراكه لخطورة الوضع، ويصبح من السهل على المستبد التأثير عليه والتحكم فيه.

ولقد رفض محمد علي باشا نشر التعليم بين عامة الشعب المصري خوفًا من انقلاب الشعب عليه والثورة ضده.

ولذلك نفهم لم حافظ نظام يوليو على نسبة الأمية العالية في الشعب المصري.

وذلك يوجب على الثورة نشر الوعي والثقافة الفكرية بصورة كبيرة، واستغلال القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، ومخاطبة كل فئة بما يتناسب مع فكرها وأسلوبها؛ لضمان حشد أكبر عدد من الجماهير تحت راية الثورة، بعد عملية توعية وتغيير للأفكار.

عبيد البيادة والثوار

من الأخطاء الفادحة التي وقعت فيها الثورة التراشق اللفظي المتبادل وتوجيه خطاب استعلائي للشعب من عينة عبيد البيادة وغيرها من الكلمات التي أثارت قطاعًا من الشارع واستفزتهم.

المشكلة الكبرى أن البعض يعمم تلك الكلمات على غالبية الشعب ويتهمهم بالتخاذل والتقاعس عن نصرة الثورة، ويُلقي بفشله على الشعب موجهًا تلك الاتهامات التي استغلها الإعلام الانقلابي وروّج لها، فإذا كان هؤلاء عبيدًا وكارهين للثورة فلم يسعَ الثوار لتحريرهم؟

وتلك النقطة تقودنا إلى تساؤل مهم للغاية:

هل تخاذل الشعب عن نصرة الثورة والوقوف في وجه الانقلاب؟

الشعب، الثورة، الانقلاب

بعد ثورة 25 يناير وصعود التيار الإسلامي -متمثلًا في الإخوان- لصدارة الحكم في مصر، وقف الشعب خلف الإخوان خلال جميع الاستحقاقات الانتخابية، وأعطاهم الأغلبية.

وبعد الانقلاب مباشرة خرجت الملايين تهدر في شوارع مصر منددة بالانقلاب، وكان تحت يد أصحاب القرار في ذلك الوقت طوفان بشري عظيم فشلوا في استغلاله تمامًا، وأصبحت بضع رصاصات تفرق مظاهرات تضم مئات الآلاف، وشعار أصحاب القرار أثناء تلك المسيرات والمظاهرات: نحن لا نريد صدامًا نريد فقط إيصال رسالة للنظام.

أصبحت المظاهرات والتجمعات الثورية ضد الانقلاب هدفها إيصال تلك الرسالة الرافضة للانقلاب فقط.

ومع توالي المذابح وعمليات البطش والتنكيل تراجع الكثير خوفًا من شدة البطش، أو لعدم جدوى التظاهر -من وجهة نظرهم، وأصبح أصحاب القرار مطالبين بتغيير سياستهم لتحريك تلك الملايين نحو عمل قوي وفعال، واستغلال تلك الأعداد الكبيرة، وهو ما لم يحدث، مما تسبب كثيرًا في تراجع الحراك الثوري وانعدامه.

والمطلوب وضع تصوّر كامل لكيفية استغلال تلك الأعداد بطريقة ثورية قوية مربكة ومنهكة للنظام.

اغتنام الفرص

أضاع التيار الإسلامي فرصًا كثيرة في إعلان الثورة، والقيام بعملية تغيير جذري للمجتمع، وتطهيره من الفساد والظلم، في الأربعينيات والخمسينيات؛ إذ كانت الظروف الموضوعية والذاتية مهيأة للثورة في مصر، وكان من المفروض أن تبادر القوى الإسلامية بتفجير الثورة وحشد الجماهير والإطاحة بالقوى القديمة ومواجهة تحديات القوى الجديدة، ولكن أضاعت الحركة الإسلامية الفرصة، ولم تمسك بزمام المبادرة، وكانت النتيجة أن القوى الاستعمارية الجديدة هي التي امتلكت زمام المبادرة فتم اغتيال الشهيد حسن البنا في فبراير 1949، وتم تفجير ثورة مزيفة سنة 1952[25] وذلك لإجهاض الثورة الحقيقية والتمهيد للنفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة.

فقد كان المطلوب من الثورة المزيفة تحقيق بعض الإنجازات تسمح لها بالحصول على شيء من التأييد الشعبي لكي تصادر فيما بعد حريات الشعب، وبالتالي القضاء على إيجابيته ووعيه، وتسمح لها في نفس الوقت بالقضاء على طليعة الشعب وخميرة النهضة وهي الحركة الإسلامية، وتمهّد لتصفية النفوذ الإنجليزي والفرنسي في المنطقة وإحلال النفوذ الأمريكي محله، والتمهيد للتوسع الإسرائيلي [26].

والمطلوب من التيار الإسلامي والقوى الثورية اغتنام الفرص السانحة، وعدم الميوعة والتردد في اتخاذ القرار.

ضرورة إنهاء الصراعات الداخلية في صفوف الثوار

تمثل الصراعات الداخلية في صفوف التيار الثوري والتيار الإسلامي صدعًا كبيرًا في جدار الثورة؛ فالمشكلات التي ظهرت وتنامت داخل جماعة الإخوان المسلمين -على سبيل المثال- تسببت بصورة كبيرة في تدهور وانهيار الصف الثوري، وتراجع الحراك الشعبي وانعدامه.

والمطلوب العمل على رأب ذلك الصدع، وإنهاء الخلافات الداخلية، والتفرغ للمشكلة الكبري وهي إنهاء الحكم العسكري.

وقد رأينا كيف كان الخلاف بين المجاهدين الأفغان وتفرق صفوفهم، السبب الأكبر في انهيارهم وضياع حلم تأسيس دولة إسلامية، وكان صراعهم على السلطة مضيعة للبلاد والعباد، وأدخلت أفغانستان في نفق مظلم، وسقط آلاف الضحايا جراء الحروب التي دارت بين المجاهدين [27].

عدم الإفادة من التجارب الإسلامية والعالمية

التاريخ مليء بالتجارب، ولقد مرت شعوب إسلامية وغير إسلامية بأحوال شبيهة بالتي مررنا بها، وكتبت عنها كتب ودراسات هامة لو كان قد اطلع عليها بعض القائمين بالأمر لأمكنهم أخذ العبرة والإفادة من خطأ الآخرين ليوفر عليهم التورط في مطبّات شبيهة [28].

وإنك لترى أن الإسلاميين لا يستفيدون من تجارب إخوانهم في البلدان المجاورة لهم، والتي مرت بمثل ما نمر به الآن.

وترى أن إسلاميي كل بلد يبدأ تجربته من الصفر، ولا يبني على تجارب سابقيه.

بل ترى أنهم لا يتعلمون من تجاربهم التي مرت بهم؛ فقد وقعوا بين مخالب العسكر في الخمسينيات من القرن العشرين وكرروها في الألفية الجديدة.

وجود جهاز قوي لجمع وتحليل المعلومات

في ظل حرب شعواء يشنها العالم على التيار الإسلامي، لابد من وجود جهاز لجمع المعلومات وتحليلها؛ لاستباق ضربات العدو، واستنتاج خطواته المقبلة، وذلك يأتي عن طريق وضع عيون داخل أماكن العدو، والتعرف على سكناته وحركاته وطرق تفكيره، وحجم إمكانياته وقوته.

ويجب أن يكون الحصول على المعلومات عن العدو عملًا لا يتوقف في السلم والحرب؛ لأن القوة تتطور مع تطور العلم والخبرات المكتسبة من الحروب، وهذا التطور له تأثيره المباشر على توازن القوى.

ويجب -أيضًا- الوقوف على أحدث المعلومات عن العدو أولًا بأول، فذلك مطلب حيوي لتحقيق أمرين مهمين هما:

1- الإنذار المبكر.

2- سلامة التخطيط والواقعية.

وإذا قصرت الأمة في هذا الأمر فإنها تفقد المبادأة وحرية العمل، فتتعرض للمفاجأة من عدوها وتفقد القدرة على الحركة السريعة [29].

تنقية الصف والحذر من المخابرات

مشاكل عديدة أصابت التيار الإسلامي في مقتل بسبب مسألة العمالة واندساس عملاء للمخابرات وأجهزة الأمن داخل صفوف الحركات الإسلامية، مما أضرّ بالثورة تمامًا، وكشف تحركاتها أمام النظام.

فالقوى العالمية ومخابراتها وأجهزتها الإمبريالية والماسونية، قد استطاعت تحديد عمق المد الإسلامي، وأدركت خطورته، وأن المارد الإسلامي لا بد وأن يتحرك، فعمدت إلى حلٍّ أسهل وأخبث وهو التسلل إلى قلب هذه الحركات عن طريق زرع أشخاص عملاء لها ودفعهم لسدة القيادة.

وليس من الضروري أن زراعة العميل لقاء شرائه بالمال أو غيره، لقد تطورت أساليب زراعة العملاء إلى إيجاد نوع منهم لا يدري أنه عميل.. لقاء إشباع اتجاهات لديه يدفعه بها أعداؤنا إلى ما يريدون [30].

لذلك لا بد من وجود جهاز أمني دقيق داخل التيار الثوري لمتابعة ورصد أي اندساس مخابراتي أو تسرب للمعلومات، من أجل تنقية الصف والحفاظ على وحدته.

وقد كانت المخابرات آخر وصايا النبي × وهو على فراش الموت لأسامة بن زيد وهو خارج للقتال قائلًا: (خذ معك الأدلاء، وقدّم العيون أمامك والطلائع) [31].

عدم الكشف عمن يتم التعامل معهم داخل الصف الانقلابي

من الفطنة ألا نكشف عمن نتعامل معهم حتى يظل الطرف الآخر على ثقة به، فتظل مصادر معلوماتنا متوفرة.

وهذا لم يتحقق في أمرين رصدتهما:

مرة لما ذكر د. جمال عبد الستار أن تحالف دعم الشرعية كان يتصل به ضباط من الجيش للوقوف مع الثورة ضد الجيش، وعلى إثر ذلك علمنا أنه تم القبض على مجموعة من ضباط الجيش ومحاكمتهم.

والمرة الأخرى عندما أعلن يحيى حامد أنهم على تواصل مع المخابرات، ثم بعدها قام السيسي بإقالة عدد من الضباط في المخابرات.

فبعض المسؤولين بحاجة إلى ضبط اللسان، ووضع آلية داخلية للمحاسبة.

قضية بذل المال وشراء بعض الذمم

قد تصدمنا جملة: (شراء بعض الذمم)، ولكنها حقيقة ماثلة في الواقع، أن البعض يؤمن بالأفكار ويضحي من أجلها، وآخرون لا تعنيهم القيم بقدر ما يستفيدون من أصحابها، وفي سهم المؤلفة قلوبهم ما يفسر ما نصبو إليه ونتغياه.

والثورات تحتاج إلى مؤيدين وأبواق إعلام مسموعة وأصحاب خبرات سياسية تغلغلوا في الدولة سابقًا وعرفوا أدق تفاصيلها وعاشوا جو الحكم وخبروه.

وفي تلك المرحلة يجب القيام بعملية استقطاب لبعض الرموز الهامة إعلاميًّا وسياسيًّا عن طريق بذل المال أو المناصب من أجل استخدامهم لصالح الثورة والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم السابقة، لكن في الوقت ذاته يجب الحذر والحيطة في التعامل معهم، ووضع قيود تمنعهم من الانقلاب على الثورة، أو النيل منها.

إنشاء المراكز البحثية والاعتماد عليها

تمثل المراكز البحثية ركنًا هامًّا في عملية اتخاذ القرار، ويتوقف مدى صحة القرار من عدمه على ما تقوم به المراكز البحثية من جمعٍ وتحليل للمعلومات والمعطيات.

فالكثير من الحكومات والأجهزة السياسية المتنفذة الغربية، تعتمد على مراكز الأبحاث للاستفادة من خدماتها ودراساتها.

فالولايات المتحدة الأمريكية -على سبيل المثال- ومع بروز ظاهرة الصحوة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي بدأت مراكز الأبحاث والدراسات فيها بالاهتمام بهذا الحقل، وجمعت الكفاءات والقدرات الفكرية والسياسية للاستفادة منهم في هذا المجال؛ للوصول إلى تصور واضح واستراتيجي عن هذه الظاهرة، ومن أشهر مخرجاتها حتى الآن تقرير مؤسسة راند.

وغالبًا ما نجد مع نمو أي ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو اقتصادية، من ينبري لها من أهل الخبرة والاختصاص في الإطار المؤسسي الذي يجمعهم لدراسة تلك الظاهرة، وتقديم نتائج أبحاثهم وخلاصة آرائهم إلى الحكومة أو الأجهزة التنفيذية في الدول الغربية.

فالمعاهد الفكرية والمراكز البحثية -على العموم- هي من الأنماط الحضارية المتقدمة في الاهتمام بالحقل المعرفي والعلمي والتي تساهم وتهدف إلى:

1- تركيز وتكثيف الجهود العلمية المتخصصة، حيث تعدّ هذه المراكز وعاء مستوعبًا للجهود المبذولة، مما يرجع على الباحثين، وذوي الاهتمام الفكري والبحثي، والمجتمع بالفائدة.

فالباحث يستفيد من التلاقح الفكري والعصف الذهني والوفرة المعلوماتية التي توفرها تلك المراكز، ويستفيد المجتمع من الإنتاج الفكري والبحثي.

2- دعم صناع القرار؛ فرجل السياسة والتنفيذ بحاجة إلى الجهود البحثية المركزة، التي تبلور له الخيارات وتوضح له السياسات، وتفصّل له القضايا بشكل علمي ودقيق، بما يسهل عليه استيعاب القضايا واستراتيجيات التعاطي معها.

3- تطوير الحياة المعرفية عن طريق أنشطتها المختلفة، فتقدم وتطور الحياة الثقافية والعلمية، وغالبًا ما يكون من ورائه مؤسسات ومعاهد ومراكز للبحوث والدراسات في مختلف الحقول والاختصاصات، حيث تقوم هذه المراكز بمد الساحة بالمعلومة الموثوقة، والتحليل العلمي الرصين.

4- فتح الآفاق لرؤية المستقبل بتصور علمي متزن بعيدًا عن العواطف الفكرية، والآراء الغالية الجموحة التي تنطلق من تصورات ومنطلقات غير دقيقة ولا علمية [32].

ونحن نحتاج إلى أكثر من مركز بحثي؛ فالنوازل السياسية والفكرية والفقهية تحتاج لمعالجة ومتابعة وتحليل ومراجعة.

فمركز سياسي واحد لا يكفي، والمسألة ليست سياسية فحسب، بل فكرية وفقهية واجتماعية … إلخ.

ولا ننسى أقسام الترجمة التي نسيناها، فأين متابعة ما يكتبه العبريون الصهاينة في رؤيتنا، وكذا الشيعة الفارسيون، وكذا الأمريكان والألمان والفرنسيون… إلخ.

الكوادر موجودة، لكن الرؤية والإرادة تحتاج إلى همة وعزم، ومن يبغي بناء الدولة يسترخص الأموال في سبيل ذلك.

باحث مصري سنة 2055

لقد رسم العلامة ابن خلدون الطريق لمن همّ بالكتابة في التاريخ، ومن أراد الاشتغال بصنعة التأريخ فقال: «اعلم أنّ فنّ التّأريخ فنّ عزيز المذهب، جمّ الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتّى تتمّ فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدّين والدّنيا.

فهو محتاج إلى مآخذ متعدّدة ومعارف متنوّعة وحسن نظر وتثبّت يفضيان بصاحبهما إلى الحقّ، وينكّبان به عن المزلاّت والمغالط؛ لأنّ الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرّد النّقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السّياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنسانيّ، ولا قيس الغائب منها بالشّاهد والحاضر بالذّاهب فربّما لم يؤمن فيها من العثور ومزلّة القدم، والحيد عن جادّة الصّدق.

وكثيرًا ما وقع للمؤرّخين والمفسّرين وأئمّة النّقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرّد النّقل غثًّا أو سمينًا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النّظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط» [33].

ولك -أيها القارئ الكريم- أن تتصور أن باحثًا مصريًّا أو عربيًّا أو حتى أجنبيًّا ولد سنة 2030م.

وعندما بلغ هذا الإنسان مبلغ البحث والتنقيب والكتابة والتأليف أراد أن يكتب عن الثورة المصرية والحركات الثورية والجماعات الدينية والأحزاب السياسية إبّان فترة الربيع العربي، تلك الثورة التي ذاع صيتها آنذاك، وأذهلت العالم، والتي كان لها دور كبير ومؤثر فيما تلاها من ثورات في المنطقة، والتي تحرر فيها الشعب من نظام صادر حريته عقودًا طويلة، واختار من يمثله في الانتخابات النيابية ومن يحكمه بكل حرية.

وأراد هذا الباحث أن يعرف ما هو الدور الوطني للحركات الثورية والجماعات الدينية والأحزاب السياسية في البناء والتعمير.

فلا شك أن هذا الإنسان الباحث سوف يبحث عن مصادر ومراجع يرجع إليها ويستفيد منها؛ ليوثق تلك المرحلة، وليعرف ما الذي حدث فيها بالفعل، فيقارن الأحداث، متحريًا الصادق منها، وطارحًا المكذوبة والمختلقة، وذلك بما يملكه من أدوات المؤرخ والباحث المنصف.

وهو في طريق البحث سوف يذهب إلى دار الكتب المصرية للاطلاع على الأرشيف للجرائد والمجلات والصحف التي كانت تصدر في هذه الفترة؛ لمعرفة مجريات الأحداث والأمور.

وسوف يطلب الاطّلاع على الدستور والوطن والمصري اليوم ورز اليوسف والأهرام والأخبار والجمهورية وفيتو والفتح والمصريون والفجر والوفد واليوم السابع والبديل….. إلخ.

وسوف يجد أن الحركات الثورية وبعض الجماعات الكبرى كانوا إرهابيين سفاحين قتلة، يحاربون الوطن، ويتفننون في إشعال الحرائق، وتخريب الوطن، وترويع المواطنين، وأنهم كانوا يتاجرون بالدين، ويقومون بصناعة الأزمات الاقتصادية، ويحرقون الكنائس، ويقتلون المسيحيين.

وسوف يجد صوتًا ضعيفًا جدًّا وخافتًا من خلال جريدة الحرية والعدالة للدفاع عن الثورة ومنجزاتها؛ إذ إنها هي الجريدة الوحيدة الفريدة التي كانت لسان حال حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين وأكبر حزب سياسي جماهيري ولد في أعقاب الثورة، هذا الحزب الذي كانت له الأغلبية في مجلس النواب، ووصل رئيس هذا الحزب إلى سدة الحكم في مصر.

وسوف يوسِّع هذا الباحث دائرة بحثه عندما يرى هذا الكم الهائل من التهم والجرائم التي ارتكبها أفراد تلك الحركات الثورية والجماعات الإسلامية، والمتهمة بقطع الطرق العامة وترويع المواطنين، وأنهم فعلوا أفاعيل مخزية، بل واتهام رئيس الدولة بتسريب أسرار الدولة إلى دول عربية وإسلامية وحركات مقاومة، وكذلك الوزراء بأنهم شاركوا في قطع الطرق.

هؤلاء جميعًا اتهموا بأنهم كانوا يريدون حربًا أهلية وسعوا في إشعال وقودها، لكن الجيش تدخل لحماية الدولة والأمة من ذلك.

وبعد الاطلاع على كل هذه الأحداث فإن الباحث سيأخذه تفكيره إلى الذهاب إلى النيابات العامة والمحاكم، وسوف يحاول الاطلاع على محاضر التحقيق.

وسوف يرى كيف اعترف هؤلاء على أنفسهم، وأقروا بكل التهم المنسوبة إليهم.

ثم يطّلع على الأحكام وحيثياتها، والتي نطق بها القضاة، وكيف أنهم حكموا بالإعدام -مثلًا- على ما يربو على خمسمائة فرد اشتركوا في قتل ضابط بالمنيا.

وكيف أن النساء والأطفال اشتركوا في هذه الجرائم الآثمة مما دفع القضاء الشامخ العادل إلى الحكم عليهم بالمؤبدات والأحكام المشددة.

ثم إن هذا الباحث سوف يبحث عن البرامج التي كانت تتابع وترصد هذه القضايا في تلك الفترة الحرجة من تاريخ مصر.

وسوف يشاهد الضيوف والمداخلات، وكيف أنهم كانوا يصبّون جام غضبهم على الثوار والإسلاميين، بل ويدعون لقتلهم في الشوارع دون محاكمة.

ولكن -وللأسف- فهذا الباحث لا يعلم حقيقة أحمد موسى، ولا إبراهيم عيسى، ولا مجدي الجلاد، ولا وائل الإبراشي، ولا عمرو أديب، ولا عزمي مجاهد، ولا توفيق عكاشة، ولا محمد الغيطي، ولا عادل حمودة، ولا القرموطي، ولا أماني الخياط، ولا لميس الحديدي… إلخ، ولا مدى عدالتهم ونزاهتهم.

ولا يعرف هؤلاء القضاة الذين أصدروا هذه الأحكام، ولا وكلاء النيابة الذين قاموا بالتحقيقات.

فهذا الباحث سوف يخرج من خلال بحثه واطلاعه بنتيجة مفادها أن هؤلاء الثوار شياطين خونة قتلة لا يرقبون في الوطن والمواطن إلًا ولا ذمة.

وأظن أنه لا تثريب على هذا الباحث في النتائج التي سوف يصل إليها؛ لأنه استفرغ وسعه في البحث والاطلاع، وعدّد مصادره، ولم يكتف بمصدر واحد، بل اطلع على ما وصلت إليه يده من تراث مرئي ومقروء… إلخ.

وعليه،

فإنه يتعين على الباحثين ممن انتموا إلى الثورة المصرية وغيرهم من الباحثين والكتاب المنصفين أن يؤرخوا لهذه الفترة من خلال كتب مطبوعة كثيرة جدًّا؛ حتى تسد هذا العجز والنقص القائم في الإصدارات المطبوعة من الجرائد والصحف.

وعلى الوطنيين من كل أطياف الثورة أن يكثروا من الفضائيات المرئية لتقوم بعملية توازن وتصحيح مفاهيم للأفكار المسمومة التي يبثها الإعلام المضاد في عقول المواطنين صباح مساء.

فالإعلام خلق حالة من الكراهية ضد الثورة وشبابها وشيوخها، وتحفّزٍ ضدهم، واستحلال لمالهم ودمهم وعرضهم.

وهذه الحالة سوف تظل في الأذهان ما لم تأت مؤثرات أخرى تزيل هذه الحالة، أو على الأقل تشكّك فيها، وتطعن في سياقاتها.

وإذا لم نتنبه لذلك فلا نلوم أحدًا إن عابنا التاريخ وذمّنا وقدح فينا.

فالتاريخ يكتبه الأقوياء المنتصرون.

وكلٌ يكتب التاريخ من رؤيته ونظرته.

وكنّا نتعجب كيف يتم تزوير التاريخ، فإذا بنا نرى التاريخ يزوّر ونحن نعيشه، يزوّر ونحن كنا جزءًا منه، وشاهدين عليه.

إن الصراع في إحدى تجلياته صراع فكري وصراع إعلامي.

فهو ليس صراعًا أيديولوجيًّا فقط.

أو صراعًا سياسيًّا فقط.

أو صراعًا حول مصالح فحسب.

والثقافة والفكر والإعلام من أكبر العوامل التي تؤثر في هذا الصراع.

والنصر محجوز لمن يملك الإمكانات، ويصبر على تثبيت وجهة نظره.

أما من يعيش دور المظلومية ولا يحاول أن يغير من واقعه فلا يلومنّ إلا نفسه، ولا يحزن إن كان بقعة سوداء في كتاب التاريخ، يمقتها كل من يطالعها، ولا يتعاطف معها.

فما زال هناك ما يمكن تداركه من التقصير بفهم أدوات الصراع، وكيفية الاستفادة بها، وإلا ظلمنا أنفسنا والأجيال اللاحقة لنا.

الإعلام عين الشعب

لقد هُزمنا إعلاميًّا قبل أن نُهزم سياسيًّا.

إن الإعلام يعتبر هو عين الشعب على وضعهم ودولتهم، وهذه العين لا ترى إلا ما يُسمح لها أن تراه.

فقد تعيش في حرب وهمية غير موجودة على أرض الواقع.

وقد يُصوّر لها أن الأمور مستتبة والحرائق مشتعلة بجوارها وهي لا تشعر بذلك.

ولهذا نرى أنه قد فشل إعلام ثورات الربيع العربي فشلًا ذريعًا في المحافظة على المكتسبات التي حصل عليها بعد ثورتي تونس ومصر؛ حيث لم يحاصر الإعلام المضاد، بل ترك له المساحة والحرية الكاملة لزعزعة نفوس الشعب، وخلخلة ثقتها في مفرزات الثورة، بل والتشكيك في جدواها، والذي عمل على إعادة تدوير الرموز القديمة، وإلباسها ثياب الثورة، وأعاد تقديمها للشعب من جديد.

ولم يستطع هذا الإعلام الثوري الوصول إلى جميع شرائح المجتمع، وانشغل بالدفاع عن نفسه من خلال الرد على القضايا والمشكلات التي كان يثيرها الإعلام المضاد، وليته نجح.

لقد اهتم بالصراعات الحزبية والسياسية والأيديولوجية، وهي قضايا قد لا تشغل بال الكثير من الشعب الذي لا يهمه إلا تأمين لقمة عيشه.

لقد ظنّوا أن الدنيا كلها سياسة ودين.

فكانت قنواتهم إما برامج دينية أو سياسية.

أين الرسوم المتحركة للأطفال؟

أين المطبخ للمرأة؟

أين الأفلام والمسلسلات الفنية الهادفة؟

أين؟ …… أين؟ أين؟

لقد غزت أمريكا العالم بتوم وجيري قبل أن تغزوه بسلاحها، ولا زالت هوليوود ترسم صورة لأمريكا على أنها منقذة البشرية، ورجالها أبطال العالم الخارقون.

واليابان غزت العالم بأفلامها الكارتونية.

والهند تسير في هذا المضمار الآن.

ثم إن أصحاب المصالح والأموال في الدول التي قامت بها ثورات الربيع العربي أنشأوا مئات القنوات.

قنوات أفلام….

قنوات أطفال….

قنوات حوارية (توك شو) …

والثوار والإصلاحيون أنشأوا قناتين أو ثلاثة….

ولقد قام الإعلام الثوري على أكتاف الهواة قليلي الخبرة في مقابل إعلام يقوم عليه محترفون لديهم الخبرة الواسعة في هذا المضمار.

ولم يُنفق الثوار على إعلامهم بالقدر الذي يجذب العوام والبسطاء، في مقابل الإبهار العيني الذي مارسه الإعلام المضاد، والذي تم إنفاق المليارات عليه.

ففي ظل إعلام فاسد يصبح التأثير سلبًا على المواطن هو سيد الموقف ما لم يتخلَّ الإعلام الثوري عن نمطه التقليدي من نشر الأخبار وبعض البرامج الروتينية، ويصبح المطلوب هو الاهتمام بالجانب الفكري والثقافي وتوعية الشعب، عبر عدد كبير من البرامج الهادفة والمحددة الأهداف من أجل تغيير قناعات الجمهور وجعله يلتف حول الثورة، مكوّنًا حاضنة شعبية قوية من كافة أطراف المجتمع.

ومن إحدى كبرى المشكلات التي واجهت الثورة السورية في الثمانينيات كانت مشكلة الإعلام، وأُهمل الإعلام على صعيد الداخل نهائيًّا، واقتصر الإعلام على نطاق الخارج، ولكنه تورط في التهويل وتوج ذلك فيما رافق حماة وأحداثها، وما دأبت عليه النذير من التهاويل، ولقد كان إعلامًا إخباريًّا، أكثر منه إعلامًا فكريًّا موجهًا لغزو قلوب الأنصار والمؤيدين في الداخل والخارج [34].

كما يعاني الإعلام الثوري الإسلامي من قضية النخبوية، ومخاطبة فئات اجتماعية وسياسية بعينها، وإهمال باقي فئات المجتمع.

ينبغي على الإعلام الثوري توجيه خطاب إعلامي عام وشامل يمس أوجاع المواطن البسيط والعادي، ويوضح له فكرة ومفهوم وأهداف الثورة، وتقديمها له في صورة بسيطة بعيدًا عن الشعارات الفضفاضة وغير المفهومة للمواطن البسيط، مع التركيز على قضايا الظلم والفقر، والعدالة الاجتماعية والمساواة…. إلخ.

والاهتمام بالفنون وخاصة الأفلام والمسرحيات والمسلسلات التي تصل لأبسط الشرائح حاملة الفكرة المراد توصيلها.

فأن تكون القنوات كلها سياسية إخبارية فهذا لا يخدم القضية الخدمة المرجوة، ويكون المتابع لهذه القنوات شرائح أقل من المطلوب.

نريد إيصال فكرتنا للمرأة في مطبخها، والبائعة على الرصيف، والجالس على المقهى، والفن وسيلة مضمونة لإيصال الفكرة.

ولأن الإعلام صناعة ثقيلة تحتاج إلى الموارد الضخمة والاحتراف والمهنية… إلخ فإنه يكفينا في هذه المرحلة التراث الفني الموجود، مع النظر في حذف بعض المشاهد الخارجة، وبحث كيفية نشره على قنواتنا دون مشكلة قانونية.

لقد حدث تحالف بين أصحاب الإمبراطوريات الاقتصادية الضخمة المرتبطة بالنظام القديم وكثير من الإعلاميين الذين قاموا بعملية غسيل مخ للشعب، ونجحوا في ذلك نجاحًا ساحقًا.

لقد أثبت أصحاب الإعلام المضاد أنهم يفهمون نفسيات الشعوب، وأنهم يستطيعون التوجيه وتكوين الرأي العام لأهدافهم.

والعجيب أن الإعلام المضاد قد سار على نهج «بروتوكولات حكماء صهيون» في الاستفادة من الإعلام إلى أبعد مدى.

وسأتركك -أيها القارئ الكريم- مع هذه النصوص دون تدخل مني لترى إلى أي مدى فشلنا ونجح غيرنا.

البروتوكول الثاني عشر:

ما الدور الذي تلعبه الصحافة (الإعلام) في الوقت الحاضر؟

إنها تقوم بتهييج العواطف الجياشة في الناس، وأحيانًا بإثارة المجادلات الحزبية الأنانية التي ربما تكون ضرورية لمقصدنا، وما أكثر ما تكون فارغة ظالمة زائفة، ومعظم الناس لا يدركون أغراضها الدقيقة أقلّ إدراك.

غير أني سأسألكم توجيه عقولكم إلى أنه ستكون بين النشرات الهجومية نشرات نصدرها نحن لهذا الغرض، ولكنها لا تهاجم إلا النقط التي نعتزم تغييرها في سياستنا.

حينما نصل إلى السلطة ستنضم هذه الوكالات (وكالات الأنباء) جميعًا إلينا، ولن تنشر إلا ما نختار نحن التصريح به من الأخبار.

إذا كنّا قد توصلنا في الأحوال الحاضرة إلى الظفر بإدارة المجتمع الأممي (غير اليهودي) إلى حد أنه يرى أمور العالم خلال المناظير الملونة التي وضعناها فوق أعينه.

الأدب والصحافة (الإعلام) هما أعظم قوتين تعليميتين خطيرتين، ولهذا السبب ستشتري حكومتنا العدد الأكبر من الدوريات.

إن الصحف الدورية التي ننشرها ستظهر كأنها معارضة لنظراتنا وآرائنا، فتوحي بذلك الثقة إلى القراء، وتعرض منظرًا جذابًا لأعدائنا الذين لا يرتابون فينا، وسيقعون لذلك في شَرَكنا، وسيكونون مجردين من القوة.

وفي الصف الأول سنضع الصحافة الرسمية، وستكون دائمًا يقظة للدفاع عن مصالحنا، ولذلك سيكون نفوذها على الشعب ضعيفًا نسبيًّا.

وفي الصف الثاني سنضع الصحافة شبه الرسمية Semi Official التي سيكون واجبها استمالة المحايد وفاتر الهمة.

وفي الصف الثالث سنضع الصحافة التي تتضمن معارضتنا، والتي ستظهر في إحدى طبعاتها مخاصمة لنا، وسيتخذ أعداؤنا الحقيقيون هذه المعارضة معتمدًا لهم، وسيتركون لنا أن نكشف أوراقهم بذلك.

ستكون لنا جرائد شتى تؤيد الطوائف المختلفة: من أرستقراطية وجمهورية، وثورية، بل فوضوية -أيضًا.

حين يمضي الثرثارون في توهم أنهم يرددون رأي جريدتهم الحزبية فإنهم في الواقع يرددون رأينا الخاص، أو الرأي الذي نريده، ويظنون أنهم يتبعون جريدة حزبهم على حين أنهم -في الواقع- يتبعون اللواء الذي سنحركه فوق الحزب.

البروتوكول الثالث عشر:

إن أولئك الذين قد نستخدمهم في صحافتنا من الأمميين سيناقشون بإيعازات منا حقائق لن يكون من المرغوب فيه أن نشير إليها بخاصة في جريدتنا Gazette الرسمية.

وحينئذ ستحول الصحافة نظر الجمهور بعيدًا بمشكلات جديدة، وسيسرع المغامرون السياسيون الأغبياء إلى مناقشة المشكلات الجديدة، ومثلهم الرعاع الذين لا يفهمون في أيامنا هذه حتى ما يتشدقون به.

لكي نذهل الناس المضعضعين عن مناقشة المسائل السياسية نمدهم بمشكلات جديدة، أي: بمشكلات الصناعة والتجارة، ولنتركهم يثورون على هذه المسائل كما يشتهون.

وسرعان ما سنبدأ الإعلان في الصحف (الإعلام) داعين الناس إلى الدخول في مباريات شتى في كل أنواع المشروعات: كالفن والرياضة وما إليهما.

هذه المتع الجديدة ستلهي ذهن الشعب حتمًا عن المسائل التي سنختلف فيها معه.

وهذه الخطوط سنقدمها متوسلين بتسخير آلاتنا وحدها من أمثال الأشخاص الذين لا يستطاع الشك في تحالفهم معنا، إن دور المثاليين المتحررين سينتهي حالما يعترف بحكومتنا، وسيؤدون لنا خدمة طيبة حتى يحين ذلك الوقت.

ولهذا السبب سنحاول أن نوجه العقل العام نحو كل نوع من النظريات المبهرجة fantastic التي يمكن أن تبدو تقدمية أو تحررية… ولا يوجد عقل واحد بين الأمميين يستطيع أن يلاحظ أنه في كل حالة وراء كلمة «التقدم» يختفي ضلال وزيغ عن الحق.

وهذان البروتوكولان يوضحان ويفسران كثيرًا مما نحياه في عالمنا العربي والإسلامي الذي يعاني أشد المعاناة تحت وطأة التقدم والتحديث والتنوير.

فالمعاناة من الإعلام والذين يسمون بالمثقفين والنخبة شديدة.

وأصبح القصف الإعلامي أشد من القصف بالقنابل.

ومن لا يملك الإعلام القوي يخسر في منازلاته مع خصومه.

ويمكن القول: إن من لا إعلام له كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح.

القدرة على الردع

القصاص

يختلط لدى البعض تعريف مفهوم القصاص ويقرنه دائمًا بالعنف غير المطلوب، ويصرّ الكثير من الساسة على ذلك واصفًا الثورة المصرية بالسلمية المطلقة، وكأن القصاص المشروع أصبح جرمًا.

فيجب التنبيه على أن مفهوم القصاص يختلف تمامًا عن مفهوم العنف؛ فالقصاص في حد ذاته صمام أمان لاندلاع أعمال عنف رهيبة تحرق اليابس والأخضر، وتدمر البلد بأكملها، إذا أهملت الثورة القصاص المبكر من مجرمي النظام وأذنابهم.

فكلما تركت الثورة المجال لعبث هؤلاء وإجرامهم زادت أعمال العنف من قبلهم، وحينها يصبح رد الفعل من جانب الثورة غير مأمون العواقب.

والأنظمة الديكتاتورية القمعية تلعب على وتيرة الخوف لدى الشعوب، وتطلق أيدي أجهزتها الأمنية بالبطش والتنكيل لإرغام الشعوب على الخضوع والاستكانة، كما حدث في تشيلي وإندونيسيا.

فقد «استخدم سوهارتو الرعب بدون رحمة، وبشكل فاق أسوأ التوقّعات، إلى درجة أن الرعب دبّ في نفوس الناس الذين كانوا قبل أسابيع قليلة يكافحون بشكل جماعيّ لتأكيد استقلال بلدهم، فسلّموا كامل زمام الحُكم إلى سوهارتو وأنصاره» [35].

وهنا يجب علينا أن نعرّج على مسألة هامة، وهي القدرة على الردع.

فالقوة على الردع تمثل صمام أمان وجدار حماية من بطش الدولة وقمعها، وتصبح حينها يد النظام مرتعشة ومترددة في التنكيل والبطش بشكل واسع؛ خوفًا من عمليات الردع التي تقوم بها المقاومة.

فالاستكانة والرضا بالظلم تزيد من بطش المستبد وإجرامه، فالواجب على الحركات الثورية مراعاة ذلك الجانب والاهتمام به، مع وضع آليات تنفيذ وخطة استراتيجية يقوم عليها.

وهنا نرد على الشبهة التي تتهم من يقوم بحق الردع بالتطرف والإرهاب.

الإسلاميون والعنف

توسلت الجماعات الإسلامية لمقاومة الأنظمة بتكفيرها، ورأت أن رفع السلاح لا يكون إلا لأنها كافرة.

وقد رأيت أن:

الكفر ليس موجبًا من موجبات القتال، والإيمان ليس مانعًا من موانع القتال.

وقد قال -تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9].

فالقتال بين المؤمنين موجود منذ الأيام الأولى للإسلام، وما تقاتلُ سيدنا علي وسيدنا الزبير وسيدنا معاوية عنا ببعيد.

ولم تقم دولة في الإسلام دون قتال؛ فقد قاتل العباسيون الأمويين، والعثمانيون المماليك.

ومن أجل وحدة المسلمين قاتل صلاح الدين الإمارات المجاورة له؛ حتى يُحكِم حصاره على الصليبيين.

وقد حارب العثمانيون المماليك في مصر والشام لا لشيء إلا لبسط النفوذ، وتوحيد العالم العربي تحت راية واحدة هي الراية العثمانية.

وكان يكفي الجماعات الإسلامية أن ترفع السلاح بدعوى رد الصائل ودفع المعتدي، بدلًا من خوف الأمة من الإسلاميين بدعوى التكفير، ووصمهم بأنهم ينتهجون نهج الخوارج.

وقد استغلت الأنظمة ذلك؛ فاتهمت الإسلاميين بالتكفير لهم وللمجتمعات، ولم تكن بعض الجماعات والتنظيمات بريئة من ذلك.

وقد استقر في أذهان الشعوب العربية أن من يرفع السلاح في وجه الدولة هو متشدد وتكفيري.

وفي المقابل لا ترى الشعوب بأسًا من قتل الأنظمة للشعوب.

فلو كان السلاح موجّهًا من الشعب للدولة فهو إرهاب، ولو كان من الدولة ضد الشعب فهو فرض للهيبة.

وعليه، فعلينا تغيير الخطاب الإعلامي، وتأكيد حق الشعوب في الدفاع عن نفسها ضد البغاة الظالمين حتى وإن كانوا مسلمين.

ويجب تغيير فكرة أنه لا يجوز رفع السلاح على مسلم؛ فالمسلم المعتدي يُرَد بالسلاح.

ولتوحيد الأمة ضد العدو الخارجي تُفتح البلدان بالقوة والسلاح؛ فالوحدة بين الأمة أولى من التشرذم والتفرق.

وطلب الوحدة يكون بالدعوة والموعظة الحسنة، لكن إن لم تُجدِ نفعًا فالسلاح اضطرارًا.

وقد وعى الأوائل ذلك؛ فكانوا قبل الهجوم على القدس لاستردادها يحاولون توحيد مصر والشام تحت راية واحدة، وتخليصها من الحكم الشيعي قبل حملة تطهير البلاد من العدو الخارجي.

قال أبو بكر النابلسي: لو كان معي عشرة أسهم، لرميت الروم سهمًا، ورميت بني عبيد تسعة [36].

وهذا تأكيد لقول القائل: فتح فلسطين يمر من خلال القاهرة ودمشق وغيرها من المدن المحيطة بفلسطين المحتلة.

وقد أطلت النفس في هذه المسألة لأهميتها، ولأننا ما زلنا مشوشين فيها.

والوعي بالمسألة ليس معناه تنفيذها، أو التعجل في استخدامها، ولكن لو احتجناها أو اضطررنا إليها تكون الأمور واضحة في أذهاننا.

ونخلص من هذه النقطة إلى نقطة لا تقل خطورة عنها، وهي:

ماذا لو سلكت الثورة طريق السلاح؟

وما هي مخاوف حمل السلاح؟

وما هي نتائج تجارب حمل السلاح؟

تعتبر قضية حمل السلاح من القضايا الشائكة للغاية، والتي قد تحتاج إلى بحث منفرد لخطورة وضعها وأهميتها، وعند تناول تلك القضية يجب النظر إلى عدة نقاط:

هل المقصود بحمل السلاح هو الدخول في صدام مفتوح مع النظام؟

أم المقصود القيام بعمليات نوعية مربكة ومخيفة للنظام؟

هل توجد الاستعدادات الكاملة لحمل السلاح (بدني ومعنوي ومادي)؟

التجارب الإسلامية التي استخدمت السلاح ضد الأنظمة كانت فاشلة في نهايتها، ولم تحصد أي نجاحات تذكر لأسباب عديدة منها:

عدم الجاهزية لحمل السلاح والمقاومة.

عدم وجود الكوادر المؤهلة لقيادة الحراك المسلح.

عدم وجود الحاضنة الشعبية الداعمة.

عدم وجود استراتيجيات وخطط لمواجهة النظام [37].


الهامش

[1] مصطلح أُطلق على بقايا نظام مبارك.

[2] انظر: أبو مصعب السوري: التجربة الجهادية في سوريا، ص (165).

[3] انظر: كرين برينتن: تشريح الثورة، ص (168).

[4] انظر: تفسير الطبري، (18/71).

[5] تفسير ابن كثير، (4/160).

[6] أخرجه البخاري في «الاعتكاف»، باب: «هَلْ يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ»، ح(2035).

[7] طبقات ابن سعد، (2/14).

[8] انظر: أبو أيمن الحموي: رسالة في ترشيد الجهاد، ص (6).

[9] انظر: أبو مصعب السوري: دعوة المقاومة الإسلامية، ص (858).

[10] انظر: عبد الله عزام: موسوعة الذخائر العظام، كلمات من خط النار الأول، (2/332).

[11] انظر: عبد الله عزام: موسوعة الذخائر العظام، في خضم المعركة، (2/101).

[12] انظر: محمد مورو: الحركة الإسلامية، رؤية من قرب، ص (73، 74).

[13] انظر: إدارة التوحش، ص (46).

[14] أخرجه البخاري في «الشروط»، باب: «الشُّرُوطِ فِي الْجِهَادِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ»، ح(2731) عن المسور بن مخرمة ومروان.

[15] سنن البيهقي الكبرى، (6/367).

[16] انظر: اعترافات جولدا مائير، ص (126-129).

[17] عقيدة الصدمة، ص (253).

[18] انظر: جلال أمين: ماذا حدث للمصريين، ص (103).

[19] انظر: كرين برينتن: تشريح الثورة، ص (231).

[20] انظر: اعترافات جولدا مائير، ص (227).

[21] انظر: كرين برينتن: تشريح الثورة، ص (68-69).

[22] انظر: أبو مصعب السوري: التجربة الجهادية في سوريا، (1/172).

[23] سيغموند فرويد: علم نفس الجماهير، ص (38).

[24] السابق، ص (39) باختصار.

[25] لا أوافق الأستاذ مورو في هذا التوصيف.

[26] انظر: محمد مورو: الحركة الإسلامية، رؤية من قرب، ص (128).

[27] انظر: أبو مصعب السوري: أفغانستان والطالبان ومعركة الإسلام اليوم.

[28] انظر: أبو مصعب السوري: ملاحظات حول التجربة الجهادية في سوريا، ص (6).

[29] انظر: محمد الشافعي: مخابرات دولة الرسول، ص (95).

[30] انظر: أبو مصعب السوري: التجربة الجهادية في سوريا، (2/30).

[31] انظر: محمد الشافعي: مخابرات دولة الرسول، ص (195)، ومغازي الواقدي، (3/1117).

[32] انظر: عصام زيدان، موقع الإمام الشيرازي الرابط

[33] تاريخ ابن خلدون، (1/13).

[34] انظر: أبو مصعب السوري: ملاحظات حول التجربة الجهادية في سوريا، ص (5).

[35] انظر: نعومي كلاين: عقيدة الصدمة، ص (106).

[36] العبر في خبر من غبر، (2/116).

[37] راجع: أبو مصعب السوري: التجربة الجهادية في سوريا.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال شامل طرح عديد من الأسئلة وحاول الاجابة على بعضها ومن أهم ماجاء فيه أن الجماهير هم حاضنة الحركات الاسلامية ومن المهم ان يتواجدوا معتلك الحركات فى جميع مراحل الطريق وان الأمر اعظم من ان تتحمل الحركات مسئوليات القيادة وحدها او الاستئثار بالحكم. وأن الحركات الاسلامية يجب ان تستثمر فى تنمية الكوادرو ان تمتلك مساحة فى الاعلام و مراكز التأثير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close