فورين أفيرز: هل تستطيع المملكة الاستمرار في سياسة التحوط؟

نشرت مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية في 20 إبريل 2026 تقريراً لـ “ماريا فانتابي”، وهي رئيسة برنامج البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وأفريقيا في معهد الشؤون الدولية في روما؛ و “والي نصر”، الأستاذ في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز – حيث يخلص التقرير إلى أن الحرب الإيرانية غيّرت موازين القوى في الخليج، وكذلك حسابات المملكة العربية السعودية.
وقد جاء التقرير على النحو التالي:
على مدار ستة أسابيع من الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، أثار ضبط النفس الذي أبدته المملكة العربية السعودية حيرة بعض المراقبين. فبعد كل شيء، امتدت الحرب سريعاً إلى الخليج العربي. وقد أنهت الهجمات الإيرانية الانتقامية على البنية التحتية في دول الخليج، ثم إغلاق طهران لمضيق هرمز وحصار واشنطن اللاحق له، نموذجاً أمنياً هيمن لعقود وساهم في الصعود المذهل لاقتصادات دول الخليج.
ورغم سماح المملكة للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها، إلا أنها امتنعت عن الرد المباشر على الضربات الإيرانية. وبينما اكتفت بإصدار تحذيرات دبلوماسية مقتضبة، فإنها على عكس دولة الإمارات العربية المتحدة، لم تدعُ إلى استمرار الحرب أو تتعهد بالانضمام إلى الحملة الأمريكية الإسرائيلية. وعلى عكس عُمان وقطر، فقد حجّمت جهودها الدبلوماسية مع إيران، واكتفت بدعم جهود باكستان للتوسط في خفض التصعيد.
ويُعدّ موقف الرياض، إلى حدٍّ ما، امتداداً لاستراتيجية تحوّط طويلة الأمد طالما تبنتها المملكة. حيث تشعر المملكة بالقلق من تعاظم قوة إيران؛ فبعد القطيعة التي حدثت عام 2016، لم تُطبع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلا عام 2023، بموجب اتفاق توسطت فيه الصين. لكن منذ ذلك الحين، باتت المملكة تشعر بالقلق أيضاً من طموحات إسرائيل في الشرق الأوسط. فهي لا ترغب في أن تصبح إيران أو إسرائيل قوة مهيمنة إقليمياً. وعلى الرغم من أن الحرب قد عرقلت مساعي التقارب بين الرياض وطهران، إلا أن أيٌّ من العاصمتين لا ترغب في انهيار العلاقات تماماً.
وحتى الآن، تتبنى الرياض موقف الترقب والحذر. فهي حريصة على الحفاظ على وقف إطلاق النار مع الحوثيين، والذي تحقق نتيجة لتطبيع علاقاتها مع إيران. ومشاركة السعودية المباشرة في الحرب من شأنها أن تدعو الحوثيين لشن هجمات، مما قد يعرض صادرات النفط السعودية العابرة للبحر الأحمر للخطر.
لكنها تدرك أيضاً أنها لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة لضمان أمن الشرق الأوسط. فإذا صعّدت إيران هجماتها، مستهدفةً البنية التحتية السعودية الحيوية، فقد تدخل الرياض الحرب، ناشرةً قواتها الجوية وقدراتها الصاروخية.
وبغض النظر عن كيفية انتهاء الصراع، تدرك المملكة ضرورة الحفاظ على اقتصادها واستقلالها الاستراتيجي. وستواصل التطلع إلى الولايات المتحدة للحصول على بعض الدعم، لكن سيتعين عليها استكمال ذلك بتعميق تحالفها الإقليمي مع مصر وباكستان وتركيا، والسعي إلى مزيد من الاعتماد على الصين. كما ستحتاج إلى البحث عن ترتيب جديد مع إيران لإدارة تداعيات الحرب. وإذا استطاعت طهران تحقيق ذلك وحشد دعم جميع دول مجلس التعاون الخليجي لموقفها (بما في ذلك الإمارات والبحرين اللتان ضغطتا من أجل موقف أكثر حزماً تجاه طهران)، فسيكون لديها فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي والعالمي بعد انتهاء الحرب، بدلاً من أن يتلاشى.
اختلال التوازن
لطالما فضّلت السعودية أن تكون إيران ضعيفة ومُحاصرة، لا تُهدد أمن الرياض أو خططها الاقتصادية. فبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، راقبت السعودية بقلق تنامي نفوذ إيران في العالم العربي. وكان دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتمرد الحوثيين في اليمن مصدر قلق بالغ للرياض، ما دفعها للتدخل عسكرياً هناك، الأمر الذي فاقم التوترات مع إيران.
وانهارت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين بعد هجوم شنّه حشد غاضب على السفارة السعودية في طهران عام 2016، وبعد ثلاث سنوات، تعمّق الخلاف أكثر بعد أن هاجم الحوثيون – بتحريض من إيران – منشآت نفطية سعودية، ما أدى إلى تعطيل نصف إنتاج النفط السعودي لفترة وجيزة. وقد صدم هذا الهجوم المباشر القادة السعوديين. لكنّ تقاعس الولايات المتحدة عن الرد بقوة، وتخليها عن التزاماتها بالدفاع عن شريكها وحماية أمن الطاقة العالمي، كان له وقع مماثل.
وأقنعت هذه التجربة الرياض بأنها لا تستطيع الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية. فاستثمرت في إنتاج صواريخها الخاصة، وهددت بامتلاك أسلحة نووية، واتجهت إلى بكين لمساعدتها في تطبيع العلاقات مع طهران. وفي الوقت نفسه، سعت السعودية إلى إبرام اتفاقية دفاعية رسمية مع الولايات المتحدة، وسط أحاديث عن جرها للتطبيع مع إسرائيل.
وشكّل الهجوم الذي قامت به حركة المقاومة الإسلامية – حماس – على المستوطنات في شمال غزة في 7 أكتوبر 2023، وردّ إسرائيل العسكري الواسع، تحدياً جديداً للمملكة. حيث كانت الولايات المتحدة تعتبر التطبيع الدبلوماسي بين إسرائيل والسعودية شرطاً أساسياً لعقد اتفاقية دفاعية، إلا أن العمليات الإسرائيلية في غزة جعلت التطبيع مستحيلاً من الناحية السياسية، على الأقل في المدى القريب.
كما حوّلت حرب غزة “إسرائيل” إلى قوة عسكرية غاشمة عازمة على رسم مستقبل الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن المملكة كانت تخشى تنامي قوة إيران، إلا أنها في الوقت نفسه لم تكن راغبة في الانخراط في نظام إقليمي تحدده إسرائيل بالكامل. ولتوسيع خياراتها، وقّعت الرياض اتفاقية دفاعية مع إسلام أباد العام الماضي. وأصبحت هذه الاتفاقية أساساً لتحالف إقليمي أوسع، يضم أيضاً مصر وتركيا، لردع واحتواء التهديدات التي تواجه المصالح السعودية من إيران وإسرائيل على حد سواء، وهو تنسيق مهّد الطريق لجهود الوساطة الباكستانية في الصراع الحالي. كانت العلاقات الثنائية بين الدول الأربع قائمة قبل الحرب الأخيرة، لكنها لم تتخذ شكل محور متعدد الأطراف إلا بعد الحرب.
وكانت العلاقات الثنائية بين الدول الأربع قائمة قبل الحرب الأخيرة، لكنها لم تتخذ شكل محور متعدد الأطراف إلا بعد الحرب. وعلى الرغم من أن الرياض لم تكن ترغب في هذه الحرب، إلا أنها لم ترَ فائدة تُذكر في وقف إطلاق نار هشّ، والذي من المرجح أن يؤدي إلى جولات إضافية من القتال، مما يُطيل أمد التهديد بنزاع طويل الأمد إلى أجل غير مسمى.
وقد ساهمت الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي أودت بحياة قادة إيران قبل الحرب في بروز شخصيات أكثر تشدداً وتطرفاً، ونظراً لأن إدارة ترامب لم تُعلن عن استراتيجية متماسكة لإدارة الحرب أو توفر حماية فعّالة لدول الخليج من الرد الإيراني، فإن الرياض لا تثق في قدرة واشنطن على استعادة الأمن الإقليمي بعد انتهاء النزاع.
ولم تتبنَّ دول مجلس التعاون الخليجي نهجاً مشتركاً في الحرب، وقد اتخذت السعودية موقفاً وسطاً بين عُمان وقطر – اللتين نأتا بنفسيهما عن النزاع وأعلنتا أنهما ستعملان مع إيران بعد انتهائه – وبين البحرين والإمارات، اللتين شجعتا إسرائيل والولايات المتحدة على إضعاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو تفكيكها بشكل حاسم. (ويبرز التباين بشكل خاص مع الإمارات: فقد هاجمت الإمارات منشأتين نفطيتين إيرانيتين في اليوم الذي اتفقت فيه إيران والولايات المتحدة على وقف إطلاق النار).
التوتر المستقبلي
وتتمثل أولوية المملكة العربية السعودية في تجنب التورط في صراع يُعرّض بنيتها التحتية الحيوية واقتصادها وتنميتها المستقبلية للخطر. ومع ذلك، فإذا شنت إيران هجمات أوسع نطاقاً على بنيتها التحتية، فقد تدخل الرياض الحرب؛ وإذا التزمت البحرين والإمارات التزاماً كاملاً بمحاربة إيران، فقد يؤثر ذلك أيضاً على حساباتها.
لكن الانضمام إلى الحرب قد يدفع المملكة نحو التطبيع مع “إسرائيل” دون الحصول على تنازلات جوهرية بشأن القضية الفلسطينية، التي تُعدّ مهمة للشعب السعودي وللعالم العربي الأوسع الذي تطمح السعودية إلى قيادته. وتعتقد السعودية أن إسرائيل ترى في الحرب وسيلةً لجعل دول الخليج العربية تابعةً لها، وحصر إيران والسعودية في صراع طويل الأمد، ما يُرسّخ هيمنة إسرائيل ويُحوّل دول الخليج إلى مجرد منتجين للنفط ذوي أهمية استراتيجية ضئيلة.
وحتى لو بقيت المملكة على الحياد وانتهت الحرب سريعاً، فقد تجد نفسها أمام وضعٍ مُعقد. فإيران، وإن كانت مُنهكة، قد تُواصل تهديد جيرانها وأمنها البحري في الخليج العربي. ومن جانبها، تفترض طهران أن هجماتها على دول الخليج لن تعرقل التعاون المستقبلي. فبعد حربها التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل في يونيو 2025، أبلغت إيران دول الخليج أنها سترد على الدول التي تستضيف قواعد أمريكية في حال اندلاع حرب جديدة. وعندما استؤنفت الحرب في أواخر فبراير، لم تكتفِ إيران بذلك، بل استهدفت البنية التحتية للطاقة والمواقع المدنية في الخليج، وأغلقت مضيق هرمز.
وترى إيران أن الضرر الذي ألحقته الحرب بعلاقاتها مع جيرانها في الخليج لا يُقارن بالرسالة التي حملتها هذه الحرب: وهي أن التحالفات مع الولايات المتحدة لا تضمن أمن دول الخليج. وتعتقد إيران أنه بعد انتهاء الحرب، ستُدرك دول الخليج أن ازدهارها الاقتصادي يتطلب منها التعاون معها. وقد أدركت إيران أن بسط سيطرتها على مضيق هرمز قد يكون أداة استراتيجية فعّالة لردع أي عدوان مُستقبلي. وبات من الشائع في أوساط السياسة الإيرانية القول بأنه لو استخدمت إيران ورقة هرمز مُبكراً، لما واجهت عقوبات قاسية أو حرباً من الأساس. كما أدركت إيران إمكانية استغلال المضيق كمصدر للدخل إذا فرضت رسوماً على التجارة البحرية، كما تفعل مصر مع قناة السويس.
وكانت إيران قد طرحت فكرة إدارة مضيق هرمز بالتعاون مع عُمان، وذلك قبل بدء الحصار الأمريكي. وبهذا الترتيب، كان يمكن طهران تقييد وصول البحرية الأمريكية إلى الخليج العربي (بل وحتى كسر الحصار)، والتفاوض على تنازلات اقتصادية وسياسية من الدول التي تعتمد على التجارة عبر المضيق. كما أشارت أيضاً إلى إمكانية توسيع الصين لدورها في الوساطة لتطبيع العلاقات بين الرياض وطهران. لكن الرياض حريصة على تجنب تحول الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
منطقة الصداقة
وأمام خيارين لا يُرضيان أحداً – إما الخضوع للهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط أو قبول التهديد الإيراني المستمر – تسعى الرياض إلى تعزيز موقعها عبر عقد تحالفات جديدة. فبعد وقت قصير من اندلاع الحرب، عقدت مصر وباكستان والسعودية وتركيا اجتماعاً طارئاً لوزراء خارجية الدول الإسلامية، ما أدى إلى بروز باكستان كوسيط. ولا يخدم هذا الوضع السعودية في إنهاء الحرب فحسب، بل يضمن أيضاً عدم استبعاد الرياض من أي اتفاق قد تُبرمه طهران وواشنطن.
وإذا ما تعمّق التعاون بين هذه الدول الأربع، فقد يمنح المملكة ثقلاً استراتيجياً يتجاوز مجلس التعاون الخليجي والمظلة الأمنية الأمريكية. حيث تمتلك مصر وباكستان وتركيا جيوشاً ضخمة مزودة بأسلحة متطورة تقنياً. تمتلك باكستان أسلحة نووية، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ومن الواضح أن الرياض تبحث عن شركاء أمنيين خارج واشنطن، وتأمل أن تتمكن أربع دول من التأثير على إسرائيل والولايات المتحدة بشكل أكثر فعالية مما تستطيع السعودية فعله بمفردها. قد تسعى المملكة العربية السعودية إلى الحصول على قدرات طائرات مسيّرة دفاعية من قوى أخرى مستاءة من عدم الاستقرار الذي تثيره واشنطن، مثل كندا والدول الأوروبية.
وقد بدأت بالفعل في ذلك: ففي أواخر مارس، وقّعت أوكرانيا اتفاقية مع السعودية لمساعدة المملكة على دمج تكنولوجيا الطائرات المسيّرة في أنظمة الدفاع الجوي. وإذا عزّزت المجموعة الرباعية تعاونها في مجال الردع الدفاعي، ستكون السعودية في وضع أفضل للتكيف مع الأزمات الممتدة واللعب دور الوسيط في جبهات أخرى مثل لبنان وغزة.
كما أن المملكة ستحتاج إلى وضع إطارها الخاص لأمن الخليج، وحشد دول الخليج الأخرى والمجموعة الرباعية لدعم اتفاق مع إيران بشأن الأمن البحري في الخليج. وستطالب إيران المملكة بضمان عدم استخدام القواعد الأمريكية التي تستضيفها لشنّ هجمات على الأراضي الإيرانية. أما السعودية، فستتوقع ضمانات بأن أراضيها لن تكون هدفاً للرد من إيران أو وكلائها.
ولكي تنجح اتفاقية عدم الاعتداء هذه، سيتعين على المملكة الاستثمار في جعل مجلس التعاون الخليجي مؤسسة متعددة الأطراف قادرة فعلاً على ضمان المرونة الاقتصادية والدفاع لجميع أعضائه، كما يجب أن تتضمن الاتفاقية ضمانات أمنية للدول الأخرى الأعضاء في المجلس التي تتبنى نفس الاتفاق.
وقد اتبعت عُمان وقطر بالفعل نموذجاً مماثلاً في التعامل مع إيران، وتعرضتا لهجمات أقل على أراضيهما خلال الحرب الأخيرة؛ وقد ترى دول أخرى في مجلس التعاون الخليجي مصلحة في الاقتداء بهما.
وبالطبع، فقد تنظر “إسرائيل” إلى تحركات المملكة لتعزيز شراكاتها مع مصر وباكستان وتركيا، والتعامل مع إيران ما بعد الحرب، على أنها سياسة خطيرة. ولكن إذا أصبح هذا الرباعي أكثر نفوذاً، وتم التوصل إلى اتفاقية عدم اعتداء إيرانية سعودية، فقد يفيد ذلك إسرائيل من خلال احتواء إيران ووكلائها، والمساعدة في تمهيد الطريق للتطبيع مع المملكة.
وتنظر الرياض إلى القيادة الجديدة في طهران بعين الريبة، إذ تعتبرها أكثر تشدداً وأكثر انقساماً. وهي شريك غير محتمل في صياغة ترتيب أمني إقليمي قابل للتطبيق. لكن إيران والمملكة العربية السعودية ستظلان جارتين، تُقيّد الجغرافيا خياراتهم. كما أن البديل عن التعايش هو دوامة صراع مستمرة من شأنها أن تُهلك إيران ودول الخليج العربي على حد سواء.



