fbpx
تقاريرترجمات

قراءة في تقرير راند عن تركيا ورسائله المبطّنة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

( قراءة في تقرير راند عن تركيا مع ترجمة كاملة للفصل التاسع والأخير من التقرير – وحدة الترجمة بالمعهد المصري)

أثار التقرير الذي أصدرته مؤسسة راند الأمريكية مؤخراً عن السياسة الخارجية التركية جدلاً واسعاً في البلاد، حيث إنه لم يستبعد إمكانية حدوث انقلاب عسكري جديد، واستند في ذلك إلى الزعم بأن هناك حالة من عدم الرضا بين الضباط من الرتب المتوسطة الذين يخافون أن تطالهم إجراءات قانونية قامت بها الحكومة التركية ضد أتباع تنظيم فتح الله جولن (FETO) المصنف إرهابياً في البلاد، في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها عام 2016. و في واقع الأمر، فإن الإشارة لموضوع احتمالات الإنقلاب العسكري جاءت بشكل عابر في التقرير، و لم تكن هي محوره الأساسي بالشكل الذي ألقي عليه الضوء إعلاميا في تركيا بشكل ضخم، إلا أنه على الجانب الأخر، احتوى التقرير مواضيع أخرى على جانب كبير من الأهمية و الخطورة مما يتطلب قراءة متعمقة له لاستكشاف ما يمكن أن يكون دائرا في أروقة صناعة القرار الأمريكية فيما يتعلق بتركيا في الوقت الراهن.

ومؤسسة راند هي مؤسسة أبحاث أمريكية غير ربحية تعمل في مجال السياسة العامة، و هي وثيقة الصلة بوزارة الدفاع الأمريكية، وقد تم إنشاؤها عام 1948 بواسطة شركة دوجلاس للطائرات لتقديم الأبحاث والتحليلات للقوات المسلحة الأمريكية، ويتم تمويلها من قبل الحكومة الأمريكية والتبرعات الخاصة والشركات والجامعات والأفراد.

التقرير جاء بعنوان “المسار القومي لتركيا: الآثار المترتبة على الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وتركيا والجيش الأمريكي”، واشترك في إعداده ستيفن ج. فلاناجان، إف. ستيفن لارابي، أنيكا بينينديك، كاثرين كوستيلو، شيرا إفرون، جيمس هوبلر، ماجدالينا كيرشنر، جيفري مارتيني، اليريزا نادر، بيتر أ. ويلسون. واحتوى التقرير على تسعة فصول تناولت قضايا العلاقات الاستراتيجية التركية مع محيطها الإقليمي والدولي، وتحديداً العلاقات مع إيران والعراق والعالم العربي وإسرائيل وروسيا و دول القوقاز و أسيا الوسطى والاتحاد الأوربي والناتو، بالإضافة إلى عرض أهم السياسات التي ينصح بها معدو التقرير صانع القرار الأميركي، فيما يتعلق بالعلاقات مع تركيا، وبصفة خاصة المؤسسة العسكرية (و هو ما جاء بالفصل الأخير من التقرير و قمنا بترجمته كاملاً لأهميته).

اشتمل الفصل الأول من التقرير على المقدمة، وجاء الفصل الثاني بعنوان” تركيا على مفترق طرق”، وتناول الفصل الثالث العلاقات بين تركيا وإيران والعراق، وناقش الفصل الرابع علاقة تركيا مع العالم العربي، وخُصص الفصل الخامس للعلاقات التركية الإسرائيلية، وقدم الفصل السادس شرحاً مستفيضاً عن العلاقة الثنائية بين تركيا وروسيا. أما الفصل السابع، فقد تناول علاقات تركيا مع دول القوقاز وآسيا الوسطى، وجاء الفصل الثامن بعنوان: “علاقات تركيا مع أوروبا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو: الوصول إلى نقطة تحول”. أما الفصل التاسع والأخير فقد جاء بعنوان: “الآثار المترتبة على الشراكة الأمريكية التركية والجيش الأمريكي” وتضمن أهم السياسات التي ينصح بها معدو التقرير صانع القرار الأميركي، فيما يتعلق بالعلاقات مع تركيا، وتحديداً المؤسسة العسكرية، وكذلك أهم التوصيات التي يجب العمل بها في هذا السياق، فضلا عن عرض ملخص لأهم النتائج التي خلصت إليها فصول الكتاب المختلفة.

وكان المعهد المصري للدراسات قد قام بترجمة ملخص التقرير ونشرها في حينه، وذلك تحت عنوان: “تقرير راند: تركيا – احتمالات الانقلاب العسكري وأبعاد الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة“، ونظراً لأهمية التقرير في إبراز الرؤية الاستراتيجية في كواليس الولايات المتحدة للوضع الجيواستراتيجي لتركيا، و في إظهار الخطط والتوجهات الأمريكية للتعامل مع تركيا و رئيسها رجب طيب إردوغان و حزب العدالة و التنمية الحاكم، و التي تظهر في التقرير في إطار سلبي بشكل عام، في الوقت الذي يُبرز فيه التقرير مدى التفاهم والتوافق بين الحكومة الأمريكية والمؤسسة العسكرية التركية، حيث لا يخلو ذلك من رسائل تحريضية مبطنة. ويمتدح التقرير أيضاً أحزاب المعارضة التركية ويؤكد على دعمها في إطار رؤية كاتبيه التي ترى توافق هذه الأحزاب مع المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة – لكل ذلك، نسعى هنا لتقديم قراءة في الرسائل الصريحة والمبطنة التي يوردها التقرير بشكل مباشر أو غير مباشر، ونعمل على تحليلها وبيان مثالبها، ثم نتبع ذلك بتقديم ترجمة كاملة للفصل التاسع والأهم على الإطلاق في التقرير، حيث إنه يلخصه ويقدم النتائج والتوصيات لصناع القرار في الإدارة الأمريكية في ثناياه.

أولا: قراءة في التقرير

التقرير في مجمله من وجهة نظرنا غير متوازن فيما يتعلق بالخيار الديمقراطي للشعب التركي في الوقت الحالي، حيث يتناول العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة فقط من زاوية مدى تحقيقها للمصالح الأمريكية سواء في تركيا أو في المنطقة قاطبة. وفي حديثه عن السيناريوهات المختلفة للتوجهات المستقبلية لتركيا في الفصل الأخير، يتوجه صراحة إلى أن ما يطلق عليه “عودة الديمقراطية” الذي يخدم مصالح أمريكا والغرب بأكبر قدر ممكن هو في استبدال حكومة الرئيس أردوغان بعد العام 2023.

ويظهر على مدار التقرير التقدير الواضح للأهمية الاستراتيجية لتركيا بالنسبة للولايات المتحدة، إلا أنه من الواضح أن معدي التقرير غير مرتاحين لمنظومة الحكم الحالية في تركيا، و لا لتطلع تركيا للقيام بملء فراغات إقليمية واضحة و تبوؤ مكانة مؤثرة في الإقليم. ويحمل التقرير في مواضع كثيرة منه نَفَساً عدائياً ويتبنى خطاباً تشويهياً تستخدمه أحياناً بعض أحزاب المعارضة التركية في الهجوم على الحكومة وشخص الرئيس بغرض التشويه أمام الرأي العام لأغراض سياسية وانتخابية، وذلك بالنظر إلى المفردات التي يستخدمها التقرير، والادعاءات التي يطلقها، والأفكار التي يروجها، والسيناريوهات التي يقدمها، مما قد يساهم بشكل مباشر في تسميم الأجواء وإثارة الاضطرابات.

كما أن التقرير يبني بشكل غير منصف بعض الاستنتاجات على مقدمات غير حقيقية وغير صحيحة، مثل تلك الخلاصات التي يقدمها كنتيجة للإجراءات القانونية التي قامت بها الحكومة التركية ضد أتباع تنظيم فتح الله جولن (FETO) المصنف إرهابياً في البلاد، في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها عام 2016؛ أو ما استنتجه بخصوص الانتقال للنظام الرئاسي حسب الدستور الذي تم الاستفتاء عليه في إبريل 2017.

قراءة التقرير يظهر منها أنه يعتمد في الأرقام والنسب والبيانات التي بنى عليها استنتاجاته على معلومات استخباراتية، مما يلقي الشكوك حول العلاقات الخفية بين أجهزة المخابرات الأمريكية وبعض العناصر العسكرية، كما يحدث للأسف في بلدان كثيرة. بالتأكيد ينطبق ذلك على أجزاء كبيرة من التقرير، وهذا بطبيعة الحال لا يمنع من الاعتراف بوجود كثير من التقييمات الموضوعية التي يمكن للدولة التركية الاستفادة منها. إلا أن التوجه الرئيس الذي يدفع إليه التقرير هو “العمل للحيلولة دون نشوء هيمنة إقليمية”، و هو ما ورد صراحة في بداية الفصل التاسع، و يبين ما تبطنه أروقة السياسة الأمريكية من السعي لتحجيم للدور التركي في المنطقة على الرغم من أن تركيا حليف استراتيجي للولايات المتحدة، و عضو مؤثر في حلف الناتو.

وفيما يلي بعض الأمثلة من الأطروحات السلبية التي أوردها التقرير، نوردها فقط لتوضيح وجهة نظرنا في عدم موضوعية التقرير وتحيزه في أجزاء كثيرة منه، ويُترك للقارئ أن يقوم بعمل تقييمه الشخصي بناءً على ترجمة الفصل التاسع والتي ننشرها كاملة:

1- يقول التقرير إنه “في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، تراجعت الحقوق الديمقراطية والمدنية في تركيا. وقد أدت التغييرات الدستورية والقانونية التي تمت في البلاد إلى الانتقال من النظام البرلماني إلى دولة استبدادية تتمتع فيها مؤسسة الرئاسة بسلطات تنفيذية قوية.” وفي الوقت الذي يقوم التقرير بتوصيف النظام الرئاسي الذي تحولت إليه الجمهورية التركية بعد استفتاء شعبي أُجري يوم 16 أبريل 2017 وصوّت فيه نحو خمسين مليون ناخب تركي من مجموع 55.3 مليون ناخب يحق لهم التصويت بنسبة مشاركة بلغت 86% تقريباً وكانت نتيجة الاستفتاء أن الأغلبية -أكثر من 51%- صوتت لصالح التعديلات الدستورية، فإنه يتجاهل أن النظام السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها هو نظام رئاسي يتمتع فيه الرئيس بسلطات تنفيذية واسعة. وبينما يفوز الرئيس أردوغان على منافسه بنسبة 52.6 % فقط، يفوز بعض الطغاة الذين تدعمهم الولايات المتحدة بنسب تتخطى 95% في مسرحية انتخابات شكلية بعد التنكيل بجميع المنافسين ومنعهم من المشاركة كما حدث في مصر، دون أن يلقى ذلك انتقاداً يُذكر في الدوائر الرسمية الأمريكية.

2- بينما يتبنى معدو التقرير الدفاع عن الديمقراطية، فإن التقرير يُعظّم من دور العسكر ويبرز مستوى التفاهم الكبير بين الحكومة الأمريكية وبعض القيادات العسكرية التركية الرفيعة، وعلى العكس من ذلك يبرز نقاط الخلاف الكثيرة مع القيادة السياسية، وهو إيماء لا يخلو من التحريض، مفاده أن مصالح الولايات المتحدة مع العسكر وليس مع الحكومة المدنية المنتخبة، في تناقض واضح مع القيم الأمريكية التي يتم الترويج لها في العالم.

3- بينما يكيل التقرير الاتهامات للعملية الانتخابية في تركيا، ويوحي بأن فوز الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية جاء نتيجة التدخلات فضلاً عن السيطرة على وسائل الإعلام، فإنه يتناقض مع نفسه عندما يحتفي في نفس الوقت بفوز تحالف المعارضة بنسبة جيدة في انتخابات البرلمان، بالإضافة إلى فوز حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، برئاسة ست بلديات في أكبر عشر مدن رئيسية في تركيا، بما في ذلك استانبول وأنقرة. فكيف يستقيم هذا مع ذاك؟

4- الحديث عن دفع الرئيس و حزب العدالة و التنمية بتوجهات أيديولوجية حيث يذكر التقرير “حيث يتبنى أردوغان بشكل معلن توجهات قومية إثنية كأيديولوجية رئيسية له في الوقت الذي يتخذ فيه خطوات نحو توسيع دور الدين في الحياة العامة ويقوم بتهميش خصومه وشريحة كبيرة من السكان الذين ما زالوا يدعمون النظام السياسي البرلماني والتوجه العلماني”، ويتجاهل التقرير أن الرئيس و جميع أعضاء حزبه يصرحون بأن حزب العدالة و التنمية هو حزب علماني، يتبنى العلمانية التي تعني حرية العقيدة و عدم تدخل الدولة في الممارسات الدينية للمواطنين، بما في ذلك حرية الالتزام الديني في بلد الأغلبية العظمى لسكانه من المسلمين، و يستبطن التقرير أن الطرح العلماني اللائكي المضاد للدين هو المعيار الذي يُقاس عليه، في حين أن الولايات المتحدة نفسها تتبنى طرحاً مماثلاً للطرح التركي، و يفتخر رؤساؤها دائماً بانتماءاتهم الدينية.

5- يقول التقرير: “وتفيد التقارير أن ضباط المستوى المتوسط يشعرون بالإحباط الشديد إزاء القيادة العسكرية ويشعرون بالقلق إزاء احتمالية الإطاحة بهم في عمليات “التطهير” المستمرة بعد محاولة الانقلاب. وقد يؤدي هذا الاستياء إلى احتمالية القيام بمحاولة انقلاب أخرى في مرحلة ما.” ولا شك أن هذا، دون أن يستند إلى معلومات أو شواهد حقيقية، ينطوي على رسائل مبطنة في اتجاهين اثنين؛ فهي من ناحية رسالة غير مباشرة موجهة إلى بعض قيادات الجيش والرتب المتوسطة لا تخلو من تحريض وتشجيع على العصيان وإثارة الاضطرابات؛ كما أنها في نفس الوقت رسالة إلى صناع القرار في الإدارة الأمريكية للانحياز مع أي تحرك قد يقوم به العسكر ضد الحكومة المدنية في تركيا.

6- تحدث التقرير عن الإقالات التي حدثت في صفوف الشرطة بعد محاولة الانقلاب ولكنه في الوقت نفسه يتحدث عن تعظيم الحكومة لدور الشرطة ومنحها صلاحيات واسعة في الوقت الذي لا يتحدث عن أن الشرطة التركية أثبتت قدرتها على منع الهجمات الإرهابية وحوادث القتل الجماعي والتفجير، وفي الوقت نفسه احترام القانون وتجنب ارتكاب مخالفات عند التعامل مع المتهمين سواء عند إلقاء القبض عليهم أو داخل السجون، كما يحدث في كثير من الأنظمة الاستبدادية التي تدعمها الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها، مثل حكومة السيسي في مصر.

7- يتحدث التقرير عن تسلط الحكومة ولكنه في الوقت نفسه يشيد بقدرة أحزاب المعارضة على الحشد للاحتجاجات ضد سياسات الحكومة، فكيف تسمح حكومة يصفها التقرير بأنها “متسلطة” بتنظيم احتجاجات ضدها لانتقاد سياساتها والتنديد بها، ويشيد التقرير بقدرة المعارضة على الحشد لها؟

8- يذهب التقرير إلى أنه في حالة تولي زعيم معارض أو ائتلاف معارض للحكم بدلا من الحكومة الحالية فإن العلاقات مع الولايات المتحدة ستكون أكثر توافقاً، في إشارة ضمنية بأن الحكومة الحالية تعوق تحقيق أهداف الولايات المتحدة في تركيا والمنطقة، وأن المطلوب هو استبدالها بمن يحققون مصالح واشنطن سواء كانوا أحزاب معارضة أو عسكر.

9- يقول التقرير إن الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية يعملون على تعزيز السلطة المدنية على الجيش، وفي موضع آخر يقول بأن التغييرات التي يجريها الرئيس أردوغان في هذا السياق تستهدف جعل القوات المسلحة تركز على تحقيق النجاح في العمليات في سوريا، ومكافحة الإرهاب، فما هي المشكلة في ذلك؟ أليست هذه هي طبيعة النظم الديمقراطية؟ كما يقول التقرير “لقد أثرت عمليات التطهير والإصلاحات العسكرية سلباً على القدرة الإستراتيجية والتكتيكية للقوات المسلحة التركية واستعداداتها ومعنوياتها”، مع أن الممارسة العملية على أرض الواقع في سوريا مثلاً أظهرت عدة نجاحات لا يمكن إنكارها. المفارقة الواضحة في التقرير هي انتقاد إخضاع الجيش للسلطة المدنية على الرغم من أن هذا هو نهج النظم الديمقراطية في شتى أنحاء العالم، لكن ثنايا التقرير تحمل عدم الرضا عن عدم التمكين الكامل للكوادر العسكرية المرتبطة بالنفوذ الأمريكي.

10- في نفس السياق يقول التقرير إنه “بموجب إصلاحات تم إقرارها في فترة ما بعد الانقلاب، يتبع قائد القوات المسلحة التركية الآن رئيس الجمهورية، ويخضع قادة الضباط العاملين لسيطرة مباشرة من وزير الدفاع المدني. وبموجب التغييرات الدستورية التي تم اعتمادها، يستطيع الرئيس إصدار أوامر مباشرة لهؤلاء القادة”، والسؤال الذي يبرز هنا هو: لمن يتبع القادة العسكريون في الولايات المتحدة؟ وهل يستطيع رئيس الأركان الأمريكي القيام بأي تحرك دون إذن مكتوب من الرئيس؟ ومن الذي وقّع على قرار استهداف قاسم سليماني واغتياله؟ أليس هو الرئيس ترامب نفسه؟

ثانياً: ترجمة كاملة للفصل التاسع والأخير من التقرير

وحدة الترجمة بالمعهد المصري:

الفصل التاسع: الآثار المترتبة على الشراكة الأمريكية التركية والجيش الأمريكي (ستيفن ج. فلاناجان وبيتر ويلسون)

في هذا الفصل، سنناقش تداعيات توجهات الشؤون الداخلية والسياسات الخارجية والأمنية للجمهورية التركية على العلاقات مع الولايات المتحدة، وخاصة فيما يتعلف بخطط الدفاع الأمريكية، والموقف العسكري، والجيش الأمريكي وذلك على مدى السنوات العشر القادمة.

ونستهل ذلك بتقديم تقييم موجز للقوى السياسية والاجتماعية التي قد يكون لها دور في استمرار بعض الاضطرابات الداخلية في تركيا. ثم نُتبعه بتوضيح كيف يمكن أن تؤثر التطورات المحتملة على علاقات تركيا مع جيرانها والدول الرئيسية الأخرى بالمنطقة، وذلك بناءً على تحليل سابق يُظهر مدى تلاقي أو تباعد أو تعارض مصالحهم الوطنية مع المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وخاصة في العمل للحيلولة دون نشوء هيمنة إقليمية.

وسنوضح أيضاً باختصار كيف تتداخل أو تتباعد المصالح الأمريكية والتركية وما هي نقاط الاحتكاك المحتملة، ونقدم مقترحات لكيفية إدارتها والحفاظ على العناصر الأساسية للتعاون السياسي والدفاعي والعسكري الثنائي والمتعدد الأطراف. وفي ختام هذا الفصل سنقدم فرضيات منطقية لأربعة توجهات جيوستراتيجية مستقبلية لتركيا.

مسار تركيا غير المتيقَن

الاستقطاب المحلي

تظل تركيا في حالة من الاستقطاب في المسارات السياسية والدينية والإثنية إلى حد كبير، حيث يتحرك الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية لتنفيذ تغييرات أساسية في الحكم والمجتمع مما سيؤدي – إذا تحقق بشكل كامل – إلى التأسيس لدولة “استبدادية” تتركز فيها السلطة السياسية المركزية في يد الرئيس والحزب المهيمن. حيث يتبنى أردوغان بشكل معلن توجهات قومية إثنية كأيديولوجية رئيسية له في الوقت الذي يتخذ فيه خطوات نحو توسيع دور الدين في الحياة العامة ويقوم بتهميش خصومه وشريحة كبيرة من السكان الذين ما زالوا يدعمون النظام السياسي البرلماني والتوجه العلماني.

ويحتفظ أردوغان وحزب العدالة والتنمية باليد العليا في الحياة السياسية، حيث تم تهميش أحزاب المعارضة الرئيسية – حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي – بسبب سيطرة الحكومة على وسائل الإعلام والدعاوى القضائية؛ وبالإضافة إلى ذلك، فإن الرقابة البرلمانية محدودة. وقد أظهرت قيادة حزب الشعب الجمهوري أنه لا يزال بإمكان الحزب الحشد للاحتجاجات، وأشعل مرشح الحزب للرئاسة في الانتخابات الرئاسية في يونيو 2018 بديناميكيته قاعدة حزب الشعب الجمهوري وأقام تحالفاً شاملاً مع أربعة أحزاب معارضة. وعلى مستوى اليمين السياسي، أظهرت استطلاعات الرأي تأييداً أكبر لمواقف ميرال أكشينر وحزب الخير تجاه حكم حزب العدالة والتنمية، مقارنةً بالحليف الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، حزب الحركة القومية. وعلى الرغم من الحملات النشطة التي قامت بها أحزاب المعارضة، أثبت أردوغان وحزب العدالة والتنمية أنه لا يمكن إيقافهم، نظراً لهيمنتهم على وسائل الإعلام والعملية الانتخابية “المشوهة” التي جرت في ظل حالة الطوارئ، مما قدم لهم ميزة كبيرة على الآخرين. وحقق أردوغان فوزاً حاسماً في الجولة الأولى بحصوله على 52.6 % من الأصوات، وحصل حزب الحركة القومية على 11 % من المقاعد في البرلمان، مما سمح له بلعب دور مؤثر في مبادرات السياسات الحكومية المستقبلية. ومع ذلك، فإن هذه النتائج، بالإضافة إلى انتخابات رؤساء البلديات في عام 2019 والتي فاز فيها مرشحو حزب الشعب الجمهوري برئاسة ست بلديات لأكبر عشر مدن في تركيا – ولا سيما النصر الحاسم لأكرم إمام أوغلو في إستانبول – توضح أن أردوغان وحزب العدالة والتنمية ليسوا محصنين.

وسيظل الوضع الأمني ​​الداخلي لتركيا محفوفاً بالمخاطر:

(1) في ظل عدم بذل جهود مستمرة لمعالجة مخاوف الأكراد والأقليات القومية الأخرى،

(2) وفي ظل استمرار التدابير القاسية المتبعة في مكافحة التمرد العابر للحدود والذي يقوده حزب العمال الكردستاني (المصنف إرهابياً عن طريق تركيا وأوروبا والولايات المتحدة) وغيره من الجماعات الكردية العنيفة.

لذلك، فإن هناك احتمالاً ضئيلاً في قيام حزب العدالة والتنمية في المستقبل القريب بإحياء محادثات السلام مع حزب العمال الكردستاني – التي كانت تجري من حين لآخر منذ عام 2008 ثم انهارت تماماً في عام 2015، خاصة وأن أنقرة لا تزال تركز على العمل على هزيمة ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، مما يثير استياء العديد من الأكراد الأتراك. ففي الأسابيع الأربعة الأولى من عملية غصن الزيتون في أوائل عام 2018، اعتقلت السلطات التركية 845 شخصاً بتهمة “الدعاية الإرهابية” لمشاركتهم في الاحتجاجات ضد العملية أو انتقادها في مواقع التواصل الاجتماعي[1]. ولا يزال تهديد الهجمات الجماعية في تركيا مصدر قلق داخلي كبير في ضوء الهجمات الماضية والتواجد الملحوظ لجماعات داعش وغيرها من الجماعات الإرهابية. وقد شكلت هذه التهديدات ضغوطاً متزايدة على قوات الأمن والشرطة، التي تناقصت صفوفها بسبب عمليات “التطهير” التي قامت بها الحكومة ضد المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم فتح الله جولن والهجمات المستهدفة. ومنذ احتجاجات جيزي بارك في عام 2013، تم عسكرة الشرطة ومنحها صلاحيات واسعة لقمع المعارضة الداخلية. ولسد بعض الثغرات في قدرات الشرطة، اتجهت الحكومات المحلية على نحو متزايد إلى توظيف حراس أحياء مدججين بالسلاح وضباط من شركات أمن متخصصة، ممن تلقوا تدريبات محدودة ولدى تلك الشركات أجندات مختلفة.

السياسة الخارجية والدفاعية: من “صفر مشاكل” إلى “العزلة الثمينة”

لقد ابتعد حزب العدالة والتنمية عن استراتيجية سنواته الأولى في السلطة، والتي كانت تعطي أولوية للتكامل مع أوروبا، والعلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة، والاستفادة من القوة الاقتصادية لتركيا والتراث العثماني لبناء علاقات جيدة مع جميع الجيران – وهي السياسة التي أُطلق عليها اسم سياسة “صفر مشاكل”. ويتبع أردوغان الآن استراتيجية توازن واقعية في الشؤون الخارجية، ويسعى إلى ترك خيارات مفتوحة من شأنها أن تعزز توطيد سلطته والمصالح الوطنية التركية. وقد أدت أفعال أردوغان التي تكون استفزازية في أغلب الأحيان وخطابه الذي يعبر فيه عن خيبة أمله تجاه أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل، إلى توتر العلاقات مع هذه الدول الحليفة لتركيا منذ زمن طويل. ويركز أردوغان بشكل أكبر على ترسيخ مكانة البلاد في العالم الإسلامي وإقامة علاقات جديدة مع روسيا والصين. وعلى الرغم من أنه لم يتنازل عن علاقته مع الغرب، فإن أردوغان على ما يبدو يأمل في أن يتمكن من الحصول على تغييرات سياسية مواتية من الحلفاء والشركاء من خلال إظهار أن لديه خيارات أخرى. وقبل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس في ديسمبر 2017، كان المسؤولون الأتراك يعربون عن أملهم في أن يبدأ ترامب صفحة جديدة في العلاقات مع تركيا، وكان أردوغان يستخدم علاقاته الناشئة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإعادة ضبط العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

لقد حاول القادة الأتراك إقامة شراكات حذرة مع الخصمين التاريخيين روسيا وإيران، خاصة وأن هاتين الأخيرتين كانتا قد أحكمتا سيطرتهما على الحلقة الأخيرة في الحرب الأهلية السورية منذ عام 2015. وقد أضعفت الخلافات مع العراق والعديد من دول الخليج ومصر حول علاقات حزب العدالة والتنمية بالإخوان المسلمين، والسياسات التي تبنتها تركيا في أعقاب الربيع العربي والموقف من قطر، المكانة التي كانت تتمتع بها أنقرة في العالم العربي في عام 2010. ومع تصاعد الخلافات السياسية مع جميع جيرانها وحلفائها تقريباً، كانت حجة قادة حزب العدالة والتنمية وكذلك حزب الحركة القومية بأنه على تركيا أن تكون أكثر اعتماداً على نفسها في حماية مصالحها وقبول وضع “العزلة الثمينة” في اتخاذ مواقف مبدئية للدفاع عن قيمها ومصالحها الوطنية. ولا تزال السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية تعكس النزعة القومية المناهضة للاستعمار، والتشكيك في العولمة والنفوذ الأجنبي على نطاق واسع يشمل جميع شرائح المجتمع التركي. وأشارت استطلاعات رأي أُجريت في نوفمبر 2017 إلى أن أكثر من 84 % من الأتراك بشكل عام يتفقون على الأقل إلى حد ما على أن النخب الاقتصادية والسياسية العالمية تتمتع بسلطة كبيرة على تركيا وأنه يجب مقاومة هذا الوضع، وقال 83 % ممن شاركوا في الاستطلاع بأن لديهم آراء مناهضة للولايات المتحدة[2] . وفي حالة ظهور زعيم معارض أو ائتلاف للمعارضة في تركيا واستطاع إزاحة أردوغان وحزب العدالة والتنمية من السلطة بعد عام 2023، فإنه قد يكون من المرجح أن نجد توجهاً أكثر توافقاً من ناحية تركيا، حيث إن ثلاثة من كبار الأحزاب المعارضة في انتخابات 2018 خاضوا الانتخابات بناء على برامج انتخابية تدعو إلى تنشيط العلاقات مع حلفاء الناتو والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن الشكوك العامة العميقة تجاه الولايات المتحدة وأوروبا من شأنها أن تقيد وتيرة ونطاق مثل هذا التقارب في المستقبل.

وقد يؤدي استمرار الاتجاهات الحالية على مدى السنوات الخمس إلى العشر القادمة إلى سياسات خارجية ودفاعية تركية تتعارض، بدرجات متفاوتة، مع مصالح الولايات المتحدة وحلفائها الآخرين في حلف الناتو، والتي تؤدي إلى تقويض جوانب سياسة الدفاع القديمة والتعاون الأمني مع الحلفاء. ويتطلب هذا الوضع إعادة تقييم أساسية للاستراتيجية الأمريكية والأوروبية تجاه تركيا، والاستعداد للتطورات السلبية في جميع جوانب العلاقات معها، بالإضافة إلى تقديم مبادرات يمكن أن تحافظ على مستوى التعاون بشأن الالتزام المتبادل بالمصالح على مدى العقد المقبل وتساعد على استعادة العلاقات طويلة الأمد إذا تم التراجع عن مثل هذه التوجهات.

التأثير على القوات المسلحة التركية

لقد عمل أردوغان وحزب العدالة والتنمية بشكل ممنهج على تعزيز السلطة المدنية على الجيش منذ عام 2010 من خلال الحصول على صلاحيات حاسمة في عملية الترقية والاختيار للقيادات، مع الإشراف على إجراءات “التطهير” ضد بعض الأفراد العسكريين، وزيادة السلطات القانونية باتجاه القيادة والسيطرة. واستثمر حزب العدالة والتنمية الاستقالات التي قُدمت عام 2011 من رئيس أركان القوات المسلحة التركية وبعض قادة الأفرع (البرية والبحرية والجوية)، الذين احتجوا على المحاكمات الصورية التي تمت ضد زملائهم من الضباط – استثمر ذلك في تعيين قادة عسكريين أكثر طاعة وولاء. وقام حزب العدالة والتنمية بتعزيز النفوذ السياسي على قرارات الترقية السنوية في المجلس العسكري الأعلى وقام بـ “تطهير” ما يقرب من نصف كبار الضباط والضباط بشكل عام منذ الانقلاب العسكري الفاشل في يوليو 2016. وبموجب إصلاحات تم إقرارها في فترة ما بعد الانقلاب، يتبع قائد القوات المسلحة التركية الآن رئيس الجمهورية، ويخضع قادة الضباط العاملين لسيطرة مباشرة من وزير الدفاع المدني. وبموجب التغييرات الدستورية التي تم اعتمادها، يستطيع الرئيس إصدار أوامر مباشرة لهؤلاء القادة، مما يقلل من سلطة رئيس أركان القوات المسلحة التركية ليصبح دوره بمثابة منسق لا أكثر. وأدت هذه الإصلاحات التنظيمية إلى التشويش على التسلسل القيادي، وزيادة التنافس بين الضباط العاملين، وأدت كذلك إلى تسييس هيئة الضباط بشكل عام. ومن المرجح أن تتضاءل الرقابة البرلمانية على ميزانية القوات المسلحة التركية ووضعها بشكل أكبر في ظل التغييرات الدستورية.

وكما ذكرنا في الفصل الثاني، فإن احتفاظ رئيس أركان القوات المسلحة التركية خلوصي أكار بمنصبه في اجتماع أغسطس 2017 للمجلس العسكري الأعلى وتعيينه لاحقاً وزيراً للدفاع في يوليو 2018 في أول مرسوم رئاسي بموجب النظام الرئاسي التنفيذي الجديد يوحي بأنه سيظل الشخص الأبرز في الشؤون العسكرية التركية. وكان أكار محاوراً رئيسياً مع نظرائه الأمريكيين وغيرهم من الأجانب. وفي نفس اجتماع المجلس العسكري الأعلى لعام 2017، وافق أردوغان على تكليف قادة جدد للقوات البرية والقوات الجوية التركية، بالإضافة إلى إجراء تغيير كبير في قيادة البحرية، والذي أسند القيادة فيها إلى قائد عسكري لديه أدنى درجات الأقدمية بين زملائه القادة. وخلال اجتماع المجلس العسكري الأعلى لعام 2017 تم تمديد الخدمة لعدد غير معتاد من كبار الضباط الذين كانوا على وشك التقاعد، وتمت ترقية آخرين إلى رتبة أعلى. وقد تكون هذه الإجراءات قد جاءت من أجل المساعدة في معالجة آثار عمليات “التطهير” التي أعقبت محاولة الانقلاب، والتي أوجدت فجوة كبيرة بين عدد كبار الضباط إلى عدد الضباط بشكل عام. وتوضح التغييرات في القيادة أن أردوغان يريد أن تركز القوات المسلحة على تحقيق النجاح في العمليات في سوريا، ومكافحة الإرهاب، واستئصال أتباع فتح الله جولن، مع إعطاء الأولوية للقوات البرية التركية وقوات الدرك.

وتم تقليص عدد القوات المسلحة التركية بشكل كبير بسبب عمليات “التطهير” التي تمت بعد محاولة الانقلاب. فمن بين كل 325 ضابطًا في الجيش والبحرية والقوات الجوية، تم طرد أو إحالة للتقاعد لـ 150 منهم (46 %). وبحلول ديسمبر 2018، تم فصل 15,154 من أفراد القوات المسلحة التركية، بينهم 7,595 ضابطاً (حوالي 23 % من الأعداد التي أُحصيت أوائل عام 2016)[3]. وتقوم جامعة الدفاع الوطني، التي أنشئت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، بالإشراف على تخريج جميع المستويات المهنية للتعليم العسكري ويبدو أنها مفوضة لتقويض الثقافة التي كانت سائدة في القوات المسلحة التركية بأنهم أوصياء على علمانية الدولة، وللتأكد من تنوع المجندين الذين يتم تجنيدهم من الجامعات المدنية بشكل أكبر. ومع ذلك، فاعتباراً من أوائل عام 2018، كان عدد الطلاب الذين تخرجوا من هذه الجامعة غير كافٍ لاستعادة مستويات القوات المسلحة التركية قبل الانقلاب[4]. وفي يناير 2018، أعلنت القوات المسلحة التركية خططاً لتجنيد 42,938 فرداً جديداً لملء فراغ المستنفدين من الرتب المختلفة، لكننا لا نعرف حتى الآن نتائج هذا الجهد[5].

لقد أثرت عمليات “التطهير” والإصلاحات العسكرية سلباً على القدرة الإستراتيجية والتكتيكية للقوات المسلحة التركية واستعداداتها ومعنوياتها. وكانت عمليات “التطهير” هذه مدمرة للغاية لسلاح الجو التركي وخلّفت نقصاً كبيراً في عدد الطيارين المقاتلين ذوي الخبرة. فقبل الانقلاب الفاشل، كان لدى القوات الجوية ما يقرب من طيارَين لكل طائرة من طائراتها القتالية البالغ عددها 333 طائرة. وأدى فصل 280 طياراً إلى خفض هذه النسبة إلى أقل من طيار واحد لكل طائرة اعتباراً من سبتمبر 2017. وبحلول منتصف عام 2018، كان لدى القوات الجوية 400 طيار جاهز للقتال (أي نسبة 1.2 إلى طيار)، لكن المسؤولين المطلعين والخبراء يتوقعون أن الأمر سيستغرق ما لا يقل عن ثلاث إلى خمس سنوات لاستعادة الاستعداد القتالي للقوات الجوية التركية. كما يبدو أن هناك نقصاً كبيراً في طياري المروحيات التابعة للجيش بعد إقالة 40 فرداً. ويُشكل هذا النقص ضغوطاً على القوات التي تشارك في الضربات على حزب العمال الكردستاني، ويقومون بدوريات في المجال الجوي التركي، ويدعمون العمليات العسكرية البرية للقوات التركية في سوريا[6]. وهناك أيضاً تقارير تفيد بأن العديد من طياري المروحيات وغيرهم من الضباط وضباط الصف في نخبة وحدة البحث والإنقاذ التابعة للقوات الجوية، وكذلك قادة الوحدة الهجومية تحت الماء التابعة للبحرية، قد تم فصلهم من الخدمة بتهمة دعم الانقلاب[7].

وبالنسبة للفروع الأخرى، فقد قام متين غورجان، أحد أبرز المراقبين الأتراك في شؤون القوات المسلحة التركية، بتقديم التقييم التالي لعمليات “التطهير” بين القوات البرية التركية:

تتركز معظم عمليات “التطهير” في الجيش على قيادة الأركان العامة ودوائر القيادة في المقر الرئيسي بأنقرة، وكذلك في الأسلحة والألوية في إسطنبول وأنقرة، والذين شاركوا بشكل كبير في محاولة انقلاب 15 يوليو 2016. وتُعتبر قيادة الجيش الثاني في ملاطيه، المسؤولة عن مكافحة الإرهاب في جنوب شرقي البلاد، والجنود الذين خدموا في العمليات التركية في سوريا، هم الأقل تضرراً من هذه الإجراءات حتى الآن، مع احتمال كبير أن يطالهم “التطهير” في وقت لاحق. ويرجع ذلك إلى توجه الحكومة البراجماتي إلى تنقية الجيش من أتباع فتح الله جولن. واليوم، هناك حوالي 20 من ألوية قيادة الجيش الثاني تنشط عملياتياً مع قيادات جدد[8].

وكانت البحرية هي السلاح الأقل تأثراً بإجراءات “التطهير”؛ فكانت معظم عمليات الفصل التي تمت لأفراد منها كانت في مكاتب القيادة في أنقرة أو في الأفراد العاملين في المقرات الفرعية.

 إن تطهير مئات الضباط من المستوى المتوسط والذين تلقوا تدريباً متقدماً في الولايات المتحدة وشاركوا في مشاريع التحول وقد يؤدي إلى إبطاء جهود التحديث. ويمكن أن يؤدي النقل الكامل لقوات الدرك إلى وزارة الداخلية إلى تحويلها إلى قوة موالية لحزب العدالة والتنمية ويمكن أن تقلل من القدرات المشتركة للجيش والدرك للقيام بمهام مكافحة الإرهاب والمهام الدفاعية في زمن الحرب. وقد أدى النشاط السياسي غير المعتاد من قبل القيادة العسكرية والتراجع العام في المستوى الاحترافي إلى عزل الرتب الأدنى من القوات المسلحة التركية. وتفيد التقارير أن ضباط المستوى المتوسط ​​يشعرون بالإحباط الشديد إزاء القيادة العسكرية ويشعرون بالقلق إزاء احتمالية الإطاحة بهم في عمليات “التطهير” المستمرة بعد محاولة الانقلاب. وقد يؤدي هذا الاستياء إلى احتمالية القيام بمحاولة انقلاب أخرى في مرحلة ما، ويبدو أن أردوغان يأخذ هذا التهديد على محمل الجد. لقد تآكلت ثقة الجمهور في الجيش، الذي كان يُعتبر في السابق حارس النظام وحامي الدولة العلمانية، ويشعر العديد من الأتراك بعدم وجود مؤسسة يمكن أن تضمن أمنهم بشكل موثوق.

العلاقات مع الجيران: الآثار المترتبة على المصالح الأمريكية

بلاد الشام والشرق الأوسط الكبير: مشاكل في كل الاتجاهات

بينما يتفقد القادة الأتراك البيئة الإقليمية للبلاد، فإنهم أينما اتجهوا، يواجهون اضطرابات وتغيرات تعقّد من خياراتهم الإستراتيجية. وتُعتبر التحديات في التعامل مع جيران تركيا في الجنوب مثيرة للقلق بشكل خاص.

وعلى الرغم من استمرار الشكوك المتبادلة والاختلافات الدينية والسياسية العميقة، فقد حافظت تركيا وإيران على علاقات براجماتية على مدار العشرين عاماً الماضية حيث شهدت تقارباً في المصالح بينهما. وأدت الحرب الأهلية السورية والنفوذ الإيراني المتزايد في سوريا والعراق إلى توتر العلاقات بين طهران وأنقرة. حيث شعرت أنقرة بالتوجس تجاه الدور الرئيسي الذي لعبته القوات الإيرانية والقوات التي تدعمها في عمليات دحر تنظيم الدولة، خوفاً من أن يؤدي وجود هذه القوات الدائم في العراق وسوريا إلى توسيع نفوذ طهران الإقليمي. وفي ذروة الحرب الأهلية، نددت طهران بدعم تركيا للمعارضة السورية واعتبرت ذلك دعماً للإرهابيين، ولا يزال القادة الإيرانيون يشككون في تعامل أنقرة مع كل من المتمردين والجماعات الجهادية في سوريا. وأدت المخاوف المشتركة حول احتمال ظهور دولة كردية مستقلة في العراق إلى جهود سياسية متوازية وتهديدات عسكرية لمنع هذا التطور في عام 2017.

وعلى الرغم من أن قادة الحكومتين وافقوا في عام 2017 على تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريبات المنسقة والعمليات التكتيكية لتعزيز أمن الحدود، بما في ذلك الحد من التهريب الذي استفاد منه حزب العمال الكردستاني الانفصالي التركي وحزب الحياة الحرة في كردستان (الباجاك) الإيراني، ولكنه من غير المرجح أن تدعم طهران عمليات مشتركة مع تركيا ضد معاقل حزب العمال الكردستاني في العراق.[9] . وقد لعبت طهران لعبة مزدوجة في التعامل مع مختلف الجماعات الكردية. ومع هزيمة داعش، ضاقت أساس التعاون التركي الإيراني. وبالنظر إلى دعم طهران المستمر لنظام الأسد، فقد شجبت عملية غصن الزيتون التي قامت بها أنقرة لقطع خطوط التواصل بين ميليشيات وحدات حماية الشعب في شمال غرب سوريا وإخوانهم شرقي نهر الفرات. وتشكل المصالح المتبادلة في توسيع نطاق التجارة المحدودة، لا سيما في مجال الطاقة، والتعاون في تأمين الحدود، ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، والحد من تأثير القوى القادمة من خارج المنطقة في دول الجوار – يُشكل ذلك كله قاعدة للتعاون بين البلدين في المستقبل. وهذا ما أكده أيضاً عدم توجيه أنقره لأي انتقاد للحملة التي قامت بها حكومة طهران على الاحتجاجات التي اندلعت في العديد من المدن الإيرانية في أوائل عام 2018. ومع ذلك، فمن المرجح أن تظل العلاقات التركية الإيرانية علاقات حذرة، وبالنظر إلى الاختلاف العام في مصالحها الإقليمية والأمنية، فإن هناك بواعث قلق بشأن برنامج الأسلحة النووية لطهران والانعدام الدائم في الثقة والمشاعر الطائفية.

وبالنظر إلى انعدام الثقة المتبادل بين تركيا والحكومة المركزية العراقية، فمن المرجح أن تظل العلاقات بينهما متفاوتة. فلدى أنقرة مخاوف بشأن التأثير الإيراني على بغداد ولها مخاوف قوية تجاه حماية السكان التركمان في شمال العراق. وعلى الرغم من فترات التوتر، فقد ساعدت المصالح الاقتصادية في استقرار العلاقات الثنائية بينهما، واتحدت الحكومتان في عام 2017 من أجل إحباط استفتاء الاستقلال الذي أقامته حكومة إقليم كردستان العراق. ومع ذلك، تواصل تركيا تقييم حكومة إقليم كردستان التي تتمتع بالحكم الذاتي كشريك تجاري مهم وتشكل عنصر توازن ضد النفوذ الإيراني على بغداد. وعززت كل من أنقرة وبغداد النفوذ على حكومة إقليم كردستان منذ سقوط كركوك، لكن يبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كان هذا سيعزز التعاون بين الأطراف الثلاثة في مواجهة حزب العمال الكردستاني في عهد ما بعد مسعود بارزاني. وهناك العديد من النقاط الساخنة التي يمكن أن تؤدي إلى صراعات في شمال العراق، مثل: الوجود الدائم لنحو 2000 جندي تركي في بعشيقة بالقرب من الموصل، ودور وحدات الحشد الشعبي الشيعية، ووجود حزب العمال الكردستاني في سنجار في شمال غرب العراق.

وستواصل تركيا الترحيب بجهود الولايات المتحدة لمواجهة مساعي إيران للهيمنة الإقليمية، لكنّ السياسات التركية المحددة تجاه إيران والعراق وسوريا غالباً ما تجعلها على خلاف مع التوجهات الأمريكية. وبالرغم من أن أنقرة تدعم وحدة العراق، فإن لديها دوافع قائمة للتدخل في السياسة العراقية لا تخلو من رغبات إقليمية كامنة. وتشترك أنقرة أيضاً في دعم الولايات المتحدة للحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ولكن أولويتها هناك هو منع قيام دويلة كردية صغيرة على طول الحدود الجنوبية لتركيا، والتي ترى أن دعم الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية يعزز من احتمالات قيامها. وتشارك أنقرة أيضاً المخاوف الأمريكية والأوروبية من أن إيران تخطط لتطوير ممر للإمداد العسكري وخط أنابيب النفط عبر أجزاء من العراق وسوريا إلى البحر الأبيض المتوسط ​​يمتد على طول الحدود ذاتها. وبالإضافة إلى ذلك، تشترك تركيا مع الولايات المتحدة وأوروبا في أهمية الحد من النفوذ الروسي في سوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط، حتى مع اضطرار أنقرة للتعامل مع كل من موسكو وطهران في محاولة لإنهاء النزاع.

ولطالما نظرت الدول العربية إلى الجنوب من تركيا إلى أنقرة على أنها شريك سُنّي له قدرة عالية في كبح التحدي الإيراني للنظام الإقليمي – وهي حاجة أصبحت أكثر حدة مع نمو النفوذ الإيراني في العراق وسوريا. لكن سياسات أنقرة الأكثر براجماتية تجاه إيران وسوريا خيّبت آمال العالم العربي، على الرغم من أن الحفاظ على تركيا كشريك رئيسي لا يزال يمثل أولوية لتلك الدول. وأدى احتضان حزب العدالة والتنمية لقوى التغيير في المنطقة، وخاصة دعم جماعة الإخوان المسلمين، إلى قطع علاقات تركيا مع الإمارات ومصر. وفي المقابل، تبني قطر وتركيا شراكة إستراتيجية حقيقية تقوم على تعميق التعاون الاقتصادي والعسكري ورؤية مشتركة مفادها أن الإسلام السياسي يلعب دوراً حاسماً في تنمية المنطقة. ويمكن للعلاقات المعقدة بين تركيا والدول العربية أن تتحسن أو تتدهور بناء على التقلص الملحوظ للاضطرابات السياسية الأخيرة أو حدوث تحول في الأولويات الوطنية (التي تم تناولها في الفصل الرابع) ولكنها من المرجح أن تقيد تقدم السياسة الخارجية الأمريكية ومصالحها الأمنية. والتحدي الرئيسي هو أن الأولويات المختلفة لأنقرة والعواصم العربية من المرجح أن تستمر في خلق عقبات أمام حصول الولايات المتحدة على دعم الشركاء للمبادرات الإقليمية، كما حدث في الجهود المبذولة لتشكيل تحالف لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ويتمثل التحدي الرئيسي الثاني للولايات المتحدة الناجم عن المنافسة داخل المنطقة في تأثير دور تركيا في الصدع الموجود بين دول مجلس التعاون الخليجي. فمن ناحية، يُعتبر هذا الصدع مفيداً لأنه قد يشكل عامل ردع للتكتل الذي تقوده السعودية يمنعها من القيام بعمل عسكري ضد جارتها، قطر، ولكن من ناحية أخرى، فإن الصدع سيطيل بالتأكيد أمد النزاع الذي تريد واشنطن حله في أسرع وقت، باعتبار أن دعم تركيا للدوحة يضع قطر في حالة تكافؤ مع منافسيها في دول مجلس التعاون الخليجي. ومن فوائد هذه الشروخ داخل المنطقة أنها تحد من خطر شعور التحالف السُنّي بأن لديه القوة التي تمكنه من شن هجوم ضد إيران، مما قد يشعل حرباً إقليمية غير مقصودة تشعر الولايات المتحدة أنها مضطرة للدخول فيها.

في هذه الأثناء، ستظل العلاقات التركية الإسرائيلية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتطورات على الجبهتين العربية-الإسرائيلية والإسرائيلية-الفلسطينية. فبعد فترة طويلة من العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية القوية، توترت العلاقات الثنائية بين تركيا وإسرائيل خلال الألفية الجديدة. حيث أدت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وموقف حزب العدالة والتنمية الأكثر مواجهة تجاه إسرائيل، وحرب لبنان الثانية، والاشتباكات بشأن سياسات إسرائيل في غزة – أدى كل ذلك إلى تفاقم التوترات بينهما، والتي بلغت ذروتها في الشقاق الذي دام ست سنوات بين البلدين من عام 2011 إلى عام 2016. وشكلت المصالحة الجزئية التي تمت في منتصف عام 2016، عاملاً مشجعاً لأصحاب المصالح في كلا الدولتين والذين كانوا متحمسين لاستئناف جوانب التعاون بينهما، ولكن لم يتم إحراز تقدم كبير في هذا الصدد. ويواجه التحسن في العلاقات الإسرائيلية التركية عقبات هائلة وانعدام ثقة عميق بين القيادات السياسية الحالية في كلا البلدين والاختلافات حول القضية الفلسطينية. ويمكن لواشنطن أن تستخدم نفوذها لتشجيع الحكومتين على تجنب الخطاب التصعيدي بشأن القضايا الحساسة وتخفيف الخلافات الأيديولوجية. إن القيام بذلك قد يسمح بالتعاون العملي أو بجهود موازية من شأنها تعزيز المصالح المتبادلة في تطوير مصادر الطاقة والبنية التحتية، ومواجهة تطلعات إيران الإقليمية، ومكافحة الإرهاب. ويعتبر الارتباط الجديد لإسرائيل مع حلف الناتو وسيلة أخرى للتعاون الأمريكي – التركي – الإسرائيلي يتماشى مع المصالح الأمريكية وبالتأكيد يتوقف ذلك على موافقة تركيا كما هو الحال باستمرار. وبالإضافة إلى ذلك، فإن للولايات المتحدة مصالح اقتصادية واستراتيجية في صفقة الغاز الناشئة القبرصية الإسرائيلية التركية. ويمكن لعلاقات تركيا مع حماس، في سياق سياسي متغير، أن تكون مفيدة للولايات المتحدة وحلفائها الآخرين في المنطقة في دفع عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية قُدُماً.

روسيا والقوقاز وآسيا الوسطى

كانت العلاقات التركية الروسية تاريخياً تخاصمية، عُرفت بالتنافس على النفوذ والسلطة في منطقة البحر الأسود. وقد كان التحسن الحذر في العلاقات منذ نهاية الحرب الباردة مدفوعاً، إلى حد كبير، بالمصالح المتبادلة في العلاقات الاقتصادية والطاقة الموسعة. واليوم، تدعي الحكومتان أنهما تتبعان شراكة استراتيجية، لكنهما متشابهان بين عناصر التعاون وإمكانية نشوب الصراع. ويشير فحص خمسة عناصر رئيسية للعلاقة الروسية التركية – العلاقات الاقتصادية والطاقة، والمؤسسات الغربية، والسياسة الداخلية الاستبدادية، وقضايا البحر الأسود، وطموحات الشرق الأوسط – إلى أنه على الرغم من أن بعض المصالح المتقاربة قد تستمر في الجمع بين البلدين في السنوات المقبلة، إلا أن هناك أيضاً نقاط أخرى من الاحتكاك والمصالح المتباينة. ويُمثل تعميق العلاقات الاقتصادية والطاقة بين البلدين، بما في ذلك خط أنابيب الغاز الجديد “السيل التركي” الممتد تحت البحر الأسود؛ والعلاقات الشخصية الوثيقة بين الرئيسين أردوغان وبوتين؛ والتنسيق الدبلوماسي والعسكري الثنائي الأخير في سوريا؛ وشراء تركيا لأنظمة الدفاع الجوي الروسية إس 400 – تُعد مظاهر ملموسة لتحسن العلاقات بين البلدين. وتُعد ارتفاع سقف الطموحات الروسية والقوة العسكرية النسبية في منطقة البحر الأسود، مع استمرار الخلافات بين سياسات كل دولة وأهدافها في الشرق الأوسط (خاصة سوريا)، والتوتر بين مصلحة تركيا في الحفاظ على ضمانة الأمن التي يوفرها حلف الناتو وجهود روسيا في إغراء أنقرة للذهاب بعيداً عن التحالف وتقليص وحدته – يُمثل حواجز كبيرة على طريق الشراكة الثنائية العميقة بين البلدين.

وقد أظهرت أزمة 2015-2016، في أعقاب إسقاط أنقرة لطائرة روسية مقاتلة انتهكت المجال الجوي التركي، أن العلاقات الاقتصادية والعلاقات بين القيادات، رغم كونها قوية في الوقت الحالي، إلا أنها فشلت في منع التحولات المتقلبة في العلاقات الثنائية. وما يمكن أن يحدد إذا كانت روسيا وتركيا قادرتين على الوصول إلى طريقة جديدة لإدارة علاقاتهما أو ستواصلان انتهاج مزيج من التعاون والصراع ثم إدارة الخلافات، هو من المرجح أن يكون بدرجة كبيرة مدى استعداد تركيا للقبول بتوسيع الطموحات الروسية وقبول الاعتماد على الطاقة المتنامية لها. وحتى إذا كانت تركيا على استعداد لإرضاء روسيا بشأن العديد من القضايا، فإن الصراعات غير المقصودة في أي من المجالات الخمسة المشار إليها في هذا التقرير قد تخرج عن إطار التقارب طويل الأجل. ومع ذلك، فيجب على صانعي السياسة في الولايات المتحدة أن يتوقعوا أن تظل تركيا حليفاً لا يمكن التنبؤ به وأنها أكثر استعداداً للعمل مع روسيا في أغراض متقاطعة مع حلف الناتو عندما تملي مصالحها الوطنية المتغيرة ذلك.

إن تطلعات تركيا إلى أن تصبح قوة أكثر نفوذاً في القوقاز ووسط أوروبا ومنطقة آسيا الوسطى ومركز لطرق الطاقة والتجارة الإقليمية من المرجح أن تستمر في التضاؤل بسبب محدودية الموارد والخلافات الداخلية والأولويات الأخرى. ولا تزال تركيا ملتزمة بتعزيز التكامل في جنوب القوقاز من خلال تعاونها مع جورجيا وأذربيجان لتعزيز وحماية ممر العبور الاقتصادي والطاقة بين الشرق والغرب والتعاون الأمني ​​الثنائي والثلاثي المحدود. وتساعد جهود تركيا في تعزيز سيادة واستقلال هذه الدول، وبالتالي دعم المصالح الأمريكية والأوروبية في المنطقة. ومع ذلك، فإن انجذاب أنقرة لجورجيا وأذربيجان كجسر للأطر السياسية والأمنية الأوروبية الأطلسية قد تضاءلت بسبب العلاقات المتوترة بين تركيا والاتحاد الأوروبي وحلفائه في حلف شمال الأطلسي وكذلك تعاونها مع روسيا. ولا تزال تبليسي وباكو تنظران إلى أنقرة باعتبارها وازن جزئي لقوة موسكو في المنطقة، لكن أنقرة ستواصل التعامل مع الأمن الإقليمي ببعض الحذر، مدركين أنها لا تستطيع تحمل عبء المواجهة مع جارتها القوية.

لم تتحقق رؤية أنقرة في بداية التسعينات لإحياء الروابط الثقافية والاقتصادية بين الشعوب التركية في آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين لتشكيل اتحاد تركي من شأنه أن يعزز التنمية الإقليمية وتوسيع نفوذ تركيا. وعلى الرغم من ذلك، قدمت الحكومة التركية ومختلف المنظمات غير الحكومية دعماً إنمائياً وتعليمياً كبيراً لدول آسيا الوسطى، ونمت مشاريع التجارة والاستثمار والبناء بينهم بشكل كبير خلال العقد الماضي. وسعت تركيا أيضاً إلى تعاون متواضع في مجال الأمن والدفاع مع العديد من حكومات آسيا الوسطى. وتشمل هذه الخطوات بعض مبيعات الأسلحة والتدريب للأفراد العسكريين وموظفي إنفاذ القانون. وتدعم تركيا أيضاً تدريبات “الشراكة من أجل السلام” التابعة لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في آسيا الوسطى، كما قامت بتدريب جيوش آسيا الوسطى في مركز الشراكة من أجل السلام التابع لها. وبالإضافة إلى ذلك، تساهم تركيا في التدريبات التي يقودها حلف الناتو، والتي تضم جيوش شريكة للناتو وآسيا الوسطى وتجري في كازاخستان، على الرغم من عضويتها في منظمة معاهدة الأمن والدفاع المشترك. إن الحكومات في المنطقة تقدر انخراط تركيا معها ولكن عليها أيضاً أن توازن العلاقات مع موسكو، التي تحتفظ نفوذ كبير على تلك الحكومات ولم تتردد في ممارسته عليها لعلاقاتها مع تركيا. وبالإضافة إلى ذلك، فقد برزت الصين على مدى العقد الماضي كشريك تجاري واستثماري أكثر ديناميكية لدول آسيا الوسطى، مع القدرة على تحقيق رؤيتها للحزام الواحد والطريق الواحد كصيغة حديثة من طريق الحرير. وفي نهاية المطاف، من المحتمل أن يزداد مستوى التواصل التركي المعتدل في آسيا الوسطى والقوقاز في السنوات القادمة، في إطار موارد محدودة والتزام محدود وشهية متفاوتة في انخراط جديد.

العلاقات الأوروبية التركية

وصلت علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي إلى أدنى مستوياتها منذ 30 عاماً والتي تهدد بانهيار محادثات الانضمام إلى عضوية الاتحاد، والتي توقفت منذ عام 2005 وتم تجميدها فعلياً منذ استفتاء تركيا على تعديل الدستور في أبريل 2017. وسيحدد مدى نجاح تركيا والاتحاد الأوروبي في إدارة الخلافات حول سياسات الهجرة والسفر ومكافحة الإرهاب والتعاون بين الناتو والاتحاد الأوروبي وقبرص طول فترة عملية الانضمام وتطوير مستقبل بديل للعلاقة. واختلف الجانبان حول تنفيذ اتفاق إعادة القبول لعام 2013، والذي وافقت فيه تركيا على تقديم الإغاثة المؤقتة للاجئين من سوريا في مقابل المساعدة الإنسانية من الاتحاد الأوروبي. واتخذت تركيا موقفاً حازماً في ذلك، حتى قبل محاولة الانقلاب في يوليو 2016، حيث تعمقت مخاوف أوروبا بشأن مزاعم الاستبداد في تركيا، والقيود المفروضة على الحقوق المدنية والسياسية، ومختلف خطوات السياسة الخارجية. وعلى الرغم من أن أنقرة قامت بإيماءات في أوائل عام 2018 تشير إلى أنها قد تسعى إلى إعادة العلاقات في خضم العزلة المتزايدة لتركيا، إلا أن تحقيق مصالحة واسعة أمر غير محتمل. ومن المحتمل أن تصبح العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بشكل أكبر معاملات تبادل منافع، وأن تركز بشكل ضيق على التجارة الحرة والهجرة ومكافحة الإرهاب؛ ولكن بالنظر إلى الخلافات القائمة حول هذه القضايا والشروط لحلها، فسيكون من الصعب تأسيس هذا النموذج من العلاقة في المستقبل القريب.

وحتى الآن، لم يبدأ الاتحاد الأوروبي في تطبيق تحرير التأشيرات للمواطنين الأتراك لأن تركيا لا تزال غير قادرة على الوفاء بمعايير الاتحاد الأوروبي بشأن الإصلاحات الداخلية، ومع ذلك فمن غير المرجح أن يضع أردوغان تهديدات سابقة بوقف محادثات الانضمام حيز التنفيذ. وفي الوقت نفسه، تزيد التطورات تصفها أوروبا بـ “الاستبدادية” في تركيا من خطر تعليق الحكومات الأعضاء في الاتحاد الأوروبي للمحادثات، على الرغم من أن الدول الأعضاء ما زالوا منقسمين بشأن هذه القضية. ومن شأن الانهيار التام لإجراءات عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي أن يكون له تكاليف اقتصادية وسياسية عميقة على كلا الجانبين وستكون ضارة بالمصالح الأمريكية. وسوف يمثل هذا إخفاقاً كبيراً في قدرة الاتحاد الأوروبي على دعم إصلاحات السياسة في الدول الثالثة (أي الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي) كوسيلة لتعزيز الاستقرار، وسيجعل أكثر إلحاحاً وأكثر صعوبة على واشنطن إشراك تركيا بشكل مباشر في العديد من القضايا الحساسة.

وبالنظر إلى هذا السياق، فمن غير المرجح أن تدعم أنقرة المزيد من إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، خاصة إذا ظل النزاع القبرصي دون حل. إن المأزق الدائم بين شطري الجزيرة وخط أنقرة الثابت بشأن القضايا الأمنية يجعل حل النزاع القبرصي بعيد المنال في المستقبل المنظور. كما أن الزعماء الأتراك أقل ميلًا للانضمام إلى بعثات الاتحاد الأوروبي كوسيلة لترسيخ علاقة بلادهم بالغرب، الأمر الذي لن يقلل فقط من مشاركة أنقرة في مهام سياسة الأمن والدفاع المشترك ولكن أيضاً سيواصل جر النزاعات الثنائية إلى الناتو، وبالتالي تقويض تماسك الحلف.

تركيا وحلف الناتو

هناك العديد من العناصر التي تضمن استمرارية تركيا في عضوية حلف الناتو. فلا يزال التحالف يلعب دوراً رئيسياً في استراتيجية الأمن القومي لتركيا وخططها للدفاع ضد التهديدات الشديدة. وتوفر عضوية الناتو لتركيا مقعداً في مجلس شمال الأطلسي، حيث يتم إعداد القرارات السياسية الرئيسية بشأن الأمن الأوروبي الأطلسي. وتظل تركيا منخرطة في مؤسسات سياسية أخرى تابعة للتحالف، وهيكل عسكري متكامل، وبرنامج للتدريبات، وتواصل تقديم مساهمات كبيرة في العمليات الحالية، والقوات الدائمة، وقوة الرد لحلف الناتو. وبالإضافة إلى ذلك، تستضيف تركيا قوات من دول أخرى في حلف الناتو في قاعدتيها الجويتين إنجيرليك وقونيا، وقيادة القوات البرية التابعة لحلف الناتو في إزمير، ونظام رادار الإنذار المبكر الأمريكي في كوريسيك الذي يعد جزءاً من نظام الدفاع الصاروخي لحلف الناتو في أوروبا. وعندما تزايدت التوترات الإقليمية في السنوات الأخيرة، تحولت تركيا على الفور إلى الولايات المتحدة وغيرها من حلفاء الناتو للحصول على الدعم العسكري، ودعت مرتين إلى المشاورات بموجب المادة 4 من معاهدة شمال الأطلسي[10].

ومع ذلك، فقد ازدادت الشكوك في أوساط النخبة التركية العامة والنخبة السياسية حول مدى موثوقية التزام حلف الناتو بالدفاع الجماعي وأهمية التحالف في التصدي للتهديدات الأمنية الأكثر إلحاحاً في البلاد – مكافحة الإرهاب والحركات الانفصالية في الداخل وفي الجوار التركي – في السنوات الأخيرة. ويرى معظم الأتراك أيضاً أن السياسات التي تتبعها الولايات المتحدة وغيرها من الحلفاء في سوريا تعتبر ضارة بأمن تركيا. وفي أعقاب محاولة الانقلاب في يوليو 2016، زعمت شخصيات سياسية جادة أن الناتو “دعم كل انقلاب عسكري في تركيا” وقوض بشكل منتظم المصالح التركية[11]. ويرى آخرون عن حق بأنه حتى لو كان هذا الادعاء صحيحاً، فإن كون تركيا عضواً في حلف الناتو يجعلها في وضع أفضل للوقوف في وجه أي تحركات تحاك ضدها – أفضل من ألا تكون عضواً في الناتو[12]إن مناقشة “الرؤية الأوروبية” – أي الانسحاب من الناتو ومتابعة تعاون أعمق مع روسيا وإيران والقوى الكبرى الأخرى لمعالجة التحديات الأمنية التي تواجهها تركيا بشكل أكثر فاعلية – وجدت صدىً في الأوساط السياسية والأكاديمية، وخاصة في أعقاب قرار الولايات المتحدة في مايو 2017 بتزويد وحدات حماية الشعب الكردية بسوريا بأسلحة ثقيلة. ويتردد أن المدافعين عن وجهة النظر هذه نفوذاً بيروقراطياً حتى إن بعضهم تولوا بعض المناصب في وزارة الخارجية والقوات المسلحة التي تم إخلاؤها من قبل المؤيدين لبقاء تركيا في الأطلسي والذين تم طردهم في أعقاب الانقلاب.

لقد كانت موسكو بارعة في استغلال هذه الشروخ وتضخيمها داخل تركيا وبين الحلفاء، وبالتالي قدمت نفسها كشريك سياسي وأمني أكثر موثوقية. وفي الوقت نفسه، أوضحت موسكو لأنقرة أن التعزيز العسكري الروسي في منطقة البحر الأسود واليد العليا لها في الصراع السوري يمنحها استفادة كبيرة. إلا أن القلق المستمر في أنقرة بشأن نوايا موسكو طويلة الأجل والقدرات العسكرية المتنامية قلّل من فعالية هذا النداء. لقد جاء رد فعل تركيا بناءً على الحقائق الجيوسياسية وازدواجية الاستراتيجية الروسية من خلال محاولة موازنة العلاقات مع حلفائها القدامى وشريكها الجديد. ويُعد تقارب تركيا مع موسكو، والتعاون العسكري معها في البحر الأسود وسوريا، واقتناء نظام الدفاع الصاروخي إس 400 الروسي هو أحد جوانب هذا الجهد لتحقيق التوازن. ومع ذلك، فلا يزال القادة الأتراك يشعرون بقلق عميق إزاء التعزيز العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم منذ عام 2014، وخطط توسيع أسطول البحر الأسود، والعمليات العسكرية في سوريا وشرق المتوسط.

وعشية قمة وارسو لمنظمة حلف شمال الأطلسي عام 2016، أعرب أردوغان عن أسفه لعدم وجود عسكري واضح للناتو في البحر الأسود ودعا الحلفاء إلى اتخاذ خطوات لمنع روسيا من تحويل البحر الأسود إلى “بحيرة روسية”[13].  كما تعهدت بالمساهمة في تواجد الناتو المتقدم في منطقة البحر الأسود، والذي تم الإعلان عنه في قمة وارسو، على الرغم من المعارضة الروسية الشديدة لذلك. وفيما يتعلق بالدفاع الصاروخي، تسعى أنقرة إلى التعاون مع كونسورتيوم يوروسام الفرنسي الإيطالي من أجل تطوير وإنتاج نظام دفاع صاروخي بعيد المدى مع شركاء صناعة الدفاع الأتراك. ويُعتبر عمق التعاون التركي الحالي مع روسيا غير مؤكد، ومن المرجح أن تحد المخاوف المتعلقة بالتشغيل البيني، وكذلك الشكوك المستمرة، من نطاق صفقات الأسلحة المستقبلية. ولا تزال مؤسسة الدفاع التركية تعتمد اعتماداً كبيراً على معدات الناتو ومن المرجح أن تظل معتمدة على الصناعة الدفاعية للولايات المتحدة والناتو على مدار العقد المقبل.

لقد شعرت الحكومات الأعضاء في تحالف الناتو أيضاً بخيبة أمل متزايدة بسبب بعض الخطابات الهجومية التي تقوم بها أنقرة وسياسة حافة الهاوية التي تنتهجها بين الحين والآخر، وحقيقة أن الحصول على موافقة أنقرة على القرارات التشغيلية والسياساتية الهامة للناتو يتطلب بانتظام تدخلاً سياسياً على أعلى مستوى مع الرئيس أردوغان. وقد تطلب الأمر بذل جهود دبلوماسية حثيثة لإقناع الحكومة التركية بالمصادقة على تطوير دفاعات الناتو الصاروخية في قمة لشبونة 2010، وبعد مرور عام، تم نشر رادارات الدفاع الصاروخي الأمريكي على الأراضي التركية؛ حيث كانت أنقرة قلقة من أن هذا الإجراء قد يضر بعلاقاتها مع إيران. واستغرق الأمر مشاركة مماثلة مع أنقرة لإقناع السلطات التركية بإغلاق حدود تركيا أمام المقاتلين الأجانب المتجهين إلى سوريا والمشاركة أخيراً في مهام الضربات الجوية كعضو في تحالف مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في عام 2015. وقد أدت حدة الخلاف بين برلين وأنقرة، والتي نوقشت في الفصل الثامن، إلى أن تضطر ألمانيا إلى إعادة نشر أفرادها العسكريين وطائراتهم الداعمة للتحالف ضد تنظيم الدولة من إنجيرليك إلى الأردن في عام 2017، عندما منع الأتراك، للمرة الثانية، المشرعين الألمان من زيارة القوات الألمانية.

وعلى الرغم من الاختلافات السياسية، لا يزال الحلفاء يشاركون تركيا في العديد من المصالح المشتركة في مكافحة الإرهاب وردع المزيد من العدوان الروسي في جنوب شرق أوروبا وشرق المتوسط ​، مما يحد من النفوذ الإيراني ويشجع الاستقرار في الشرق الأوسط. ولا تعدم الولايات المتحدة وحلفاء آخرون وجود نفوذ كبير لهم على أنقرة ولا ينبغي أن يترددوا في استخدام تلك الرافعة في السعي لإدارة الخلافات السياسية. ويعرف القادة الأتراك أن الناتو لا يزال هو الإطار الحيوي الوحيد من أجل الحفاظ على أمن أمتهم. وسيحتاج قادة الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها إلى صبر استراتيجي ومشاركة ثابتة لإدارة تلك الخلافات، حيث يقوم الأتراك بتسوية خلافاتهم السياسية الداخلية والتعامل مع وضعهم الأمني ​​المتدهور. ويمكن لهذه المشاركة، مع مرور الوقت، أن تقود الحكومات التركية المستقبلية إلى اتباع سياسات خارجية وأمنية تتوافق بشكل أكبر مع السياسات الأمريكية. وبالنظر إلى موقع تركيا الجغرافي الاستراتيجي ونفوذها الإقليمي، فمن الأفضل بكثير أن يتم التعاون معها بطرق مختلفة من داخل الناتو بدلاً من السعي لإحباط جهود الحلف من الخارج.

القضايا الثنائية الشائكة تزيد من الضغوط على الولايات المتحدة

بالإضافة إلى الخلافات السياسية المتعلقة بسوريا والأكراد وإيران وروسيا والقضايا الإسرائيلية الفلسطينية، فإن هناك العديد من المشاكل الثنائية التي وتّرت الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وتركيا. وقد كانت إدارة أوباما التي تولت الحكم في عام 2009 مصمّمة على تعميق التعاون الإقليمي والعالمي مع تركيا، داعيةً إلى تطوير “شراكة نموذجية” للنهوض بالمصالح المتبادلة في شرق أوسط متغير وعلى نطاق أوسع[14]. ومع ذلك، فإن الخلافات بين الجانبين حول ليبيا، والملف النووي الإيراني، وجماعة الإخوان المسلمين، والمراحل الأولى من الحرب الأهلية السورية قللت من فرص تحقيق هذه الرؤية. وأدت ممارسة أردوغان لسياسة حافة الهاوية من حين لآخر والسيطرة الصارمة على القرارات السياسية، والتي تتطلب بانتظام تدخلات سياسية رفيعة المستوى للحصول على دعم أنقرة لمبادرات السياسة الخارجية الرئيسية، أدت إلى خيبة أمل في واشنطن. ومن جانبه، شعر أردوغان بالرفض عندما امتنعت واشنطن عن التجاوب مع مبادراته لحل القضية النووية الإيرانية في عام 2011، واتخاذ إجراء عسكري للإطاحة بنظام الأسد في سوريا، وإنشاء مناطق آمنة لحماية المدنيين السوريين من وحشية النظام. حيث شعر أردوغان بخيبة أمل بينما عبرت واشنطن عن قلقها بشأن الانجراف نحو السلطوية في السياسة التركية وما اعتبره أردوغان التردد في التنديد بمحاولة الانقلاب العسكري في يوليو 2016 وتأكيد دعم الحكومة التركية.

أعرب أردوغان عن أمله في أن يبدأ الرئيس دونالد ترامب بداية جديدة للعلاقة وأن يتمكن من إقناع ترامب بالتوقف عن دعم وحدات حماية الشعب الكردية السورية. ولكن هذه الآمال تلاشت عندما أعلن ترامب أنه سوف يزود وحدات حماية الشعب الكردية بالأسلحة الثقيلة، وتعرض لضربة شديدة عندما أعلن ترامب قراره بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. وانتقد أردوغان وغيره من القادة الأتراك حقيقة أن الولايات المتحدة لم تفشل فقط في الاستجابة لطلبهم بتسليم فتح الله جولن عام 2016 – والذي يُتهم بأنه كان العقل المدبر لانقلاب يوليو 2016 ويتزعم ما تصنفه تركيا بأنه منظمة إرهابية – ولكن أيضاً سمحت لجولن بالعيش براحة كبيرة على أرضها ودون أي تدخل. أدت هذه التوترات إلى تصريحات لاذعة من جانب الزعماء الأتراك مفادها أن الولايات المتحدة لم يعد من الممكن اعتبارها حليفة لأنها توفر ملاذاً آمناً لأحد أعداء الدولة البارزين وتسليح آخر يشن تمرداً انفصالياً. وتعمقت المشاعر المعادية لأمريكا في تركيا، وكذلك الشكوك حول موثوقية التزام الولايات المتحدة باستقرار تركيا وأمنها.

وازدادت العلاقات الثنائية تعقيداً بسبب اعتقال تركيا لمواطنين أمريكيين وأوروبيين واثنين من الموظفين الأتراك في القنصليات الأمريكية بتهم تتعلق بشبهة الإرهاب، فضلاً عن اعتداءات رجال الأمن الأتراك على المحتجين في واشنطن خلال زيارة أردوغان في مايو [15]2017. كان هناك اهتمام كبير بالقس الأمريكي، أندرو برونسون، الذي تم اتهامه في تركيا عام 2016 كداعم لحركة جولن. وازدادت التوترات بشكل أكبر مع المحاكمة المثيرة في الولايات المتحدة لتاجر الذهب رضا زارّاب، الذي اتُهم بتدبير خطة كبيرة لغسل الأموال تهدف إلى التحايل على العقوبات ضد إيران بالتنسيق مع كبار المسؤولين في الحكومة التركية. وتلقت القضية تغطية صحفية عالية المستوى، وتردد أن أردوغان نفسه أثار القضية مع شخصيات أمريكية بارزة في مناسبتين على الأقل. واحتفظ زراب أيضاً بخدمات رئيس بلدية نيويورك السابق رودولف جولياني، الذي حاول التفاوض على تسوية القضية خارج المحكمة من خلال مفاوضات دولة لدولة[16]. وأقر زراب في النهاية بأنه مذنب بالاحتيال، وشهد ضد مسؤول تنفيذي كبير في شركة مملوكة للدولة – البنك التركي، وادعى كذلك أن الرئيس أردوغان قد وافق شخصياً على عملياته. سارع المسؤولون الأتراك إلى رفض القضية باعتبارها “مسرحاً” له دوافع سياسية ونتيجة مؤامرة من نسج فتح الله جولن ضد تركيا[17]. وعلى الرغم من أن سلسلة من النزاعات الثنائية الأخرى قد تم تجاوزها في وقت قصير، إلا أن هذه القضية لا تزال تمثل نقطة توتر رئيسية بين واشنطن وأنقرة. وقد تمثل ضغطاً كبيراً على العلاقة المتقلبة بالفعل بين البلدين.

التقييمات الشاملة

يقدم الجدول 9.1 تقييماً موجزاً ​​للمواقف التركية المتقاربة أو المتباعدة أو المتعارضة مع مصالح الجيران الرئيسيين والحلفاء الآخرين؛ الجدول هو تجميع لتحليلنا في الفصول من الثاني إلى الثامن.

وكما هو موضح في الجدول 9.1، فلا يزال لدى تركيا والولايات المتحدة وحلفاء آخرين في حلف الناتو العديد من المصالح الاستراتيجية المتقاربة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب، وتعزيز السلام في الشرق الأوسط، والحد من تنامي القوة الروسية والإيرانية، وتوسيع ممرات عبور الطاقة. ومع ذلك، فإن الخلافات حول السياسات الرامية إلى تعزيز هذه المصالح على نحو أفضل أصبحت أكثر وضوحاً وتفاقمت من خلال تعميق الشكوك المتبادلة. ويشير التحليل السابق إلى أربع احتمالات مستقبلية لتركيا، على النحو المبين في الفصل الثاني والموضح أدناه أيضاً:

1- حليف صعب: حيث لا تزال تركيا حليفاً صعباً وأحياناً متأرجحا، لكنها تظل ملتزمة بعمليات وسياسات الناتو وتعتمد على ضمان الأمن الجماعي للحلف. وتظل العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة في إطار المنافع المتبادلة، لكن تتم إدارة الخلافات دون الكثير من الضغط أو الانقطاع.

2- عودة الديمقراطية: قد يتمكن زعيم سياسي أو ائتلاف معارض التغلب على أردوغان بعد عام 2023، والتراجع عن التغييرات الدستورية التي تمت الموافقة عليها في استفتاء عام 2017، واستئناف سياسة خارجية وأمنية أكثر توجهاً نحو الغرب. وقد يؤدي ذلك إلى تعزيز التعاون بين الولايات المتحدة والسياسة الأوروبية والدفاع مع تركيا، وتحسين العلاقات التركية مع إسرائيل والدول العربية، والتقدم في القضايا الكردية وقبرص.

3- الوازن الاستراتيجي: تتحرك تركيا لتحقيق توازن أكثر صراحة في علاقاتها مع حلفائها في الناتو والشركاء الناشئين في أوراسيا (لا سيما روسيا وإيران والصين)،

الجدول 9-1: مواءمة المصالح التركية مع مصالح الجار والشريك

المصالح المتضاربة

المصالح المتباينة

المصالح المتقاربة

الجار /الشريك

– في سوريا: التعاون الإيراني مع حزب العمال الكردستاني لتحقيق ممر عبور للطاقة

– الاختلافات الدينية بين الطائفتين السنية والشيعية

– عضوية تركيا في الناتو

– برنامج إيران النووي

– إعادة توطين المناطق المأهولة بالسكان في سوريا والعراق

– الدعم التركي للجماعات الإسلامية والجهادية السنية

– علاقات إيران السياسية والعسكرية ببغداد

– نهج الانفصالية الكردية

– الاستيطان في سوريا (تركيا تريد الحد من النفوذ الإيراني)

– العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا

– مكافحة الإرهاب

– الأنشطة الإقليمية الإيرانية والنفوذ

– توسيع التجارة في السلع والطاقة؛ التعاون الاقتصادي

– معارضة إقامة دويلات كردية صغيرة في العراق وسوريا

– تأثير محدود للجهات الفاعلة الخارجية

– أمن الحدود

– الحذر تجاه روسيا

– تسهيلات تركية لإيران لتفادي العقوبات المفروضة عليها

– الدعم التركي لقطر في النزاعات مع دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الأخرى

 

 

 

 

 

 

 

إيران

– الوجود العسكري التركي في شمال العراق

– العلاقات التركية مع التركمان السنة الانفصاليين في العراق

– تأثير إيران والميليشيات الشيعية في العراق

– العلاقات مع حكومة إقليم كردستان، خاصة فيما يتعلق بتدفقات الطاقة

– معارضة إقامة دويلات كردية صغيرة في العراق وسوريا

– التجارة ونقل الطاقة

 

 

العراق

– جماعة الإخوان المسلمين: تركيا وقطر تدعمان الإخوان؛ بينما يعترض الآخرون

– الدعم التركي للجماعات الإسلامية الأخرى في سوريا وليبيا، وكذلك تمكينها لبعض الجماعات الجهادية

– تعميق العلاقات التركية مع قطر

– خلاف مع مصر بشأن الإخوان المسلمين والقضايا الفلسطينية

– إدارة الموارد المائية المشتركة

– شروط نهاية اللعبة والتسوية في سوريا، والتي تتأثر بتعاملات تركيا مع إيران والجماعات الجهادية

– فلسطين: تركيا لها علاقات بحركة حماس والإخوان المسلمين؛ البعض الآخر لديهم علاقات مع السلطة الفلسطينية

– عمليات تركيا العابرة للحدود ضد حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، مما يثير مخاوف السيادة

– معارضة النفوذ الإقليمي الإيراني، رغم أن دول الخليج العربي تشكك في التزام تركيا بذلك

– معارضة نظام بشار الأسد في سوريا، على الرغم من أن الدول العربية كانت قلقة من أن تركيا كانت أكثر تركيزاً على مواجهة وحدات حماية الشعب بدلاً من مساعدة المعارضة السنية العربية؛ كانت الدول العربية قلقة أيضاً من دعم تركيا للجهاديين والجيش السوري الحر

 

 

 

دول عربية أخرى

– فلسطين: الدولة والقدس الشرقية وحصار غزة وحماس

– دعم إسرائيل للحكم الذاتي الكردي

– التعاون الإسرائيلي مع حكومة مصر عبد الفتاح السيسي

– شراكة إسرائيلية متزايدة مع قبرص واليونان

– العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع دول الشرق الأوسط الكبير

– تسهيل إسرائيل للوجود والتفاعل الإقليمي الأمريكي

– التجارة

– التطوير المحتمل لحقل ليفياثان للغاز الطبيعي كمحرك للمصالحة

– الإغاثة الإنسانية في قطاع غزة

– النفوذ الإيراني المحدود

 

 

 

إسرائيل

 

 

– نهاية اللعبة والوجود الروسي في سوريا

– الانخراط الروسي مع حزب الاتحاد الديمقراطي (بي واي دي) ووحدات حماية الشعب (واي بي جي) في سوريا

– الحشد العسكري الروسي في البحر الأسود

– عضوية تركيا في الناتو، وخاصة موقع الدفاع الصاروخي وغيره من عمليات النشر الصاروخي وغيره من عمليات النشر

– ممرات عبور الطاقة

– قضايا مكافحة الإرهاب

– دور روسيا في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى

– العلاقات مع الولايات المتحدة

– التوسع التجاري

– التعاون في مجال الطاقة (إمدادات الغاز الروسي؛ المحطة النووية)

– التوترات مع الاتحاد الأوروبي والغرب

– تجارة الأسلحة

– الليبرالية والحكم الاستبدادي

 

 

 

 

روسيا

 

 

– الاختلافات بين تركيا وأرمينيا بشأن نزاع ناجورنو كاراباخ وما إذا كان ينبغي الإشارة إلى أفعال تركيا في عام 1915 باعتبارها إبادة جماعية

– توفير الأرمن للقواعد العسكرية لروسيا

– جهود باكو وتبيليسي لتوثيق العلاقات السياسية والأمنية مع أوروبا

– رغبة جورجيا في دعم أقوى ضد روسيا

– الاحترام التركي لروسيا في منطقة البحر الأسود

– تطوير الاتصال والبنية التحتية للتجارة والطاقة

– تسهيل الروابط الاقتصادية الأوسع مع أوروبا

– انضمام تركيا إلى أذربيجان في صراع ناجورنو كاراباخ

 

 

دول القوقاز

العلمانية الرسمية مقابل الإسلاموية

– التوافق مع روسيا

– الاندماج التركي مقيد بسعي دول آسيا الوسطى لتعميق الهوية الوطنية

– بعض العلاقات التجارية والإنمائية

– التعاون الأمني في الحد الأدنى

 

آسيا الوسطى

– تراجع الديمقراطية في تركيا

– الشتات التركي في أوروبا

– السياسة تجاه سوريا

– منح اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي إلى أتباع جولن والمشتبه بهم في محاولة الانقلاب

– الاحتجاز غير القانوني لمواطني الاتحاد الأوروبي في تركيا

– مطالب تركيا البحرية المتنافسة مع اليونان وقبرص في البحر المتوسط وبحر إيجه

– أزمة الهجرة

– مكافحة الإرهاب وتدفق المقاتلين الأجانب

– تحرير تأشيرة الاتحاد الأوروبي

– التجارة والطاقة

– العلاقات الاقتصادية

 

 

 

 

الاتحاد الأوروبي

– اقتناء أنظمة دفاعية من خارج الناتو

– التحديات التركية العدوانية للمطالب البحرية اليونانية والقبرصية، والتي تهدد بنشوب صراع

– تراجع الديمقراطية في تركيا

التقارب مع روسيا

– القيود المفروضة على قاعدة إنجيرليك الجوية، والتي تؤثر على العمليات الأمريكية والألمانية

– التضامن ضد تهديدات السلامة الإقليمية التركية

– الدور التركي في أفغانستان

– رفض الهيمنة الروسية الانتشار العسكري في البحر الأسود

 

 

حلف الناتو

– السياسة تجاه سوريا

– المشاركة التكتيكية الأمريكية مع وحدات حماية الشعب الكردية، وحزب الاتحاد الديمقراطي، وقوات سوريا الديمقراطية

– تسليم جولن

– الدعوى القضائية ضد تاجر الذهب رزا زراب في الولايات المتحدة

– الدعاية المناهضة للولايات المتحدة. في خطاب الحكومة التركية وفي الصحافة الرسمية وشبه الرسمية

– امتلاك تركيا لأنظمة دفاعية من خارج الناتو، وخاصة منظومة إس 400 الروسية

– اعتقال تركيا لمواطنين أمريكيين

– تراجع الديمقراطية

– التقارب مع روسيا

– عقوبات إيران

– التقارب مع المقاتلين الأجانب والجماعات الإسلامية في سوريا

القيود المفروضة على قاعدة إنجيرليك الجوية، والتي تؤثر على العمليات الأمريكية

– أداء تركيا لدور أوسع في المنطقة والعالم الإسلامي

– رغبة تركيا في زيادة اكتفائها الذاتي في الصناعات الدفاعية

– التضامن مع تركيا ضد الأخطار التي تهدد وحدة الأراضي التركية

– دور تركيا كمورد للطاقة إلى أوروبا

– الدور التركي في أفغانستان

– مخاوف بشأن الجهود الروسية للسيطرة على السلطة من البحر الأسود

 

 

 

 

الولايات المتحدة

مما يدعم أحياناً المواقف الغربية ولكن في كثير من الأحيان يشكل تحالفات متغيرة. هذه هي الإستراتيجية المحددة في بيان أردوغان الانتخابي لعام 2018، وهي تعكس النظرة العالمية للعديد من السياسيين من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية. إنها تنطوي على مخاطر بالنسبة لتركيا وستعقد جهود الردع والدفاع الأمريكية ضد روسيا وإيران والصين. ومن المرجح أن يتم متابعة هذا في المستقبل إذا ظلت القضايا المثيرة للجدل مع الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية دون حل.

4- قوة أوراسية: مع وصول الشكوك المتبادلة وخلافات السياسة مع أوروبا والولايات المتحدة إلى نقطة الانهيار، قد تتحرك تركيا لترك الناتو رسمياً ومتابعة تعاون أوثق وتوافق مختلف مع الشركاء في أوراسيا والشرق الأوسط. وهذا سيؤدي إلى علاقات بعيدة أكثر خصومة وإلى مخاطر وقوع حوادث عسكرية.

للوصول إلى هذه التوجهات الجيواستراتيجية الأربعة المنطقية لمستقبل تركيا، استخدمنا مقاربة مبسطة لمحاور سيناريوهات، حيث حددنا أهم القوى المحركة في الشؤون الداخلية والخارجية التركية. ثم حددنا أنواع السياسات التي من المحتمل أن تتبعها تركيا إذا سادت هذه القوى، وكذلك الآثار المترتبة على الولايات المتحدة وغيرها من الحلفاء في كل اتجاه مستقبلي (انظر الجدول 9.2). لم نسعَ إلى تقييم احتمال تحقق كل متغير منها أو استشراف مستقبلها من أجل التنبؤ بمسار تركيا في الشؤون العالمية. ولكن هذه المتغيرات الأربعة هي بدائل قد تتحقق نتيجة لبعض التطورات الداخلية والخارجية. ونحن نقدمها فقط كأداة إرشادية لتزويد صانعي القرار في الولايات المتحدة بمجموعة من مؤشرات تطور بدائل مستقبلية محتملة والتي على أساسها يمكن تقييم مسارات عمل لسياسات مختلفة من أجل تشكيل نتائج في اتجاهات تكون أكثر ملاءمة لمصالح الولايات المتحدة[18] .

الآثار المترتبة على التخطيط الدفاعي الأمريكي والجيش الأمريكي

إن للتطورات في السياسة الداخلية التركية، والسياسات الخارجية والدفاعية، والموقف العسكري، إلى جانب توترات العلاقات الثنائية مع واشنطن، آثار كبيرة على التخطيط الدفاعي الأمريكي والجيش الأمريكي. في هذا القسم، سندرس حالة العلاقات العسكرية – العسكرية وكيف تتقارب أو تتباعد السياسات الدفاعية الأمريكية والتركية ومواقع القوة في ثلاثة من تحديات الأمن الإقليمي الأكثر إلحاحاً: استقرار سوريا بعد داعش في ظل تطور جهود مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، واحتواء النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط والخليج العربي، واحتواء النفوذ الروسي والأنشطة العسكرية في منطقة البحر الأسود وخارجها.

الجدول 9-2: مسارات وسياسات وتداعيات للبدائل الأربعة المحتملة لمستقبل تركيا خلال العقد المقبل

التداعيات

السياسات

المسارات

البدائل المحتملة

– بقاء العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا في حالة تفاعلية. وإدارة الخلافات والأزمات تتطلب مشاركة دورية رفيعة المستوى لتجنب حدوث تشققات؛ تزايد الإحباطات

– ضعف التعاون الدفاعي والعسكري مع الولايات المتحدة وحلف الناتو

– التعامل الحاد مع أوروبا؛ محادثات الانضمام تستمر بشكل مناسب

– التردد في دعم وجود الناتو في جنوب شرق أوروبا والبحر الأسود

– الخلافات مع الولايات المتحدة والتحالف بشأن سوريا والأكراد

– تعاون متزايد مع روسيا وإيران

– استمرار التوترات مع إسرائيل وقبرص

– استمرار الاستقطاب السياسي المحلي؛ هيمنة أردوغان. انقسام المعارضة

– حكم استبدادي بموجب الدستور الجديد

– استمرار التمرد الكردي والتهديد الإرهابي بمعدل مرتفع

– استقرار الاقتصاد

– الاختلافات مع الناتو بشأن روسيا والبحر الأسود

– الخلافات مع الولايات المتحدة بشأن سياسات إيران وإسرائيل

 

 

 

 

 

 

حليف صعب

– تحسن التعاون الدفاعي والعسكري مع الولايات المتحدة وحلف الناتو

– التقدم مع الاتحاد الأوروبي بشأن الاتحاد الجمركي وتحرير التأشيرات

– دور أكثر واقعية في الشرق الأوسط

– إدارة التوترات مع اليونان وقبرص

– بذل الجهود لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل

– العلاقات الاقتصادية وعلاقات الطاقة مع روسيا وإيران

– الخلافات حول سوريا والأكراد مستمرة ولكن تدار بشكل أفضل

– استئناف عملية السلام مع الأكراد

– تزايد الاستياء من حكم أردوغان وحزب العدالة والتنمية

– الانكماش الاقتصادي؛ تعثر الاستثمار الأجنبي المباشر؛ هروب رأس المال

– اتحاد أحزاب المعارضة

– احتمالية وقف إطلاق النار مع حزب العمال الكردستاني

– إزاحة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات

– الحد من سلطات الرئيس

 

 

 

 

 

العودة للديمقراطية

تتطلب الأزمات العادية مشاركة رفيعة المستوى لتجنب المواجهات

• التراجع في الالتزام بسياسات ومهام الناتو

• التعاون الدفاعي والعسكري مع الولايات المتحدة وحلف الناتو يتراجع بشكل ملحوظ ؛ يتم تقييد الوصول إلى القواعد التركية أو رفضها في بعض الأحيان

– تقوية الحكم الاستبدادي

-الحد من وجود الناتو في جنوب شرق أوروبا والمرور عبر المضايق التركية

– الانسحاب من مهام الناتو في أفغانستان ومنطقة البلقان

– التوافق الدوري مع روسيا وإيران والصين للحد من أو تعويض النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوراسيا

– مزيد من الانجراف نحو النزعة القومية تحت حزب العدالة والتنمية أو إذا حل حزب الحركة القومية أو حزب يميني جديد محل حزب العدالة والتنمية

– انهيار محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ مماطلة في المحادثات بشأن تعزيز الاتحاد الجمركي وتحرير التأشيرة

– تعميق التعاون الاقتصادي والأمني مع روسيا؛ تدابير مؤقتة

في منطقة البحر الأسود والقوقاز

– تعاون اقتصادي وأمني أعمق مع إيران والصين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الوازن الاستراتيجي

– تباعد في العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، ومعادية أحياناً

– المواءمة الروتينية مع روسيا وإيران والصين للحد من أو تعويض النفوذ الأمريكي

– تقليص التعاون الدفاعي والعسكري مع الولايات المتحدة وحلف الناتو؛ رفض السماح باستخدام القواعد العسكرية بتركيا

– حوادث عسكرية محتملة

– إيقاف سياسات التحالف والبعثات أو الانسحاب من الناتو تماماً

– إيقاف التواجد المتقدم في جنوب شرق أوروبا، وكذلك مرور الولايات المتحدة وحلف الناتو عبر المضايق التركية

– الانسحاب من البعثات في أفغانستان وسوريا

– علاقات جديدة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنظمة شنغهاي للتعاون

– مشاركة أكثر عمقاً مع منظمة التعاون الإسلامي

– مزيد من الانجراف نحو النزعة القومية تحت حزب العدالة والتنمية أو إذا حل حزب الحركة القومية أو حزب يميني جديد محل حزب العدالة والتنمية

– انهيار محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ انخفاض حاد في التجارة مع أوروبا والسفر إليها

– تعميق التعاون الاقتصادي والأمني مع روسيا؛ تدابير جديدة في منطقة البحر الأسود والقوقاز

– تعاون أعمق مع إيران والصين والدول ذات الأغلبية المسلمة

 

 

 

 

 

 

 

 

قوة أوراسية

 

 

حالة العلاقات الثنائية العسكرية-العسكرية والصناعات الدفاعية

للجيشين الأمريكي والتركي تاريخ طويل من التعاون الوثيق، والذي تطور في ضوء تحول الأولويات. حيث كان الوجود العسكري الأمريكي في تركيا يقارب 15,000 عنصراً في أواخر الثمانينيات، مما يعكس أولويات الحرب الباردة على الجهة الجنوبية لحلف الناتو. وعلى النقيض من ذلك، فهناك حوالي 2,200 فرداً عسكرياً أمريكياً متمركزين في تركيا اليوم، حوالي 1,500 منهم في قاعدة إنجيرليك الجوية. وقد عانت العلاقات من انتكاسة كبيرة بعد عام 2003، عندما لم يدعم البرلمان التركي طلب الولايات المتحدة من فرقة المشاة الرابعة استخدام الأراضي التركية لشن عمليات في العراق، ورفضت الولايات المتحدة لاحقاً عرض الحكومة التركية بإرسال 10,000 جندي إلى العراق كأعضاء في التحالف. وأدت الجهود الأمريكية في الحد من العمليات العسكرية التركية في كردستان العراق ضد حزب العمال الكردستاني بالإضافة إلى حادث كبير وقع بين القوات الأمريكية والتركية هناك إلى مزيد من التوترات، وحَدَّ من مستوى الاتصالات على المستوى الرفيع بين الطرفين[19].

واتخذت الولايات المتحدة خطوات لتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية حول حزب العمال الكردستاني مع القوات المسلحة التركية في عام 2007، مما ساعد على تمهيد الطريق لتحسين العلاقات بين العسكريين واستعادة الاتصالات رفيعة المستوى. لكن القيود البيروقراطية التي فرضتها تركيا على استخدام الولايات المتحدة لقاعدة إنجيرليك الجوية كانت تثير الغضب في بعض الأحيان.

 وقد تباين عمق التعاون العسكري الأمريكي مع القوات المسلحة التركية حسب كل فرع على حدة. حيث كان التعاون مع سلاح الجو التركي قوياً بشكل عام على مدار الأعوام الماضية، بما في ذلك استمرار العمليات في إنجيرليك وتدريبات النسر الأناضولي المعتادة، والتي تشمل حلف الناتو والدول الشريكة الأخرى. وهناك تفاعل كبير بين القوات البحرية الأمريكية والتركية يحدث خلال عمليات الناتو، بالإضافة إلى المحادثات العادية بين هيئتي الطرفين. ولسنوات عديدة، كانت هناك حوارات رسمية محدودة بين الجيش الأمريكي والقوات البرية التركية، على الرغم من أن القوات البرية تمثل أكبر عنصر في القوات المسلحة التركية. وجرت أول محادثات على الإطلاق بين أركان الجيش الأمريكي والقوات المسلحة التركية في يناير 2009، مما أدى إلى تطوير خطة لقيادة مستقبلية بعد التدريبات والتبادلات على مستوى الوحدات[20]. وشهد التعاون بين قوات العمليات الخاصة أيضاً تحسّناً ملحوظاً بعد عام 2008 واستمر التعاون في العمليات في أفغانستان وسوريا.

وعلى الرغم من الخلافات السياسية مع الحكومة التركية والتململ داخل القوات المسلحة التركية، فقد استمر التعاون الثنائي العسكري-العسكري والدفاعي مع الولايات المتحدة في العمل بشكل جيد خلال السنوات القليلة الماضية، مع وجود بعض المطبات بطبيعة الحال على الطريق. وأثبتت القوات المسلحة التركية أنها تريد العمل بفعالية مع القوات الأمريكية، لكن تلك العلاقة احتفظت بسمة المنفعة المتبادلة[21]. والتقى وزير الدفاع التركي ورئيس هيئة الأركان التركية بانتظام مع نظرائهم الأمريكيين في السنوات الأخيرة، وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد، الإبن، هو أول مسؤول أمريكي كبير يزور تركيا بعد أسبوعين من محاولة الانقلاب في يوليو 2016[22]. وكانت وتيرة وطبيعة ارتباط قيادات القوات المسلحة التركية مع نظرائهم الأمريكيين تتحسن قبل الانقلاب؛ وعلى الرغم من تباطؤ هذا الارتباط إلى حد ما في الأشهر التي تلت الانقلاب، فإن 95 % تقريباً من العمليات والأنشطة المخطط لها مع قوات جيش الأمريكي في أوروبا استؤنفت في العام التالي. وفي الواقع، شاركت القوات المسلحة التركية في عشرة مناورات للجيش الأمريكي في أوروبا خلال عام 2016، والتي مثلت زيادة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة. ومنذ محاولة الانقلاب، كان ضباط القوات المسلحة التركية أكثر حذراً في التعامل مع نظرائهم الأمريكيين، وكانوا على صلة وثيقة بالمتحدثين المعتمدين، وأقل مرونة في القرارات. وكان يرافقهم أحياناً مسؤولون من وزارة الخارجية أو المخابرات التركية. ولا شك أن المخاوف المستمرة بشأن الاعتقال ما زالت قائمة. واستدعت القوات المسلحة التركية في يوليو 2016، الضباط الذين تلقوا تعليمهم في مؤسسات أمريكية احترافية للتعليم العسكري، ولم يستخدموا بشكل كامل مخصصاتها الكبيرة للتعليم والتدريب العسكري الدولي[23].

بالإضافة إلى ذلك، تحتفظ الولايات المتحدة وتركيا بعلاقات تجارية دفاعية طويلة الأمد. وشمل ذلك كونسورتيوم بين شركات الطيران الأمريكية والفضائية التركية لإنتاج أكثر من 240 طائرة إف 16 في تركيا في الثمانينيات والتسعينيات واتفاق مماثل بقيمة 3.5 مليار دولار تم الانتهاء منه في عام 2014 لإنتاج 109 طائرة هليكوبتر من طراز بلاك هوك في تركيا. وكانت تركيا شريكة من المستوى الثالث في برنامج “جوينت سترايك فايتر”، والتزمت بشراء 116 طائرة أف -35 أ، قبل تعليق مشاركتها في البرنامج في يوليو 2019.

 وحققت صناعة الدفاع التركية خطوات كبيرة على مدار العقد الماضي، وقد دأبت الحكومة على الدخول في مشاريع إنتاج مشترك وتطوير مشترك مع العديد من الدول، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول عام 2023، الذكرى المئوية للجمهورية التركية. وفي هذا السياق، وفي مواجهة التهديد الصاروخي المتزايد في المنطقة، دخلت تركيا في مفاوضات مع الولايات المتحدة لشراء والدخول في إنتاج نظام الدفاع الصاروخي “باتريوت” ذي القدرة المتقدمة، لكن المحادثات انهارت بسبب التكاليف والخلافات حول نقل التكنولوجيا. وكان هذا عاملاً مهماً في قرار تركيا بالبحث عن بدائل، بما في ذلك النظام الصيني ثم نظام إس 400 الروسي، وكذلك الخيار الفرنسي والإيطالي. وعلى الرغم من هذه الجهود لتحقيق الاعتماد على الذات وتنويع الإمداد، ستظل القوات المسلحة التركية تعتمد اعتماداً كبيراً على المعدات العسكرية الأمريكية في العقد المقبل على الأقل، وهو عامل إيجابي آخر في الحفاظ على العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة الولايات وتركيا.

استقرار سوريا وجهود مكافحة الإرهاب في المستقبل

أصبحت الاختلافات بين الولايات المتحدة وتركيا حول الأهداف والاستراتيجية والتكتيكات لإنهاء الحرب الأهلية السورية أكثر وضوحاً. وبعد أن اقتنعت بأن هدفها السابق المتمثل في إزالة بشار الأسد من السلطة بعيد المنال بعد التدخل الروسي في عام 2015، أصبحت الأولوية الكبرى لأنقرة هي منع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري وميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية السورية، التي تعتبرها عناصر أساسية في حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا (والذي تصنفه مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي كمنظمة إرهابية)، من السيطرة على كامل طول الحدود الجنوبية لتركيا مع سوريا والتي يبلغ طولها 500 ميل[24]. حيث يخشى الأتراك من أن يؤدي هذا التطور إلى تعزيز سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على منطقة حكم ذاتي في سوريا، والتي يُطلق عليها الأكراد اسم “روجافا”. فأطلق الأتراك عملية درع الفرات في سبتمبر 2016 لمنع وحدات حماية الشعب الكردية من نقل ميليشياته غرب نهر الفرات، وبالتالي سد أحد الثغرات على الحدود حتى لا تخضع لسيطرة وحدات حماية الشعب[25]. وقد اعتبر الأتراك أن قرار الولايات المتحدة عام 2015 بتدريب وتجهيز قوات سوريا الديمقراطية، والتي تضم العديد من مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية، ومن ثم تزويدهم بالأسلحة الثقيلة والمعدات بعد ذلك بعامين قبل الهجوم على داعش في الرقة، هو بمثابة أن حليفاً لتركيا يقوم بتسليح عدو لها. واستشاط أردوغان غضباً من أن تأكيدات المسؤولين الأمريكيين بأنه لن يسمح لقوات سوريا الديمقراطية بالسيطرة على مدينتي منبيج وجارابولس السوريتين بعد إخلاء الدولة الإسلامية لهما وأن الولايات المتحدة ستتوقف عن تزويد قوات سوريا الديمقراطية بالذخيرة ودعمها بعد سقوط الرقة. وفي حقيقة الأمر، أشار أردوغان إلى أن إعلان الولايات المتحدة في يناير 2018 بأنها تخطط لبدء تدريب أفراد قوات سوريا الديمقراطية ضمن قوة أمن الحدود السورية الجديدة التي يبلغ قوامها 30,000 عضواً، كان بمثابة إنشاء “جيش إرهابي” على الحدود التركية (انظر مناقشة بخصوص قوة الحدود هذه لاحقاً في هذا القسم)[26].  ومن وجهة نظر أنقرة، فقد أكد هذا الإعلان عزم الولايات المتحدة على توسيع التعاون مع قوات سوريا الديمقراطية بما يتجاوز المعركة المباشرة ضد داعش وتطوير العلاقة من علاقة تكتيكية، كما كان يتم تصويرها مراراً وتكراراً من قبل المسؤولين الأمريكيين، إلى تحالف سياسي استراتيجي في شمال شرق سوريا. وعلى الرغم من نفى وزير الخارجية الأمريكي آنذاك ريكس تيلرسون لهذه الخطط بعد فترة وجيزة من الحديث عنها، فقد شنّت القوات المسلحة التركية عملية “غصن الزيتون” ضد ميليشيات حماية الشعب الكردية في عفرين في 20 يناير 2018، بعد أيام من تداول خطاب شرس معادي للولايات المتحدة، وتم تصوير العملية في وسائل الإعلام التركية على أنه تحرك لمناهضة الإمبريالية. وأعلن أردوغان أن قوات الجيش السوري الحر المدعومة من تركيا والقوات المتحالفة معها ستنشئ منطقة عازلة بعمق 30 كم في عفرين، وهدد هو ورئيس أركان القوات المسلحة التركية آنذاك، خلوصي أكار، بإخلاء وحدات حماية الشعب من منبج وربما من المنطقة الحدودية بأكملها. وأبرز الانتقال التركي إلى عفرين بشكل صارخ تناقضات وحدود السياسة الأمريكية في سوريا. فقد كانت القوات الأمريكية التي تقدم المشورة والعون لقوات سوريا الديمقراطية بالقرب من منبيج وغيرها من الأماكن شرق الفرات معرضة للهجوم من قبل الأتراك حلفاء الولايات المتحدة في حلف الناتو.

وسيتطلب نزع فتيل المواجهات بشأن سوريا مشاركة دبلوماسية أمريكية نشطة مع تركيا والشركاء الأكراد، وكذلك بعض التعديلات السياسية. فعلى الرغم من الخطاب القاسي الصادر من أنقرة والخط المتشدد الذي اتخذه حزب الاتحاد الديمقراطي السوري ووحدات حماية الشعب الكردية، هناك بعض المصالح المتقاربة. على سبيل المثال، تدعم كل من تركيا والولايات المتحدة حل النزاع بين الشعب السوري ونظام الأسد من خلال العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة والتي من شأنها أن تؤدي إلى دولة سورية موحدة مع خروج الأسد من السلطة. وتريد أنقرة وواشنطن وحزب الاتحاد الديمقراطي السوري (رغم بعض التعاون مع طهران) الحد من النفوذ الإيراني في سوريا. ويتمتع المسؤولون الأمريكيون ببعض النفوذ الذي يمكنهم من إقناع حزب الاتحاد الديمقراطي باتخاذ خطوات ملموسة لإبعاد نفسه عن حزب العمال الكردستاني، على الرغم من أنه سيكون من الصعب تحقيق ذلك على المدى القصير إلى المتوسط ​، بالنظر إلى الإيديولوجية المشتركة والعلاقات الطويلة الأمد بين المنظمتين. وكانت تركيا وحزب الاتحاد الديمقراطي السوري قد تعاونوا حتى عام 2015 في جهود الدفاع عن كوباني في سوريا. وبالإضافة إلى ذلك، فإن واشنطن يمكنها التوسط في إجراء حوار بين تركيا وحزب الاتحاد الديمقراطي السوري والمعارضة السورية المعتدلة لتجنب الصراع مع بعضهم البعض والعمل معاً ضد الأسد ومؤيديه الإيرانيين. وأخيراً، يجب على واشنطن اتخاذ خطوات لمنع تدفق الأسلحة والمساعدات المقدمة منها إلى وحدات حماية الشعب الكردية إلى حزب العمال الكردستاني، وضمان أن تعارض الولايات المتحدة بشدة الانفصال الكردي في سوريا، وتعمل على ثني تركيا عن شن المزيد من الهجمات على الجيوب الخاضعة لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي. وتواجه هذه الإستراتيجية العديد من العقبات، لكن المصالحة التركية والشراكة مع الأكراد العراقيين على مدار العقد الماضي، على الرغم من صراعاتهم السابقة، تشير إلى أنها تدخل أيضاً في عالم الاحتمالات الممكنة[27].

في إطار العمليات لدعم جهود الولايات المتحدة والتحالف العالمي لمنع عودة داعش واستقرار سوريا والعراق، سيكون الجيش الأمريكي في حاجة إلى مراعاة التوترات مع أنقرة بشأن الأكراد والعناصر الأخرى في سياسة الولايات المتحدة[28]. في أحد التطورات التي أدت إلى توتر العلاقة بشكل خاص، أعلن قادة “قوة العمل المشتركة – العملية المتأصلة في حل المشكلات” خططًا في يناير 2018 للحفاظ على قوة برية أمريكية صغيرة (قيل أنها 1500 فرداً) لتدريب والمساعدة في تطوير قوة أمن حدودية سورية قوامها 30,000 شخص تتألف من مقاتلين محاربين تحت قيادة قوات سوريا الديمقراطية. وكان من المتوقع أن يتكون جوهر القوة من 15,000 عضو من قوات سوريا الديمقراطية بعد أن تم الانتهاء من العمليات ضد داعش. وقيل إن القوة ستتمركز على طول الحدود العراقية والتركية ووادي نهر الفرات، وهو الطرف الغربي من الأراضي السورية الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. ونظراً لأن وحدات قوات أمن الحدود السورية هذه التي كان أعلن عن النية في إنشائها كانت ستُستمد من المناطق التي ستقوم بحمايتها، فقد خشيت السلطات التركية من أن تصبح وحدات حماية الشعب الكردية هي المهيمنة على شمال شرق سوريا، حيث يشكل الأكراد غالبية السكان؛ ويعيش غالبية العرب على طول وادي نهر الفرات والحدود مع العراق[29]. وفي أوائل عام 2019، كانت الولايات المتحدة وتركيا تتفاوضان على تسيير دوريات أمريكية وتركية مشتركة في منطقة آمنة على بعد 20 ميلاً على طول الحدود[30] .

وفي الوقت الذي تتكشف فيه مبادرات تحقيق الاستقرار الدبلوماسي والمدني في سوريا والعراق، يمكن لجهود تدريب الجيش أن تدعم وضع نهاية مستدامة من خلال:

– ضمان أن تكون برامج التدريب لقوات سوريا الديمقراطية شاملة قدر الإمكان بحيث تشكل من المناطق ذات التنويعة السكانية من الأكراد والعرب والتركمان – قوة أكثر تنوعاً.

– العمل مع القوات المسلحة التركية لتخفيف التوترات على طول خطوط السيطرة بين الشرق والغرب في شمال سوريا بين المناطق التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب الكردية من جهة وتلك التي تخضع لسيطرة الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا من جهة أخرى.

– توفير الأمن والدعم لموظفي وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية العاملين في شمال سوريا مع الأمم المتحدة، والشركاء في التحالف العالمي لهزيمة داعش، ومختلف المنظمات غير الحكومية لمساعدة السلطات المحلية والإقليمية على استعادة الخدمات الأساسية في المناطق المحررة. – وتهيئة بيئة مواتية لإعادة توطين اللاجئين.

– اتخاذ خطوات لتعزيز تعاون الجيش الأمريكي مع القوات البرية التركية وقوات العمليات الخاصة، والتي من المحتمل أن تعمل أيضاً في سوريا لحماية المناطق الآمنة ومراقبة المناطق الحدودية؛ بحيث يؤدي القيام بذلك إلى تعزيز مهمة تحقيق الاستقرار في سوريا وجهود مكافحة الإرهاب الإقليمية في المستقبل.

– بدء حوار مركّز مع نظراء الجيش الأمريكي في القوات المسلحة التركية – بالإضافة إلى أي جهود تُبذل لدعم التحالف العالمي – حول كيف ينبغي أن تكون عليه الجهود الإقليمية لمكافحة الإرهاب بعد تحقيق الهزيمة الكاملة لداعش.

البحر الأسود وشرق البحر المتوسط

لطالما سعت كل من روسيا وتركيا إلى الحد من العمليات البحرية من قبل القوى غير الساحلية في البحر الأسود. ففي عام 2001، قادت تركيا جهوداً مع بلغاريا ورومانيا وأوكرانيا وروسيا وجورجيا لإنشاء مجموعة عمل التعاون البحري للبحر الأسود للقيام بعمليات بحرية مشتركة ضد الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار. وعملت تركيا أيضاً مع بعض الدول الساحلية لإنشاء “عملية تناغم البحر الأسود” في عام 2004، والتي سعت إلى إيقاف الأنشطة الإرهابية من خلال تعقب السفن المشتبه بها والصعود إليها وكان الغرض منها أن تكون بمثابة النظير لعملية الناتو النشطة في البحر الأبيض المتوسط. ولتجنب إثارة موسكو أو التسبب في حوادث خطيرة، دعت تركيا إلى وجود بحري محدود لحلف الناتو في البحر الأسود، من خلال تقييم أن القوات البحرية التركية المتفوقة آنذاك يمكنها إدارة العلاقات مع الروس في إطار بحري تعاوني. وقد أعطت الحقوق القانونية لتركيا – بموجب أحكام اتفاقية مونترو لعام 1936، للحد من مرور السفن المدنية والعسكرية عبر مضيق الدردنيل والبوسفور –أعطت موسكو مبرراً للتعاون.

وأدى العدوان الروسي على جورجيا وأوكرانيا، وكذلك الجهود المبذولة لتعزيز موقعها في البحر الأسود وقدرتها على إبراز قوتها البحرية، إلى توتر النهج التعاوني بين روسيا وتركيا. فأوقفت روسيا مشاركتها في مجموعة مهام التعاون البحري للبحر الأسود في عام 2015؛ وفي سبتمبر 2016، تباهى الجنرال الروسي فاليري جيراسيموف بأن التوازن العسكري في البحر الأسود قد تحول بالفعل إلى روسيا. إن نشر معدات استطلاع جديدة، وغواصات تحمل صواريخ كروز كاليبر، وطائرات جديدة، ونظام الدفاع الصاروخي الساحلي “باسشون”، أو الحصن، قد أعطى روسيا قدرة أقوى على منع وصول / أو رفض دخول القوات البحرية الجوية التابعة لحلف الناتو، كما عززت قدرة روسيا على إبراز قوتها في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأوسط. وتعتزم روسيا إنفاق مبلغ إضافي قدره 2.4 مليار دولار بحلول عام 2022 لتعزيز وتحديث أسطول البحر الأسود، بما في ذلك شراء المزيد من السفن السطحية بالإضافة إلى تعزيز قدرات الهبوط البرمائية. ويدور جدل بين الخبراء حول ما إذا كانت روسيا ستستطيع إنجاز برنامج التحديث البحري هذا في الإطار الزمني المحدد، لكن العديد من المحللين يتفقون على أن التوازن قد تحول في اتجاه موسكو[31]. وحددت عقيدة البحرية الروسية لعام 2017 تعزيز أسطول البحر الأسود والقوات الروسية في شبه جزيرة القرم والحفاظ على وجود بحري دائم في البحر الأبيض المتوسط ​​باعتباره أهم الأولويات الجغرافية للتطوير المستقبلي للبحرية الروسية[32]. وقد عززت التحسينات التي أجرتها موسكو في حجم واستعداد القوات البرية في المنطقة العسكرية الجنوبية، مع استمرار فرض الحماية على المقاطعة الجورجية الانفصالية أبخازيا، وتعزيز وجودها العسكري في أرمينيا – عززت من القوة البرية والجوية الروسية في منطقة البحر الأسود.

لقد تحولت التصورات التركية في ظل الاعتراف بأن روسيا أصبحت مرة أخرى التهديد العسكري الأخطر لتركيا. وتعكس التصريحات التركية الرسمية خلال وبعد أزمة 2015-2016 في العلاقات مع موسكو قلقاً عميقاً بشأن القدرات العسكرية الروسية ونواياها. وعشية قمة وارسو لحلف الناتو في عام 2016، أعرب أردوغان عن أسفه لغياب الناتو عن البحر الأسود وأشار إلى أن البحر الأسود مهدد بأن يصبح “بحيرة روسية”. وعندما وافق حلفاء حلف شمال الأطلسي في القمة على تأسيس وجود متقدم إلى الأمام في جنوب شرق أوروبا، أعلنت وزارة الدفاع التركية أنها ستساهم في المبادرة – على الرغم من المعارضة الروسية الكبيرة للأمر. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه على الرغم من الاعتراضات الروسية والإيرانية، استمرت أنقرة في دعم عمليات الدفاع الصاروخي لأوروبا التابع لحلف الناتو على الأراضي التركية..

ومع ذلك، فنظراً لضعف موقفها أمام الضغط العسكري والاقتصادي الروسي، أدت إستراتيجية تركيا الموازِنة بين الناتو وروسيا إلى استمرار التدريبات الثنائية مع البحرية الروسية في البحر الأسود، فضلاً عن المحادثات التي تتم بشكل منتظم بين هيئة الأركان العامة التركية بانتظام مع نظرائهم الروس. وقد سلطت موسكو الضوء على هذا التعاون لإظهار أن عضواً في حلف الناتو مستعد للعمل بشكل فردي معها في التعاون الأمني ​​الإقليمي. إن القرار التركي بالانضمام إلى حلفاء الناتو في اتخاذ إجراءات ضد المصالح الروسية المهمة، مثل تقييد عبور أسطول البحر الأسود عبر المضايق التركية في سياق حدوث حالة طوارئ مستقبلية في سوريا أو شرق المتوسط، يمكن أن يؤدي إلى تدمير علاقة أنقرة الثنائية مع موسكو. وبالمقابل، فإن القرار التركي بدعم الإجراءات الروسية في مثل هذه الأزمة قد يتسبب في حدوث أزمة مع حلف الناتو. ومن المحتمل أن يكون حدوث أي موقف طارئ في المستقبل تستخدم فيه روسيا قوتها العسكرية لتخويف تركيا أو تقويض مصالحها الأمنية في البحر الأسود أو الشرق الأوسط هو الاختبار الحقيقي لمدى تأثير هذا التوازن العسكري الإقليمي المتغير على المسار المستقبلي لعلاقات تركيا مع حلفائها في حلف الناتو وعلاقاتها مع روسيا. وسيكون لهذا الأمر تداعياته على خطط التعاون الأمني ​​والدفاعي الأمريكية، كما يلي:

– يجب أن يواصل الجيش الأمريكي والمؤسسات الأخرى تعميق المشاركة مع نظرائهم الأتراك في تطوير الوجود المتقدم لحلف الناتو في جنوب شرق أوروبا وفي البرامج التدريبية للقيادة الأمريكية في البحر الأسود، وخاصة سلسلة “سيبر غارديان”، السيف الحارس، و “سي بريز”، نسيم البحر. إن مثل هذه المشاركة في التخطيط والتدريبات الأمريكية وحلف الناتو يمكن أن تساعد في أن تؤسس لتوافق مع الحكومة التركية بشأن تقييمات التهديد الروسي وأفضل السبل لمواجهته، كما أنه سيؤكد للأتراك أن مخاوفهم الأمنية يتم أخذها في الحسبان في الولايات المتحدة، وكذلك في تخطيط الناتو للطوارئ في المنطقة.

– بالنظر إلى حالة عدم اليقين بشأن كيفية رد فعل القوات المسلحة التركية خلال أي توترات متصاعدة مع روسيا، يتعين على الجيش الأمريكي تصميم ونشر خيارات لوجستية مرنة لدعم أي برنامج ردع لحلف الناتو في أوقات السلم أو خيارات مرنة للردع وقت الأزمات لبلغاريا ورومانيا.

– الآن وبعد أن بدأت تركيا في نشر صواريخ إس 400 الروسية، فإن الجيش الأمريكي، بصفته المالك والمشغل لأنظمة صواريخ “باتريوت” أرض جو للدفاع عن المناطق المرتفعة، سيضطر إلى تقييم المخاطر وإدارة أي تكامل بين تلك الأنظمة مع أنظمة صواريخ أرض جو غير التابعة لحلف الناتو.

– قد يكون للتعاون التركي مع القوات البحرية الروسية، فضلاً عن كون البحرية التركية أولوية قصوى للقيادة السياسية التركية، قد يكون له تأثير سلبي على التعاون مع الولايات المتحدة وحلف الناتو في العمليات البحرية في البحر الأسود. ومع ذلك، فإن استمرار مشاركة قوات الولايات المتحدة وحلف الناتو مع القوات البحرية التركية يمكن أن يساعد في موازنة هذه التأثيرات. وبالإضافة إلى تعميق المشاركة من خلال مناورات نسيم البحر، فإن قيادة القوات البحرية الأمريكية في أوروبا قد تعزز القدرة على الاستجابة للأزمات من خلال استكشاف المزيد من مشاركة القوات البحرية التركية مع القوة الإقليمية للبحر الأسود، وهي قوة المهام البحرية الجوية الخاصة التي تدير التعاون الأمني والتدريبات في المنطقة.

تخطيط القوى الأخرى والقضايا الإقليمية

ستواصل الحكومة التركية السعي لتحقيق التوازن بين:

(1) المخاوف بشأن نفوذ إيران المتزايد في الشرق الأوسط وتحسين القدرات العسكرية، بما في ذلك قدرتها على الاختراق النووي، و

(2) مصالح تركيا في تعميق التعاون الاقتصادي والطاقة وإيجاد طرق لنزع فتيل عناصر التوتر المتقلبة بين السنة والشيعة.

فالحكومة التركية لا تنظر إلى برنامج إيران النووي وتجربة الصواريخ الباليستية بعيدة المدى على أنها تهديد وشيك لها. لقد دافع أردوغان ومسؤولون آخرون مراراً عن حق إيران في تطوير دورة وقود نووي، وتقبلوا فكرة أن البرنامج سلمي، وأيدوا خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 (أو ما يُعرف بالاتفاق النووي والذي تم توقيعه في عهد الرئيس أوباما). ومع ذلك، فإن امتلاك إيران المحتمل للأسلحة النووية يضر بأمن تركيا ويُعتبر سبباً آخر لاستمرار تركيا في دعم برامج الدرع الصاروخي لحلف الناتو في أوروبا وجهود تعزيز البعد النووي لقدرات الردع للحلف. ولذلك يمكن أن تؤدي الخطوة الإيرانية للخروج من خطة العمل الشاملة إلى تقريب تركيا من الولايات المتحدة وحلف الناتو في مواجهة هذا التهديد.

وعلى الرغم من أن دعم تركيا السياسي والعسكري لقطر في أزمة 2017-2018 بين دول مجلس التعاون الخليجي تسبب في توترات في شراكاتها مع العديد من دول مجلس التعاون الخليجي ومع الولايات المتحدة نفسها، فربما كان دعم تركيا عامل ردع للعمل العسكري السعودي ضد الدوحة، والذي كان من شأنه أن يقوض جهود الولايات المتحدة المبذولة لتعزيز التعاون الخليجي للمساعدة على احتواء الخطر الذي تشكله إيران. ومن المرجح أن تعزز مخاطر الصراع الدائر بين دول مجلس التعاون الخليجي العلاقات بين قطر وتركيا، مما قد يؤدي إلى وضع تضطر الولايات المتحدة فيه إلى الاختيار بين المجموعات المتنافسة من شركائها في الشرق الأوسط. وفي أسوأ السيناريوهات، يمكن أن يؤدي تفضيل الولايات المتحدة لأحد هذه المعسكرات إلى حرمان الجيش الأمريكي من الوصول إلى دول المعسكر الآخر، مما قد يؤدي إلى تعقيد الاستجابة للطوارئ العسكرية في منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية، مثل التصعيد البحري مع إيران في الخليج العربي. وبالنظر إلى الدور الرئيسي للجيش الأمريكي في الوجود المتقدم للجيش (والتعزيز السريع) في منطقة الخليج العربي جنوب العراق (كإجراء احترازي ضد العدوان الإقليمي الإيراني ولضمان أمن إسرائيل والشركاء الإقليميين الآخرين)، سيتعين على مخططي الجيش أن يدركوا هذه التوترات التي يمكن أن تعطل خطط الطوارئ الحالية.

وبالنظر إلى تقلب العلاقات مع تركيا، يتعين على مخططي الدفاع الأمريكيين الاستعداد للتعامل مع فقدان إمكانية الوصول إلى قاعدة إنجيرليك الجوية وغيرها من منشآت الولايات المتحدة والناتو في تركيا. إن الآثار المترتبة على فقدان إنجيرليك على استمرار عملية حل النزاعات والعمليات الأخرى في جنوب غرب آسيا، وكذلك مهام الردع لحلف الناتو، ستكون هائلة، في ظل وجود قيود كبيرة على المرافق البديلة لها في المنطقة. إن استكشاف قواعد بديلة في المنطقة ليس فقط من شأنه أن يساعد في ضمان استمرارية العمليات، بل يمكن أن يوفر أيضاً نفوذاً لدى أنقرة إذا هددت مرة أخرى بتقييد أو منع وصول قوات الولايات المتحدة أو قوات الناتو الأخرى[33] .

وفيما يتعلق بالعلاقات العسكرية – العسكرية، فإنه ينبغي بذل مزيد من الجهود لإعادة تنشيط مجموعة الدفاع رفيعة المستوى الأمريكية التركية، مع مراعاة الأهمية المتزايدة لوزير الدفاع التركي، وتعميق الحوارات بين الأركان المشتركة الأمريكية والأركان العامة التركية[34]. أخيراً، يمكن للجيش الأمريكي والمؤسسات الأخرى مساعدة تركيا في تطوير المناهج في جامعة الدفاع الوطني الجديدة، ويمكن أيضاً أن تشجع القوات المسلحة التركية على مواصلة إرسال الضباط إلى الكليات العسكرية في الولايات المتحدة. فسوف تساعد هذه الخطوات في تحسين العلاقات المدنية العسكرية في تركيا والتأثير على المسار المستقبلي للقوات التركية بطرق يمكن أن تعزز التعاون الثنائي وحلف الناتو مع تركيا على المدى الطويل.


الهامش

[1] جمعية الدراسات الإعلامية والقانونية، “845 شخصاً محتجزون في تركيا لانتقادهم الحملة العسكرية في سوريا”، 27 فبراير 2018

[2] انظر هالبين وآخرين، 2018، ص. 22

[3] “تركيا تحتجز 118 جندياً يُشتبه في ارتباطهم بتنظيم جولن الإرهابي”، 2018

[4] غورجان، 2018

[5] “هيئة الأركان العامة التركية ستقوم بتوظيف أكثر من 40,000 موظف كتعويض عن محاولات الانقلاب بعد الانقلاب”، 2018

[6] غورجان، 2018؛ وخبراء أتراك، مناقشة مع المؤلفين، أنقرة، يونيو2017

[7] غورجان، 2018

[8] غورجان، 2018؛ وخبراء أتراك، مناقشة مع المؤلفين، أنقرة، يونيو2017

[9]  متين غورجان، “تركيا وإيران يمكن أن يتحدوا للتغلب على مخاوفهم تجاه القضية الكردية، المونيتور، 10 أكتوبر 2017 د. تشاركت تركيا وإيران في استخبارات تكتيكية وغارات جوية منسقة في الفترة 2008-2009 لقطع طرق عبور حزب العمال الكردستاني والباجاك في جبال قنديل على طول حدودهم مع شمال العراق (مالكا، 2009، ص 46)

[10]  تسمح المادة 4 لعضو في الناتو بطلب إجراء مشاورات مع الحلفاء الآخرين عندما تتهدد سلامته الإقليمية أو استقلاله السياسي أو أمنه. تم اعتبارها خطوة نحو الاحتجاج بأحكام الدفاع الجماعي في المادة 5 من المعاهدة (الناتو، 1949)

[11] سميح إديز، “خطأ الناتو يشعل دعوات في تركيا بمغادرة التحالف”، المونيتور، 21 نوفمبر2017

[12] إديز، 2017

[13] جونز وهيل، 2016

[14] بولنت أليريزا، “رحلة الرئيس أوباما إلى تركيا: بناء شراكة نموذجية”، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 8 أبريل 2009 (ب)

[15] انظر إريك إيدلمان وأيكان إرديمير، “الرئيس التركي يحتجز الأمريكيين كرهائن”. لماذا لا نفعل أي شيء حيال ذلك؟”، واشنطن بوست، 15 أبريل 2018؛ وريتشارد جونزاليس، “الشرطة الفيدرالية تُوقف ملاحقة 7 من الحراس الشخصيين الأتراك المتورطين في اعتداء على المتظاهرين” الإذاعة الوطنية العامة، 22 مارس 2018

[16] “مستشار ترامب يسعى إلى التوصل إلى اتفاق سياسي لتسوية قضية العقوبات المفروضة على إيران”، إذاعة أوروبا الحرة / راديو ليبرتي، 21 أبريل2017.

[17] قضية رضا زراب، بي بي سي نيوز، 1 ديسمبر 2017

[18] لمناقشة هذه الطريقة ومحدداتها، انظر ديفيد ج. جروفز وروبرت جي ليمبرت، “طريقة تحليلية جديدة لإيجاد سيناريوهات متعلقة بالسياسة”، التغير البيئي العالمي، المجلد. 17، رقم 1، 2007

[19] في 4 يوليو 2003، داهمت القوات الأمريكية مقراً آمناً للقوات الخاصة التركية في السليمانية، العراق. وقام فريق الولايات المتحدة بتقييد حركة الضباط الأتراك الأحد عشر وأفراد المجندين ووضعوا أغطية سوداء فوق رؤوسهم أثناء احتجازهم – وهي صورة ستُقارن فيما بعد في مرات لا تحصى بمعاملة السجناء في حجز الولايات المتحدة في سجن أبو غريب. وبعد بقائهم يومين في مقر الاحتجاز الأمريكي في بغداد، تم إطلاق سراح الجنود الأتراك دون أن يصابوا بأذى، لكن الأضرار السياسية كانت هائلة. فقد تسببت هذه الحادثة في ظهور عناوين غاضبة على الصفحات الأولى في وسائل الإعلام التركية على مدى أسابيع، والتي صورتها على أنها تمثل إراقة لماء الوجه وتُعتبر خيانة أمريكية. وكانت الواقعة أيضاً مصدر إلهام لما كان بعد ذلك مادة لفيلم “وادي الذئاب: العراق” الأكثر رواجاً على الإطلاق في البلاد، وكذلك الكتاب الأكثر مبيعاً، “العاصفة المعدنية”

[20] فلاناغان وبرانين، 2009، ص. 86

[21] المسؤولون الأمريكيون والضباط العسكريون، مناقشة مع المؤلفين، المقر، جيش الولايات المتحدة في أوروبا، فيسبادن، ألمانيا، فبراير 2017؛ المسؤولون والضباط العسكريون الأمريكيون، مناقشة مع المؤلفين، القيادة الأوروبية للولايات المتحدة، شتوتغارت، ألمانيا، فبراير 2017؛ المسؤولون والضباط العسكريون الأمريكيون، مناقشة مع المؤلفين، أنقرة، يونيو 2017

[22] جيم جاراموني، “زيارة دانفورد إلى تركيا هي الأولى لكبار المسؤولين الأمريكيين منذ محاولة الانقلاب،” دود نيوز، 1 أغسطس 2016

[23] المسؤولون الأمريكيون والضباط العسكريون، مناقشة مع المؤلفين، المقر، جيش الولايات المتحدة في أوروبا، فيسبادن، ألمانيا، فبراير 2017؛ المسؤولون الأمريكيون والضباط العسكريون، مناقشة مع المؤلفين، القيادة الأوروبية للولايات المتحدة، شتوتغارت، ألمانيا، فبراير 2017؛ المسؤولون الأمريكيون والضباط العسكريون، مناقشة مع المؤلفين، أنقرة، يونيو 2017

[24] للحصول على معلومات أساسية عن العلاقة بين حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني، انظر أندرو تابلر، سونر كاجابتاي، ديفيد بولوك، وجيمس إف جيفري، “الأكراد السوريون: حلفاء من؟” تصريحات إلى منتدى السياسات في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، بوليسي واتش 2597، 29 مارس 2016.

[25] ريكس تيلرسون، “ملاحظات على الطريق إلى الأمام بالنسبة للولايات المتحدة فيما يتعلق بسوريا”، معهد هوفر بجامعة ستانفورد، 17 يناير 2018

[26] باتريك وينتور، “أردوغان يقول إن الولايات المتحدة تنشئ جيشاً إرهابياً في سوريا،” آيرش تايمز، 15 يناير 2018؛ وجوان ستوكر، “التحالف يعيد تدريب 15000 من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية المخضرمين للعمل كقوة حدود سورية”، ديفينس بوست، 13 يناير 2018

[27] لمعرفة المزيد حول هذا النهج، راجع جيمس ف. جيفري وديفيد بولاك، “كيفية إيقاف الحرب بين تركيا والأكراد السوريين”، فورين بوليسي، 25 يناير 2018

[28] مركز الدروس المستفادة من الجيش، القوة البرية الاستراتيجية في أوروبا: دراسة خاصة، واشنطن العاصمة: جيش الولايات المتحدة، العدد 18-05، ديسمبر2017، ص. 80

[29] ستوكر، 2018

[30] كارين ديونج، “الولايات المتحدة وتركيا تتفاوضان على خطة لقيام قواتهما بدوريات مشتركة في المنطقة الآمنة في سوريا،” واشنطن بوست، 25 أبريل 2019. انتهت هذه المفاوضات في أكتوبر 2019، عندما أعلن الرئيس ترامب انسحاب القوات الأمريكية من شمال غرب سوريا، وبدأت تركيا عملية للسيطرة على المنطقة الحدودية في سوريا

[31] بول شوارتز، “الخطط البرمائية والوضع الداعم لحلف الناتو”، عرض تقديمي في ورشة عمل في مؤسسة راند تتعلق بندوة الحملة الاستكشافية لقادة البرمائيات، أرلينغتون، فرجينيا، 19 يناير 2018

[32] غورنبرغ، 2017

[33] لإلقاء نظرة عامة على البدائل المحتملة لقاعدة إنجيرليك الجوية، راجع مركز سياسة الحزبين، “بدائل إنجيرليك”، صفحة الويب، غير مؤرخة

[34] للحصول على معلومات أساسية عن مجموعة الدفاع رفيعة المستوى ودورها السابق في إدارة العلاقات الدفاعية الثنائية، انظر فلاناغان وبرانين، 2009، ص. 92.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close