قلم وميدان

محاولة الانقلاب التركية وتداعياتها الدولية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

أجرت “صحيفة الشرق القطرية” حواراً موسعاً، مع الدكتور عصام عبد الشافي، مدير المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، حول المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا في 15 يوليو 2016، وتداعياتها الإقليمية والدولية، وقد جاء نص الحوار على النحو التالي:

أولاً: ما هي أسباب فشل الانقلاب في رأيك؟

هناك العديد من الأسباب التي تقف خلف فشل محاولة الانقلاب في تركيا، يمكن في إطارها التمييز بين عدة مجموعات، وذلك على النحو التالي:

المجموعة الأولي: أسباب ترتبط بالقائمين على الانقلاب، أولها، الفشل في بناء الحاضنة الشعبية والاعلامية والسياسية لانقلابهم، كما فعل قادة الانقلاب العسكري في مصر خلال مرحلة ما بعد فبراير 2011، وخلال العام الذي تولي فيه الدكتور محمد مرسي الحكم. وثانيها، حالة الارتباك التي تعرضوا لها وقت التنفيذ وجعلتهم يقومون بتقديم الموعد عدة ساعات عن الموعد المحدد له، وهو ما دفع لكشف جانب من أطراف المؤامرة، لم يستطيعوا التعاطي معه بفاعلية، وثالثها، عدم قدرتهم على إحكام السيطرة على عملية الاتصال وتبادل المعلومات بين منظومة الانقلاب الأساسية، وبين المراحل التي تم التخطيط لها في فرض الانتشار والسيطرة.

ورابع هذه الأسباب، المحدودية الجغرافية والعملياتية للمحاولة الانقلابية فجغرافياً اقتصر التأثير والانتشار على مدينتي أنقرة وإسطنبول، وعملياتياً، كانت قطاعات محدودة فعلياً هي من نزلت الميدان، كما أن القوات المشاركة كانت أضعف وأقل عددا من أن تسيطر على الميادين ومختلف مؤسسات الدولة. وخامساً، عدم القدرة على السيطرة الكاملة على وسائل الاعلام، وخاصة الاخاص الذي نجح في أن يكون إعلاماً بديلاً قوياً  وفاعلاً بعد سيطرة الانقلابيين على عدد من القنوات الرسمية أو المحسوبة على حزب العدالة والتنمية.

المجموعة الثانية، العوامل المرتبطة بإدارة أزمة الانقلاب من جانب الرئيس والحكومة، ومن بين هذه العوامل، أولاً، التأثير الحاسم لظهور أردوغان وثباته ودعوته الحاسمة للمواطنين بالنزول للشوارع والميادين، ثم ظهوره السريع في مطار إسطنبول، ودلالة ذلك الرمزية أمام أنصاره وأمام كل الرافضين للانقلاب. ثانياً، الدور الرئيس التي قامت به المآذن في الدعوة للتعبئة والحشد، وكانت من أهم أدوات نقل الرسالة والدعوة للمواجهة، في إحياء لتقليد تاريخي تركي، عند الشعور بالخطر تنطلق المساجد لتكون أحد أهم منابر مواجهته. وثالثاً، الدور شديد الأهمية، إن لم يكن الأكثر أهمية ويتمثل في الحشود الشعبية في مختلف ميادين أنقرة وإسطنبول ودفاعهم عن المنشآت، بل وفي التصدي لعناصر الانقلابيين في مختلف الشوارع والميادين، وكان استمرارهم في الميادين أحد أهم أدوات نشر الاطمئنان وبث الثقة في نفوس الكثيرين في تأكيد على أنه لا مجال للتفريط في المكتسبات التي تحققت خلال العشرين عاماً الماضية منذ انقلاب 1997، وترسخت هذه المكتسبات خلال السنوات العشر الأخيرة.

ورابعاً، الدور المهم لوسائل الإعلام التركية الخاصة، فكان ظهور أردوغان الأول على قناة خاصة، يشاهدها الملايين من الأتراك (CNN TURK) رغم ما هو معروف بين الكثيرين من المتابعين عن هذه القناة أنها من المعارضين لأردوغان، ولكن معارضة سياسية لا تعني القبول بسيطرة الجيش أو عودته للعبث بمقدرات الشعوب وتطلعاتها الديمقراطية. وخامساً، التأثير الشعبي للموقف الموحد الذي تبنته الأحزاب السياسية الكبرى في تركيا، فور وقوع الانقلاب، وتأكيد رفضه، ودعم المؤسسات المنتخبة، بما ساهم في تقليل الدعم الذي كان يتوقعه الانقلابيون.

وسادس هذه العوامل، الموقف شد الأهمية والفاعلية والتأثير بل والحسم الذي تبنته بعض الأجهزة الشرطية والأمنية والمخابراتية وفي القلب منها دور القوات الخاصة في مواجهة العناصر التي شاركت في الانقلاب، وخاصة مع عدم تعويل أردوغان وحكومته على دور عناصر الجيش الرافضة للانقلاب في مواجهة المنقلبين.

ثانياً: هل تعتقد أن هناك دول خارجية في تدبير هذا الإنقلاب؟

لا يوجد انقلاب عسكري يحدث في أية منطقة في العالم، أو يقع في أية دولة من دول العالم إلا وله بعد خارجي، إما تخطيطاً وتوجيهاً، أو تمويلاً، أو تنفيذاً، أو دعماً وتأييداً، ومن واقع خارطة التحالفات السياسية والمواقف العملية التي كانت تحكم العلاقات الدولية والإقليمية التركية قبل الانقلاب العسكري، يمكن القول أن هناك عدد من الأطراف الإقليمية والدولية التي شاركت في هذا الإنقلاب بأشكال مختلفة وبأدوات مختلفة وبمستويات مختلفة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، نظام السيسي في مصر، الأردن، نظام بشار في سوريا، النظام السياسي في الإمارات العربية المتحدة، وبعض الأطراف الفاعلة في النظام السياسي السعودي، ولكن يبقي الدور الأكبر والأهم والأخطر هو للولايات المتحدة الأمريكية.

ثالثاً: بعض الدول الغربية تتهم الحكومة التركية بأنها ردت على محاولة الإنقلاب بانقلاب مضاد وعصفت بالقوانين والحريات..ما هو تعليقك؟

نوع من العبثية السياسية، فالانقلاب هو محاولة لاستهداف أمن واستقرار الدولة، وهو تدمير لحقوق وحريات الجميع، الولايات المتحدة عصفت بكل الحقوق والحريات بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وفرضت حالة الطوارئ، وأقرت قانون الأمن الوطني، وخاضت حربين عسكريتين في أفغانستان والعراق على خلفية هذه الأحداث، فرنسا فرضت حالة الطوارئ منذ ثمانية أشهر وتم تمديدها حتى نهاية 2016، على خلفية عملية ارهابية أسقطت العشرات، وليس على خلفية انقلاب عسكري كان لو نجح لأسقط الدولة في مستنقعات من الفوضي وبحور من الدماء.

رابعاً: هناك إشكالية في قضية هيكلة الجيش التركي .. وهي أنه عضو في حلف الناتو، وعليه التزامات أمنية وعسكرية ..فهل سيسمح الناتو بهذه الهيكلة؟

أتفق معك تماماً في هذه الإشكالية وخطورتها، وما تفرضه من تحديات، وخاصة بعد الدور الذي تم الكشف عنه للقاعدة التابعة للناتو في إنجرليك، والحديث عن تورطها في الانقلاب، وكذلك تصريحات المسؤولين العسكريين الأمريكيين عن الجنرالات الأتراك الذين تم القبض عليهم على خلفية تورطهم في الانقلاب، بل والأخطر سيطرة الولايات المتحدة على الجيش التركي تسليحاً وتدريباً وصيانة وتحديثاً واختراقها لمفاصله معلوماتياً وأمنياً.

ولكن الأمر أيضاً يرتبط في المقابل بطبيعة سياسات إعادة الهيكلة، وقدرة النظام التركي على فرض سيطرته على بعض أركان المؤسسة العسكرية، وكذلك قدرة أعضاء الناتو على ممارسة ضغوط على تركيا في هذه المرحلة، وإلى أى مدي يمكنهم التضحية بالحليف التركي في ظل هذه البيئة شديدة التعقيد والاضطراب، والتي لا تهدد فقط تركيا، ولكن نيرانها ستنال الجميع، وخاصة من دول وسط وغرب أوربا الذين تشكل تركيا آخر خطوط الدفاع عن أمنهم واستقرارهم.

خامساً: بعض المحللين قالوا إن التشكيك في الجيش والمخابرات بهذه الصورة هو اضعاف لقوة الدولة التركية…ما هو رأيك؟

لا أتفق مع هذه الوجهة من النظر، لأن العناصر والفئات والهياكل التي تورطت في الانقلاب كانت أخطر على الدولة التركية من محاولات التشكيك في قدراتها، هذه العناصر لم تفكر في قوة الدولة عندما تواطأت مع أطراف خارجية على حساب أمن واستقرار الدولة، هذه العناصر لم تفكر في قوة الدولة عندما تركت مهامها الأساسية في مواجهة التحديات التي تتعرض لها الدولة، وتفرغت للتخطيط والتدبير لهذه العملية الانقلابية.

هذه العناصر لم تفكر في قوة الدولة عندما حرَّكت آلياتها العسكرية ضد المنشآت الوطنية وضد صدور المواطنين لتقتل العشرات في عدة ساعات، وتدمر العديد من المؤسسات، ولو لم يتم التصدي لها بحسم لكانت الخسائر والتهديدات أخطر من أن يتم حصرها أو تقديرها.

سادساً: أكدت تقارير أخيرة أن هناك احتمالية لحدوث إنقلاب مرة أخرى وهو أمر أكده يلدريم وأردوغان.. برأيك هل هذا ممكن الحدوث؟ وإن حدث ما هي عواقبه؟

نعم الاحتمال قائم، وسيبقي قائماً ما بقيت تركيا قوية، لأن تركيا، دولةً وكياناً وتاريخاً وهويةً وجغرافيةً مستهدفة، وستظل مستهدفة، وبالتالي تبقي احتمالية تكرار هذه الانقلابات قائمة، يزيد من هذه الاحتمالية في هذه المرحلة عدة اعتبارات أساسية، من بينها: تغلغل من وقفوا خلف الانقلاب الأخير في مختلف مفاصل الدولة، ووحشيتهم وقيامهم بعدد من الجرائم بل واستعدادهم للقيام بعدد من المجازر دفاعاً عن انقلابهم، وكذلك كثرة المؤسسات والتيارات والأجنحة التي تدعمهم، وأيضاً تعدد الأطراف الإقليمية والدولية الداعمة التي أنفقت عشرات المليارات من الدولارات لدعم الانقلاب الأخير، وهذه لن تبقى صامتة بل ستسعي للانتقام والثأر مما تعرضت له، وكذلك أيضاً البيئة الإقليمية وما تشهده من تعدد الأطراف الراغبة في إسقاط النظام التركي، التي لن تتورع عن التدخل بكل الصور والأشكال لتحقيق هذا الهدف وتحديداً نظام بشار ونظام السيسي والنظام الإماراتي.

سابعاً: كيف يمكن للحكومة والرئيس أردوغان التعامل مع إنقلاب جديد؟

بتعزيز الأسباب التي أدت إلى فشل الانقلاب الحالي من ناحية، وسد الذرائع التي يمكن أن تساهم في القيام بانقلاب قادم، وخاصة فيما يتعلق بملف الأكراد، وملف التبعية العسكرية للولايات المتحدة، وتمتين الجبهة الداخلية من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز دور القوات الخاصة، كمقدمة أساسية لهيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية.

ثامناً: ما هي توقعاتك للمشهد السياسي والأمني في تركيا الفترة المقبلة؟

بطبيعة الحال، وفي ظل تداعيات الانقلاب الأخير، وفي ظل التطورات الخطيرة في ملفات سوريا والعراق وتنظيم الدولة والأكراد، وفي ظل الضغوط الدولية على النظام التركي، فإنه على المدى القصير سيكون هناك درجات من التوتر وعدم الاستقرار الداخلي مع وجود مخاوف من عمليات انتقامية أو تفجيرات فردية هنا أو هناك، أو استهداف لشخصيات أو منشآت، وهذه المخاوف التي دفعت الرئيس التركي لمطالبة المواطنين في الشوارع والميادين، كوسيلة لتمتين الجبهة الداخلية، من ناحية، واليقظة في مواجهة ردود الفعل الانتقامية من ناحية ثانية، ومصدر من مصادر تعزيز الشرعية السياسية في مواجهة الانتقادات الخارجية.

تاسعاً: كيف يمكن انقاذ السوريين من نظام بشار الدموي بعد 5 سنوات من القتال؟

الأمر مرتبط بالدرجة الأولي بالإرادة السياسية الدولية ومدى جديتها في المواجهة، لأنه للأسف الشديد هناك تواطؤ دولي، مدعوم إقليمياً ضد الثورة السورية والشعب الثوري، هذا من ناحية، أيضاً تبرز أهمية وحدة الصف الثوري السوري، ووجود مظلة تنسيقية جامعة تستطيع إدارة المشهد داخل سوريا وخارجها.

عاشراً: لماذا فشل التحالف الدولي ضد داعش حتى الآن في القضاء على التنظيم؟

لأنه مرتبط بالإرادة الأمريكية، داعش بالأساس وسيلة من وسائل تفتيت وتدمير العراق والشام، تقف خلفها العديد من القوى الإقليمية والدولية، المشاركة في هذا التحالف، فكيف ننتظر ممن صنع الأداة وعزز دورها ورسَّخ وجودها وسمح لها بالتغلغل والانتشار والتمدد أن يقضي عليها.

حادي عشر: كيف تُقِّيم الدور القطري سياسيا واقتصاديا؟

الدور القطري شهد تصاعداً كبيراً في الأعوام الثلاثة الأولي بعد بدايات الثورات العربية، 2011 و2012، 2013، فكانت السياسة القطرية فاعلاً رئيساً ولاعباً مؤثراً في المشهد المصري والتونسي وبحدود في المشهدين الليبي واليمني، وبدرجة أقل في المشهد السوري، لكن هذا الدور تراجع خلال العامين الماضيين كثيراً، سياسياً واقتصادياً، مقارنة بما كان عليه قبل ذلك، وذلك لعدة اعتبارات، من بينها إخفاقات القوى السياسية الثورية التي راهنت عليها السياسة القطرية في عدد من الدول التي شهدت ثورات شعبية، ومن ناحية ثانية الضغوط الإقليمية والدولية الكبيرة التي تعرضت لها قطر حتى تتوقف عن دعم وتأييد الثورات العربية، ومن ناحية ثالثة، الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها خلال السنوات الأخيرة على خلفية الانهيار في أسعار النفط، والذي يشكل أحد مصادر الدخل الأساسية للدولة، ومن ناحية رابعة توجه الدولة نحو الاهتمام بالداخل وقضاياه الاقتصادية والتنموية وإعادة الهيكلة الإدارية، على حساب درجة الاهتمام بالقضايا الخارجية.

وهى أمور، مع غيرها، يجب إعادة التفكير فيها بجدية، لأن قطر خلال السنوات العشر الأخيرة صنعت صورة ذهنية شعبية قوية، من خلال دبلوماسيتها النشطة وقوتها الناعمة، ويجب أن تحافظ عليها، من خلال الحضور الفاعل في دعم حقوق الشعوب، والدفاع عن حريتها وإرادتها، في حدود إمكانياتها وقدراتها (1).

—————————-

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”، ونص الحوار كاملاً تم نشره على صحيفة الشرق القطرية اليومية، عدد 2 أغسطس 2016.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *