fbpx
قلم وميدان

مستقبل الصراع على السلطة في ليبيا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

في الثاني عشر من مايو، أيار 2016، أطلقت مجموعات مسلحة من مدن ليبيا الغربية على رأسها مصراته، عملية عسكرية حملت عنوان “البنيان المرصوص” من أجل إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة سرت الساحلية وسط البلاد. ونجحت هذه القوات التي دعمتها حكومة الوفاق الوطني المدعومة دولياً، في إلحاق هزيمة بالتنظيم على نحو غير متوقع، على الرغم من أنها لا تزال تخوض معارك شرسة معه في جيوب صغيرة بالمدينة، لكنّ الدخول الأمريكي المفاجئ على خط المعركة وتوجيه ضربات جوّية ضد التنظيم بطلب حكومي ليبي أعطى دفعة كبيرة لمقاتلي البنيان المرصوص لحسم المعركة في المدينة التي سعى التنظيم لأن تكون عاصمة بديلة له أو على الأقل معقلاً رئيسياً في حال خسارته مدينتي الرقة في سورية والموصل في العراق.

صحيح أن سرت تُشكل حالياً ساحة حرب حقيقة بين القوات الموالية لحكومة الوفاق وتنظيم داعش، لكنّها تقع في المنتصف تقريباً ما بين شرق البلاد وغربها، ما يكسبها أهمية استراتيجية كبيرة في الصراع المرير على السلطة منذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، بين المنطقة الغربية التي تتواجد فيها فصائل مسلحة كبيرة محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، وبين المنطقة الشرقية التي يتمركز فيها خصمهم اللدود الجنرال خليفة حفتر الذي يسعى لأن يكون له دور كبير وقيادي في المشهد الليبي خلال الفترة المقبلة.

الإرهاب ومعضلة أنصار الشريعة

في الوقت الذي تُخاض فيه معركة سرت تحت عنوان “الحرب على الإرهاب”، يقود اللواء حفتر منذ نحو عامين حرباً بنفس العنوان ضد جماعات إسلامية مسلحة في مدن بالمنطقة الشرقية من ضمنها بنغازي ودرنة. لكنّ حرب حفتر التي أسماها بـ”عملية الكرامة” تبدو مختلفة بعض الشيئ عن حرب سرت رغم أنها تستهدف جماعة “أنصار الشريعة” الموالية لتنظيم القاعدة والمصنفة دولياً على قائمة الإرهاب، إذ أنها تستهدف أيضاً فصائل إسلامية أخرى تحالفت مع الجماعة لضرورات مرحلية، وشاركت بفعالية في ثورة 17 فبراير على القذافي، ما يُضفي شكوكاً جدّية حول الأهداف الفعلية لهذه العملية على اعتبار أن تلك الفصائل تعتبر امتداداً لقوات “فجر ليبيا” في المنطقة الغربية.

ولا بدّ من الإقرار بأن تحالف كتائب الثوار في المدن الشرقية مع جماعة أنصار الشريعة عقّد من الحسابات الداخلية لكل طرف. لكنّها، أي أنصار الشريعة، تٌشكل معضلة كبيرة، كونها متجّذرة في هذه المدن، حتى إبّان فترة حكم القذافي كمدينة درنة على سبيل المثال، كما أن أغلب مقاتليها ينتمون إلى قبائل محلّية، ما يعني أن مواجهتها لا يمكن حسمها بالخيارات العسكرية التقليدية فقط كما الحال مع داعش. حتى أن هناك حالة من التنافس بين الجماعة والتنظيم مشابهة إلى حدّ كبير للصراع بين جبهة النصرة والتنظيم في سورية، وقد خاض مقاتلو أنصار الشريعة معركة شرسة مع داعش في درنة الصيف الماضي ونجحوا في دحرهم منها. وتفسّر هذه التعقيدات أسباب إطالة أمد معركة حفتر في الشرق أكثر مما كان يتوقّع.

طبيعة الصراع على السلطة

خطف تنظيم داعش الأضواء في المشهد الليبي عقب سيطرته على مدينة سرت في فبراير شباط عام 2015، وجمّد نوعاً ما الصراع على السلطة بين معسكري حفتر وفجر ليبيا، والذي سرعان ما تحوّل إلى صدام مسلّح بين الطرفين في مايو أيار عام 2014 مع إطلاق حفتر عملية الكرامة في بنغازي وما سبقها من محاولته القيام بانقلاب عسكري قبل نحو شهرين من ذلك التاريخ بدعوته إلى حل المؤتمر الوطني العام في طرابلس. الخطأ الجسيم الذي ارتكبه حفتر كان إعلانه صراحة الحرب على جماعة الإخوان المسلمين، حيث شكّل ذلك دافعاً رئيسياً لتحالف “فجر ليبيا” إلى قلب الطاولة على البرلمان المنتخب حديثاً وشن حملة عسكرية استباقية استطاع فيها السيطرة على العاصمة وطرد كتيبتي الصواعق والقعقاع اللتين تنتميان لمدينة الزنتان وتحسبان على حفتر من مطار العاصمة في أغسطس آب من نفس العام.

وفي الواقع، فإن طمع الطرفين في السلطة وانعدام الثقة بينهما لأسباب عديدة منها ما هو داخلي يرتبط بصراعات قبلية تاريخية بين الشرق والغرب، ومنها ما هو خارجي يرتبط بالصراعات الداخلية في دول مجاورة شهدت ثورات شعبية مع انطلاق ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي. لكن الأهم في جوانب الصراع هو الثروة النفطية، حيث أن السيطرة على منشآت النفط تعني السيطرة على تدفق العائدات المالية وبالتالي التأثير في الموقف السياسي والأمني. مع الإشارة إلى أن هذا التنافس أعاد مجدداً رسم الحدود التاريخية بين طرابلس وبرقة وهما منطقتان من حقبة الاستعمار الإيطالي اندمجتا مع فزان، في الجنوب حين استقلت ليبيا بعد الحرب العالمية الثانية.

التخبط الدولي في الصراع

على الرغم من أن المجتمع الدولي لعب دوراً كبيراً في الإطاحة بنظام القذافي من خلال فرض منطقة حظر للطيران فوق ليبيا في بدايات ثورة فبراير ومن ثم أتبع ذلك بشن ضربات جوية لدعم الثوار على الأرض، إلاّ أن الأطراف الدولية لم تفعل ما يلزم بعد إسقاط القذافي لإخراج البلاد من حالة الحرب إلى الاستقرار وبناء الدولة الحديثة. ويعود ذلك إلى غياب رؤية دولية واضحة وعملية لمرحلة ما بعد القذافي، والتناقض الواضح في أدوار المبعوثين الدوليين الذين ترأسوا بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا منذ عام 2011. فالدبلوماسي اللبناني “طارق متري” الذي ترأس البعثة في أكثر المراحل حساسية اشتكى أكثر من مرة من غياب الدعم الدولي لمهمته، بينما خلفه الإسباني “برناردينو ليون” لعب دوراً سلبياً في إدارة الصراع وانحاز لصالح معسكر حفتر والبرلمان على حساب المعسكر الآخر.

اليوم، يحاول الدبلوماسي الألماني “مارتن كوبلر” تصحيح المسار بعض الشيئ، وقد نجح إلى حد مقبول في خرق جدار الأزمة من خلال المساهمة بالاتفاق الدولي الأخير الذي أعلن عنه في مدينة الصخيرات المغربية. لكن جهوده هذه لن تكلل بالنجاح الكامل في حال لم يحظ بدعم دولي واسع لمهمته في مساعدة حكومة الوفاق الجديدة على بسط سيطرتها على كامل التراب الليبي. وهذا ما لا يبدو متوفراً حالياً، حيث أن الأطراف الدولية لا تزال متخبطة في حسم موقفها من الانقسام الليبي، وتصريحاتها العلنية الداعمة بالمطلق لحكومة السراج تتناقض مع الدعم العسكري الذي تقدمه للواء خليفة حفتر ضد خصومه في الشرق. وفي الحقيقة، فإن إخفاق الأمم المتحدة في ليبيا لا يعود فقط إلى عدم كفاءة مبعوثيها المتعاقبين في فهم طبيعة الصراع وتعقيداته، بل يرتبط أيضاً باختلاف الرؤية بين الأطراف الدولية النافذة في كيفية إنهاء الحرب وشكل العملية السياسية المنشودة.

غياب رؤية عربية موحّدة

غياب الرؤية الموحدة لحل الأزمة الليبية لا يقتصر فقط على الأطراف الدولية، بل ينسحب كذلك على الدول العربية المجاورة وغير المجاورة لليبيا. ويمكن تقسيم هذه الدول إلى ثلاثة محاور: المحور الأول الداعم لمعسكر الشرق ويتكون من مصر والإمارات على وجه الخصوص، ويستند على معاداته لجماعة الإخوان. فعلى سبيل المثال، نجد أن الصراع القديم الجديد في مصر بين الدولة العميقة التي يديرها الجيش وبين الإخوان، ألقى بظلاله الكبيرة على المشهد الليبي بعد الثورة. وقد شكّلت الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي من قبل قائد الجيش حينها عبد الفتاح السيسي، هاجساً كبيراً لدى جماعة الإخوان الليبية من إمكانية تكرار نفس السيناريو المصري، لا سيما أن السيسي لا يزال إلى اليوم يبدي دعماً قوياً للواء حفتر.

المحور الثاني الداعم لمعسكر فجر ليبيا ويتشكل من قطر والسودان بالإضافة إلى تركيا التي هي طرف إقليمي مؤثر أيضاً ولا يمكن تجاهل نفوذها. ويعود دعم هذا المحور بالأساس إلى مساندته لجماعة الإخوان في المنطقة العربية ككل، فيما المعسكر الثالث المؤلف من تونس والمغرب والجزائر يقف على الحياد نوعاً ما، وهذا يعود بالدرجة الأساسية إلى درايته بتعقيدات الوضع الليبي وهواجسه من انتقال الفوضى في ليبيا إلى حدود بلدانه. فالمغرب على سبيل المثال رعت اتفاق الصخيرات الأخير، وتونس احتضنت ولادة حكومة الوفاق الليبية، فيما الجزائر لا تزال ترفض حتى اليوم أي تدخّل عسكري في ليبيا لطرف على حساب آخر، وذلك لأسباب عدّة ترجع إلى عقيدة جيشها الرافض لأي تدخل عسكري، وما يعنيه ذلك التدخل – إن حصل-من خطر إطالة أمد الصراع وانعكاسه على أمن حدودها مع ليبيا.

ما بعد معركة سرت

مع اقتراب نهاية معركة سرت والنجاح المتوقع للقوات الموالية لحكومة الوفاق في دحر داعش من المدينة، فإن شبح المواجهات الداخلية بين معسكري حفتر وفجر ليبيا سيعود من جديد في ظل غياب الإجماع الداخلي على دعم حكومة السراج. وسيعطي دحر داعش من سرت الزخم مجدداً إلى هذا الصراع بعدما جُمّد خلال الفترة الماضية. لكنّ انتصار سرت سيشكل مكسباً مهماً لقوات فجر ليبيا في تعزيز موقفها الميداني في الصراع مع حفتر، وفي تقديم نفسها للخارج على أنّها طرف قوي يمكن الاعتماد عليه في الحرب على الإرهاب، بعدما كانت السباّقة في دعم حكومة الوفاق، فيما حفتر سيكون الخاسر الأبرز (1).

————————————–

الهامش

(1) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close