ترجمات

مقديشيو تزداد قوة.. فما الذي يعنيه ذلك للمنطقة؟

في 4 مايو 2026، قدم سيمون ويستلر، وهو صانع محتوى ومقدم برامج بريطاني شهير على يوتيوب، معروف بظهوره في العديد من القنوات والبودكاست التي تغطي التاريخ والجريمة والشؤون العالمية، فيديو هام يتناول تنامي قوة مقديشيو، الصومال، والحكومة المركزية للبلاد، والتداعيات المترتبة على ذلك داخلياً وإقليمياً ودولياً، وذلك على قناة وور فرونتس WarFronts على موقع يوتيوب.

وقناة ” WarFronts” هي قناة تبث على موقع يوتيوب، حيث تقدم سلسلة من الحلقات المتعمقة، يستكشف فيها مواضيع متنوعة بسياقها الكامل، وتحليلاتها المفصلة، وسردها القصصي الغني، كما تقدم موجز أسبوعي حول الصراعات التي تشكل العالم. وتتناول القناة الصراعات العسكرية الماضية والحاضرة، والحروب الحديثة، والعوامل الجيوسياسية الكامنة وراءها.

الحلقة التي تم بثها في 4 مايو 2026، جاءت بعنوان: “مقديشيو تزداد قوة.. وإليكم ما يعنيه ذلك”، حيث شرح فيها الوضع المعقد الذي يحكم معادلات القوة في تلك المنطقة الحساسة من العالم، والمتخمة بالحروب بالوكالة من كل اتجاه.

يقول ويستلر في مقدمة الحلقة: “إن تنامي قوة مقديشيو – مدفوعةً بالمكاسب العسكرية والتحالفات الخارجية والإصلاحات الجريئة – يعيد تشكيل الصومال من جديد. ومع ذلك، فإن تصاعد المعارضة والتوترات الإقليمية والتنافسات العالمية تُنذر بإشعال صراع حاسم وعالي المخاطر في هذا البلد الأفريقي.”

 ويقول ويستلر: “مهما قيل عن الصومال، فهي من تلك المناطق النادرة في العالم التي لا تعرف الملل. وخلال الأشهر القليلة الماضية، مثّلت الصومال عاملاً حاسماً في عملية إعادة تشكيل إقليمية أوسع نطاقاً، على الرغم من تجاهل وإهمال هذا العامل الهام إلى حد كبير، في الوقت الذي يدخل فيه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حقبة جديدة من الصراع والتنافس.”

ويضيف: “بعد سنوات طويلة من التذبذب على حافة الانهيار التام، يبدو أن الحكومة الفيدرالية الصومالية قد استعادت زخمها، وعززت قوتها من خلال تحالفات جديدة، واستخدمت هذه التحالفات لفرض هيمنتها على الجبهة الداخلية. لكن سيطرة مقديشيو على الصومال لا تزال قضية عالقة. وبينما تسعى الحكومة الفيدرالية الصومالية إلى تعزيز دورها، تستعد قوى معادية عديدة لاتخاذ موقف حاسم إزاء ذلك.”

“وبالنسبة لملايين السكان، سيحدد صراع السلطة القادم في الصومال مصير البلاد لسنوات أو حتى عقود قادمة. أما بالنسبة للدول الأكثر ثراءً في العالم الإسلامي، بل وحتى أقوى دول العالم، فإن الصومال يُعدّ مسرحاً لصراع بالوكالة يتصاعد بسرعة. والمعروف أنه عندما تزداد قوة مقديشو، يكاد يكون من المسلم به أن يبدأ الصراع بالوكالة في التصاعد. ومقديشيو الآن في صعود دائم، وبالتالي فتلك الصراعات تبدو أيضاً مرشحة للتصاعد.”

وفيما يلي نستعرض مُجملاً لهذا المحتوى الهام الذي قدمه سيمون ويستلر حول الموضوع:

في هذا الفيديو، يتحدث سيمون ويستلر عن دولة الصومال، محذراً من أنها قد تكون على وشك الدخول في مرحلة حاسمة وربما تحولية، في ظل جهود إرساء الدعائم السياسية داخلياً، وكذلك التحالفات الخارجية والتنافسات الإقليمية في نفس الوقت، والتي تعمل مجتمعة على إعادة تشكيل مستقبل هذه الدولة الأفريقية.

لطالما اعتُبرت الصومال دولةً هشةً أو على وشك الانهيار، إلا أنها تُظهر الآن بوادر قوة متجددة، ولا سيما حكومتها الفيدرالية في مقديشيو. ومع ذلك، فإن هذا الانتعاش بعيد كل البعد عن الاستقرار، وقد يُمهّد الطريق لنزاع داخلي ودولي كبير.

ويكمن جوهر هذا التحول في استعراض الحكومة الفيدرالية الصومالية لقدراتها العسكرية مؤخراً. ففي شهر مارس 2026، اندلعت أزمة إقليمية كبرى عندما أعلن زعيم ولاية جنوب غرب الصومال تعليق العلاقات مع مقديشيو، مؤكداً بذلك استقلالها الذاتي. تاريخياً، أدت مثل هذه التحركات إلى تفتيت دائم، كما هو الحال مع أرض الصومال وبونتلاند وجوبالاند.

لكن هذه المرة، كان رد فعل الحكومة الفيدرالية حاسماً. إذ تقدمت القوات الوطنية الصومالية نحو بيدوا، عاصمة الإقليم، وسيطرت عليها بسرعة وبأقل مقاومة. وفرّ زعيم الإقليم، وعادت الولاية إلى السلطة الفيدرالية. وقد شكّل هذا النجاح السريع نقطة تحول هامة، إذ أشار إلى أن مقديشو باتت مستعدة وقادرة على فرض سلطتها بالقوة.

ولكن هذا النجاح العسكري أثار قلق مناطق أخرى تتمتع بحكم شبه ذاتي، والتي تخشى الآن حدوث تغييرات مماثلة. حيث أعربت بونتلاند وجوبالاند، على وجه الخصوص، عن قلقهما، ورفعتا مستوى استعدادهما. وتتفاقم هذه التوترات الداخلية بفعل شبكة مقديشيو المتنامية من الحلفاء الدوليين الأقوياء، مما عزز قدراتها العسكرية وثقتها بنفسها.

وتبرز تركيا كأبرز شريك لدولة الصومال. فقد عزّزت تركيا وجودها العسكري بشكل ملحوظ في البلاد، فنشرت قوات وطائرات متطورة مثل طائرات إف-16 وطائرات مسيّرة لعبت دوراً مهماً في عملية ولاية الجنوب الغربي. وإلى جانب الدعم العسكري، تستثمر تركيا اقتصادياً في الصومال، لا سيما في التنقيب عن النفط في المياه الإقليمية، ما قد يدرّ عائدات كبيرة للصومال. كما عزز الدعم المالي والسياسي التركي موقف مقديشيو أيضاً.

وانضمت دول أخرى إلى دعم الصومال، فقد نشرت مصر قوات لها هناك أيضاً؛ ووقّعت المملكة العربية السعودية اتفاقيات دفاعية مع مقديشيو؛ وتعهدت قطر بتقديم التدريب ودعم الاستقرار في البلاد. وفي الوقت نفسه، وافقت باكستان على تزويد الصومال بطائرات مقاتلة متطورة، ما قد يُحدث نقلة نوعية في سلاح الجو الصومالي المتقادم. وتساهم هذه الشراكات مجتمعة في تحويل الصومال إلى دولة أكثر قدرة وحزماً، وربطها في الوقت نفسه بنظام تحالف إقليمي أوسع.

وعلى الصعيد الداخلي، يستفيد الرئيس حسن شيخ محمود من هذه اللحظة في ترسيخ سلطته، إذ أدخلت حكومته إصلاحات دستورية شاملة تهدف إلى مركزة السلطة في مقديشيو. وتشمل هذه التغييرات التوجه نحو نظام انتخابي قائم على مبدأ “صوت واحد للشخص الواحد: “One  Man One Vote”، وتقليص صلاحيات رئيس الوزراء، والإبقاء على الانتخابات الرئاسية غير المباشرة عبر البرلمان. وبينما تُصوَّر هذه التغييرات على أنها جهود تحديث، يرى النقاد أنها تقوّض نظام تقاسم السلطة الهش القائم على القبائل في الصومال (والتي تتحكم في تشكيلة البرلمان طبقاً للنظام الانتخابي القائم.

تتجذر ديناميكيات القبائل بعمق في المجتمع الصومالي، وقد اتسمت الصراعات السابقة بين القبائل بالعنف الشديد. وصُمِّم الإطار السياسي الحالي لمنع هيمنة القبائل الكبرى، إلا أن الإصلاحات المقترحة تُعتبر على نطاق واسع تهديداً لهذا التوازن.

ونتيجة لذلك، تتزايد المعارضة لذلك بوتيرة متسارعة. ويزداد الوضع تعقيداً بسبب التوقيت الذي تجري فيه التغييرات: فولاية الرئيس تقترب من نهايتها، وقد انتهت ولاية البرلمان بالفعل، ولا توجد انتخابات مقررة. وبالتالي، فهذا يخلق فراغاً دستورياً ويثير مخاوف من الحكم الاستبدادي.

واستجابةً لذلك، بدأت جماعات المعارضة وقادة القبائل بالتنظيم للمواجهة. وتشير الدعوات إلى ما يُسمى “الإنقاذ الوطني” – وهو مصطلح غالباً ما يرتبط بالمقاومة المسلحة في الصومال – إلى أن الوضع قد يتصاعد قريباً إلى صراع مفتوح. كما تشير الانشقاقات من الحكومة والاجتماعات بين شخصيات المعارضة، سواء داخل البلاد أو في الخارج، إلى أن المقاومة لهذه الإجراءات تكتسب زخماً أكبر.

وفي الوقت نفسه، بات الصراع الداخلي في الصومال متشابكاً مع منافسة جيوسياسية أوسع نطاقاً. وقد برزت كتلتان إقليميتان غير مترابطتين في هذا السياق. حيث تضم إحداهما تركيا ومصر وقطر والسعودية وباكستان، وجميعها تدعم مقديشو.

أما الكتلة المعارضة فتضم دولاً مثل دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل وإثيوبيا والمغرب، وكثير منها يدعم المناطق الانفصالية في الصومال أو عناصر المعارضة. ولا تقتصر هذه التحالفات على الصومال فحسب، بل هي جزء من صراع أوسع نطاقاً على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وبدلاً من الانخراط في حرب مباشرة، تتنافس هذه القوى عبر وسائل غير مباشرة، بما في ذلك الصراعات بالوكالة، حيث أصبح الصومال أحد أبرز ساحات هذا التنافس. وتقدم جهات خارجية دعماً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً لأطراف مختلفة، مما يزيد من حدة الصراع ويقلل من احتمالية التوصل إلى حل سلمي.

كما تشارك أيضاً قوى عالمية في هذا الصراع. حيث تقاربت الصين بشكل أوثق مع مقديشيو، مقدمةً مساعدات عسكرية وتعاوناً تقنياً، وتنظر جزئياً إلى قضايا الصومال الإقليمية من منظورها الخاص، كما هو الحال مع تايوان. ومن جهة أخرى، حافظت الولايات المتحدة على علاقاتها مع الحكومة الفيدرالية، لكنها تعمل أيضاً بشكل وثيق مع السلطات الإقليمية مثل بونتلاند، لا سيما في عمليات مكافحة الإرهاب. وتزيد عروض دولة “أرض الصومال” لاستضافة قواعد عسكرية أمريكية من تعقيد الوضع.

ويُضيف الموقع الاستراتيجي للصومال بُعداً آخر من الأهمية للبلاد. فهو يقع بالقرب من مضيق باب المندب، وهو ممر مائي حيوي للتجارة العالمية، يمر عبره نسبة كبيرة من الشحن والنفط في العالم. وقد زادت النزاعات المستمرة التي تشمل إيران، والاضطرابات في المناطق المجاورة من أهمية تأمين هذا الممر. وبالتالي، فإن الصراع على الأراضي الصومالية له تداعيات تتجاوز حدودها بكثير.

وفي نفس الوقت، لا تزال بعض الجماعات المتشددة نشطة داخل البلاد، فحركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية يواصلان نشاطهما، وتشير التقارير إلى تنامي التعاون بين حركة الشباب والمتمردين الحوثيين في اليمن. وقد يُهدد مثل هذا التحالف الأمن الإقليمي ويزيد من زعزعة استقرار طرق التجارة البحرية.

والخلاصة أن الصومال اليوم على أبواب مرحلة شديدة التقلب. فعلى الرغم من أن الحكومة الفيدرالية تبدو أقوى مما كانت عليه منذ عقود، مدعومة بحلفاء أجانب ونجاحات عسكرية حديثة، إلا أن هذه القوة تُثير مقاومة داخلية وتُغرق البلاد أكثر في دوامة معقدة من التنافسات الدولية.

وفي ظل غياب حل برلماني واضح في الأفق، ووجود حركات تمرد نشطة، وتصاعد التوترات الداخلية والخارجية، باتت الصومال أشبه ببرميل بارود جيوسياسي. وقد تُحدد الأشهر القادمة ما إذا كانت ستستقر كدولة موحدة أم ستنزلق إلى صراع أوسع وأكثر خطورة، كما جرت العادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى