نحن والعالم عدد 12 يوليو 2026

يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة بين 4 يوليو 2026 – 12 يوليو 2026
في أسبوع اتسم بتسارع التحولات الدولية، برزت قمة الناتو في أنقرة بوصفها محطة لإعادة توزيع الأعباء الدفاعية داخل الحلف، وتعزيز الدور التركي سياسيًا وعسكريًا وصناعيًا.
وتزامن ذلك مع تصعيد خطير في الخليج بين الولايات المتحدة وإيران، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، بما أعاد أمن الطاقة والممرات البحرية إلى صدارة الأجندة الدولية.
وفي واشنطن، واصل الرئيس دونالد ترامب إعادة تشكيل مؤسسات الدولة، من لجنة الانتخابات وأجهزة الاستخبارات إلى الدفع بعقوبات جديدة على روسيا، وسط ضغوط تضخمية متزايدة.
كما شهدت أنقرة تحركات دبلوماسية لافتة، شملت التقارب الأمريكي–التركي، وإعادة بحث ملف مقاتلات «إف-35»، ولقاء ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع ضمن مسار إعادة دمج سوريا دوليًا.
وتكشف هذه التطورات مجتمعة عن عالم يتجه نحو مزيد من الإنفاق العسكري، وتعدد مراكز القوة، وتداخل الأمن الإقليمي مع الاقتصاد والسياسة الداخلية للدول الكبرى.
ملف تركيا وقمة الناتو في أنقرة 2026
تحولات الحلف وصعود الدور التركي في بنية الأمن الأوروبي والإقليمي – تقرير تحليلي
مثّلت قمة حلف شمال الأطلسي التي استضافتها أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026 لحظة انتقالية في مسار الحلف؛ إذ لم تنشغل أساسًا بوضع أهداف دفاعية جديدة، بقدر تركيزها على تحويل التعهدات التي أقرها الحلفاء في قمة لاهاي عام 2025 إلى قدرات عسكرية وإنتاج صناعي وتسليح مشترك. وعكست القمة ما أطلق عليه الأمين العام للحلف مارك روته مفهوم «الناتو 3.0»، أو النسخة الثالثة من الناتو، أي إعادة موازنة المسؤوليات داخل الحلف عبر بناء ركيزة أوروبية أقوى، مع استمرار الولايات المتحدة بوصفها القوة العسكرية والاقتصادية المركزية في المنظومة الأطلسية.
أعادت القمة تأكيد الالتزام بالمادة الخامسة من معاهدة واشنطن، وبالمقاربة الدفاعية الشاملة بزاوية 360 درجة، كما أعلنت عن مشتريات دفاعية جديدة تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، واستثمارات بقيمة 40 مليار دولار في قدرات مكافحة الأنظمة غير المأهولة، و27 مليار يورو لتحديث البنية التحتية للوقود والتوزيع العسكري، إلى جانب تعهد بتقديم 70 مليار يورو من المعدات والتدريب والمساعدات العسكرية لأوكرانيا خلال عام 2026، والحفاظ على مستوى مماثل على الأقل في عام 2027.
بالنسبة لتركيا، تجاوزت أهمية القمة مجرد استضافتها للمرة الثانية في تاريخ البلاد، والأولى في العاصمة أنقرة. فقد سعت القيادة التركية إلى إعادة تعريف موقع البلاد داخل الحلف، بحيث لا تبقى مجرد دولة يستفاد من موقعها الجغرافي لحماية الجناح الجنوبي الشرقي، وإنما تتحول إلى قاعدة إنتاج وتسليح، ومركز لوجستي، وقوة إقليمية قادرة على العمل في البحر الأسود والشرق الأوسط والقوقاز وشرق المتوسط. وقد دعمت القمة جزئيًا هذا التوجه من خلال إشراك شركات ومؤسسات تركية في خمسة مجالات استراتيجية أطلسية، وإبراز القدرات التركية في المسيّرات والدفاع الجوي والصواريخ والأنظمة البحرية والفضائية.
كما حققت أنقرة اختراقًا سياسيًا في علاقاتها مع واشنطن، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه رفع العقوبات المفروضة على تركيا بموجب قانون «مواجهة خصوم أمريكا من خلال العقوبات – CAATSA»، وأبدى انفتاحًا على دراسة بيع مقاتلات «إف-35» لها. غير أن هذا الاختراق لم يتحول حتى تاريخ إعداد التقرير إلى قرار قانوني وتنفيذي نهائي؛ إذ ما تزال عودة تركيا إلى البرنامج مرتبطة بمصير منظومة «إس-400» الروسية (التي يجري الحديث عن بيعها لدولة ثالثة، قد تكون دولة الإمارات، وبموقف الكونجرس الأمريكي، وبالاعتراضات الإسرائيلية على أي تغيير محتمل في التوازن العسكري الإقليمي.
وتشير نتائج القمة إلى أن الدور التركي القادم داخل الناتو سيقوم على خمسة محاور مترابطة: التحول إلى ركيزة صناعية للحلف، وتولي مسؤوليات أكبر في الجناح الجنوبي، وضبط التوازن الأمني في البحر الأسود، والمشاركة في بناء الركيزة الأوروبية للحلف، واستخدام الموقع الأطلسي لتوسيع هامش الحركة التركية في الشرق الأوسط والقوقاز وشرق المتوسط. ومع ذلك، ستبقى هذه الأدوار محكومة بتناقض دائم بين رغبة تركيا في الاندماج في المنظومة الدفاعية الغربية، وتمسكها بسياسة خارجية مستقلة، وعلاقات متشعبة مع روسيا ودول الخليج وآسيا وأفريقيا، وتنافس مستمر على النفوذ في المنطقة مع إسرائيل.
لماذا تعد قمة أنقرة محطة مختلفة؟
انعقدت قمة أنقرة في بيئة دولية اتسمت بتراجع الثقة بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، وتصاعد المخاوف من خفض الوجود العسكري الأمريكي في القارة، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، واتساع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واضطراب الملاحة والطاقة في مضيق هرمز. لذلك لم تكن القمة مجرد اجتماع دوري، بل اختبارًا لقدرة الناتو على التكيف مع عالم تصبح فيه القيادة الأمريكية أقل استقرارًا، وتضطر أوروبا إلى تحمل حصة أكبر من أعباء الدفاع التقليدي عن القارة.
أعلن الناتو أن هدف القمة الرسمي هو مراجعة التقدم المحقق منذ قمة لاهاي لعام 2025، ووضع خريطة طريق لمواصلة تنفيذ أهداف الحلف، ولا سيما رفع الإنفاق الدفاعي، وزيادة الإنتاج الصناعي، وتعزيز الابتكار والتعاون مع القطاع الخاص. وهذا يعني أن قمة أنقرة كانت «قمة تنفيذ» أكثر منها قمة تأسيس لمفاهيم استراتيجية جديدة؛ رغم أن شعار «أوروبا أقوى داخل ناتو أقوى» منحها بعدًا سياسيًا يتصل بإعادة توزيع القيادة والمسؤولية داخل الحلف.
تزامنت القمة كذلك مع ارتفاع القيمة الاستراتيجية لتركيا. فأنقرة تسيطر بموجب اتفاقية مونترو على الممر البحري بين البحر الأسود والبحر المتوسط (خلال مضايق البوسفور والدردنيل)، وتجاور روسيا وأوكرانيا والقوقاز والعراق وسوريا وإيران، وتملك أحد أكبر الجيوش داخل الحلف، ثاني أكبر جيش في الواقع بعد الولايات المتحدة، إضافة إلى صناعة دفاعية متنامية وقدرة على التواصل مع أطراف لا تستطيع العواصم الغربية الوصول إليها بسهولة. لذلك باتت تركيا بالنسبة إلى واشنطن وبروكسل عنصرًا في إعادة تشكيل الأمن الأوروبي، لا مجرد طرف في خلافات ثنائية حول الديمقراطية أو قبرص أو شراء الأسلحة الروسية.
أولًا: السياق الاستراتيجي للقمة
- أزمة الثقة عبر الأطلسي
دخل الأوروبيون القمة وهم يخشون أن تتحول التوترات مع الرئيس الأمريكي إلى مواجهة علنية تهدد تماسك الحلف. فقد سبق لترامب أن انتقد مساهمات الدول الأوروبية، ولوّح بمراجعة الوجود العسكري الأمريكي في القارة، وهاجم مواقف حلفاء رفضوا دعم الحرب على إيران أو استخدام قواعدهم في العمليات الأمريكية، كما استمر خلافه مع الدنمارك بشأن جرينلاند، ومع إسبانيا بشأن الإنفاق الدفاعي والتعاون العسكري.
أصبحت المحافظة على مشاركة ترامب وتأكيده الالتزام بالمادة الخامسة معيارًا رئيسيًا لنجاح القمة. وقد رأى تحليل المجلس الأطلسي قبل انعقادها أن أهم إنجاز محتمل قد لا يكون قرارًا استراتيجيًا جديدًا، بل مجرد انعقاد القمة بحضور الرئيس الأمريكي وخروجها بإعادة تأكيد واضحة للدفاع الجماعي. وبذلك انخفض سقف النجاح من إنتاج اختراقات كبرى إلى منع حدوث انقسام علني داخل الحلف.
بعد بداية متوترة، أعلن ترامب مجددًا التزامه بالحلف، ووقّع القادة على إعلان يتضمن التمسك بالمادة الخامسة. لكن رويترز و«وول ستريت جورنال» رصدتا أن الارتياح الأوروبي نبع أساسًا من تجنب الأسوأ، لا من زوال أزمة الثقة؛ إذ بقيت مراجعة الوجود الأمريكي في أوروبا قائمة، وظلت الدول الأوروبية تستعد لمزيد من التقلبات في العلاقة مع واشنطن.
- انتقال العبء الدفاعي من الولايات المتحدة إلى أوروبا
استندت قمة أنقرة إلى التعهد الذي أقره أعضاء الناتو في لاهاي عام 2025 برفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، موزعًا بصورة عامة بين 3.5% للإنفاق الدفاعي الأساسي و1.5% للبنية التحتية والمرونة والأمن السيبراني والمجالات المرتبطة بالأمن. وكان هدف أنقرة إظهار أن الزيادة في الميزانيات بدأت تتحول إلى معدات ومصانع وقدرات قابلة للاستخدام.
أفاد إعلان أنقرة بأن الحلفاء الأوروبيين وكندا زادوا استثماراتهم في المتطلبات الدفاعية الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار خلال عام 2025. كما قال روته إن إجمالي الإنفاق الدفاعي والأمني بات يقترب من 4% بعد عام واحد فقط من بدء تنفيذ الخطة الممتدة لعشر سنوات، وهو ما استخدمه الحلف لإقناع واشنطن بأن الأوروبيين بدأوا تحمل مسؤولية أكبر.
لكن رفع الميزانيات لا يعني تلقائيًا امتلاك قدرات عسكرية جاهزة؛ فزيادة الإنتاج تحتاج إلى وقت وخطوط تصنيع وعمالة ماهرة وسلاسل إمداد مستقرة، فيما تعاني الصناعات الأمريكية والأوروبية من تراكم الطلبات ونقص الذخائر والصواريخ الاعتراضية. ولهذا تحولت الصناعة الدفاعية إلى المحور الأبرز في قمة أنقرة، بدل الاكتفاء بقياس المساهمات كنسبة من الناتج المحلي.
- الحرب في أوكرانيا والتهديد الروسي
أعاد إعلان أنقرة توصيف روسيا باعتبارها تهديدًا طويل الأمد للأمن والاستقرار في المنطقة الأوروبية الأطلسية، وربط رفع الإنفاق بضرورة ردع موسكو ومواجهة الإرهاب والتهديدات الهجينة. كما أكد القادة استمرار الدعم السياسي والعسكري لأوكرانيا، مع تحميل الحلفاء الأوروبيين وكندا الجزء الأكبر من التمويل في ظل تراجع المساهمة الأمريكية المباشرة.
تعهد الحلفاء بتقديم 70 مليار يورو من المعدات والتدريب والمساعدات العسكرية لأوكرانيا خلال عام 2026، والمحافظة على مستوى مكافئ على الأقل في عام 2027. غير أن بعض الصحف الغربية أشارت إلى أن جزءًا من المبلغ يمثل إعادة تجميع لتعهدات ثنائية وأوروبية قائمة، لا تمويلًا جديدًا بالكامل، ما يجعل القيمة السياسية للالتزام أكبر من أثره المالي الجديد المباشر.
حققت كييف مكسبًا إضافيًا عندما أعلن ترامب استعداد الولايات المتحدة لمنحها ترخيصًا لإنتاج صواريخ اعتراضية مرتبطة بمنظومة «باتريوت». إلا أن التفاصيل التقنية والتجارية ظلت غير مكتملة، بما في ذلك نوع الصاروخ الذي سيجري إنتاجه، والشركات المعنية، والجدول الزمني، الأمر الذي يجعل الإعلان خطوة سياسية مهمة لكنها غير مكتملة التنفيذ.
- إيران ومضيق هرمز والجناح الجنوبي
جاءت القمة بعد أن أصبحت الحرب مع إيران واستخدام القواعد والمجالات الجوية الأوروبية موضوع خلاف داخل الحلف. وأدرج إعلان أنقرة موقفًا ينص على أن إيران يجب ألا تمتلك سلاحًا نوويًا، ودعاها إلى احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز، ما عكس انتقال قضايا الشرق الأوسط من هامش أجندة الناتو إلى صلب النقاش بشأن أمن الدول الأعضاء والطاقة والتجارة العالمية.
أكد أردوغان استعداد تركيا للمساهمة في إزالة الألغام من مضيق هرمز، وشدد على أن أنقرة لا تريد تحوله إلى «بحيرة حرب». كما شكر الولايات المتحدة وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا على المساهمات المرتبطة بالدفاع الجوي التركي في مواجهة التهديدات الصاروخية، وركز على أهمية توسيع التعاون مع دول مبادرة إسطنبول للتعاون الخليجية.
يمثل هذا التطور فرصة لتركيا؛ لأن أنقرة تستطيع تقديم نفسها بوصفها حلقة اتصال بين الحلف ودول الخليج، وعضوًا أطلسيًا له مصالح مباشرة في استقرار إيران والعراق وسوريا ولبنان وممرات الطاقة. لكن ذلك يضع تركيا أيضًا أمام مخاطر الانخراط في سياسات ردع أو عمليات إقليمية قد تتعارض مع رغبتها في المحافظة على علاقات عمل مع طهران.
ثانيًا: النتائج والقرارات الرسمية لقمة أنقرة
- تثبيت المادة الخامسة والدفاع بزاوية 360 درجة
استهل إعلان أنقرة بالتأكيد أن الهجوم على دولة عضو يعد هجومًا على جميع الدول الأعضاء، وأن وحدة الحلف وتضامنه وقوته الجماعية تمثل أساس أمن نحو مليار شخص يعيشون في دول الناتو. كما أعاد الإعلان تأكيد المقاربة الدفاعية بزاوية 360 درجة، أي عدم حصر التهديدات في روسيا والجناح الشرقي، بل التعامل أيضًا مع الإرهاب وعدم الاستقرار والصواريخ والمسيّرات والأخطار القادمة من الجنوب.
تكتسب صيغة 360 درجة أهمية خاصة لتركيا وإيطاليا وإسبانيا ودول جنوب الحلف، لأنها تمنع انحصار التخطيط الأطلسي في البلطيق وبولندا وحدهما، وتتيح إدراج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والساحل وأمن البحر المتوسط ضمن مفهوم الأمن الجماعي. ومن هذه الزاوية، وفرت القمة أساسًا سياسيًا لزيادة الوزن التركي داخل عملية تحديد التهديدات والأولويات.
- مشتريات واتفاقات دفاعية تتجاوز 50 مليار دولار
أعلن الناتو عن مشتريات واتفاقات صناعية ودفاعية تتجاوز 50 مليار دولار. وشملت الإعلانات بدء مفاوضات لشراء ما يصل إلى عشر طائرات «جلوبال آي» للإنذار المبكر من شركة ساب السويدية، ومذكرة بين لوكهيد مارتن وراينميتال لإنتاج صواريخ «أتاكمز» في ألمانيا، وإنشاء منشأة أوروبية لصيانة صواريخ «باتريوت »PAC-3.
تضمنت الحزمة كذلك شراء بريطانيا صواريخ «PrSM» بعيدة المدى بقيمة تقارب 254 مليون دولار، وإعلان أربع دول أوروبية نيتها شراء ما يصل إلى خمس طائرات استطلاع مسيّرة من طراز «MQ-4C Triton»، وإطلاق أسطول نقل استراتيجي يعتمد على طائرات «A400M»، وتوسيع أسطول طائرات التزود بالوقود «A330 MRTT».
وشملت الاتفاقات أيضًا إنشاء منصة إطلاق صاروخية في كندا بالتعاون مع شركة «إيزار إيروسبيس» الألمانية، وتوقيع عقد بنحو 200 مليون يورو بين «أكسنتشر» و«ليوناردو» لتطوير وتشغيل شبكة اتصالات أطلسية آمنة، فضلًا عن الاتفاق الأمريكي الألماني المتعلق بصواريخ «توماهوك». ومع ذلك، أوضحت رويترز أن بعض هذه الإعلانات عقود نهائية، بينما لا يزال بعضها مذكرات أو خططًا تحتاج إلى مفاوضات وموافقات لاحقة.
تعكس هذه الحزمة تحولًا في وظيفة القمم الأطلسية؛ إذ أصبحت مناسبة لربط السياسة الدفاعية بالمجمع الصناعي العسكري، وإظهار أن الإنفاق الدفاعي ينتج عقودًا وفرص عمل وقدرات ملموسة. كما استخدمت قيادة الحلف هذه الصفقات في مخاطبة ترامب، عبر التأكيد أن الناتو لا يحمّل الولايات المتحدة أعباء إضافية فقط، بل يولد أيضًا طلبًا كبيرًا على الشركات الأمريكية.
- مبادرة مواجهة المسيّرات
أطلق الحلف مبادرة «NATO Drone Edge»، التي تتضمن استثمار أكثر من 40 مليار دولار خلال خمس سنوات في قدرات مكافحة الطائرات والأنظمة غير المأهولة بشرياً. وتهدف المبادرة إلى تطوير وسائل الرصد والاعتراض والحرب الإلكترونية والقيادة والسيطرة، استنادًا إلى الدروس المستخلصة من أوكرانيا والشرق الأوسط.
تشكل هذه المبادرة مجالًا مناسبًا للصناعة التركية؛ إذ تملك شركات مثل أسيلسان وروكيتسان وبايكار خبرة في المسيّرات والرادارات والحرب الإلكترونية والذخائر الذكية. كما طرحت تركيا فكرة إنشاء مركز تميز لمواجهة الأنظمة غير المأهولة والحصول على اعتماد الناتو، وإن كان المسار المؤسسي للمقترح لم يكتمل حتى تاريخ إعداد التقرير.
- تحديث شبكة الوقود والبنية اللوجستية
أعلن الناتو عن استثمار بقيمة 27 مليار يورو لتحديث منشآت تخزين الوقود وشبكات توزيعه وإنشاء بنى جديدة، تشمل خطوطًا تمتد باتجاه الجزء الشرقي من الحلف. والهدف هو ضمان قدرة القوات على الحركة والاستمرار في القتال خلال الأزمات الكبرى، بدل الاعتماد على شبكات مدنية أو بنى تحتية غير مهيأة للحرب.
تمثل تركيا في هذا المجال عقدة محتملة بين الموانئ والمطارات والقواعد العسكرية في البحر المتوسط والبحر الأسود والشرق الأوسط. ومن شأن تطوير البنية اللوجستية الأطلسية أن يزيد أهمية الأراضي التركية في عمليات النقل والتخزين والتزود بالوقود، لكنه قد يثير في الوقت نفسه نقاشًا داخليًا بشأن حدود استخدام المنشآت التركية في أزمات لا ترغب أنقرة في الانخراط المباشر فيها. ويظل هذا استنتاجًا مرتبطًا بموقع تركيا وبنية خطط الحلف، وليس قرارًا معلنًا بتخصيص استثمارات الوقود لتركيا.
- توسيع العلاقة مع الصناعة والابتكار
أطلق الحلف «البوابة الأمامية للصناعة»، واعتمد استراتيجية لتعزيز التعاون بين الناتو والقطاع الصناعي، وتوسيع القدرة التصنيعية وإزالة العوائق أمام التجارة الدفاعية بين الحلفاء. وتنسجم هذه الآليات مع مطالبة تركيا المستمرة بإنهاء القيود المفروضة على صادرات الأسلحة ونقل التكنولوجيا والتعاون بين الشركات الأطلسية.
كما ربطت القمة بين التصنيع التقليدي والفضاء والذكاء الاصطناعي والمراقبة والاستطلاع والاتصالات الآمنة والمواد الخام الحرجة. ويدل ذلك على أن مفهوم الردع الأطلسي لم يعد يقتصر على الدبابات والطائرات، بل بات يتضمن سلاسل التوريد والرقائق والبيانات والأقمار الصناعية وشبكات القيادة والتحكم.
ثالثًا: الأهداف التركية في القمة
- إنهاء القيود الدفاعية بين الحلفاء
جعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رفع القيود الدفاعية بين أعضاء الناتو مطلبًا مركزيًا، مؤكدًا أن استبعاد الدول الأطلسية غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من المبادرات الدفاعية الأوروبية يخلق انقسامات مصطنعة. كما أشار إلى أن بعض القيود على تجارة المنتجات الدفاعية التركية تراجعت، لكنها لم تختفِ، وطالب بإزالتها من دون شروط.
نجحت تركيا في إدخال إشارة إلى إزالة العوائق التجارية الدفاعية في إعلان القمة، الذي تعهد بمواصلة العمل على إنهاء حواجز التجارة الدفاعية بين الحلفاء. ولا يعني ذلك إلغاء القيود الوطنية تلقائيًا، لكنه يمنح أنقرة وثيقة أطلسية تستطيع استخدامها في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة وكندا وألمانيا وفرنسا ودول أخرى.
يرتبط هذا الملف أيضًا بآلية «SAFE» الأوروبية لتمويل الصناعات الدفاعية، التي تسعى تركيا إلى دخولها أو إقامة صيغة مشاركة خاصة فيها. وتواجه أنقرة اعتراضات مرتبطة بقبرص واليونان والخلافات السياسية مع الاتحاد الأوروبي، رغم أن عددًا من مراكز الأبحاث يرى أن استبعاد صناعة دفاعية كبيرة مثل الصناعة التركية يضعف قدرة أوروبا على إعادة التسلح بسرعة.
- الاعتراف بتركيا كقوة إنتاج لا مجرد قوة بشرية
ركز الخطاب التركي على أن الردع الحقيقي يحتاج إلى ثلاثة عناصر: التكنولوجيا المتقدمة، وحجم إنتاج كافٍ، واستدامة سلاسل التصنيع. وأكد أردوغان أن تركيا تنتج طائرات وسفنًا ودبابات وأنظمة دفاع جوي ومسيّرات، وتوفر في الوقت نفسه معدات إلى عدد من الحلفاء.
هذا الخطاب يعكس تحولًا في تعريف أنقرة لمساهمتها في الناتو. ففي العقود السابقة، استند الثقل التركي إلى عدد الجنود والموقع الجغرافي والقواعد العسكرية؛ أما الآن فتسعى تركيا إلى إدخال قيمة الصادرات الدفاعية والقدرة على الإنتاج السريع والتكنولوجيا المحلية في حساب مكانتها السياسية داخل الحلف.
- الاندماج في خمسة مجالات استراتيجية
أعلنت رئاسة الصناعات الدفاعية التركية توقيع اتفاقات مرتبطة بخمسة مجالات مشتركة: قدرات الضرب، والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والفضاء والاستطلاع والمراقبة، والمواد الخام الحرجة للصناعات الدفاعية، والتفوق في الأنظمة الجوية غير المأهولة.
تشارك في هذه المشروعات شركات ومؤسسات تركية، من بينها أسيلسان وروكيتسان وSTM ومجلس البحوث العلمية والتكنولوجية التركي «توبيتاك». وقد وصف رئيس رئاسة الصناعات الدفاعية هذه البرامج بأنها مرشحة للمساهمة في تشكيل بنية الردع الأطلسية خلال السنوات المقبلة.
من الناحية التحليلية، يمثل دخول المؤسسات التركية إلى برامج متعددة الجنسيات مكسبًا أكبر من مجرد عقد تصدير منفرد؛ لأنه يتيح لها المشاركة في تصميم المعايير وتبادل الخبرة والدخول إلى سلاسل الإمداد طويلة الأمد. لكن حجم المكسب سيعتمد على حصة الشركات التركية الفعلية، ومستوى نقل التكنولوجيا، ومدى تحول الاتفاقات الأولية إلى عقود إنتاج ملزمة.
- القبة الفولاذية والإنفاق الدفاعي
أعلن أردوغان تخصيص ميزانية إضافية بنحو 24 مليار دولار لمشروع «القبة الفولاذية» للدفاع الجوي، وربط المشروع بتعزيز منظومة الدفاع الجوي والصاروخي للحلف. كما قال إن تركيا تستهدف بلوغ نسبة الإنفاق الدفاعي والأمني البالغة 5% بحلول عام 2030، أي قبل الموعد الأطلسي المحدد في عام 2035.
يتكون مشروع القبة الفولاذية من شبكة متعددة الطبقات من الرادارات والصواريخ والمستشعرات ومراكز القيادة والسيطرة، ويهدف إلى ربط الأنظمة التركية المحلية ضمن بنية واحدة. لكنه مشروع طويل الأمد لم يكتمل نشر تفاصيل عنه بعد، ولذلك ينبغي التمييز بين قدراته المخططة وما أصبح جاهزًا للاستخدام العملياتي.
يمنح المشروع تركيا فرصة لتقديم دفاعها الجوي المحلي بوصفه جزءًا من أمن الناتو الجنوبي، خصوصًا بعد التهديدات الصاروخية والمسيّرة المرتبطة بإيران وسوريا ولبنان. وفي المقابل، ستظل مسألة التوافق التقني وتبادل البيانات مع الأنظمة الأطلسية عاملًا أساسيًا في تحديد مستوى إدماجه في دفاعات الناتو.
- زيادة المساهمات العملياتية
أعلنت تركيا أن طائرات «إف-16» تابعة لسلاحها الجوي ستنتشر في إستونيا ابتداء من أغسطس/آب 2026 في إطار مهمة الشرطة الجوية للناتو. كما أكدت استمرارها في قيادة قوة الناتو في كوسوفو حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2026، واستعدادها لقيادة قوة الرد التابعة للحلف خلال عامي 2028 و2029.
تخدم هذه المساهمات هدفًا سياسيًا واضحًا، هو إثبات أن تركيا لا تركز على الجناح الجنوبي وحده ولا تستخدم عضويتها للحصول على مكاسب فقط، بل تشارك أيضًا في ردع روسيا وحماية المجال الجوي لدول البلطيق واستقرار البلقان. وهذا يعزز حجتها بأن استبعادها من برامج الأمن الأوروبي يتناقض مع مساهمتها الفعلية في الدفاع عن القارة.
- الشراكة الأمنية والدفاعية مع بريطانيا
وقعت تركيا والمملكة المتحدة على هامش القمة شراكة جديدة في مجالي الأمن والدفاع، ووصفتها الحكومة البريطانية بأنها محطة مهمة في العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. وتكتسب الشراكة أهمية في ظل اهتمام الطرفين بالصناعات الجوية والبحرية، وتعاون أنقرة ولندن في ملف مقاتلات «يوروفايتر» والتكنولوجيا الدفاعية.
تعكس هذه الخطوة اتجاه تركيا إلى تنويع شراكاتها داخل الناتو وعدم حصرها في الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. كما يمكن لبريطانيا، بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، أن تصبح شريكًا مناسبًا لتركيا في بناء شبكة دفاع أوروبية أوسع من مؤسسات الاتحاد، وهو ما ينسجم مع مفهوم الركيزة الأوروبية داخل الناتو.
رابعًا: ملف العقوبات الأمريكية ومقاتلات «إف-35»
- خلفية الأزمة
أخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف-35» وفرضت عليها عقوبات بموجب قانون «CAATSA» بعد شرائها منظومة «إس-400» الروسية. وتقول واشنطن إن تشغيل المنظومة الروسية إلى جانب المقاتلات الأمريكية قد يعرض بيانات «إف-35» الحساسة للخطر، بينما تصف أنقرة إخراجها من البرنامج بأنه قرار غير عادل، ولا سيما أنها كانت شريكًا ومساهمًا ماليًا وصناعيًا فيه.
أقر الكونغرس الأمريكي في أواخر عام 2019 قيودًا قانونية تمنع نقل مقاتلات «إف-35» إلى تركيا ما دامت تحتفظ بمنظومة «إس-400» أو تشغلها. ولهذا لا يستطيع إعلان رئاسي وحده إتمام الصفقة من دون معالجة الوضع القانوني للمنظومة الروسية والحصول على دعم أو قبول من الكونغرس.
- تصريحات ترامب في أنقرة
قال ترامب خلال لقائه أردوغان في أنقرة إن إدارته ستعمل على رفع العقوبات المفروضة على تركيا، وإنه سيتخذ قرارًا بشأن بيع مقاتلات «إف-35». وقد مثّل ذلك أوضح إشارة أمريكية منذ سنوات إلى احتمال تغيير السياسة المتعلقة بتركيا، لكنه لم يتضمن جدولًا زمنيًا أو صيغة قانونية نهائية.
صرّح أردوغان بعد القمة بأن ترامب أبدى موقفًا إيجابيًا من ملف «إف-35»، وأعرب عن أمله في تسليم الطائرات إلى تركيا. كما قال إن العقوبات لم تعد تطبق عمليًا بصورة واسعة، إلا أن تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان اللاحقة أكدت أن المفاوضات ما تزال مستمرة للوصول إلى نتيجة، وأن الجانب الروسي يجب إشراكه في الأمر باعتباره الجهة التي باعت الصواريخ لأنقرة، بما يدل على أن الرفع القانوني الرسمي لم يكتمل بعد.
وعليه، يجب التمييز بين ثلاثة مستويات: وجود إرادة سياسية معلنة لدى ترامب، ومفاوضات تنفيذية بين المسؤولين، وتغيير قانوني نهائي يسمح بعودة تركيا إلى البرنامج. وقد تحقق المستوى الأول، وبدأ الحديث عن الثاني، بينما لم يتحقق الثالث بصورة مؤكدة حتى 11 يوليو/تموز 2026.
- مصير منظومة «إس-400»
نشرت وسائل إعلام تركية تقارير عن احتمال نقل منظومة «إس-400» إلى دولة خليجية (قيل أنها دولة الإمارات) بهدف تسهيل تسوية ملف العقوبات و«إف-35». وأكد الكرملين وجود اتصالات مع أنقرة بشأن مصير المنظومة، واصفًا الموضوع بأنه شديد الحساسية، لكنه لم يعلن وجود اتفاق نهائي على نقلها أو بيعها.
لذلك لا يمكن التعامل مع سيناريو نقل المنظومة بوصفه قرارًا تركيًا مؤكدًا، كما أن أي نقل محتمل سيحتاج إلى موافقة أو تفاهم مع روسيا، وإلى قبول أمريكي بأن الترتيب الجديد يزيل المخاطر التقنية والقانونية، فضلًا عن ترتيبات مع الدولة التي قد تستقبل النظام.
- موقف الكونغرس وإسرائيل
من المرجح أن تواجه أي صفقة «إف-35» لتركيا مقاومة داخل الكونغرس، إذ يرى عدد من المشرعين أن امتلاك أنقرة منظومة روسية وعلاقات متوترة مع إسرائيل واليونان يجعل إعادة الطائرات إليها مخاطرة أمنية. وقد أشار ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية إلى وجود عقبات قانونية وتشريعية لم تحسم بعد.
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معارضته بيع تركيا المقاتلات، معتبرًا أن ذلك سيغير توازن القوة في الشرق الأوسط. وأفادت رويترز بأن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ألغى اجتماعًا كان سيبحث الملف مع نتنياهو، في مؤشر إلى حساسية القضية داخل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
يظهر الاعتراض الإسرائيلي أن ملف «إف-35» ليس مسألة تركية أمريكية ثنائية فقط، بل جزء من التوازن العسكري في شرق المتوسط والشرق الأوسط، ومن سياسة واشنطن المتعلقة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي. ومن ثم قد تتحول الصفقة إلى اختبار لمدى استعداد ترامب لتقديم العلاقة مع أردوغان على اعتراضات إسرائيل وبعض أعضاء الكونغرس.
- محركات «إف-110» ومشروع «قآن»
تحركت الإدارة الأمريكية قبيل القمة للمضي في صفقة تتجاوز قيمتها 700 مليون دولار لبيع محركات «F110» لتركيا، وهي محركات ضرورية للمراحل الأولى من إنتاج المقاتلة التركية «قآن» قبل تطوير محرك محلي. وشكلت الصفقة مؤشرًا عمليًا إلى تحسن التعاون الدفاعي، من دون أن تعني حل أزمة «إف-35».
قال أردوغان إنه ناقش شراء المحركات مع ترامب، وإن الأخير أبدى موقفًا إيجابيًا. وتفيد هذه الخطوة بأن واشنطن قد تتجه إلى فك الارتباط بين بعض ملفات التعاون الصناعي وبين النزاع الأكبر بشأن «إس-400»، بما يسمح بتوسيع العلاقة تدريجيًا حتى لو تأخرت العودة الكاملة إلى «إف-35».
خامسًا: كيف قرأت الصحافة الدولية القمة؟
- رويترز: نجاح في منع الانفجار لا في حل أزمة الحلف
خلص تحليل رويترز إلى أن الناتو تجاوز عاصفة جديدة مرتبطة بتقلبات ترامب، لكن الأوروبيين يستعدون لمزيد من الاضطراب. فقد بدأت القمة بتهديدات وانتقادات أمريكية، ثم انتهت بتأكيد الالتزام بالمادة الخامسة والإشادة بالوحدة، ما جعل مجرد عدم تدهور الوضع يُقدّم بوصفه تقدمًا.
أشار التحليل إلى استمرار تفوق الولايات المتحدة داخل الحلف؛ إذ تمثل نحو نصف اقتصاده، وتوازي قوتها العسكرية تقريبًا قوة بقية الأعضاء مجتمعين. ولذلك، حتى الدول التي تريد تقليل اعتمادها على واشنطن لا ترى إمكانية الاستغناء السريع عنها، بل تسعى إلى إدارة انتقال تدريجي يرفع قدرات أوروبا من دون تفكيك الناتو.
- فايننشال تايمز: تركيا بين أكبر المستفيدين
رأت «فايننشال تايمز» أن تركيا كانت من أكبر المستفيدين سياسيًا من القمة، بعدما أعاد ترامب فتح ملف العقوبات ومقاتلات «إف-35»، فيما تمكن أردوغان من تقديم بلاده بوصفها شريكًا أمنيًا وصناعيًا مركزيًا. لكنها اعتبرت أن القمة بقيت تحت تأثير تقلبات الرئيس الأمريكي وتصريحاته تجاه إيران وإسبانيا وجرينلاند.
تعكس هذه القراءة مفارقة أساسية: كلما زادت الشكوك الأوروبية في واشنطن، ازدادت حاجة أوروبا إلى قوى عسكرية كبيرة مثل تركيا؛ لكن التقارب الشخصي والسياسي بين أردوغان وترامب قد يثير في الوقت نفسه حذر بعض الأوروبيين الذين يخشون استخدام أنقرة علاقتها بواشنطن لممارسة ضغوط عليهم.
- أسوشيتد برس: القمة بين الوحدة والاعتماد على أمريكا
ركزت وكالة أسوشيتد برس على التناقض بين إعلان الوحدة الأطلسية وتراجع الدور الأمريكي التقليدي في حماية أوروبا. كما رصدت انتقال مطالب ترامب من تقاسم الأعباء المالية إلى المطالبة بولاء سياسي وعسكري أوسع للولايات المتحدة، ولا سيما في الملفات الإقليمية مثل إيران.
وبعد القمة، اعتبرت الوكالة أن ترامب غادر أنقرة متحدثًا عن المحبة والوحدة، رغم البداية الصعبة. كما رصدت مكاسب أوكرانيا والإشارات الإيجابية لتركيا، لكنها أشارت إلى استمرار الغموض بشأن مستقبل الوجود الأمريكي وبعض القمم المقبلة.
- وول ستريت جورنال: سقف نجاح منخفض
وصفت «وول ستريت جورنال» القمة بأنها مثال على انخفاض سقف توقعات الحلفاء؛ إذ أصبح تجنب صدام علني مع ترامب نجاحًا بحد ذاته. كما ربطت بين العلاقة الشخصية بين ترامب وأردوغان وتراجع حدة الانتقادات الغربية الموجهة إلى الرئيس التركي.
وفي ملف «إف-35»، أبرزت الصحيفة احتمال حدوث مواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس، لأن انفتاح ترامب لا يلغي المخاوف التشريعية من «إس-400» ولا الاعتراضات المتعلقة بإسرائيل واليونان.
- الجارديان: بقاء الحلف رغم تقلب القيادة الأمريكية
رأت «الجارديان» أن الناتو نجا مرة أخرى من أثر السياسة المتقلبة لترامب، لكن القمة كشفت هشاشة الثقة بقيادة الولايات المتحدة. كما ركزت على نقص المخزونات الأمريكية وتأخر تسليم الصواريخ والذخائر، وهو ما يدفع أوروبا إلى البحث عن إنتاج محلي أكبر وقدرات مستقلة نسبيًا.
تدعم هذه القراءة فرضية أن الصناعة التركية قد تستفيد من فجوة الإنتاج الغربية؛ فالدول الأوروبية لا تحتاج إلى زيادة الميزانيات فقط، بل إلى موردين قادرين على إنتاج الذخائر والمسيّرات والسفن والأنظمة الإلكترونية خلال مدد أقصر.
سادسًا: اتجاهات التغطية العربية
- القمة بوصفها صعودًا تركيًا
ركزت تحليلات عربية، على أن انعقاد القمة في أنقرة وحضور ترامب يعكسان اعترافًا متزايدًا بالموقع الاستراتيجي التركي. وقدمت بعض المقالات تركيا باعتبارها حليفًا لا يستطيع الناتو تجاوزه، وشريكًا قادرًا على التأثير في توازنات الشرق الأوسط والبحر الأسود.
ذهبت بعض القراءات إلى القول إن تركيا انتقلت من دولة حدودية تحمي الجناح الجنوبي إلى دولة «تنتج الأمن» وتشارك في إدارة الأزمات ضمن نطاق يمتد من البحر الأسود والقوقاز إلى الخليج والقرن الأفريقي والبلقان. وتمثل هذه الصياغة قراءة مؤيدة للصعود التركي، ومتمنية لحدوثه، أكثر منها وصفًا رسميًا متفقًا عليه داخل الناتو.
- القمة بوصفها اختبارًا لتماسك الحلف
كما ركزت بعض التغطيات على التوترات العابرة للأطلسي، وخلافات الإنفاق وإيران وغرينلاند، أكثر من تركيزها على المكاسب التركية. وقدمت القمة بوصفها اختبارًا لقدرة الأوروبيين على إرضاء ترامب مع المحافظة على مصالحهم ومواقفهم المستقلة.
تعكس التغطية العربية بذلك اتجاهين: اتجاه يرى القمة لحظة صعود استراتيجي لأنقرة، واتجاه يرى أن الأهمية التركية لا يمكن فصلها عن أزمة أوسع تتعلق بضعف الثقة داخل الناتو. والجمع بين الاتجاهين أقرب إلى الواقع؛ إذ استفادت تركيا من القمة، لكن استفادتها جاءت داخل حلف يمر بعملية إعادة توزيع للقيادة والأعباء.
- الصناعة الدفاعية التركية
حظيت شركة أسيلسان والمنظومات التركية المضادة للمسيّرات باهتمام عربي، مع التركيز على استعداد تركيا للتصدير ونقل التكنولوجيا إلى دول الناتو والخليج. كما ربطت التغطيات بين القمة والنمو المتسارع لصادرات الدفاع التركية وقدرتها على الدخول إلى برامج أطلسية واسعة.
ومع أن هذه التغطية تسلط الضوء على فرص حقيقية، فإن الحكم على تحول تركيا إلى مركز تصنيع أطلسي يحتاج إلى متابعة العقود الفعلية وحجم الإنتاج ونسب المكونات التركية في البرامج المشتركة، لا الاكتفاء بالإعلانات السياسية والعروض المقدمة خلال المنتدى الصناعي.
سابعًا: اتجاهات الصحافة والمراكز التركية
- الخطاب الرسمي
قدمت الرئاسة التركية القمة باعتبارها تأسيسًا لمرحلة جديدة يصبح فيها الأوروبيون أكثر تحملًا للمسؤولية، بينما تكتسب تركيا دورًا أكبر بفضل جيشها وصناعتها وموقعها. وأكد أردوغان أن مشاركة جميع الحلفاء على مستوى القادة تعكس الثقة بتركيا ومكانتها الدبلوماسية.
رأت صحيفة «يني شفق» وكتّاب مقربون من الحكومة أن القمة أكدت «الثقل الاستراتيجي» التركي في تحول الناتو، وأن أنقرة لم تعد مجرد دولة جناح، بل طرفًا يسهم في تشكيل رؤية الحلف تجاه أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود.
كما خلص تحليل لوكالة الأناضول إلى أن القمة فتحت احتمال صفحة جديدة في علاقات تركيا مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خصوصًا في مجالات العقوبات و«إف-35» و«SAFE» والصناعة الدفاعية، لكنه أقر بأن الكونغرس و«إس-400» وقبرص والخلافات السياسية تبقى عقبات رئيسية.
- التغطية التركية المستقلة والنقدية
ركزت منصة «بيانت» على أن الصحافة العالمية قرأت القمة من خلال دور ترامب، واحتمال بيع «إف-35» لتركيا، وقلق أوروبا بشأن المظلة الأمريكية. كما ربطت القمة بالقيود المفروضة على التظاهر والتجمع والاعتراض السياسي في أنقرة.
قدمت صحيفة «سول» اليسارية قراءة معارضة تعتبر أن القمة تدفع تركيا إلى أدوار عسكرية جديدة ضد روسيا وإيران وربما الصين، وأن الحكومة تسعى إلى استخدام الحدث للحصول على شرعية دولية ومكاسب دفاعية. وهذه قراءة أيديولوجية شديدة النقد للناتو وللسياسة التركية، لكنها مهمة لإظهار وجود اعتراض داخلي على توسيع الالتزامات الأطلسية.
يعكس التباين بين المنابر التركية صراعًا حول معنى الدور الأطلسي نفسه: فالحكومة تراه مضاعفًا للقوة والاستقلال، بينما ترى المعارضة اليسارية أن زيادة الاندماج قد تقيد القرار الوطني وتدفع البلاد إلى صراعات لا تخدم مصالح المجتمع والاقتصاد التركي.
ثامنًا: رؤية مراكز الأبحاث الدولية للدور التركي
- مؤسسة كارنيغي
رأت كارنيغي أن المزاج السلبي الذي حكم علاقة تركيا بعدد من حلفائها بدأ يتراجع نتيجة تعديلات في السياسات التركية وتجدد التقدير المتبادل بينها وبين الولايات المتحدة ودول غربية. كما اعتبرت أن أنقرة تسعى إلى تعزيز مكانتها بوصفها طرفًا محوريًا في تشكيل الأمن الأوروبي ومحيطها الإقليمي.
لكن كارنيغي أشارت إلى معضلة محتملة: فكلما تحسنت علاقة تركيا بواشنطن، ازداد احتمال قلق الأوروبيين من استخدام أنقرة هذه العلاقة في مواجهة أوروبا. وفي المقابل، قد تفضل إدارة ترامب موقفًا تركيًا أقل خضوعًا للتوجهات الأوروبية، ما يفرض على أنقرة إدارة توازن دقيق بين علاقتها بالولايات المتحدة وطموحها للمشاركة في الركيزة الدفاعية الأوروبية.
- المجلس الأطلسي
وصف المجلس الأطلسي تركيا بأنها الدولة الأطلسية الأوروبية الكبرى الوحيدة التي تملك صناعة دفاعية متقدمة، لكنها لا تزال خارج بعض آليات التمويل والمشتريات التابعة للاتحاد الأوروبي. ورأى أن عدم الاستقرار على الجناح الجنوبي يجعل من الضروري التعامل مع المنطقة بوصفها أولوية استراتيجية لا ملفًا ثانويًا.
كما اقترح توسيع الحوار مع شركاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتعزيز الدفاع الجوي ومواجهة المسيّرات في الجنوب، وتطوير الأمن البحري في المتوسط والممرات الحساسة، وتوسيع مهمات التدريب ومكافحة الإرهاب. تجدر الإشارة إلى أن بعض هذه البنود توصيات بحثية وليست قرارات أقرتها قمة أنقرة.
- مركز السياسة الأوروبية
دعا مركز السياسة الأوروبية إلى استغلال القمة لإعادة ضبط العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي عبر شراكة استراتيجية في الأمن والدفاع، معتبرًا أن الحرب الروسية وتراجع الدور الأمريكي وصعود الصين تدفع بروكسل وأنقرة إلى التعاون.
تبنَّى المركز مقاربة براغماتية مثيرة للجدل، مفادها أن أهمية تركيا العسكرية والجغرافية والصناعية تفرض على أوروبا تقديم حوافز للتعاون معها، رغم الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان والحكم الداخلي. كما حذر من أن استمرار العرقلة المتبادلة بين تركيا وقبرص واليونان يضعف التعاون بين الناتو والاتحاد الأوروبي.
- المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
تؤكد دراسات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن تركيا تستطيع أداء دور محوري في البحر الأسود بسبب سيطرتها على المضائق وعلاقاتها المتوازية مع روسيا وأوكرانيا، لكنها تواجه صعوبة في الجمع بين دعم خطط الناتو والحفاظ على التعاون الاقتصادي والسياسي مع موسكو.
وتشير هذه القراءة إلى أن قيمة تركيا لا تأتي من اصطفافها الكامل مع الغرب، بل من قدرتها على الجمع بين الردع والحوار. إلا أن هذه السياسة قد تفقد فعاليتها إذا تصاعدت المواجهة الروسية الأطلسية إلى مستوى لا يسمح بالمساحات الرمادية.
تاسعًا: الدور التركي القادم داخل الناتو
- ركيزة صناعية وتسليحية
الدور الأكثر ترجيحًا هو تحول تركيا إلى أحد مراكز الإنتاج الدفاعي داخل الحلف، خصوصًا في مجالات المسيّرات والذخائر والصواريخ والرادارات والحرب الإلكترونية والسفن المدرعة وغير المأهولة. وتزداد هذه الفرصة مع عجز المصانع الأمريكية والأوروبية عن تلبية جميع الطلبات بالسرعة المطلوبة.
لن يكون هذا التحول تلقائيًا؛ إذ يحتاج إلى رفع القيود على المكونات والتكنولوجيا، ودخول الشركات التركية في المشتريات المشتركة، واعتماد معايير تشغيل متوافقة مع أنظمة الناتو، وضمان عدم تعرض البرامج المشتركة لأزمات سياسية متكررة.
إذا تحققت هذه الشروط، ستنتقل تركيا من موقع المشتري والمورد المنفرد إلى موقع الشريك الذي يشارك في تصميم القدرات والمعايير وسلاسل التوريد. وسيمنحها ذلك نفوذًا داخل الحلف أكبر من النفوذ المستند فقط إلى حجم الجيش أو الموقع الجغرافي.
- قائد عملي للجناح الجنوبي
تركيا هي الدولة الأكثر تعرضًا بصورة مباشرة لتداعيات ما يحدث في سوريا والعراق وإيران وشرق المتوسط والقوقاز، ولذلك ستسعى إلى جعل الناتو أكثر اهتمامًا بالصواريخ والمسيّرات والإرهاب والهجرة وأمن الطاقة والممرات البحرية في الجنوب.
يوفر اجتماع وزراء خارجية الناتو مع دول مبادرة إسطنبول للتعاون، ولقاءات هاكان فيدان مع مسؤولين خليجيين وأوروبيين وأمريكيين، أساسًا لتوسيع دور أنقرة كحلقة وصل بين الحلف والخليج. لكن تركيا ستفضل غالبًا شراكات دفاعية مرنة وتدريبًا وتبادل معلومات، بدل تحويل الناتو إلى طرف عسكري مباشر في جميع أزمات المنطقة.
- ضابط توازن في البحر الأسود
ستواصل تركيا دعم سيادة أوكرانيا والمشاركة في خطط الردع الأطلسية، مع الإستمرار في تطبيق اتفاقية مونترو وتقييد حركة السفن الحربية في المضائق التركية بما يمنع التصعيد المباشر مع روسيا. ويمثل هذا التوازن مصدر نفوذ، لأن كلًا من الناتو وروسيا وأوكرانيا يحتاج إلى التعاون التركي في قضايا الملاحة والأمن البحري والتفاوض.
لكن اتساع القواعد والبنى العسكرية الأطلسية في البحر الأسود، أو تعرض تركيا لهجمات روسية أو ضغوط غربية حادة، قد يجعل المحافظة على التوازن أصعب. ولذلك سيكون البحر الأسود أحد الاختبارات الأساسية لمدى قابلية «الاستقلالية الاستراتيجية» التركية للاستمرار.
- شريك في بناء الركيزة الأوروبية للناتو
تحتاج أوروبا إلى تركيا بسبب حجم جيشها وصناعتها وموقعها، بينما تحتاج تركيا إلى التمويل والتكنولوجيا والأسواق الأوروبية. ويخلق هذا الاعتماد المتبادل أساسًا لشراكة أمنية حتى في ظل تجمد مفاوضات العضوية في الاتحاد الأوروبي.
مع ذلك، لا ترغب أنقرة في الاندماج في بنية أوروبية تعاملها كشريك من الدرجة الثانية أو تخضعها لاعتراضات قبرص واليونان. لذلك ستسعى إلى صيغة تمنح الدول الأطلسية غير الأعضاء في الاتحاد حقًا أوسع في التمويل والمشتريات واتخاذ القرار.
- حليف تفاوضي لا تابع استراتيجي
من المستبعد أن تتحول تركيا إلى دولة تنفذ السياسة الأطلسية بصورة تلقائية؛ فنهجها يقوم على ربط المشاركة في العمليات والتحالفات بحسابات المصلحة الوطنية، والحفاظ على علاقات مع روسيا والخليج وآسيا وأفريقيا.
سيجعل ذلك تركيا حليفًا مطلوبًا لكنه صعب التوقع والضبط. فهي قد تدعم أوكرانيا عسكريًا وتواصل التجارة مع روسيا، وتشارك في الناتو وتنتقد سياسات بعض أعضائه، وتتعاون مع أوروبا دفاعيًا من دون التخلي عن مطالبها في شرق المتوسط وقبرص.
- زيادة الأدوار القيادية والعملياتية
تشير قيادة قوة كوسوفو، والمشاركة في الشرطة الجوية في إستونيا، والقيادة المقررة لقوة الرد في 2028-2029، إلى أن تركيا ستسعى إلى الجمع بين التصنيع والقيادة العملياتية. وبذلك تحاول إثبات أنها لا توفر المعدات فقط، بل تستطيع إدارة تشكيلات متعددة الجنسيات والمشاركة في الردع على الجناحين الشرقي والجنوبي.
عاشرًا: الدور التركي القادم في الإقليم
- سوريا والعراق
تمنح الجغرافيا والوجود العسكري والعلاقات مع الحكومة السورية الجديدة تركيا دورًا أساسيًا في أي ترتيبات أمنية تخص سوريا. وقد شهدت الفترة المحيطة بالقمة اتصالات تركية مع المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا والعراق توم باراك، كما شهد هامش القمة اجتماعاً بين الرئيس السوري أحمد الشرع والأمريكي دونالد ترامب في العاصمة التركية، كانت من أبرز نتائجه إعلان ترامب المضي في إزالة سوريا من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، التي أدرجت عليها منذ عام 1979. وأبلغت الإدارة الأمريكية الكونغرس رسميًا بقرار إلغاء التصنيف، على أن يخضع الإجراء لمراجعة قانونية مدتها 45 يومًا قبل دخوله حيز التنفيذ النهائي.
ويتجاوز لقاء أنقرة ملف رفع التصنيف الأمريكي؛ إذ يعكس تحول سوريا من دولة معزولة وخاضعة للعقوبات إلى شريك يجري إدماجه تدريجيًا في الترتيبات السياسية والأمنية الإقليمية. كما أن انعقاد اللقاء على هامش قمة الناتو في تركيا يمنح أنقرة موقعًا مركزيًا في إدارة التقارب بين دمشق وواشنطن، ويعزز الدور التركي بوصفه وسيطًا وضامنًا في مسار إعادة تأهيل سوريا دوليًا.
وفي هذا السياق ستركز تركيا من خلال موقعها على أمن الحدود، ومكافحة التنظيمات المسلحة، ومستقبل القوى الكردية، وبناء المؤسسات الأمنية السورية. لكن تحويل هذه الملفات إلى مهمة رسمية للناتو لم يُقرر في قمة أنقرة؛ إذ إن فكرة قيام الحلف بتدريب القوات السورية وردت في توصيات للمجلس الأطلسي، لا في إعلان القمة.
في العراق، يمكن أن يتوسع الدور التركي عبر التدريب ومكافحة الإرهاب وتأمين طرق التجارة والطاقة، مستفيدًا من وجود مهمة الناتو التدريبية في البلاد. لكن الخلافات المتعلقة بحزب العمال الكردستاني والوجود العسكري التركي والعلاقات مع بغداد وأربيل ستظل تؤثر في حدود هذا الدور.
- الخليج وإيران
من المرجح أن تزداد الشراكات التركية الخليجية في الدفاع الجوي والصواريخ والمسيّرات والأمن البحري، خصوصًا مع رغبة دول الخليج في تنويع مصادر التسليح وعدم الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. وتملك الشركات التركية ميزة تتعلق بالأسعار والمرونة والاستعداد للإنتاج المشترك ونقل بعض التكنولوجيا.
في المقابل، ستحاول أنقرة المحافظة على قنوات مع إيران وتجنب الانخراط في سياسة تغيير النظام أو حرب شاملة. ولذلك قد تقدم نفسها وسيطًا ومساهمًا في أمن الملاحة، مع المشاركة في الدفاع عن الأراضي التركية والخليجية ضد الصواريخ والمسيّرات.
- شرق المتوسط
يزيد صعود تركيا داخل الناتو قدرتها على الاعتراض على أي ترتيبات دفاعية أوروبية أو أطلسية في شرق المتوسط تتجاهل مصالحها. كما يمنحها مجالًا للربط بين تعاونها الدفاعي مع أوروبا ومطالبها المتعلقة بقبرص واليونان والحدود البحرية ورفع القيود عن صناعاتها.
لكن ملف «إف-35» قد يعيد تنشيط سباق التسلح في المنطقة، خصوصًا مع اعتراض إسرائيل واليونان واحتمال سعيهما إلى تعزيز تعاونهما الدفاعي. ولهذا قد تصبح المقاتلات والتفوق الجوي عنصرًا إضافيًا في التنافس التركي الإسرائيلي اليوناني، ما دفع تركيا لمحاولة التخلص من صوراريخ ال إس – 400 لكي يمكن تجاوز هذه العقبة.
- القوقاز وآسيا الوسطى
تستطيع تركيا استخدام مكانتها الأطلسية وشبكاتها مع أذربيجان ودول آسيا الوسطى لتعزيز دورها في ممرات الطاقة والنقل والتجارة بين أوروبا وآسيا. كما يمنحها موقعها فرصة للمساهمة في الاستقرار بين أرمينيا وأذربيجان وتوسيع الربط عبر جنوب القوقاز.
وبينما تخشى دول أوروبية من استفزاز روسيا، تفضل أنقرة إدارة معظم هذه الملفات عبر علاقات ثنائية ومنظمة الدول التركية وتفاهمات إقليمية. ومن ثم سيظل الدور في القوقاز تركيًا في المقام الأول، مع الاستفادة من عضوية الناتو سياسيًا وردعيًا.
حادي عشر: القيود والتحديات أمام الصعود التركي
- عدم حسم «إس-400» و«إف-35»
يبقى ملف المنظومة الروسية أكبر عقبة أمام التحول السياسي الذي بدأ في أنقرة. فإذا لم تتوصل تركيا وروسيا والولايات المتحدة إلى صيغة مقبولة، قد تبقى تصريحات ترامب غير قابلة للتحويل إلى صفقة، وقد يعود التوتر إلى العلاقات الدفاعية.
- الكونغرس الأمريكي
حتى إذا رفع البيت الأبيض العقوبات التنفيذية، يمتلك الكونغرس أدوات لتعطيل أو تأخير صفقات السلاح. كما أن المخاوف من السياسة التركية تجاه إسرائيل وروسيا وشرق المتوسط تجمع معارضين من الحزبين، ما يعني أن أنقرة تحتاج إلى تفاهم مؤسسي أوسع من علاقتها الشخصية مع ترامب.
- قبرص واليونان وآليات الاتحاد الأوروبي
تستطيع قبرص واليونان استخدام عضويتهما في الاتحاد الأوروبي لعرقلة مشاركة تركيا في بعض البرامج، بينما تستطيع أنقرة عرقلة جوانب من التعاون بين الناتو والاتحاد. ويجعل ذلك الدفاع الأوروبي رهينة نزاع سياسي مزمن ما لم يجر التوصل إلى صيغ مشاركة تتجاوز شرط الإجماع أو تفصل التعاون الدفاعي عن مفاوضات العضوية.
- العلاقة مع روسيا
كلما زاد اندماج تركيا في خطط الردع الأطلسية والإنتاج الدفاعي الأوروبي، ازدادت الضغوط الروسية عليها في مجالات الطاقة والسياحة وسوريا والبحر الأسود. وقد تضطر أنقرة إلى الاختيار بين التزامات أطلسية أكثر وضوحًا والمحافظة على سياسة التوازن الحالية. تزداد أهمية هذه الاعتبارات بالنظر إلى الهواجس الأوروبية الشديدة نحو روسيا، وما تعتبره مخططات لغزو روسي لها، ما يجعل احتمال المناوشات العسكرية بين الطرفين قائما ومتناميًا. في هذه الحالة ستجد تركيا نفسها في موقف حرج بين التزاماتها تجاه الناتو، وبين مصالحها المشتركة مع روسيا، وحرصها على عدم تخريب العلاقة معها.
- التنافس مع إسرائيل
أصبحت العلاقة التركية الإسرائيلية عنصرًا مباشرًا في ملف «إف-35» وفي التوازن الإقليمي. وإذا استمر التوتر بشأن غزة وسوريا ولبنان، فقد تسعى إسرائيل إلى استخدام نفوذها في واشنطن لمنع أو تقييد الصفقات الدفاعية مع تركيا. لكن بشكل عام، فإنه وبرغم أن إسرائيل ليست عضوًا في الناتو، إلا أن علاقتها الإستراتيجية بالولايات المتحدة بشكل خاص، وبالغرب بشكل عام، تفوق أهميتها العلاقات داخل حلف الناتو نفسه، ما يضع علامة استفهام كبيرة حول تعامل الحلف مع أي تعارض في المصالح بين الدور التركي من جهة، وبين العلاقة الإستراتيجية مع إسرائيل من جهة أخرى.
ويدلل على ذلك تهرب أمين عام الحلف مارك روتة من الإجابة عن سؤال في مقابلة إعلامية حول موقف الحلف إذا حدث نزاع عسكري بين تركيا وإسرائيل، هل سيتم تطبيق المادة الخامسة من نظام الحلف؟ بكل تأكيد الإجابة أوضح من أن يصرح بها روتة أو أي مسئول غربي أخر، وهو ما سيشكل على الدوام عقبة كبيرة أمام تنامي أي دور تركي حقيقي في إطار الحلف، خاصة في إطار المجال الحيوي الذي تهتم به إسرائيل.
- الفجوة بين الإعلان والتنفيذ
تضمنت قمة أنقرة عددًا كبيرًا من الإعلانات ومذكرات التفاهم وخطابات النوايا. غير أن بعض المشروعات يحتاج إلى سنوات من التفاوض والتطوير والإنتاج، ما يفرض متابعة مؤشرات التنفيذ، مثل توقيع العقود النهائية، وتخصيص الميزانيات، وبدء خطوط الإنتاج، وتسليم الأنظمة للقوات.
ثاني عشر: السيناريوهات المحتملة للدور التركي
السيناريو الأول: الاندماج الدفاعي المتسارع
يفترض هذا السيناريو الوصول إلى تسوية بشأن «إس-400»، ورفع العقوبات رسميًا، وفتح مسار لعودة تركيا إلى «إف-35»، مع إدخال الشركات التركية في برامج «SAFE» والمشتريات الأوروبية، مع ضعف الاعتراضات من إسرائيل وداعميها في الكونجرس وفي الدوائر الرسمية الغربية. وسيؤدي ذلك إلى اندماج صناعي وعسكري غير مسبوق، وتحول تركيا إلى أحد أعمدة الركيزة الأوروبية للناتو.
تظل احتمالية هذا السيناريو متوسطة إلى منخفضة في المدى القصير، بسبب الكونجرس وقبرص واليونان وإسرائيل وصعوبة حل منظومة «إس-400»، لكنه قد يتحقق تدريجيًا عبر صفقات جزئية وشراكات ثنائية قبل الوصول إلى تسوية شاملة، خاصة إذا ما برزت الحاجة الشديدة في أوروبا لدور تركي حقيقي وفعال.
السيناريو الثاني: الشراكة الانتقائية
نرى هذا السيناريو أكثر رجحانًا، ويقوم هذا السيناريو على تقدم التعاون في مجالات محددة، مثل المحركات والمسيّرات والصواريخ والسفن والدفاع الجوي والقيادة العملياتية، مع بقاء ملفات «إف-35» و«إس-400» وعضوية البرامج الأوروبية من دون حل نهائي.
في هذه الحالة، ستبقى تركيا حليفًا مركزيًا لكنه تفاوضي، تتعاون مع الناتو عندما تتقاطع المصالح، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع روسيا وعلى استقلالية سياستها في سوريا والخليج وشرق المتوسط. ويعد هذا السيناريو الأقرب إلى النمط التركي خلال السنوات الماضية وإلى النتائج الفعلية المرصودة لقمة أنقرة.
السيناريو الثالث: عودة التوتر البنيوي
قد يعود التوتر إذا فشلت تسوية العقوبات، أو توسعت الخلافات مع إسرائيل واليونان، أو تعرضت العلاقات الأمريكية الأوروبية لهزة جديدة، أو ضغطت روسيا على تركيا بشدة. وقد يؤدي ذلك إلى تجميد التعاون الصناعي وعودة الخطاب المتبادل بشأن عدم الثقة والانحراف عن التزامات الحلف.
إلا أن اعتماد الطرفين المتبادل يجعل الانفصال الكامل غير مرجح؛ فالناتو يحتاج إلى تركيا في البحر الأسود والجناح الجنوبي، وتركيا تحتاج إلى التكنولوجيا والأسواق والردع الذي توفره العضوية الأطلسية. ولذلك يرجح أن يجري احتواء الخلافات حتى في حال عودة التوتر.
الخاتمة والتقدير الاستراتيجي
رغم أن قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة لم تنه الخلافات مع الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. لكنها ثبتت تحولًا مهمًا في الطريقة التي ينظر بها الحلفاء إلى أنقرة: من دولة تعتمد قيمتها أساسًا على موقعها وعدد جنودها إلى دولة تملك صناعة دفاعية وقدرات عملياتية وشبكات إقليمية يحتاج إليها الحلف في مرحلة إعادة التسلح وتقليص الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
المكسب التركي الأهم لم يكن وعد ترامب وحده برفع العقوبات أو إعادة فتح ملف «إف-35»، بل نجاح أنقرة في ربط مطالبها الثنائية بتحول أوسع داخل الناتو. فدعوتها إلى إزالة قيود التجارة الدفاعية باتت جزءًا من إعلان القمة، وشركاتها دخلت في برامج متعددة الأطراف، ومساهماتها العسكرية شملت الجناحين الشرقي والجنوبي.
سيكون الدور التركي المقبل مزيجًا من ست وظائف: مورد صناعي، وقائد عملياتي، وحارس للجناح الجنوبي، وضابط توازن في البحر الأسود، وجسر بين الناتو ودول الخليج، وحليف يحتفظ باستقلالية تفاوضية. لكن هذا الدور سيظل عرضة للتقييد ما لم تحل أزمة «إس-400»، وتتجاوز تركيا اعتراضات الكونجرس وإسرائيل واليونان وقبرص، وتثبت قدرتها على تمويل خططها الدفاعية وتحويل الإعلانات إلى إنتاج قابل للاستمرار.
يمكن وصف النتيجة الاستراتيجية لقمة أنقرة بأنها انتقال من مرحلة التساؤل عما إذا كانت تركيا تبتعد عن الناتو، إلى مرحلة التفاوض على الشروط التي ستندمج بها في الناتو في نسخته الجديدة. فالمشكلة لم تعد في حاجة الحلف إلى تركيا، بل في طبيعة الدور الذي ستؤديه، وحجم النفوذ والتمويل والتكنولوجيا التي ستحصل عليها مقابل مساهماتها.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس عودة تركيا الكاملة إلى موقع الحليف الغربي التقليدي، ولا انفصالها عن الحلف، بل صعود نموذج «الحليف المحوري المستقل»: دولة يصعب على الناتو تجاوزها، لكنها لا تقبل أن تكون مجرد منفذ لسياسات واشنطن أو بروكسل، وتستخدم عضويتها العسكرية وصناعتها الدفاعية وموقعها الجغرافي لبناء مجال أوسع للمناورة في أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز. (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر) (انظر)
تركيا
أردوغان: تركيا مستعدة لتوسيع مساهمتها في الناتو وتسريع رفع الإنفاق الدفاعي
أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداد بلاده لتعزيز مساهمتها داخل حلف شمال الأطلسي، وتسريع رفع الإنفاق الدفاعي بما ينسجم مع الأهداف الجديدة للحلف، مؤكدًا أن تركيا ستواصل توظيف قدراتها العسكرية والصناعية لخدمة منظومة الدفاع الجماعي.
وقال أردوغان، خلال افتتاح قمة الناتو في أنقرة، إن تركيا تمتلك أكبر جيش بري في أوروبا، وتشارك بفاعلية في عمليات الحلف ومهامه وتدريباته في كوسوفو والبحر الأسود ودول البلطيق ومناطق أخرى. وأكد أن أنقرة مستعدة لوضع إمكاناتها تحت تصرف الحلف عند الحاجة.
وكشف الرئيس التركي عن خطة لاعتماد مركز التميز التركي لمكافحة الأنظمة غير المأهولة ضمن هياكل الناتو، موضحًا أن المركز سيعزز قدرات الحلف في مواجهة التهديدات الناتجة عن الطائرات المسيّرة والوسائط البحرية غير المأهولة.
وفي ملف تقاسم الأعباء، أعلن أردوغان أن تركيا اتخذت إجراءات لرفع الإنفاق الدفاعي المباشر إلى 3.5% من الناتج المحلي قبل عام 2030، أي قبل الموعد الذي حدده الحلف لعام 2035. وأشار إلى تخصيص نسبة إضافية تبلغ 1.5% للنفقات المرتبطة بالأمن والمرونة، بما يرفع إجمالي الالتزامات إلى المستوى المستهدف البالغ 5%.
كما أعلن تخصيص 24 مليار دولار إضافية لمشروع «القبة الفولاذية» للدفاع الجوي والصاروخي، بهدف معالجة إحدى أبرز فجوات القدرات داخل الناتو.
وشدد أردوغان على أن تركيا أصبحت بين أكبر عشر دول عالميًا في إنتاج وتصدير الصناعات الدفاعية، داعيًا إلى رفع القيود المفروضة بين الحلفاء على التعاون العسكري ونقل المعدات والتكنولوجيا.
وفي المقابل، حذر من أن تؤدي خطط الدفاع الأوروبية إلى تكرار هياكل الناتو أو إضعاف العلاقات عبر الأطلسي. كما أكد استعداد تركيا للمشاركة في إزالة الألغام من مضيق هرمز، ومواصلة اتصالاتها مع موسكو وكييف لدفع جهود إنهاء الحرب في أوكرانيا.
تركيا تتراجع عن الانضمام إلى بنك دفاعي جديد بمشاركة دول في الناتو وأوكرانيا
قررت تركيا عدم الانضمام، في المرحلة الحالية، إلى مبادرة تأسيس بنك متعدد الأطراف لتمويل مشروعات الدفاع والأمن والمرونة، رغم مشاركتها الأولية في إعلان النوايا الصادر خلال قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة.
وكان قد رشح من خلال مجموعة من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي حديث يدعو إلى تأسيس بنك دولي جديد لتمويل الصناعات والمشروعات الدفاعية، في محاولة لحشد رؤوس الأموال اللازمة لخطط إعادة التسلح الغربية، غير أن غياب بريطانيا وفرنسا وألمانيا يثير تساؤلات بشأن قدرة المؤسسة المرتقبة على تحقيق أهدافها المالية.
وأُعلن خلال قمة الناتو في أنقرة عن تأسيس «بنك الدفاع والأمن والقدرة على الصمود»، بمشاركة أولية من كندا وألبانيا وبلجيكا واليونان ولاتفيا ولوكسمبورغ ورومانيا وأوكرانيا، إضافة إلى تركيا التي قررت لاحقًا عدم الالتزام بالانضمام في المرحلة الحالية. ومن المقرر أن يكون المقر الرئيسي للبنك في كندا، مع إنشاء قاعدة أوروبية في لوكسمبورغ، على أن يبدأ نشاطه عام 2027.
ويعتمد المشروع على نموذج بنوك التنمية الدولية، إذ ستجمع الدول الأعضاء رأس مال مشتركًا يمكّن البنك من الحصول على تصنيف ائتماني مرتفع والاقتراض من الأسواق الدولية بتكاليف منخفضة. ثم تُستخدم هذه الأموال لتقديم قروض طويلة الأجل وضمانات للحكومات وشركات الصناعات الدفاعية، خصوصًا الشركات الصغيرة التي تواجه صعوبات في الوصول إلى التمويل التجاري.
ويطمح القائمون على المشروع إلى تعبئة نحو 117 مليار يورو، مستفيدين من دعم مصارف دولية، بينها «جي بي مورغان» و«دويتشه بنك» و«كومرتس بنك» و«آي إن جي».
لكن غياب الاقتصادات الأوروبية الكبرى قد يحد من قدرة البنك على جمع الأموال وتوسيع عملياته. كما تواجه المبادرة منافسة من «الآلية الدفاعية متعددة الأطراف» التي تقودها بريطانيا مع هولندا وفنلندا وبولندا، وتركز على الشراء والتخزين الجماعي للمعدات العسكرية.
غير أن مصادر دفاعية تركية أوضحت أن أنقرة أجرت تقييمًا مشتركًا بعد مفاوضات استضافتها مدينة مونتريال الكندية، بمشاركة ممثلين عن وزارات الدفاع والخارجية والخزانة والمالية، إلى جانب رئاسة الصناعات الدفاعية. وانتهت المشاورات إلى عدم تقديم تركيا التزامًا رسميًا بالانضمام إلى البنك في الوقت الراهن، من دون استبعاد مراجعة القرار مستقبلًا.
ومن المقرر أن يكون مقر البنك في كندا، على أن يبدأ نشاطه خلال عام 2027. ويهدف إلى حشد رؤوس الأموال العامة والخاصة لتمويل الأولويات الدفاعية، وخفض تكاليف الاقتراض، وتوسيع الطاقة الإنتاجية للصناعات العسكرية في الدول الأعضاء.
وبحسب الخطط المطروحة، سيعتمد البنك على التصنيفات الائتمانية القوية للدول المؤسسة لجمع الأموال من الأسواق الدولية بشروط ميسرة، ثم توجيهها إلى مشروعات دفاعية استراتيجية. كما يُتوقع أن يقدم ضمانات للمصارف التجارية التي تمول شركات التسليح، أو أن يتولى تمويل بعض المشروعات بصورة مباشرة.
وتشير تقديرات صحفية إلى أن البنك قد يوفر تمويلات تصل إلى 100 مليار يورو، في ظل الارتفاع المتسارع للإنفاق العسكري داخل حلف الناتو.
ويعكس الموقف التركي قدرًا من الحذر تجاه الانخراط في مؤسسة مالية دفاعية جديدة، رغم إعلان أنقرة خلال القمة استعدادها لرفع إنفاقها العسكري وتعزيز مساهماتها داخل الحلف، مستندة إلى قدراتها الوطنية المتنامية في مجال الصناعات الدفاعية.
ويعكس تعدد المبادرات المالية الدفاعية حالة من الاستعجال داخل الغرب لتوفير مصادر تمويل جديدة، مع توجه دول الناتو لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي بحلول عام 2035. وسيعتمد نجاح البنك على انضمام دول أكبر، أو تحوله إلى مؤسسة محدودة تركز على تمويل سلاسل التوريد الدفاعية.
عودة تركيا المحتملة إلى برنامج «إف-35» تعيد رسم توازنات الناتو والشرق الأوسط
أعادت قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة الجدل حول احتمال استعادة تركيا موقعها في برنامج المقاتلة الأمريكية المتطورة «إف-35»، بعد سبع سنوات من استبعادها بسبب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400».
وبحسب التحليل الوارد في الفيديو المرفق، حمل الاستقبال الحار الذي خصّ به الرئيس رجب طيب أردوغان نظيره الأمريكي دونالد ترامب إشارات إلى تحسن استثنائي في العلاقات الثنائية، وسط تكهنات بأن واشنطن قد تفتح الباب أمام عودة أنقرة إلى البرنامج. ولم يصدر إعلان نهائي، لكن تصريحات ترامب بشأن تقديم خطوة «ستسعد أردوغان» عززت هذه التوقعات.
وتثير هذه الخطوة اعتراضات داخل الكونغرس ومخاوف إسرائيلية من تأثيرها في التفوق العسكري الإسرائيلي. كما تتمحور المخاوف الأمريكية حول احتمال تمكّن منظومة «إس-400» من جمع بيانات حساسة عن البصمة الرادارية للمقاتلة، بما قد يساعد روسيا على تطوير قدراتها في اكتشاف الطائرات الشبحية.
في المقابل، يرى مؤيدو الصفقة أن إعادة تركيا إلى منظومة الصناعات الدفاعية الأمريكية ستجعلها أكثر ارتباطًا بسلاسل التوريد والبرمجيات والصيانة الغربية، وتحد من توجهها نحو روسيا أو الصين للحصول على المحركات والتكنولوجيا اللازمة لتطوير مقاتلتها المحلية «قآن».
وتحتل تركيا موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية داخل الناتو، فهي تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، وتسيطر على مضيقي البوسفور والدردنيل، وتؤدي أدوارًا متزايدة في البحر الأسود والشرق الأوسط والقوقاز. كما أثبتت صناعاتها الدفاعية، وخصوصًا الطائرات المسيّرة، قدرتها على التأثير في عدد من ساحات النزاع.
غير أن أي اتفاق محتمل سيواجه عقبة قانونية وسياسية أساسية، إذ لا تزال القيود الأمريكية المرتبطة بامتلاك أنقرة منظومة «إس-400» قائمة. ولذلك قد تربط واشنطن عودة تركيا بالتخلص الموثق من المنظومة الروسية أو تعطيلها، بما يوازن بين استعادة حليف استراتيجي وحماية أسرار التكنولوجيا العسكرية الأمريكية.
أمريكا
شهدت الولايات المتحدة خلال الأسبوع تحركات متسارعة عكست توجّه إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وتعزيز نفوذ البيت الأبيض داخل الأجهزة الفيدرالية. برز ذلك في إقالة أعضاء من لجنة المساعدة الانتخابية، وإطلاق جولة جديدة من تخفيض موظفي أجهزة الاستخبارات، وسط مخاوف من تسييس مؤسسات مستقلة وحيوية. يحدث ذلك في ظل جهود موازية للنخب الجديدة المهيمنة على المشهد من رجال التكنولوجيا والإقتصاد في مؤتمر “صن فالي”.
اقتصاديًا، حذّر الاحتياطي الفيدرالي من تصاعد التضخم بفعل الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالحرب مع إيران، إلى جانب التوسع السريع في استثمارات الذكاء الاصطناعي.
وفي السياسة الخارجية، توصلت الإدارة إلى تفاهم مع أعضاء في مجلس الشيوخ لدفع مشروع عقوبات جديدة على روسيا والدول التي تواصل شراء صادراتها من النفط والغاز.
وتكشف هذه التطورات عن إدارة تتحرك بالتوازي على جبهات الداخل والاقتصاد والعقوبات الدولية، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والمؤسسية قبيل انتخابات التجديد النصفي.
ترامب يعزل أعضاء لجنة الانتخابات في خطوة جديدة لإعادة تشكيل النظام الانتخابي الأمريكي
أقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العضوين الديمقراطيين في لجنة المساعدة الانتخابية الفيدرالية، في خطوة تعكس مساعيه المتواصلة لتعزيز نفوذ البيت الأبيض على آليات إدارة الانتخابات الأمريكية، رغم أن الدستور يمنح الولايات والكونغرس الصلاحيات الأساسية في هذا المجال.
وأكد البيت الأبيض أن ترامب قرر عزل توماس هيكس وبنجامين هوفلاند، بعد معارضتهما محاولات فرض تقديم وثائق تثبت الجنسية الأمريكية على الراغبين في التسجيل للتصويت. وتزامن القرار مع استقالة العضوة الجمهورية كريستي ماكورميك، بينما كان المفوض الجمهوري السابق دونالد بالمر قد غادر منصبه طوعًا في وقت سابق من العام، ما ترك اللجنة المؤلفة من أربعة أعضاء من دون مفوضين.
وتتولى اللجنة توزيع منح فيدرالية على الولايات، والإشراف على اختبار أنظمة التصويت واعتمادها، إلى جانب إدارة نموذج تسجيل الناخبين الوطني. ولم يتضح ما إذا كان ترامب سيُسارع إلى تعيين أعضاء جدد، أم سيترك المناصب شاغرة، وهو ما قد يعرقل توزيع منح جديدة ويؤثر في بعض مهام اللجنة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وبرر البيت الأبيض القرار بحق الرئيس في عزل مسؤولين لا ينسجمون مع مهمة تأمين الانتخابات وضمان احتساب الأصوات القانونية، مستندًا إلى حكم حديث للمحكمة العليا وسّع صلاحيات الرئيس في إقالة أعضاء الهيئات المستقلة دون إبداء أسباب.
في المقابل، اتهم ديمقراطيون في الكونغرس ترامب بتسييس العملية الانتخابية وإضعاف مؤسسة أُنشئت لحماية نزاهة الاقتراع. واعتبر السيناتور أليكس باديلا والنائب جو موريل أن إقصاء المفوضين قبل أشهر من الانتخابات يمثل محاولة لتقويض أحد الضوابط المستقلة للديمقراطية الأمريكية.
ورغم التداعيات السياسية للقرار، يرى خبراء أن الإقالة لن تُحدث تغييرًا مباشرًا في إدارة انتخابات الولايات، لكنها قد تفتح الباب أمام نزاعات قضائية جديدة حول حدود سلطة الرئيس على المؤسسات المستقلة.
القائم بأعمال مدير الاستخبارات الأمريكية يعلن جولة ثالثة من خفض الموظفين
أعلن القائم بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية، بيل بولتي، بدء جولة ثالثة من تخفيض أعداد العاملين في مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، استجابة لدعوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تقليص حجم الجهاز وإعادة هيكلة مؤسسات الاستخبارات الفيدرالية.
وقال بولتي، في بيان نشره عبر منصة «إكس»، إن أجهزة الاستخبارات الوطنية الأمريكية باتت تعمل بكفاءة وفاعلية أكبر، موضحًا أن الجولة الجديدة تستهدف الموظفين الذين تُصنف وظائفهم على أنها متكررة أو غير أساسية. ولم يكشف البيان عن عدد العاملين المشمولين بالاستغناء، أو الإدارات التي ستتأثر بهذه الإجراءات.
وتأتي الخطوة ضمن سياسة أوسع تتبعها إدارة ترامب منذ عودتها إلى البيت الأبيض، وتركز على تقليص الجهاز الحكومي، وخفض النفقات، وإعادة تشكيل عدد من الوكالات والمؤسسات الفيدرالية. وتقول الإدارة إن هذه الإجراءات ضرورية لمكافحة الهدر والاحتيال وتحسين الأداء، بينما يحذر منتقدون وخبراء سياسيون من أن التخفيضات المتسارعة قد تؤدي إلى إلغاء وظائف حيوية وإضعاف القدرات المؤسسية للحكومة.
وكان ترامب قد طالب بولتي خلال الأسابيع الماضية بخفض أعداد العاملين في مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، الذي يشرف على تنسيق عمل 18 وكالة استخباراتية أمريكية. وأُبلغ الموظفون في وقت سابق بالاستعداد لتخفيضات واسعة خلال الأشهر المقبلة.
وأثار تعيين بولتي مؤقتًا في هذا المنصب انتقادات سياسية بسبب افتقاره إلى خبرة سابقة في مجالات الأمن القومي والاستخبارات، إلى جانب علاقته الوثيقة بترامب. كما أعرب بعض الجمهوريين عن مخاوف من احتمال استخدام المؤسسات الاستخباراتية لاستهداف خصوم الرئيس السياسيين.
ومن المقرر أن تعقد لجنة مختصة في مجلس الشيوخ، في 15 يوليو، جلسة استماع لتثبيت جاي كلايتون، مرشح ترامب لتولي منصب مدير الاستخبارات الوطنية خلفًا لتولسي غابارد، التي غادرت منصبها في 19 يونيو الماضي.
الاحتياطي الفيدرالي يحذر من تصاعد التضخم بفعل الرسوم الجمركية وحرب إيران واستثمارات الذكاء الاصطناعي
حذر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من تصاعد الضغوط التضخمية خلال ربيع 2026، نتيجة تداخل تأثيرات الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالحرب مع إيران، إلى جانب الطفرة الكبيرة في الاستثمارات الموجهة إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وأوضح المجلس، في تقريره الدوري حول السياسة النقدية المقدم إلى الكونغرس، أن التضخم ارتفع خلال العام الجاري وظل أعلى بكثير من الهدف المحدد عند 2%. وأشار إلى أن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى بنك الإحتياطي الفيدرالي، سجل في مايو مستوى يعادل نحو ضعف المعدل المستهدف.
وفي المقابل، أظهر التقرير استمرار استقرار سوق العمل، مع بقاء معدل البطالة عند مستوى منخفض بلغ 4.2% في يونيو، بالتزامن مع ثبات الوظائف الشاغرة وتراجع عمليات التسريح. غير أن نمو القوى العاملة تباطأ نتيجة الانخفاض الحاد في الهجرة وتراجع المشاركة في سوق العمل بسبب شيخوخة السكان.
وسجل الاقتصاد الأمريكي نموًا سنويًا بلغ 2.1% خلال الأشهر الأولى من العام، مدفوعًا بالاستثمارات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما حد ركود سوق الإسكان وضعف نمو استهلاك الأسر من وتيرة التوسع الاقتصادي.
ولفت التقرير إلى أن بناء مراكز البيانات وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي أسهما مؤقتًا في رفع الطلب على الكهرباء والرقائق المتخصصة والمواد الصناعية، ما أدى إلى زيادة ضغوط الأسعار، رغم التوقعات بأن تسهم هذه التكنولوجيا لاحقًا في تعزيز الإنتاجية وخفض التكاليف.
ويأتي التقرير قبل مثول رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، كيفن وورش، أمام لجنتي مجلسي النواب والشيوخ الأسبوع المقبل. وكان البنك المركزي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير منذ ديسمبر، إلا أن استمرار التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة دفعا المستثمرين إلى ترجيح احتمال رفع الفائدة في وقت لاحق من العام.
كما أعاد التقرير تسليط الضوء على نمو المعروض النقدي، مشيرًا إلى أن الزيادة الكبيرة في السيولة التي حدثت خلال جائحة كورونا تراجعت إلى حد كبير، وهو ما قد يحد من الضغوط التضخمية مستقبلًا.
اتفاق بين مجلس الشيوخ وإدارة ترامب لدفع مشروع عقوبات جديدة على روسيا
أعلن أربعة أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي التوصل إلى اتفاق مع إدارة الرئيس دونالد ترامب للمضي قدمًا في مشروع قانون محدّث يفرض عقوبات إضافية على روسيا والدول المتعاملة معها، في خطوة تهدف إلى زيادة الضغط على موسكو ودفعها نحو التفاوض لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
وقال أعضاء المجلس ريتشارد بلومنتال وليندسي غراهام (الذي توفي لاحقًا!) وجين شاهين وروجر ويكر، في بيان مشترك، إنهم حققوا تقدمًا مهمًا مع البيت الأبيض بشأن الصيغة الجديدة للتشريع، متوقعين الكشف عن تفاصيله وطرحه رسميًا خلال الفترة القريبة المقبلة.
ويركز المشروع على فرض إجراءات عقابية على الدول والشركات التي تواصل شراء النفط والغاز الروسيين، باعتبار أن عائدات الطاقة تمثل مصدرًا رئيسيًا لتمويل العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا. وأكد أعضاء المجلس ضرورة تعاون السلطتين التنفيذية والتشريعية لفرض تكلفة اقتصادية مرتفعة على الجهات التي تسهم في دعم موسكو.
وقال غراهام، عقب لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف، إن الإدارة الأمريكية وافقت على نسخة من مشروع العقوبات يمكنها دعمها، ما يعزز فرص إقراره وتحويله إلى قانون. وأضاف أن التشريع سيمنح ترامب أدوات جديدة للضغط على روسيا والمساعدة في إنهاء الحرب المستمرة منذ عام 2022.
من جانبه، رحب زيلينسكي بالتحرك الأمريكي، مشددًا على أن تعزيز قدرات أوكرانيا عسكريًا وتشديد العقوبات على موسكو من شأنهما تحسين فرص نجاح المسار الدبلوماسي.
ويأتي الاتفاق بعد لقاء جمع ترامب وزيلينسكي على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، حيث أبدى الرئيس الأمريكي لهجة أكثر إيجابية تجاه نظيره الأوكراني، وأعلن استعداد واشنطن لمنح كييف ترخيصًا لإنتاج صواريخ اعتراضية لمنظومة «باتريوت».
غير أن تطبيق العقوبات الجديدة قد يواجه تحديات مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، خصوصًا في ظل التصعيد العسكري المتجدد مع إيران واضطراب أسواق النفط.
مؤتمر صن فالي 2026.. حيث تعيد النخب الاقتصادية والتكنولوجية رسم شبكات النفوذ بعيدًا عن الأضواء
بينما كانت أنظار العالم تتجه إلى مباريات كأس العالم 2026، شهد منتجع صن فالي في ولاية أيداهو الأمريكية انعقاد واحد من أكثر الاجتماعات تأثيرًا وغموضًا في عالم المال والتكنولوجيا والإعلام. فالمؤتمر السنوي الذي تنظمه شركة Allen & Co.، والمعروف إعلاميًا باسم “المعسكر الصيفي للمليارديرات”، جمع هذا العام رؤساء شركات التكنولوجيا العملاقة، ومستثمرين، وملاك مؤسسات إعلامية، وشخصيات سياسية، في لقاءات مغلقة بعيدًا عن التغطية الإعلامية.
ويُعقد المؤتمر منذ أكثر من أربعة عقود بدعوات خاصة فقط، ولا يتضمن جلسات مفتوحة أو بثًا مباشرًا أو بيانًا ختاميًا، ما يجعل قيمته الحقيقية تكمن في اللقاءات الثنائية والمحادثات غير الرسمية التي تجري على موائد الطعام أو أثناء رياضة الغولف والمشي، أكثر من كونه مؤتمرًا تقليديًا لإعلان القرارات. ولهذا تصفه وسائل الإعلام الأمريكية بأنه المكان الذي تبدأ فيه كثير من الصفقات قبل أن تظهر إلى العلن بعد أشهر أو سنوات.
الذكاء الاصطناعي يتصدر أجندة النخبة
تكشف قائمة الحضور هذا العام عن التحول الذي يشهده المؤتمر. فبعد أن كان تاريخيًا ملتقى لعمالقة الإعلام، أصبح اليوم منصة تجمع كبار الفاعلين في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والرقائق الإلكترونية ورأس المال المغامر. وشهد المؤتمر مشاركة شخصيات بارزة من شركات التكنولوجيا الكبرى، إلى جانب مسؤولين تنفيذيين من شركات الإعلام والترفيه والاستثمار، وسط توقعات بأن تتركز المناقشات حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية لمراكز البيانات، والاستثمارات الضخمة المطلوبة لدعم هذا القطاع، إضافة إلى عمليات الدمج والاستحواذ في قطاع الإعلام.
شبكة نفوذ تتجاوز الاقتصاد
لا تكمن أهمية مؤتمر صن فالي في الصفقات وحدها، بل في البيئة التي يخلقها لربط رؤوس الأموال بالتكنولوجيا والإعلام وصناعة القرار. فالحضور يضم رؤساء شركات، ومديري صناديق استثمار، وملاك مؤسسات إعلامية، وشخصيات سياسية سابقة، ما يوفر مساحة لبناء علاقات قد تنعكس لاحقًا على قرارات الاستثمار أو الشراكات التقنية أو حتى السياسات العامة. ويرى مراقبون أن هذه اللقاءات تمثل أحد أبرز أشكال “الدبلوماسية غير الرسمية” بين القطاع الخاص والنخب السياسية في الولايات المتحدة.
حضور إسرائيلي لافت داخل منظومة التكنولوجيا
برز في المؤتمر عدد من الشخصيات الأمريكية المعروفة بقربها من إسرائيل أو بارتباطها بقطاع التكنولوجيا والأمن. ومن بينهم الرئيس التنفيذي لشركة Palantir، أليكس كارب، الذي تُعد شركته من أبرز المتعاقدين مع وزارة الدفاع الأمريكية ووكالات الاستخبارات، كما وسعت تعاونها مع إسرائيل خلال الفترة الماضية. كذلك شارك رجل الأعمال الأمريكي روبرت كرافت، المعروف بدعمه للمؤسسات الإسرائيلية، والصحفية باري وايس رئيسة تحرير قناة CBS المعينة من قبل الملاك الجدد لاري ودافيد إليسون، إضافة إلى عدد من المستثمرين ورجال الأعمال ذوي العلاقات الوثيقة بقطاع التكنولوجيا الإسرائيلي.
وكان من اللافت أيضًا حضور رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت.
ويمثل هذا الحضور امتدادًا للدور المتنامي الذي تلعبه إسرائيل في قطاعات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الدفاعية، وهي قطاعات باتت تتقاطع بصورة متزايدة مع استثمارات الشركات الأمريكية الكبرى وصناديق رأس المال المغامر. إلا أن المؤتمر لا يعلن رسميًا عن أي أجندة سياسية، ولا توجد معلومات تؤكد وجود اجتماعات مخصصة لهذا الملف.
الخليج يبحث عن موقع في الاقتصاد الرقمي
إلى جانب الحضور الأمريكي والإسرائيلي، لفت المؤتمر اهتمام المتابعين بسبب مشاركة شخصيات ترتبط بعلاقات وثيقة مع دول الخليج واستثماراتها في التكنولوجيا. وتأتي هذه المشاركة في وقت تتوسع فيه الصناديق السيادية الخليجية، ولا سيما الإماراتية والسعودية، في تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وأشباه الموصلات، بالتوازي مع سعيها إلى بناء شراكات استراتيجية مع شركات التكنولوجيا الأمريكية. ويرى محللون أن هذه الاستثمارات تجعل المؤتمرات المغلقة مثل صن فالي مساحة طبيعية لتوسيع شبكات العلاقات بين رأس المال الخليجي والشركات الأمريكية الكبرى.
ماذا يعني صن فالي؟
رغم غياب البيانات الرسمية، فإن مؤتمر صن فالي يظل أحد أهم المؤشرات على اتجاهات القوة الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة. فالقضايا التي تشغل الحاضرين اليوم – الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية الرقمية، والإعلام، والاستثمار – هي نفسها الملفات التي يتوقع أن تحدد شكل الاقتصاد والنفوذ العالمي خلال السنوات المقبلة.
ولهذا ينظر كثير من المراقبين إلى المؤتمر باعتباره أكثر من مجرد تجمع للنخب؛ فهو مساحة تُبنى فيها شبكات الثقة والعلاقات الشخصية التي قد تتحول لاحقًا إلى استثمارات بمليارات الدولارات، أو تحالفات بين شركات التكنولوجيا والإعلام، أو شراكات عابرة للحدود بين رأس المال والمؤسسات المؤثرة في صناعة القرار العالمي، ما يشكل اللبنات الأساسية في النظام العالمي الجديد الذي يسعى أباطرة التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي الجدد لقيادته.
إيران
تصعيد جديد في الخليج: واشنطن تضرب إيران وطهران ترد باستهداف ثلاث دول عربية
شهدت منطقة الخليج تصعيدًا عسكريًا جديدًا، بعدما نفذت الولايات المتحدة سلسلة غارات جوية واسعة على مواقع عسكرية ومرافق موانئ داخل إيران، وردت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه البحرين والكويت وقطر، ما هدد بانهيار الاتفاق المؤقت لوقف القتال.
وجاءت الضربات الأمريكية بعد ساعات من إعلان الرئيس دونالد ترامب أن الهجمات الإيرانية الأخيرة على سفن تجارية في مضيق هرمز أنهت عمليًا وقف إطلاق النار الهش. وقالت القيادة العسكرية الأمريكية إن العمليات استهدفت تقليص قدرة إيران على تهديد حرية الملاحة في المضيق، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع انفجارات في بوشهر وبندر عباس وتشابهار وكونارك وسيريك، إضافة إلى استهداف جسور ومنشآت للنقل. كما أعلنت السلطات مقتل أحد رجال الإطفاء جراء ضربة استهدفت مطارًا في مدينة إيرانشهر.
في المقابل، أعلنت الكويت اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة، بينما دوت صفارات الإنذار في البحرين، التي تستضيف مقر الأسطول الخامس الأمريكي. وأكد الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجمات على مواقع في البحرين والكويت، فيما لم ترد تقارير فورية عن خسائر كبيرة في الدول الثلاث.
وحذر ترامب إيران من أن أي هجمات جديدة على السفن ستواجه برد أقسى، ملوحًا باستهداف محطات الكهرباء وتحلية المياه، والسيطرة على جزيرة خارك، التي تمر عبرها غالبية صادرات النفط الإيرانية.
وأدت التطورات إلى ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف من توسع الحرب إلى دول المنطقة وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز. ورغم استمرار الاتصالات السياسية، شكك ترامب في جدوى المفاوضات، بينما اتهم مسؤولون إيرانيون واشنطن بانتهاك الاتفاقات واستخدام القوة لفرض شروطها.
ويأتي التصعيد في وقت كان من المفترض أن تبدأ فيه مفاوضات للتوصل إلى اتفاق دائم يشمل إعادة فتح المضيق بالكامل ومعالجة الملف النووي الإيراني.
سوريا
معهد ألما الإسرائيلي: الرادار التركي في مطار دمشق قد يغيّر معادلة المجال الجوي في المنطقة
اعتبر معهد ألما الإسرائيلي للأبحاث والتعليم في دراسة نشرها الباحث يعقوب لابين بتاريخ 8 يوليو/تموز 2026 أن نشر تركيا منظومة الرادار HTRS-100 في مطار دمشق الدولي يمثل تطورًا يتجاوز تحديث البنية التحتية للمطار، ليحمل أبعادًا استراتيجية قد تؤثر في ميزان السيطرة الجوية في سوريا والمنطقة.
وأشار التقرير إلى أن المشروع أُعلن رسميًا من قبل السلطات السورية والسفير التركي في دمشق نوح يلماز باعتباره جزءًا من برنامج لتطوير منظومة إدارة الحركة الجوية ورفع معايير سلامة الطيران المدني، وهو ما أكدته أيضًا مصادر سورية وتركية رسمية.
إلا أن معهد ألما يرى أن الخصائص التقنية لمنظومة HTRS-100 تجعلها ذات استخدام مزدوج، إذ يمكن توظيفها في التطبيقات المدنية والعسكرية في آنٍ واحد. ووفقًا لتحليل المعهد، فإن المنظومة التي طورتها شركة الصناعات الدفاعية التركية ASELSAN قادرة على توفير صورة جوية ثلاثية الأبعاد دقيقة ضمن مدى يراوح بين 80 و100 ميل بحري (نحو 150–185 كيلومترًا)، بما يسمح بمراقبة الأجواء المحيطة بدمشق، وأجزاء واسعة من لبنان، ووصول التغطية إلى مناطق في شمال إسرائيل.
وأوضح التقرير أن النظام يعتمد على رادار مراقبة أولي يعمل في نطاق S-Band إلى جانب رادار مراقبة ثانوي، بما يتيح تتبع الأهداف الجوية وتحسين التعرف عليها، مع قدرة على مقاومة التشويش البيئي والإلكتروني، وهو ما يمنحه – بحسب المعهد – قيمة استخباراتية وعسكرية تتجاوز مهامه التقليدية في إدارة الحركة الجوية.
كما أشار التقرير إلى أن التصميم الفني للمنظومة يتضمن عناصر احتياطية تتيح استمرار تشغيل أجزاء من النظام حتى في حال تعرض بعض مكوناته لأعطال أو لهجمات إلكترونية، الأمر الذي يزيد من موثوقيته التشغيلية ويعزز قدرته على إنتاج بيانات آنية بصورة مستمرة.
ورأى معهد ألما أن إدخال هذه المنظومة يأتي في سياق إعادة بناء شبكة الرصد الجوي السورية بعد الأضرار التي لحقت بمنظومات الدفاع الجوي والرادارات خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الرادار التركي يمكن أن يسد جزءًا من الفجوات التي خلفها تراجع فعالية بعض المنظومات السابقة، وهو تقييم يعكس وجهة نظر المعهد ولا تؤكده مصادر رسمية مستقلة.
وبحسب التقرير، فإن القلق الإسرائيلي لا يرتبط بالرادار باعتباره وسيلة دفاع جوي بحد ذاته، وإنما بما يوفره من قدرة على بناء صورة جوية دقيقة قد تُستخدم في دعم عمليات القيادة والسيطرة أو مشاركة البيانات مع منظومات أخرى، وهو ما قد يحد – من وجهة النظر الإسرائيلية – من حرية تنفيذ العمليات الجوية داخل الساحة السورية مستقبلًا.
في المقابل، تؤكد السلطات السورية وتركيا أن النظام مخصص حصراً لخدمة الطيران المدني، وأن هدفه يتمثل في تحديث البنية التحتية لمطار دمشق الدولي وتحسين سلامة الملاحة الجوية، رافضةً التوصيفات الإسرائيلية التي تمنحه دورًا عسكريًا.
وتعكس هذه التباينات اختلافًا واضحًا بين الرواية الرسمية السورية–التركية التي تقدم المشروع بوصفه مشروعًا مدنيًا، وبين التقديرات الأمنية الإسرائيلية التي تنظر إلى المنظومة باعتبارها جزءًا من التحول المتسارع في الحضور العسكري والتقني التركي داخل سوريا، وما قد يترتب على ذلك من آثار في ميزان القوى الإقليمي. إلا أنها بكل تأكيد تعكس حالة الشد والجذب المتنامية بين الطرفين، ما يعكس أجواء أشبه بالحرب الباردة.
ترامب والشرع يبحثان في أنقرة العلاقات الثنائية وإعادة دمج سوريا دوليًا
عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع اجتماعًا ثنائيًا في المجمع الرئاسي بمنطقة بش تبه في العاصمة التركية أنقرة، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو». وأكد البيت الأبيض انعقاد اللقاء عبر نشر صور رسمية للاجتماع الذي جرى في 8 يوليو/تموز، في واحدة من أبرز اللقاءات السياسية المصاحبة للقمة الأطلسية.
وحضر الاجتماع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونظيره السوري أسعد الشيباني. ووفق بيان نقلته وكالة الأناضول عن وزارة الخارجية السورية، بحث الجانبان العلاقات الثنائية بين واشنطن ودمشق، وشددا على أهمية استمرار التنسيق المشترك بما يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي.
وجاء التطور الأبرز خلال اللقاء بإعلان ترامب المضي في إزالة سوريا من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، التي أدرجت عليها منذ عام 1979. وأبلغت الإدارة الأمريكية الكونغرس رسميًا بقرار إلغاء التصنيف، على أن يخضع الإجراء لمراجعة قانونية مدتها 45 يومًا قبل دخوله حيز التنفيذ النهائي.
وسلّم ترامب الرئيس السوري رسالة أكد فيها أن إلغاء التصنيف يهدف إلى إزالة العوائق التي تعرقل إعادة إعمار سوريا وتشجيع الاستثمارات الأمريكية والدولية فيها. ومن شأن القرار، بعد استكماله، تخفيف القيود المرتبطة بالمساعدات الخارجية والمعاملات المالية والصادرات ذات الاستخدام الدفاعي، ودعم عودة سوريا تدريجيًا إلى النظامين المالي والاقتصادي الدوليين.
وأشاد ترامب خلال اللقاء بأداء الشرع، معتبرًا أنه نجح في إحراز تقدم في توحيد البلاد خلال فترة قصيرة. وفي المقابل، قال الشرع إن القرارات الأمريكية المتعلقة برفع العقوبات والانفتاح على سوريا تحظى بتقدير السوريين، مشيرًا إلى الدور الذي أدته تركيا ودول الخليج والدول الداعمة في مساعدة سوريا خلال المرحلة الانتقالية.
ويُعد اجتماع أنقرة اللقاء الرابع بين ترامب والشرع منذ استئناف الاتصالات السورية–الأمريكية عقب سقوط نظام بشار الأسد. فقد التقيا للمرة الأولى في الرياض في مايو/أيار 2025، ثم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قبل زيارة الشرع إلى واشنطن واجتماعه بترامب في البيت الأبيض في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
الدلالة السياسية
يتجاوز لقاء أنقرة ملف رفع التصنيف الأمريكي؛ إذ يعكس تحول سوريا من دولة معزولة وخاضعة للعقوبات إلى شريك يجري إدماجه تدريجيًا في الترتيبات السياسية والأمنية الإقليمية. كما أن انعقاد اللقاء على هامش قمة الناتو في تركيا يمنح أنقرة موقعًا مركزيًا في إدارة التقارب بين دمشق وواشنطن، ويعزز الدور التركي بوصفه وسيطًا وضامنًا في مسار إعادة تأهيل سوريا دوليًا.
غير أن إلغاء التصنيف لا يصبح نافذًا بصورة نهائية إلا بعد انتهاء مراجعة الكونغرس، كما أنه لا يعني تلقائيًا رفع جميع القيود والعقوبات الأمريكية المتبقية؛ إذ تحتاج بعض الإجراءات إلى قرارات تنفيذية وتشريعية منفصلة.
ملف الإرهاب يعقّد محادثات الشرع وترامب رغم تحسن العلاقات السورية–الأمريكية
تصدر ملف إزالة سوريا من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب المحادثات التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب، في ظل مساعٍ سورية لإنهاء ما تبقى من القيود القانونية والمالية التي تعرقل إعادة الإعمار وعودة البلاد إلى النظام الاقتصادي الدولي.
وطلب الشرع من ترامب رفع العقوبات المتبقية، ولا سيما التصنيف المرتبط برعاية الإرهاب، لما يفرضه من قيود على الاستثمارات والتحويلات المصرفية والتجارة واستيراد التقنيات الأمريكية، بما فيها السلع ذات الاستخدام المزدوج.
وشهدت العلاقات بين واشنطن ودمشق تحولًا كبيرًا منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024. فقد قررت إدارة ترامب إلغاء جانب واسع من العقوبات التنفيذية، ورفعت اسم سوريا من بعض القوائم الأمنية، كما أُلغي «قانون قيصر» وعُلقت تدابير أخرى كانت مفروضة على دمشق.
لكن الإبقاء على سوريا ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يزال يمثل العقبة الأكثر تعقيدًا، إذ لا يقتصر رفع التصنيف على قرار سياسي من البيت الأبيض، بل يتطلب إجراءات قانونية تشمل تقديم الإدارة شهادة إلى الكونغرس تؤكد أن دمشق لم تدعم الإرهاب خلال الأشهر الستة السابقة، أو إثبات حدوث تغيير جوهري في سلوك الدولة وتقديم ضمانات بعدم دعم أي نشاط إرهابي مستقبلًا.
وتواجه هذه الخطوة تحفظات داخل الإدارة والكونغرس، إلى جانب ضغوط تمارسها جماعات داعمة لإسرائيل، من بينها الأوساط المرتبطة بلجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك»، التي تطالب بالإبقاء على أدوات الضغط إلى حين تقييم أداء الحكومة السورية الجديدة والحصول على ضمانات بشأن المقاتلين الأجانب والسياسات الأمنية.
ورغم انضمام دمشق إلى جهود مكافحة تنظيم الدولة ومشاركتها في عمليات أمنية مشتركة، لا تزال المؤسسات المالية الدولية تتردد في التعامل معها خشية العقوبات الأمريكية.
ويؤكد هذا الوضع أن إزالة التصنيف لن تحقق تعافيًا اقتصاديًا فوريًا، لكنها قد تخفض كلفة العزلة، وتعيد فتح قنوات التمويل والتجارة والاستثمار أمام سوريا.
متابعات عربية
دول الخليج تسرّع مشاريع بديلة لتقليص الاعتماد على مضيق هرمز
دفعت الحرب مع إيران وتعطل الملاحة في مضيق هرمز دول الخليج إلى تسريع خطط إنشاء مسارات بديلة لنقل النفط والغاز والسلع، في محاولة لتقليص الاعتماد على الممر البحري الذي يشكل شريانًا رئيسيًا لاقتصادات المنطقة. غير أن هذه المشاريع لا تستهدف الاستغناء الكامل عن المضيق بقدر ما تهدف إلى تأمين بدائل احتياطية في أوقات الأزمات.
وتتمتع السعودية بأفضلية جغرافية نسبية بفضل خط أنابيب الشرق–الغرب، الذي ينقل النفط من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وتدرس الرياض توسيع شبكة الأنابيب والسكك الحديدية والطرق البرية، إلى جانب تعزيز قدرات الشحن بين ساحلي المملكة.
أما الإمارات، فتستفيد من امتلاكها موانئ على خليج عمان خارج مضيق هرمز، أبرزها الفجيرة وخورفكان. كما تعمل على تطوير خط أنابيب جديد من شأنه مضاعفة قدرتها على تصدير النفط عبر الفجيرة. ومع ذلك، تظل الموانئ الشرقية محدودة مقارنة بطاقة موانئ جبل علي وخليفة الواقعة داخل الخليج.
وتبرز عُمان بدورها بوصفها مركزًا لوجستيًا محتملًا، من خلال موانئ صحار والدقم وصلالة، إلا أن قدراتها المالية تبقى أقل من السعودية والإمارات.
في المقابل، تواجه قطر والكويت والبحرين خيارات أكثر تعقيدًا بسبب اعتمادها الكبير على الممرات البحرية داخل الخليج. كما أن إنشاء مسارات عبر دول مجاورة يتطلب درجة عالية من الثقة السياسية، وهي مسألة لا تزال هشة بسبب الخلافات الخليجية السابقة.
وتُطرح مشاريع إقليمية أوسع، تشمل ممرًا يربط الخليج بالعراق وتركيا، وإحياء خط الغاز العربي وسكة حديد الحجاز، لكنها تواجه عقبات أمنية وتمويلية وتقنية.
وتشير التقديرات إلى أن خطوط الأنابيب والموانئ والطرق البديلة قد تخفف آثار إغلاق المضيق، لكنها لن تعوض حجم التجارة البحرية التي تمر عبره، ما يجعل هرمز عنصرًا لا يمكن تجاوزه في أمن الخليج الاقتصادي.
السلطة الفلسطينية على حافة الانهيار وسط حصار مالي وضغوط إسرائيلية متصاعدة
تواجه السلطة الفلسطينية واحدة من أخطر أزماتها منذ تأسيسها عام 1994، مع تراجع اقتصاد الضفة الغربية، وتوقف تحويل عائدات الضرائب، وتقلص المساعدات الخارجية، ما يثير مخاوف من انهيار المؤسسة التي تتولى إدارة المدن الفلسطينية والتنسيق الأمني مع إسرائيل.
وتشير التحليلات إلى انكماش اقتصاد الضفة بأكثر من 20% منذ أكتوبر 2023، وارتفاع البطالة إلى أكثر من 30%، بينما تضاعفت معدلات الفقر قصير الأجل. وتفاقمت الأزمة بعدما أوقفت إسرائيل تحويل أموال المقاصة، التي تشكل نحو ثلثي إيرادات السلطة، بالتزامن مع استخدام التصاريح المصرفية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية كأداة ضغط سياسية.
وترتبط هذه السياسة بتوجه داخل اليمين الإسرائيلي، يقوده وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، يسعى إلى إضعاف السلطة وتهيئة الأرض لضم أجزاء واسعة من الضفة. كما يأتي الضغط المالي بالتوازي مع توسيع المستوطنات ودفع مشروع «E1» شرقي القدس، الذي قد يفصل شمال الضفة عن جنوبها ويقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
في المقابل، تحذر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من أن انهيار السلطة قد يؤدي إلى فراغ أمني واسع. فالسلطة تدير عشرات الآلاف من عناصر الأمن، وتمثل أكبر جهة توظيف في الضفة، فيما لم يعد موظفوها يتقاضون رواتبهم كاملة منذ سنوات.
ولا تقتصر الأزمة على الإجراءات الإسرائيلية؛ إذ تراجعت المساعدات العربية والدولية بسبب اتهامات الفساد وضعف الإصلاح المؤسسي وغياب الانتخابات. كما تشترط السعودية والإمارات تنفيذ تغييرات سياسية وإدارية قبل تقديم دعم مالي واسع.
وأعلن الرئيس محمود عباس نيته إجراء انتخابات تشريعية في نوفمبر وانتخابات رئاسية مطلع 2027، غير أن الشكوك تحيط بإمكان تنفيذها. وتبقى المعضلة الأساسية غياب تصور واضح لليوم التالي إذا انهارت السلطة، وما قد يترتب على ذلك من فوضى أمنية وسياسية في الضفة والمنطقة.
متابعات دولية
ما وراء احتجاجات صربيا: سقوط مظلة نوفي ساد وشبكة النفوذ الإماراتي في البلقان
لم تعد الأزمة السياسية التي تعصف بصربيا مجرد موجة احتجاجات طلابية، مرتبطة بالتحركات الاحتجاجية المتنامية حول العالم ممن يطلق عليهم الجيل زد، اندلعت عقب كارثة إنشائية، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة حول طبيعة النظام السياسي، وشبكات المصالح التي تشكلت خلال أكثر من عقد من حكم الرئيس ألكسندر فوتشيتش، ودور الاستثمارات الخارجية في ترسيخ نموذج يقوم على الصفقات الكبرى والسلطة المركزية وضعف الرقابة المؤسسية.
وفيما يركز الخطاب العام على النفوذين الصيني والروسي وعلاقة بلغراد المعقدة بالاتحاد الأوروبي، تكشف قراءة أوسع للمشهد عن حضور خارجي آخر قلما يحظى بالاهتمام، يتمثل في النفوذ الإماراتي الممتد من صربيا إلى الجبل الأسود، والذي لعب محمد دحلان دورًا مبكرًا في بناء شبكاته السياسية والاقتصادية.
كارثة نوفي ساد تتحول إلى انتفاضة سياسية
بدأت الأزمة في الأول من نوفمبر 2024، عندما انهارت مظلة خرسانية ضخمة في محطة القطارات بمدينة نوفي ساد، بعد خضوعها لأعمال تجديد ضمن مشروع تطوير خط السكك الحديدية السريع بين بلغراد وبودابست. وأسفرت الكارثة عن مقتل 16 شخصًا، لتتحول سريعًا إلى رمز لما يصفه المحتجون بالفساد وسوء الإدارة وغياب الشفافية في المشروعات الحكومية الكبرى.
لم يقتصر الغضب على المسؤولية الفنية عن الانهيار، بل امتد إلى الطريقة التي مُنحت بها العقود، وضعف الرقابة على الشركات والمقاولين، واختفاء أو تأخر نشر الوثائق المرتبطة بأعمال الترميم. وكان المشروع جزءًا من الشراكة الصربية مع الصين ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، ونُفذ من خلال اتفاقات حكومية قللت مساحة التدقيق العام والمنافسة التقليدية.
ومع اتساع الاحتجاجات، انتقلت الحركة من المطالبة بكشف وثائق المحطة ومحاسبة المسؤولين إلى توجيه انتقادات مباشرة لنظام فوتشيتش. وانضم إلى الطلاب أساتذة ومزارعون وموظفون ومواطنون من مدن وبلدات مختلفة، بينما تحولت المسيرات الطويلة نحو بلغراد ونوفي ساد إلى وسيلة للتواصل مع المجتمعات المحلية وكسر احتكار وسائل الإعلام الموالية للحكومة للرواية السياسية.
واعتمدت الحركة الطلابية تنظيمًا أفقيًا بلا قيادة مركزية، إذ اتُخذت القرارات من خلال اجتماعات طلابية مفتوحة. وقد صعّب هذا النموذج على السلطة احتواء الاحتجاجات عبر التفاوض مع زعيم بعينه أو استيعابه سياسيًا. وطالب المحتجون بنشر جميع وثائق محطة نوفي ساد، وملاحقة المعتدين على الطلاب، وإسقاط الاتهامات عن الموقوفين، وزيادة مخصصات التعليم العالي، قبل أن تتطور مطالبهم لاحقًا إلى إجراء انتخابات مبكرة وإنهاء حكم فوتشيتش.
وتخللت الاحتجاجات مواجهات مع الشرطة واعتقالات وحملات إعلامية اتهمت الطلاب بتنفيذ أجندات خارجية. كما أشار الفيديو إلى مزاعم استخدام جهاز صوتي لتفريق تظاهرة حاشدة في بلغراد، إلا أن هذه المزاعم ظلت موضع خلاف ولم تُحسم بأدلة علنية قاطعة.
استقالة أم إعادة تموضع؟
أمام استمرار الاحتجاجات نحو 18 شهرًا، أعلن فوتشيتش في 27 يونيو 2026 أنه سيستقيل خلال أسابيع، ممهدًا الطريق أمام انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة. لكنه لم يكن قد غادر منصبه فعليًا حتى مطلع يوليو، بل واصل ممارسة مهامه وأعلن أن الانتخابات العامة ستجرى خلال ثلاثة أو أربعة أشهر.
ولهذا لم يتعامل المحتجون مع الإعلان باعتباره انتصارًا نهائيًا. فالنظام السياسي الصربي برلماني في الأصل، ويملك رئيس الوزراء صلاحيات تنفيذية واسعة، بينما تنتهي الولاية الرئاسية الثانية والأخيرة لفوتشيتش في عام 2027. ويثير ذلك احتمال أن تكون الاستقالة مناورة تسمح له بالانتقال مجددًا إلى رئاسة الحكومة، مع الاحتفاظ بقيادة الحزب التقدمي الصربي ومفاصل الإعلام والمؤسسات.
ويشبه هذا السيناريو حركة «التبييت» في لعبة الشطرنج: يترك فوتشيتش موقع الرئاسة الذي أصبحت فرص استمراره فيه محدودة دستوريًا، لكنه ينتقل إلى موقع آخر يمكنه من خلاله المحافظة على السيطرة الفعلية. وقد لمح فوتشيتش بالفعل إلى احتمال العودة إلى منصب رئيس الوزراء، ما عزز شكوك الشارع بأن التغيير قد يقتصر على شكل السلطة لا بنيتها.
ومن هنا استمرت التظاهرات بعد إعلان الاستقالة، إذ يخشى المحتجون أن تُستخدم الانتخابات المبكرة لإعادة إنتاج النظام في لحظة ما زال فيها الحزب الحاكم يمتلك تفوقًا تنظيميًا وإعلاميًا، وقبل أن تتمكن الحركة الطلابية من التحول إلى بديل انتخابي متماسك.
الحلقة الغائبة: الإمارات في الاقتصاد السياسي الصربي
تركز أغلب التحليلات على العلاقات الصربية مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، لكنها لا تتناول كثيرًا شبكة العلاقات العميقة بين صربيا والإمارات، رغم أهميتها في فهم نموذج الحكم الذي يحتج عليه الطلاب.
بدأ التحول الكبير في العلاقات بين بلغراد وأبوظبي مطلع العقد الماضي، عندما انتقلت الإمارات من موقفها المنتقد لصربيا خلال حروب البلقان إلى بناء شراكة مباشرة مع قيادة فوتشيتش. وقامت العلاقة على مستوى مرتفع من التواصل الشخصي بين فوتشيتش والشيخ محمد بن زايد، إلى جانب وسطاء وشخصيات محلية سهلت إبرام الصفقات.
وتشير دراسة صادرة عن مشروع «PeaceRep» إلى أن محمد دحلان أدى دورًا مهمًا في التمهيد للعلاقات الإماراتية مع صربيا، بعدما شارك قبل ذلك في بناء قنوات التواصل مع جمهورية الجبل الأسود (مونتينيغرو). كما حصل دحلان على الجنسيتين الصربية والمونتينيغرية، ما جعله أحد أبرز الوسطاء العابرين بين أبوظبي ونخب غرب البلقان.
ولا يعني ذلك أن دحلان يدير اليوم جميع العلاقات الإماراتية في المنطقة بصورة مباشرة، إذ أصبحت هذه العلاقات أكثر مؤسسية، وتشارك فيها الرئاسات والوزارات والصناديق السيادية والشركات الكبرى. لكن دوره كان أساسيًا بوصفه بوابة مبكرة جمعت بين الدبلوماسية الشخصية والاستثمار والعلاقات مع القيادات المحلية.
من واجهة بلغراد إلى الشراكة الاقتصادية
تحولت صربيا خلال السنوات الماضية إلى أهم شريك إماراتي في غرب البلقان. وامتد التعاون إلى العقارات والطيران والزراعة والمصارف والطاقة والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.
ويعد مشروع «واجهة بلغراد المائية»، الذي تطوره شركة «إيغل هيلز» الإماراتية على ضفاف نهر سافا، أبرز تعبير عن هذه العلاقة. فقد قُدم المشروع باعتباره خطة لتحديث العاصمة وجذب الاستثمارات، لكنه أثار احتجاجات وانتقادات بسبب أسلوب التفاوض المغلق، ومنح المشروع ترتيبات قانونية خاصة، وضعف المنافسة والرقابة العامة.
تكمن أهمية المشروع سياسيًا في أنه لا يمثل مجرد استثمار عقاري، بل يجسد نموذجًا تتولى فيه القيادة السياسية المركزية التفاوض مباشرة مع مستثمر خارجي كبير، ثم تعيد تشكيل القوانين والإجراءات لتسريع التنفيذ. وهو النموذج نفسه الذي يراه المحتجون وراء تفاقم مخاطر المشروعات العامة: قرارات سريعة من الأعلى، وعقود محدودة الشفافية، ومؤسسات رقابية ضعيفة.
وتطورت العلاقة إلى مستوى رسمي أعمق مع دخول اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين صربيا والإمارات حيز التنفيذ في يونيو 2025. وتهدف الاتفاقية إلى توسيع التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية، وتمنح نسبة كبيرة من السلع المتبادلة إعفاءات جمركية. كما تصف الإمارات صربيا بأنها بوابة إلى أسواق البلقان وأوروبا الشرقية.
وفي المجال العسكري، أصبحت صربيا شريكًا مهمًا لأبوظبي في الصناعات الدفاعية والأسلحة والطائرات المسيّرة. كما دخلت الشركات الإماراتية قطاعات الزراعة والطيران والبنوك، ما جعل الحضور الإماراتي جزءًا من البنية الاقتصادية الصربية، وليس مجرد مجموعة مشروعات منفصلة.
الجبل الأسود: البوابة البحرية إلى البلقان
قبل صربيا، كانت جمهورية الجبل الأسود إحدى أولى ساحات التحرك الإماراتي في غرب البلقان. ففي أواخر عام 2008 بدأت لقاءات بين الرئيس السابق ميلو جوكانوفيتش ومسؤولين من أبوظبي، وكان دحلان حاضرًا في بعض هذه الاتصالات، وفق دراسة «PeaceRep».
تبع ذلك دخول استثمارات إماراتية إلى قطاعات العقارات والسياحة والموانئ والزراعة، ومن بينها مشروعات في بودغوريتسا والاستحواذ على «بورتو مونتينيغرو»، إلى جانب تمويلات قدمها صندوق أبوظبي للتنمية. وجعل الموقع المطل على البحر الأدرياتيكي وصغر الاقتصاد واقتراب البلاد من الاتحاد الأوروبي الجبل الأسود بوابة جذابة للوصول إلى المنطقة.
وتجدد الجدل في عام 2025 بعد إبرام اتفاق واسع بين حكومة الجبل الأسود والإمارات للتعاون في السياحة والتطوير العقاري، ارتبط بمقترحات لتطوير منطقة «فيليكا بلاجا» الساحلية. وأثارت طريقة التفاوض وحجم المشروعات المحتملة احتجاجات محلية وتحفظات بيئية وقانونية.
وحذرت منظمة الشفافية الدولية من أن الاتفاق يسمح بإعفاء بعض العقود المرتبطة بالمستثمرين الإماراتيين من قوانين المشتريات العامة والمناقصات والمنافسة، وهو ما قد يفتح المجال أمام المحاباة وإساءة استخدام الأموال العامة ويؤثر في مسار انضمام الجبل الأسود إلى الاتحاد الأوروبي.
هل صربيا والجبل الأسود ذراعان للإمارات؟
من المبالغة وصف الدولتين بأنهما تابعتان بالكامل للإمارات؛ فصربيا تتبع سياسة موازنة معقدة بين أبوظبي وبكين وموسكو وبروكسل وواشنطن، وتستخدم كل شراكة لتعزيز قدرتها على المناورة. كما أن جمهورية الجبل الأسود عضو في حلف شمال الأطلسي ومرشح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولا تخضع سياساتها الخارجية لإملاءات إماراتية مباشرة.
لكن يمكن وصف البلدين بأنهما منصتان متقدمتان للنفوذ الإماراتي في غرب البلقان؛ فصربيا تؤدي دور المنصة الصناعية والدفاعية واللوجستية، بينما يمثل الجبل الأسود منصة عقارية وسياحية وبحرية على الأدرياتيكي.
ولا يأتي هذا النفوذ أساسًا من قواعد عسكرية أو تحالفات أيديولوجية، بل من رأس المال والعلاقات الشخصية والقدرة على إبرام صفقات سريعة مع دوائر الحكم العليا. وتجد هذه الآلية بيئة ملائمة في أنظمة تتميز بتركيز القرار وضعف المؤسسات الرقابية والحاجة إلى التمويل الخارجي. وتخلص دراسة «PeaceRep» إلى أن تداخل المصالح الاقتصادية مع العلاقات الشخصية والنخب المحلية يمثل السمة الأساسية للحضور الإماراتي في المنطقة.
علاقة غير مباشرة بالاحتجاجات
لا توجد أدلة تربط الإمارات مباشرة بانهيار محطة نوفي ساد أو بالمشروع الصيني الذي جرت أعمال الترميم في إطاره. كما لا توجد مؤشرات موثقة على تدخل إماراتي مباشر لقمع الاحتجاجات أو توجيه القرارات المتعلقة باستقالة فوتشيتش.
لكن العلاقة تظهر على مستوى أعمق: نموذج الحكم والاقتصاد السياسي. فالاحتجاجات الصربية تستهدف منظومة تقوم، وفق منتقديها، على العقود الحكومية الغامضة، وتهميش الرقابة البرلمانية، ومنح الأفضلية للمستثمرين المرتبطين بالقيادة، واستخدام المشروعات الضخمة لتسويق صورة النجاح السياسي.
وفي هذا السياق، لا يكون الحضور الإماراتي سببًا مباشرًا للأزمة، لكنه يمثل أحد أبرز المستفيدين من هذا النموذج، إلى جانب الصين ومستثمرين وشركاء آخرين. كما أن مشروع «واجهة بلغراد» يوضح كيف يمكن للتحالف بين رأس المال الخارجي والسلطة المركزية أن يتحول من أداة للتنمية إلى موضوع للانقسام السياسي عندما تغيب الشفافية والمشاركة العامة.
صراع على مستقبل الدولة
تكشف الأزمة أن معركة صربيا المقبلة لن تدور فقط حول بقاء فوتشيتش في الرئاسة أو انتقاله إلى رئاسة الوزراء، بل حول قدرة الحركة الطلابية على تفكيك النظام الذي بناه، وإعادة الاعتبار للمؤسسات والمساءلة والشفافية.
كما أن نتائجها ستتجاوز حدود صربيا. فإذا نجحت الاحتجاجات في فرض قواعد أكثر صرامة على العقود والاستثمارات، فقد يتغير نموذج التعامل مع الأموال الصينية والإماراتية وغيرها في غرب البلقان. أما إذا تمكن فوتشيتش من إعادة إنتاج سلطته عبر انتخابات مبكرة أو منصب جديد، فستبقى الشبكة القائمة بين القيادة السياسية ورأس المال الخارجي قادرة على العمل، حتى لو تغيرت الأسماء والمناصب.
وبذلك، لا تبدو استقالة فوتشيتش المعلنة نهاية للأزمة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، يتقاطع فيها غضب جيل جديد من الفساد مع صراع دولي صامت على النفوذ في البلقان، حيث تتحرك الإمارات والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، كلُ بأدوات مختلفة، بينما يحاول شباب الصرب استعادة حقهم في تحديد شكل دولتهم ومستقبلها.
رؤية الصين لنظام عالمي جديد «حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً: مبادئ الصين ومقترحاتها وأفعالها»
كتب د. حاتم عزام: في السابع عشر من يونيو 2026، وبينما العالم منشغل بالحرب الروسية على أوكرانيا والحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، أصدر مكتب الإعلام في مجلس الدولة الصيني وثيقة لا يمكن قراءتها كبيان دبلوماسي روتيني: ورقة بيضاء بعنوان «حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً: مبادئ الصين ومقترحاتها وأفعالها».
وينظر إلى هذه الوثيقة باعتبارها التقنين الرسمي الأشمل لمبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس شي جين بينغ في 2025، لكنها في جوهرها أبعد من ذلك بكثير: إنها إعلان صيني صريح عن رؤية بديلة لإدارة العالم، وعن نية بكين الانتقال من موقع اللاعب داخل قواعد النظام الدولي القائم، إلى موقع من يعيد كتابة هذه القواعد نفسها.
فلسنوات طويلة كانت الصين تصف نفسها بأنها «مشارِكة ومساهِمة» في النظام الذي أسسته الأمم المتحدة عام 1945. أما هذه الوثيقة فتقدّمها صاحبة مشروع متكامل لإعادة تشكيل هذا النظام وقيادته. والملفت أن بكين تحرص على تقديم هذا التحول بلغة الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة لا الثورة عليه: فهي لا تقدم نفسها كقوة تتحدى النظام الدولي، بل كحارس له في مواجهة قوى -تلمّح إليها دون تسميتها صراحة- تخلّت عن التزاماتها المتعددة الأطراف، من الانسحاب من منظمات دولية إلى تعطيل آلية تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية وتجميد التمويل عن هيئات أممية. وهذا الانقلاب في السردية -من “الصين تتحدى النظام” إلى “الصين تحمي النظام بعد أن هجرته القوى التي أسسته”- هو على الأرجح أهم إنجاز خطابي في الوثيقة كاملة.
بنية الوثيقة ومضمونها
تتوزع الورقة على خمسة فصول: تشخيص لأزمة النظام الدولي الحالي، عرض لخمس ركائز مفاهيمية لمبادرة الحوكمة العالمية، سرد تفصيلي لإسهامات الصين الفعلية، تسويغ فكري لشرعية الطرح الصيني، ثم دعوة ختامية للعمل المشترك.
وينطلق هذا التشخيص لأزمة النظام الدولي من صورة قاتمة لحال النظام الدولي الراهن: نزاعات مسلحة تشمل أكثر من 50 دولة -رقم قياسي منذ الحرب العالمية الثانية- وأزمة أوكرانيا في عامها الخامس، وحرب ممتدة في الشرق الأوسط، إلى جانب تعثر شديد في تنفيذ أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة حتى إن نحو 80% من مؤشراتها متأخرة أو متراجعة، وأكثر من 830 مليون إنسان لا يزالون في فقر مدقع. وتذهب الوثيقة إلى اتهام غير مباشر -لكن واضح المعالم- لدولة كبرى بممارسة “شريعة الغاب”: الانسحاب من المنظمات الدولية، وتجميد التمويل عن الهيئات الأممية، وتعطيل مجلس الأمن ومنظمة التجارة العالمية. هذا التشخيص ليس تمهيداً عابراً، بل هو الأساس الذي تبني عليه بكين شرعية طرحها بأكمله.
و تقوم الرؤية على خمس ركائز:
1. المساواة السيادية بين الدول كبيرها وصغيرها.
2. سيادة القانون الدولي المطبق بلا انتقائية.
3. تعددية أطراف “حقيقية” في مقابل ما تصفه بالتعددية الانتقائية الغربية.
4. نهج محوره الإنسان في التنمية والأمن.
5. وأخيراً مبدأ الأفعال الملموسة بدل الشعارات.
هذه الركائز مصمَّمة لتبدو عالمية ومحايدة، لكنها في جوهرها إعادة صياغة لمطالب تقليدية للجنوب العالمي: تمثيل أوسع في مجلس الأمن وصندوق النقد والبنك الدولي، ورفض العقوبات الأحادية والولاية القضائية طويلة الذراع، ورفض تسييس قضايا التجارة والتكنولوجيا تحت ذريعة الأمن القومي.
النقاط الاستراتيجية الأهم:
أولاً، الوثيقة تربط أربع مبادرات صينية كبرى في منظومة واحدة متكاملة: مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارات العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية. هذا ليس تفصيلاً تقنياً، بل إعلان أن الصين لم تعد تطرح مبادرات منفصلة بل “منظومة نظام دولي بديل” متكاملة الأركان، تغطي التنمية والأمن والقيم والحوكمة معاً. من يقرأ هذه المنظومة يدرك أن بكين تبني إطاراً مؤسسياً موازياً، لا مجرد شعارات دبلوماسية متفرقة.
ثانياً، الوثيقة تستهدف الجنوب العالمي بلغة مباشرة وأرقام دقيقة: أكثر من 160 دولة ومنظمة أعلنت دعمها للمبادرة، وأكثر من 60 دولة انضمت إلى “مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية”، إلى جانب نمو مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون كأداتين مؤسسيتين لإعادة توزيع النفوذ. هذا استهداف واعٍ: الصين لا تراهن على إقناع الغرب، بل على حشد الأغلبية العددية للدول النامية التي تمثل -بحسب الوثيقة- أكثر من 60% من الاقتصاد العالمي بمعيار القوة الشرائية.
ثالثاً، هناك حرص لافت على الظهور بمظهر “القوة المسؤولة” لا “القوة الصاعدة الطامحة”: التركيز على الدور في حفظ السلام الأممي، والوساطة بين السعودية وإيران، والمبادرات المتعلقة بأوكرانيا وغزة، كلها مصممة لتصوير الصين كطرف بنّاء وسط عالم يتصدع، لا كطرف يستغل التصدع لمصلحته.
رابعاً، وربما الأهم استراتيجياً على المدى البعيد: الوثيقة تتعامل بحذر شديد مع حوكمة الذكاء الاصطناعي والفضاء السيبراني والفضاء الخارجي والمحيطات، وتطرح نفسها كصاحبة مبادرة في سد “الفراغ التنظيمي” في هذه المجالات الناشئة قبل أن تتشكل قواعدها بشكل نهائي. هذا يعكس إدراكاً بأن معارك النفوذ القادمة لن تُحسم فقط في مجلس الأمن؛ بل في من يضع قواعد اللعبة في التقنيات الناشئة التي لم تُكتب قوانينها بعد.
جوهر ما تطرحه الوثيقة:
ما تقدمه هذه الوثيقة، في جوهره، هو مشروع لإعادة تعريف من يملك حق تفسير النظام الدولي وقيادته، دون الحاجة إلى إسقاطه رسمياً. فالصين لا تطرح بديلاً صريحاً للأمم المتحدة، بل تطرح نفسها كالمُدافع “الحقيقي” عنها في مواجهة من تصفهم بالمنسحبين والمعطِّلين لها. وهذه استراتيجية شرعية ذكية: تستولي على المفردات المؤسسية القائمة ذاتها -الميثاق، تعدد الأطراف، سيادة القانون- وتعيد ملء محتواها بمضمون صيني، بدل الدخول في صراع علني ومكلف على الشرعية.
و الأختبار الحقيقي للوعي الاستراتيجي لنا كأمة عربية إسلامية هو القدرة على قراءة السؤال الحقيقي وراء هذه الوثيقة: من سيملأ فراغ القيادة العالمية في العقد القادم؟ و ليس الانشغال بالحكم على رؤية الصين بين “صحيحة” أو “خاطئة”، وعلى العقل العربي الإسلامي أن يقرر: هل يبقى ساحة تُدار عليها التنافسات الكبرى، أم يبني لنفسه موقعاً تفاوضياً مستقلاً؟
أزمة الإنفاق الدفاعي تكشف تراجع القدرات العسكرية البريطانية
تواجه المملكة المتحدة أزمة متفاقمة في تمويل قواتها المسلحة، بعدما أدت الخلافات حول خطة الاستثمار الدفاعي طويلة الأجل إلى استقالة وزير الدفاع جون هيلي وعدد من المسؤولين المرتبطين بملف القوات المسلحة، وسط اتهامات للحكومة بالعجز عن توفير الموارد اللازمة لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.
وتعود جذور الأزمة إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حين بدأت الحكومات البريطانية تقليص حجم الجيش والأسطول والبنية الداعمة للقوات، مستفيدة من تراجع التهديد السوفيتي وما عُرف بـ«عوائد السلام». ورغم بقاء الإنفاق الدفاعي قريبًا من 2% من الناتج المحلي الإجمالي لسنوات، فإن الالتزامات العسكرية البريطانية استمرت في التوسع، من الردع النووي إلى الانتشار البحري والمشاركة في عمليات خارج أوروبا.
ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا وارتفاع الإنفاق العسكري في بولندا ودول البلطيق وألمانيا ودول شمال أوروبا، تراجع ترتيب بريطانيا بين أعضاء حلف شمال الأطلسي، في وقت أصبحت فيه قواتها تعاني نقصًا في الأفراد والمعدات والقدرات اللوجستية.
وتفاقمت المشكلة بسبب سوء إدارة بعض برامج التسليح، ومنها مشروع المركبة المدرعة «أجاكس»، الذي استهلك مليارات الجنيهات الاسترلينية من دون تقديم قدرة عملياتية مكتملة، إضافة إلى إخفاقات شركات التوظيف المتعاقدة مع وزارة الدفاع في سد النقص البشري.
ويشير التحليل إلى أن بريطانيا تريد الاحتفاظ بجيش عالمي، وردع نووي، وقواعد خارجية، وحضور في المحيطين الهندي والهادئ، والمشاركة في تطوير مقاتلات وغواصات متقدمة، لكنها تحاول تحقيق هذه الطموحات بميزانية لا تتناسب معها.
ورغم إعلان الحكومة تخصيص تمويل إضافي، لا تزال الخطة تواجه فجوة مالية كبيرة. وتتمثل المعضلة الأساسية في ضرورة الاختيار بين زيادة الإنفاق بصورة حقيقية، أو تقليص الطموحات العسكرية والتركيز على الدفاع الأوروبي والقدرات التي تتميز فيها بريطانيا، مثل الاستخبارات والقوات الخاصة.




