نحن والعالم عدد 23 مايو 2026

يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة بين 16 مايو 2026 – 23 مايو 2026.
التقرير الدسم هذا الأسبوع يرصد مجموعة واسعة من التطورات الدولية والإقليمية خلال الأيام الأخيرة، أبرزها التقارب الروسي الصيني المتسارع، ومحاولة موسكو وبكين بناء شراكة اقتصادية وسياسية مضادة للنفوذ الأمريكي، خاصة عبر الطاقة وانتقال البضائع والعملات المحلية. كما يتناول التصعيد الأمريكي تجاه كوبا، والحديث عن عودة أجواء الحرب الباردة في الكاريبي بعد تهديدات ترامب واتهام راؤول كاسترو.
ويتوقف التقرير عند الانقسامات المتنامية داخل الولايات المتحدة، سواء داخل الحزب الجمهوري بعد هزيمة توماس ماسي أحد أهم رموز تيار الماجا بعد مواجهة شرسة صريحة مع اللوبي الصهيوني، و الجدل المتصاعد حول نفوذ هذا اللوبي، إضافة إلى مخاوف اقتصادية واجتماعية مرتبطة بتأثير الذكاء الاصطناعي على الطبقة الوسطى وسوق العمل الأمريكي. كما يناقش التوتر المزعوم بين ترامب ونتنياهو بشأن الحرب على إيران، والخلاف حول حدود التصعيد العسكري والتفاوض، وكذلك “استقالة” مديرة وكالة المخابرات الوطنية تولسي جابارد في خضم هذه التطورات.
وفي الملف الإيراني، يركز التقرير على تحول إيران نحو “التعبئة النفسية” بعد الحرب، عبر تدريبات مدنية وعروض عسكرية رمزية في الشوارع، إلى جانب ما وصفته نيويورك تايمز باستراتيجية “الاستنزاف السياسي” التي تتبعها طهران ضد واشنطن وتل أبيب. كما يتناول الجدل المثار حول أحمدي نجاد والتسريبات المتعلقة بخطط غربية لمرحلة “ما بعد النظام”، إضافة إلى الغموض المحيط بدور مجتبى خامنئي بعد توليه منصب المرشد.
ويتناول التقرير أيضاً التحولات الأمنية في الخليج، خاصة بعد كشف نشر قوات ومقاتلات باكستانية ومنظومات دفاع صينية داخل السعودية، في مؤشر على محاولة إعادة تشكيل المنظومة الأمنية الخليجية بعيداً عن الاعتماد الكامل على واشنطن. كما يناقش أزمة مضيق هرمز والثغرات التي كشفتها في القدرات البحرية الأمريكية، إلى جانب تصاعد التنافس الدولي في البحر الأحمر وشرق المتوسط.
أما على المستوى الإقليمي، فيرصد التقرير المناورات العسكرية التركية EFES-2026 وما تعكسه من تحول في العقيدة القتالية التركية نحو “حروب التكنولوجيا والمسيّرات”، إضافة إلى مناورات جيش خليفة حفتر شرق ليبيا، والتفاهمات الغازية بين مصر وقطر، والجدل اللبناني المتجدد حول إمكانية العودة إلى تفاهمات شبيهة باتفاق 17 أيار تحت ضغط الحرب والتوازنات الإقليمية.
متابعات دولية
شهدت الساحة الدولية خلال الأيام الأخيرة تصاعداً في التحولات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب مع إيران، والتنافس الأمريكي الصيني، وإعادة تشكيل التحالفات الأمنية والطاقة حول العالم. فقد عززت موسكو وبكين شراكتهما الاستراتيجية عبر توسيع التعاون في الطاقة والتجارة والعملات المحلية، بالتزامن مع تحركات صينية جديدة في آسيا شملت التنسيق مع روسيا والاستعداد لزيارة كوريا الشمالية.
يأتي ذلك في وقت تواصل فيه واشنطن توسيع ضغوطها الاقتصادية والتكنولوجية على الصين وسط مخاوف من تحوّل المنافسة بين القوتين إلى صراع طويل على النفوذ العالمي والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، كما تبدو فيه الولايات المتحدة أمام مرحلة إعادة تعريف لتحالفاتها التقليدية ودورها العالمي في ظل عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب والتعددية القطبية.
في هذا الإطار برز الملف الكوبي مجدداً بعد تهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه هافانا، بالتوازي مع تصاعد التوتر السياسي حول اتهامات طالت راؤول كاسترو، ما أعاد أجواء الحرب الباردة إلى الواجهة في منطقة الكاريبي، وأثار مخاوف من عودة المواجهة الأمريكية مع الأنظمة المناهضة لواشنطن في أمريكا اللاتينية.
وفي الشرق الأوسط، ركزت المتابعات الدولية على تداعيات الحرب مع إيران، سواء عبر أزمة مضيق هرمز أو التهديدات التي طالت الملاحة والطاقة العالمية، أو التحولات الأمنية الجديدة في الخليج بعد التقارب السعودي الباكستاني ودخول منظومات دفاع صينية إلى المنطقة.
أوروبياً، تصاعد النقاش حول مستقبل الأمن القاري واحتمالات بناء منظومة دفاعية مستقلة عن الولايات المتحدة، في ظل تراجع الثقة الأوروبية بالمظلة الأمريكية التقليدية، بينما شهدت ألمانيا توترات سياسية داخل الائتلاف الحاكم. كما عادت ملفات البحر الأحمر وشرق المتوسط وليبيا إلى واجهة الصراع الدولي مع تصاعد التنافس على الممرات البحرية والطاقة والنفوذ العسكري.
يأتي كل ذلك في إطار مخاوف عالمية تتعلق بالأمن السيبراني ودخول العالم في حروب رقمية شاملة.
قمة شي وبوتين: تحالف الطاقة والعملات المحلية في مواجهة “الهيمنة الأحادية”
في لقاء جديد يعكس عمق التقارب بين بكين وموسكو، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفع العلاقات الثنائية إلى “مستوى جديد”، مؤكدين أن الشراكة بين البلدين لم تعد مجرد تعاون اقتصادي، بل باتت جزءاً من رؤية مشتركة لإعادة تشكيل النظام الدولي على أسس متعددة الأقطاب.
وخلال القمة التي عُقدت في بكين، مباشرة بعد زيارة ترامب لبكين بنحو يومين، قال شي إن الصين وروسيا أجرتا “حواراً استراتيجياً” حول ملفات دولية متعددة، مشدداً على أن العالم بات “أقل أمناً” بسبب محاولات الهيمنة الأحادية. أما بوتين، فأكد أن العلاقات الروسية الصينية وصلت إلى “مستوى غير مسبوق”، وأن البلدين ماضيان في توسيع التعاون في الطاقة، المعادن الحيوية، التجارة، والسياسة الخارجية المستقلة. وقد وقّع الطرفان وثائق تعاون شملت الاقتصاد والطاقة والنقل والتنسيق الدولي، إلى جانب بيان مشترك حول تعميق الشراكة الاستراتيجية.
الأهمية الأبرز في تصريحات بوتين كانت تأكيده أن روسيا مستعدة لتزويد الصين بالطاقة “بثبات ودون انقطاع”، في وقت أصبحت فيه بكين أحد أهم المشترين للطاقة الروسية بعد العقوبات الغربية على موسكو. كما قال بوتين إن التسويات التجارية بين البلدين تتم اليوم بالعملات المحلية، في إشارة واضحة إلى محاولة تقليص الاعتماد على الدولار في التجارة الثنائية. وكالة الأناضول نقلت أن التحول إلى العملات الوطنية يهدف إلى حماية التجارة الروسية الصينية من تقلبات الأسواق العالمية.
لكن القمة لم تكن اقتصادية فقط. فقد حملت رسالة سياسية مباشرة إلى واشنطن. شي وبوتين انتقدا ما وصفاه بالهيمنة الأحادية ومحاولات فرض “قانون الغاب” في العلاقات الدولية، كما تطرقا إلى ملفات الأمن العالمي، الدفاع الصاروخي، وتوازن القوى. وبحسب رويترز، شملت محادثاتهما ملفات مثل الطاقة النووية، تايوان، ومبادرة الدفاع الصاروخي الأمريكية المعروفة باسم “القبة الذهبية”.
هذه القمة ليست مجرد لقاء بروتوكولي بين حليفين؛ إنها إعلان سياسي عن انتقال العلاقة الروسية الصينية من مستوى “الشراكة المصلحية” إلى مستوى “التنسيق الجيوسياسي المضاد للغرب”. فروسيا تحتاج إلى الصين اقتصادياً بعد العقوبات الغربية، والصين تحتاج إلى روسيا استراتيجياً كمصدر طاقة آمن وكشريك في كسر التفرد الأمريكي بالنظام الدولي.
لكن العلاقة ليست متكافئة تماماً. موسكو تبدو اليوم أكثر اعتماداً على بكين، خصوصاً في الطاقة والتكنولوجيا والأسواق البديلة. دويتشه فيله أشارت إلى أن الصين أصبحت مشترياً رئيسياً للوقود الأحفوري الروسي منذ حرب أوكرانيا، ما منح موسكو إيرادات حيوية في ظل العقوبات.
اللافت أيضاً أن بوتين ركز على الطاقة والمعادن الحيوية والعملات المحلية؛ وهذه ليست تفاصيل تقنية، بل أدوات صراع استراتيجي. الطاقة تمنح روسيا دور المورد الضروري، والمعادن الحيوية تدخل في صناعات التكنولوجيا والدفاع، أما العملات المحلية فهي جزء من معركة أوسع لتقليل هيمنة الدولار. لذلك فإن القمة تقول عملياً: موسكو وبكين لا تواجهان واشنطن عسكرياً فقط، بل تبنيان بنية اقتصادية بديلة تستطيع الصمود أمام العقوبات والضغوط الغربية.
مع ذلك، لا تزال هناك حدود لهذا التحالف. فمشروع خط أنابيب “قوة سيبيريا 2” للغاز لم يشهد اختراقاً حاسماً بسبب قضايا السعر والتمويل، ما يعني أن الصين تستفيد من حاجة روسيا لكنها لا تمنحها كل ما تريد. صحيفة الغارديان أشارت إلى أن القمة لم تنجح في إنهاء الخلافات حول هذا المشروع رغم دفء الخطاب السياسي. وعلى الرغم من أن هذا المشروع من المفترض أن يزيد من كمية الغاز الواردة من سيبيريا إلى الصين بما يعوضها عن الاضطراب في توريد الطاقة نتيجة اختناقات مضيق هرمز، وبالتالي فهو مهم جداً بالنسبة للصين، فإن الاستراتيجية التي تتبناها الصين في استيراد الطاقة تقضي بعدم الاعتماد على مصدر معين لاستيراد الطاقة بأكثر من 20% حتى لا يحدث لديها ارتباك كبير حال تعرض هذا المصدر لعدم الاستمرار (وهو ما قلل من تبعات الأزمة الحالية في مضيق هرمز عليها). لذلك فالصين مستعدة للمضي قدماً في هذا المشروع لكن بشرط تلقيها اتفاقاً تفضيلياً يعوضها عن المخاطر، وهي تضغط نظراً لحاجة روسيا لبيع المزيد من الغاز بعيداً عن السوق الأوروبي المغلق أمامها الآن.
تعليق:
القمة تؤكد أن العالم يتجه نحو اصطفاف أكثر وضوحاً: محور روسي صيني يريد نظاماً متعدد الأقطاب، مقابل غرب تقوده الولايات المتحدة يسعى للحفاظ على مركزية نفوذه. لكن داخل هذا المحور نفسه توجد معادلة دقيقة: روسيا تقدم الطاقة والوزن العسكري، بينما الصين تمسك بمفاتيح السوق والتمويل والتكنولوجيا. ولذلك فإن “المستوى الجديد” في العلاقات لا يعني تحالفاً متساوياً بالكامل، بل شراكة استراتيجية تقودها الحاجة الروسية والطموح الصيني.
من حدود الحرب الباردة إلى ممر استراتيجي.. روسيا والصين تعيدان تشكيل أكبر حدود برية في العالم
بعد عقود من التوتر والعزلة العسكرية، تتحول الحدود الروسية الصينية اليوم إلى واحدة من أكثر مناطق العالم نشاطاً في مشاريع البنية التحتية والتكامل الاقتصادي، في مشهد يعكس التحول الكبير في طبيعة العلاقة بين موسكو وبكين منذ اندلاع الحرب الأوكرانية وتصاعد المواجهة مع الغرب.
فالحدود الممتدة لأكثر من 4200 كيلومتر، والتي كانت خلال الحرب الباردة منطقة مغلقة تفصل بين قوتين نوويتين متنافستين، تشهد حالياً طفرة غير مسبوقة في مشاريع النقل والطاقة واللوجستيات، مع إطلاق أكثر من 12 مشروعاً استراتيجياً خلال العامين الماضيين فقط.
وتشمل هذه المشاريع ثلاثة جسور جديدة فوق نهر آمور، وخطوط سكك حديدية حديثة، وأنفاقاً جديدة، ومحطات ضخمة للحبوب والطاقة، إضافة إلى توسعة خطوط الغاز التي تنقل الطاقة الروسية مباشرة إلى الصين.
ويبرز جسر “تونغجيانغ” الحديدي كأحد أهم هذه المشاريع، بعدما تحول منذ افتتاحه في العام 2022 إلى شريان رئيسي لنقل الفحم وخام الحديد والأخشاب والبضائع بين البلدين، بطاقة تصل إلى 20 مليون طن سنوياً. كما ساهم في تقليص مسافات النقل الصينية نحو روسيا بنحو 1500 كيلومتر، ما جعله جزءاً أساسياً من شبكة التجارة البرية الجديدة بين آسيا وأوروبا.
وفي موازاة ذلك، يجري العمل على تعزيز البنية الطاقية المشتركة، مع استمرار تشغيل خط “قوة سيبيريا” للغاز، والتفاوض على تنفيذ مسار جديد عبر الشرق الأقصى الروسي من المتوقع أن يرفع صادرات الغاز الروسية إلى الصين إلى أكثر من 40 مليار متر مكعب سنوياً خلال السنوات المقبلة.
كما تعمل موسكو وبكين على تطوير مشروعات أخرى وموانئ ومحطات حبوب ضخمة موجهة نحو الأسواق الآسيوية، في خطوة تعكس إعادة توجيه الاقتصاد الروسي شرقاً بعد العقوبات الغربية، وتحول الصين إلى الشريك الاقتصادي الأكبر لروسيا في مجالات الطاقة والتجارة والبنية التحتية.
تعليق المعهد المصري
ما يحدث على الحدود بين البلدين يتجاوز مجرد مشاريع اقتصادية، ليعكس تحولاً جيوسياسياً واسعاً في موازين القوة العالمية. فموسكو، التي فقدت جزءاً كبيراً من ارتباطها الاقتصادي بأوروبا، تسعى إلى بناء شبكة نقل وطاقة بديلة ترتكز على آسيا، بينما تعمل الصين على تأمين طرق إمداد برية تقلل اعتمادها على الممرات البحرية المعرضة للتوترات الدولية.
كما تعكس هذه المشاريع توجهاً مشتركاً نحو بناء فضاء اقتصادي أوراسي أكثر ترابطاً، تكون فيه السكك الحديدية وخطوط الطاقة والمعابر البرية بديلاً جزئياً عن المسارات التجارية التقليدية التي تهيمن عليها القوى الغربية.
وفي ظل تصاعد التوترات العالمية، تبدو الحدود الروسية الصينية وكأنها تنتقل من كونها خط فصل جيوسياسي إلى محور اقتصادي واستراتيجي جديد، يعيد رسم حركة التجارة والطاقة بين الشرق والغرب.
بعد قمتي ترامب وبوتين.. شي جين بينغ يتجه إلى كوريا الشمالية لترتيب أوراق آسيا
تتجه الأنظار إلى التحرك الصيني المرتقب نحو كوريا الشمالية، بعدما كشفت تقارير آسيوية ودولية عن استعداد الرئيس الصيني شي جين بينغ لزيارة بيونغ يانغ خلال الأيام المقبلة، في خطوة تأتي مباشرة بعد لقاءيه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسط تصاعد التوترات الدولية وإعادة تشكل موازين القوة العالمية.
وبحسب ما نقلته وكالة “يونهاب” الكورية الجنوبية عن مصادر دبلوماسية، فإن فرقاً أمنية وبروتوكولية صينية وصلت بالفعل إلى كوريا الشمالية للتحضير للزيارة، فيما رجحت تقارير غربية أن تلعب بكين دوراً جديداً في ملف التفاوض النووي الكوري الشمالي والعلاقة المتوترة بين واشنطن وبيونغ يانغ.
وتأتي الزيارة في توقيت حساس، بعدما عقد شي جين بينغ قمتين متتاليتين حملتا رسائل مختلفة تماماً. ففي لقائه مع ترامب، طغت ملفات التجارة وتايوان والتنافس الاقتصادي، بينما ركزت القمة مع بوتين على تعميق الشراكة الصينية الروسية والتنسيق في مواجهة ما وصفه الطرفان بالهيمنة الغربية.
أما كوريا الشمالية، فتبدو بالنسبة لبكين ملفاً مختلفاً: ساحة لإدارة التوازنات الأمنية الأكثر خطورة في شرق آسيا.
وترى أوساط سياسية أن الصين تحاول تكريس نفسها كقوة قادرة على التواصل مع جميع الأطراف المتصارعة في آن واحد؛ من واشنطن وموسكو إلى بيونغ يانغ، في وقت يتراجع فيه وضوح الدور الأمريكي التقليدي في إدارة النظام الدولي.
كما تعكس الزيارة المرتقبة إدراكاً صينياً متزايداً بأن الملف الكوري الشمالي لم يعد مجرد قضية نووية معزولة، بل أصبح جزءاً رئيسياً من الصراع الأوسع على النفوذ في آسيا والمحيط الهادئ، خاصة مع تصاعد التوتر حول تايوان، وتوسّع التحالفات العسكرية الأمريكية مع اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين.
وفي هذا السياق، تبدو بكين حريصة على إبقاء كوريا الشمالية داخل مجال نفوذها المباشر، ليس فقط لمنع انهيار النظام هناك، بل أيضاً لتجنب أي ترتيبات أمنية قد تمنح واشنطن حضوراً أوسع قرب الحدود الصينية.
كما تحمل الزيارة رسالة غير مباشرة للولايات المتحدة مفادها أن الصين ما تزال الطرف الأكثر قدرة على التأثير في سلوك كوريا الشمالية، سواء في ما يتعلق بالبرنامج النووي أو التهدئة العسكرية في شبه الجزيرة الكورية.
وفي الخلفية، يبرز أيضاً البعد الروسي في المعادلة. فالتقارب المتزايد بين موسكو وبيونغ يانغ منذ الحرب الأوكرانية منح كوريا الشمالية موقعاً أكثر أهمية في الحسابات الدولية، بينما تحاول بكين الحفاظ على توازن دقيق يمنع خروج هذا الملف من تحت المظلة الصينية بالكامل.
ورغم الحديث المتكرر عن إمكانية استئناف المفاوضات النووية، إلا أن مراقبين يرون أن الصين لا تسعى بالضرورة إلى حل نهائي للأزمة، بقدر ما تحاول إدارة التوتر ومنع الانفجار، مع الحفاظ على دورها كوسيط لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية تخص شرق آسيا.
تعليق المعهد
وفي ظل هذا المشهد، تبدو زيارة شي جين بينغ المحتملة إلى بيونغ يانغ أكثر من مجرد زيارة دبلوماسية عادية، بل جزءاً من تحرك صيني أوسع لإعادة تثبيت موقع بكين كقوة مركزية في إدارة الأزمات الدولية، من أوكرانيا والشرق الأوسط وصولاً إلى شبه الجزيرة الكورية، في عالم تتغير فيه موازين القوة بوتيرة متسارعة.
ترامب يتحرك لتقييد صفقات الصين.. واشنطن توسع حرب التكنولوجيا والاستثمار
كشفت تقارير أمريكية أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعمل على توسيع القيود المفروضة على الاستثمارات والصفقات المرتبطة بالصين، في إطار تصعيد جديد للحرب الاقتصادية والتكنولوجية بين القوتين الأكبر عالمياً، وسط مخاوف متزايدة في واشنطن من تنامي النفوذ الصيني في القطاعات الاستراتيجية.
وبحسب ما نقلته الجزيرة نت عن صحيفة فايننشال تايمز، فإن إدارة ترامب تضغط لمنح الحكومة الأمريكية صلاحيات أوسع لتعطيل أو منع صفقات واستثمارات صينية داخل الولايات المتحدة وفي دول حليفة، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة والبنية التحتية الرقمية.
وتأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى تقليل اعتماد الغرب على الصين في القطاعات الحساسة، بعد سنوات من القلق داخل واشنطن من استخدام بكين للاستثمارات والشركات التكنولوجية كأدوات لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي عالمياً.
وتشير التقارير إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تشديد دور لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة (CFIUS)، ومنحها قدرة أكبر على التدخل ليس فقط في الصفقات داخل الأراضي الأمريكية، بل أيضاً في الاستثمارات العابرة للحدود التي قد تمنح الصين وصولاً إلى التكنولوجيا الغربية أو البيانات الحساسة.
كما تتزامن التحركات الأمريكية مع تصاعد التوترات الجيوسياسية بين البلدين، سواء في ملف تايوان أو بحر الصين الجنوبي أو المنافسة على الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية، وهي مجالات باتت تُعامل في واشنطن باعتبارها قضايا أمن قومي لا مجرد ملفات اقتصادية.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن الصين نجحت خلال العقدين الماضيين في بناء نفوذ واسع داخل سلاسل التوريد العالمية، مستفيدة من الانفتاح الاقتصادي الغربي، لكن الإدارة الحالية تعتبر أن هذا النموذج أصبح يشكل تهديداً استراتيجياً للولايات المتحدة وحلفائها.
وفي المقابل، تنظر بكين إلى القيود الأمريكية باعتبارها محاولة لاحتواء صعودها الاقتصادي والتكنولوجي، متهمة واشنطن باستخدام مفاهيم الأمن القومي كغطاء لحرب تجارية وصناعية تهدف إلى إبطاء النمو الصيني.
وتأتي هذه التطورات بينما تتزايد الضغوط الأمريكية على أوروبا وآسيا لتقليل التعاون التكنولوجي مع الصين، خاصة في قطاعات الاتصالات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، وهو ما يضع عدداً من الدول الحليفة لواشنطن أمام معادلة معقدة بين المصالح الاقتصادية والعلاقات الأمنية.
ويرى مراقبون أن ما يجري لم يعد مجرد تنافس اقتصادي تقليدي، بل تحول إلى صراع شامل على التكنولوجيا والنفوذ العالمي وسلاسل الإمداد، حيث تحاول الولايات المتحدة إعادة بناء النظام الاقتصادي العالمي بطريقة تقلل من قدرة الصين على الوصول إلى التقنيات الحساسة أو التحكم بالمفاصل الحيوية للاقتصاد العالمي.
كما تعكس التحركات الأمريكية تحولاً واضحاً في التفكير الغربي، إذ لم تعد الصين تُعامل فقط كمنافس تجاري، بل كقوة استراتيجية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوة الدولية خلال العقود المقبلة.
وفي ظل هذا التصعيد، تبدو العلاقة بين واشنطن وبكين متجهة نحو مرحلة أكثر صدامية، عنوانها الرئيسي:
“فك الارتباط التكنولوجي” بين أكبر اقتصادين في العالم، حتى لو جاء ذلك على حساب العولمة والنظام التجاري الذي قاد الاقتصاد العالمي لعقود.
أفاق جديدة في الحرب الروسية الأوكرانية: تصاعد العمليات العسكرية والتلويح بالردع النووي – قراءة المعهد المصري
تشهد الحرب بين روسيا وأوكرانيا تطورات ميدانية وعسكرية لافتة تعكس استمرار الصراع بصورة أكبر على نمط “حرب الاستنزاف طويلة الأمد”، في ظل استمرار العمليات الهجومية الروسية على عدة محاور، مقابل تصاعد الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة داخل العمق الروسي. التطورات الجديدة تهدد أيضاً بانتقال الصراع لمراحل جديدة يتسع فيها نطاقه الجغرافي، وتستخدم فيها أسلحة جديدة أشد فتكاً وتدمياً.
على الجانب الروسي:
على المستوى الميداني، تواصل القوات الروسية الضغط على جبهات الشرق الأوكراني، خصوصاً في محاور دونيتسك وخاركيف، مع تركيز موسكو على سياسة “القضم البطيء” للمناطق عبر الاعتماد على التفوق الناري والمدفعي، بدلاً من شن عمليات اختراق واسعة وسريعة كما حدث في المراحل الأولى من الحرب.
تكثِّف روسيا من استخدام الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة الانتحارية لضرب البنية التحتية للطاقة والمنشآت العسكرية الأوكرانية، في إطار استراتيجية تهدف إلى إنهاك القدرات الاقتصادية واللوجستية لكييف، ورفع كلفة استمرار الحرب على الدولة الأوكرانية وحلفائها الغربيين.
التطورات الجديدة شملت إجراء روسيا تدريبات نووية واسعة النطاق بمشاركة بيلاروسيا على الأراضي البيلاروسية ، وصفها الرئيس الأوكراني زيلينسكي بسابقة خطيرة ، في رسالة ردع واضحة تعكس أن موسكو تعمل على إظهار جاهزيتها لكافة السيناريوهات والاحتمالات، خصوصاً في ظل التصعيد المتزايد مع الغرب واستمرار الحرب في أوكرانيا.
وقد شهدت المناورات النووية في إطار هذه التدريبات المشتركة بين روسيا وبيلاروسيا تصعيداً لافتاً في مستوى الجاهزية العملياتية للقوات النووية، حيث تم تجهيز صواريخ “إسكندر” برؤوس نووية داخل نقاط ميدانية في مناطق تمركز الألوية الصاروخية الروسية داخل الأراضي البيلاروسية، في رسالة ردع استراتيجية تحمل دلالات عسكرية وسياسية مباشرة إلى الغرب وحلف الناتو.
وبحسب ما أعلنته وزارة الدفاع الروسية، فإن أفراد وحدات الصواريخ البيلاروسية نفذوا تدريبات قتالية تضمنت استلام وتحميل الذخائر النووية على صواريخ منظومة “إسكندر-إم”، ثم الانتشار بسرية إلى مواقع ميدانية محددة لتنفيذ عمليات إطلاق محاكاة، في إطار اختبار الجاهزية العملياتية والتكامل بين وحدات الصواريخ والقوات الجوية والبحرية.
كما تضمنت التدريبات رفع الجاهزية القتالية لوحدات الأسلحة النووية إلى الحد الأقصى، والتدرب على التعبئة السريعة للقوات، بما يعكس تركيز موسكو على اختبار سرعة الانتشار والقدرة على تنفيذ الردع النووي التكتيكي في ظروف تحاكي بيئة الحرب الفعلية.
وشاركت في هذه المناورات قوات ضخمة ومتعددة الأفرع، شملت أكثر من 64 ألف جندي، ونحو 7800 قطعة من المعدات العسكرية، من بينها أكثر من 200 منصة إطلاق صواريخ، وأكثر من 140 طائرة، إضافة إلى 73 سفينة حربية سطحية، و13 غواصة، بينها 8 غواصات استراتيجية حاملة للصواريخ النووية.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن طائرات القوات الجوية الروسية أجرت تدريبات خاصة لتجهيز صواريخ كينجال برؤوس حربية خاصة، مع تنفيذ طلعات جوية فوق مناطق الدوريات ضمن إطار المناورات النووية.
كما شملت التدريبات قوات الصواريخ الاستراتيجية الروسية، وأساطيل الشمال والمحيط الهادئ، ووحدات الطيران بعيد المدى، إضافة إلى المناطق العسكرية المختلفة، حيث جرى التدريب على الاستعداد لإطلاق الصواريخ ضمن سيناريوهات الردع النووي الشامل.
وفي الجانب البحري، دخلت الغواصات النووية الروسية المزودة بصواريخ باليستية إلى مناطق التدريبات البحرية، في خطوة تعكس محاكاة لسيناريوهات الرد النووي البحري والاستعداد لتنفيذ عمليات إطلاق استراتيجية من أعماق البحار.
كذلك تضمنت المناورات نشر أنظمة صواريخ استراتيجية متنقلة داخل مواقع ميدانية، بما يعكس تركيز موسكو على تعزيز بقاء وقدرة منصات الإطلاق النووية على المناورة والحركة لتفادي الاستهداف المبكر في حال اندلاع مواجهة واسعة النطاق.
من منظور عسكري واستراتيجي، هذه المناورات تعكس توجهاً روسياً واضحاً نحو إعادة إبراز عنصر الردع النووي كأداة ضغط استراتيجية في مواجهة الغرب، خاصة في ظل استمرار الحرب الأوكرانية، وتصاعد التوتر مع حلف الناتو، ومحاولة موسكو التأكيد على أن لديها القدرة على التصعيد إلى مستويات أعلى إذا ما شعرت بتهديد مباشر لأمنها القومي أو توازناتها الاستراتيجية.
على الجانب الأوكراني:
في المقابل، تعتمد أوكرانيا بصورة متزايدة على استهداف البنية اللوجستية والعسكرية الروسية، بما يشمل مستودعات الذخيرة ومصافي النفط ومراكز القيادة، في محاولة لإضعاف القدرة الروسية على مواصلة العمليات الهجومية واستنزاف الاقتصاد العسكري الروسي.
ما شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الهجمات بالطائرات المسيّرة الأوكرانية داخل العمق الروسي بما في ذلك استهداف مناطق قريبة من العاصمة موسكو، وهو ما يعكس تطور القدرات الأوكرانية في مجال الحرب غير المتماثلة، ومحاولة نقل الضغط النفسي والعسكري إلى الداخل الروسي.
قراءة تحليلية:
عسكرياً، تبدو الجبهة الحالية أقرب إلى “توازن استنزاف” أكثر من كونها حرب حسم سريع، حيث يمتلك الجيش الروسي تفوقاً في الموارد البشرية والصناعات العسكرية والقدرات الصاروخية، بينما تعتمد أوكرانيا بشكل رئيسي على الدعم الغربي في مجالات التسليح والاستخبارات والدفاع الجوي.
كما أن أحد أبرز التحولات في الحرب يتمثل في التحول المتزايد نحو “حرب المسيّرات”، إذ أصبحت الطائرات بدون طيار عنصراً رئيسياً في الاستطلاع والاستهداف والهجمات التكتيكية، ما غيّر طبيعة العمليات القتالية التقليدية على امتداد خطوط الجبهة.
يبدو أن روسيا عملت خلال الفترات الماضية على اختبار جاهزية واستجابة منظومات الدفاع الجوي التابعة لدول حلف الناتو، عبر اختراق بعض الطائرات المسيّرة أو الأجسام الجوية للمجال الجوي لعدد من دول الحلف، وعلى رأسها بولندا، التي تُعد من أبرز الدول الداعمة لأوكرانيا والمجاورة لها جغرافياً. ويُنظر إلى هذه التحركات، من منظور عسكري، باعتبارها محاولات لاستكشاف سرعة استجابة الدفاعات الجوية التابعة للناتو، وآليات الرصد والتعامل والاعتراض، إضافة إلى قياس قواعد الاشتباك وردود الفعل السياسية والعسكرية داخل الحلف عند حدوث اختراقات جوية مفاجئة.
وعلى الرغم من أن موسكو كانت تنفي في كثير من الأحيان تبعية تلك المسيّرات أو الأجسام الجوية لها، فإن تكرار هذه الحوادث في محيط دول الناتو يُفسَّر على نطاق واسع باعتباره جزءاً من حرب “جس النبض الاستراتيجي” بين روسيا والحلف، في ظل تصاعد التوترات واحتمالات اتساع نطاق المواجهة غير المباشرة بين الطرفين.
تأتي الآن التدريبات النووية الروسية كرسالة ردع لأمريكا وحلف الناتو لعدم المضي قدماً في أي تصعيد ضد روسيا، ورسالة إنذار شديدة اللهجة لدول حلف الناتو تفيد بأن روسيا لديها القدرة لخوض حرب تذهب إلى ما أبعد من أوكرانيا.
ومن الناحية السياسية والاستراتيجية، تحاول موسكو استثمار عامل الوقت، انطلاقاً من قناعة بأن استمرار الحرب لفترة أطول قد يؤدي إلى تراجع الدعم الغربي لأوكرانيا نتيجة الضغوط الاقتصادية والانقسامات السياسية داخل بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة. وفي المقابل، تراهن كييف على استمرار الدعم الغربي وتطوير قدراتها العسكرية لإبقاء الضغط على القوات الروسية ومنع موسكو من تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة.
وبصورة عامة، فإن المشهد الحالي لا يشير إلى اقتراب نهاية الحرب في المدى القريب، بل يعكس استمرار الصراع ضمن معادلة “الاستنزاف المتبادل”، مع احتمالية تصاعد الهجمات بعيدة المدى والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة، خصوصاً المسيّرات والحرب الإلكترونية، في ظل غياب أي مؤشرات جدية على تسوية سياسية شاملة حتى الآن.
ويبدو أن روسيا تحاول استغلال حالة الانشغال الأمريكي والدولي بالتطورات المتسارعة المرتبطة بالمواجهة مع إيران، وما ترتب عليها من تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة، خصوصاً في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز وتأثير ذلك على أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي وحجم الضغوط الواقعة على الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي هذا السياق، كثّفت روسيا من هجماتها الصاروخية والجوية ضد العاصمة الأوكرانية كييف وعدد من المدن والمراكز الحيوية، في محاولة واضحة لاستغلال حالة الانشغال الدولي وتراجع التركيز الإعلامي والسياسي الغربي على الحرب الأوكرانية، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية الروسية الهادفة إلى توسيع نطاق السيطرة الميدانية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ويبدو أن موسكو تسعى، من خلال هذا التصعيد، إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية والاستراتيجية، بما يسمح لها لاحقاً بالدخول إلى أي مفاوضات محتملة من موقع قوة، مع الاحتفاظ بمساحات ونقاط نفوذ لا يمكن التراجع عنها بسهولة، مدعومة بقوة نووية رادعة وجاهزة للاستخدام إذا اقتضى الأمر.
كما أن القيادة الروسية تدرك أن استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية على الولايات المتحدة والدول الغربية نتيجة الأزمات المتزامنة، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا، قد يدفع واشنطن وحلفاءها في مرحلة لاحقة إلى القبول بمفاوضات أكثر جدية مع موسكو، تضمن لروسيا جزءاً مهماً من أهدافها الكلية والاستراتيجية التي دخلت الحرب من أجلها.
ترامب يعيد فتح جبهة كوبا.. هل تدخل واشنطن مرحلة “خنق هافانا”؟
عاد ملف كوبا إلى واجهة التصعيد الأمريكي، بعدما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديدات جديدة ضد هافانا، متعهداً بتشديد الضغوط السياسية والاقتصادية على الحكومة الكوبية، في خطوة تعكس تحوّلاً نحو خطاب أكثر حدّة يتجاوز العقوبات التقليدية إلى التلويح بعزل كامل للنظام الكوبي. ويأتي هذا التصعيد في وقت تعاني فيه الجزيرة من واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية والكهربائية منذ عقود.
وقال ترامب إن الولايات المتحدة “لن تسمح بوجود نظام معادٍ على بعد أميال قليلة من الأراضي الأمريكية”، مؤكداً أن واشنطن ستواصل “دعم حرية الشعب الكوبي”، مع التلميح إلى إجراءات إضافية قد تشمل توسيع العقوبات والحصار الاقتصادي. التصريحات أعادت إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، حين كانت كوبا تمثل إحدى أبرز ساحات الصراع بين واشنطن وموسكو.
التصعيد الأمريكي لم يبقَ في إطار الخطاب السياسي فقط، بل ترافق مع تشديد الضغوط الاقتصادية على الشركات والجهات التي تتعامل مع كوبا، خصوصاً في قطاعات الطاقة والتحويلات المالية. وتقول تقارير إن العقوبات الأخيرة ساهمت في تعميق أزمة الوقود والكهرباء داخل البلاد، حيث تشهد عدة مدن انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي ونقصاً متزايداً في المواد الأساسية.
في المقابل، ردّت الحكومة الكوبية بلهجة حادة، معتبرة أن واشنطن تحاول “خنق البلاد اقتصادياً ودفعها نحو الفوضى الداخلية”. كما حذّر الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل من أن أي تصعيد إضافي قد يهدد الاستقرار في منطقة الكاريبي، متهماً الولايات المتحدة باستخدام ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان كغطاء لأهداف سياسية واستراتيجية أوسع.
لكن خلف هذا التصعيد توجد حسابات تتجاوز العلاقة الثنائية بين البلدين. فإدارة ترامب تبدو وكأنها تعيد إحياء سياسة “الفناء الخلفي الأمريكي”، القائمة على منع أي نفوذ معادٍ لواشنطن في أمريكا اللاتينية، خصوصاً مع تنامي الحضور الروسي والصيني في المنطقة. فواشنطن تنظر إلى التقارب الكوبي مع موسكو وبكين باعتباره تهديداً أمنياً متصاعداً، وليس مجرد شراكة اقتصادية عادية.
كما يحمل التصعيد بُعداً انتخابياً داخلياً مهماً. فولاية فلوريدا، التي تضم جالية كوبية واسعة تعارض النظام في هافانا، تُعد من أهم القواعد السياسية لترامب. لذلك فإن تبنّي خطاب متشدد تجاه كوبا يمنحه زخماً شعبياً لدى المحافظين والكوبيين الأمريكيين الذين يرون أن أي تخفيف للعقوبات يمنح الحكومة الكوبية فرصة للبقاء.
في المقابل، تراهن هافانا على عامل الوقت وعلى انشغال واشنطن بأزمات دولية أخرى، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وآسيا. كما تعتمد كوبا على استمرار الدعم السياسي والاقتصادي من روسيا والصين وبعض دول أمريكا اللاتينية لتخفيف آثار الحصار والعقوبات.
ورغم أن احتمال التدخل العسكري المباشر ما يزال بعيداً، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن واشنطن تتجه نحو استراتيجية “الضغط البطيء”، أي إنهاك النظام الكوبي اقتصادياً واجتماعياً على أمل دفعه إلى التآكل من الداخل. وهي مقاربة تختلف عن الحروب التقليدية، لكنها قد تكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها الجزيرة اليوم.
اتهام كاسترو.. هل تدفع واشنطن وكوبا نحو حافة المواجهة؟
أعاد قرار توجيه اتهامات أمريكية ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو فتح واحدة من أخطر جبهات التوتر في نصف الكرة الغربي، وسط تحذيرات متزايدة من أن التصعيد السياسي والقضائي بين واشنطن وهافانا قد يتحول إلى أزمة أمنية مفتوحة تتجاوز حدود العقوبات التقليدية. تقرير نشرته CNN Arabic أشار إلى أن القضية لا تتعلق فقط باتهام قانوني، بل بإعادة تعريف كوبا داخل العقيدة الأمنية الأمريكية كـ“تهديد مباشر” يجب احتواؤه.
وتتهم واشنطن راؤول كاسترو بالارتباط بملفات تتعلق بدعم شبكات معادية للمصالح الأمريكية، إضافة إلى اتهامات مرتبطة بالتنسيق الأمني والعسكري مع خصوم الولايات المتحدة. ورغم أن كاسترو لم يعد في السلطة رسمياً، فإن استهدافه يحمل دلالة رمزية وسياسية كبيرة، لأنه يمثل أحد آخر أعمدة الثورة الكوبية التاريخية وامتداد إرث عائلة كاسترو التي حكمت الجزيرة لعقود.
اللافت أن التصعيد الحالي يتجاوز الإطار القضائي، إذ ترافق مع خطاب أمريكي أكثر حدة من الرئيس دونالد ترامب، الذي تحدث عن “إنهاء التهديد الكوبي” وضرورة منع أي تموضع أمني أو استخباراتي معادٍ قرب السواحل الأمريكية. هذا التحول يعكس انتقال واشنطن من سياسة الضغط الاقتصادي البحت إلى خطاب أقرب إلى منطق الحرب الباردة، حيث تُقدَّم كوبا مجدداً كمنصة نفوذ روسي وصيني في الكاريبي.
في المقابل، تنظر هافانا إلى الاتهامات باعتبارها مقدمة لمحاولة خنق النظام سياسياً وربما تهيئة الرأي العام الأمريكي والدولي لتصعيد أكبر مستقبلاً. لذلك جاء الرد الكوبي حاداً، مع اتهام الولايات المتحدة بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي ودفع البلاد نحو الانهيار عبر العقوبات والعزل الدبلوماسي.
لكن الأهمية الحقيقية للأزمة لا تكمن في كوبا وحدها، بل في التحولات الدولية المحيطة بها. فالعالم يعيش حالياً حالة استقطاب حاد بين القوى الكبرى، وواشنطن أصبحت أكثر حساسية تجاه أي حضور روسي أو صيني قرب حدودها الجغرافية. وفي هذا السياق، تتحول كوبا من مجرد دولة معاقَبة إلى عقدة جيوسياسية مرتبطة بالتنافس العالمي على النفوذ.
كما أن إدارة ترامب تستفيد داخلياً من هذا التصعيد، خاصة في ولاية فلوريدا التي تضم قاعدة انتخابية واسعة من الكوبيين المعارضين للنظام في هافانا. لذلك فإن التشدد تجاه كوبا ليس قراراً خارجياً فقط، بل يحمل بعداً انتخابياً واضحاً، حيث يُستخدم لإظهار الحزم والقوة أمام الناخب المحافظ.
ورغم أن احتمالات الحرب المباشرة ما تزال منخفضة، فإن الخطر الحقيقي يكمن في التصعيد التدريجي: عقوبات أشد، حصار أوسع، تحركات بحرية واستخباراتية، وربما مواجهات غير مباشرة في البحر الكاريبي. وهذا ما يجعل الأزمة الحالية أخطر من مجرد خلاف دبلوماسي عابر، لأنها تعيد إنتاج مناخات الستينات لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين؛ حرب نفوذ، اقتصاد، معلومات، وضغط نفسي طويل الأمد.
وفي حال استمرت واشنطن في تحويل كوبا إلى “ملف أمني استراتيجي” بدلاً من ملف سياسي تقليدي، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من التوتر المزمن، تُصبح فيها الجزيرة الصغيرة مرة أخرى نقطة اشتباك بين القوى الكبرى، تماماً كما كانت خلال ذروة الحرب الباردة.
رئيسة فنزويلا بالوكالة إلى الهند بإعلان أمريكي… روبيو يكشف عن الرحلة وهدفها
أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الرئيسة الفنزويلية بالوكالة دلسي رودريغيز ستسافر إلى الهند الأسبوع المقبل لمحادثات نفطية، في إعلان غير معتاد يظهر النفوذ الأميركي الجديد على كراكاس.
وذكر روبيو رحلة رودريغيز، التي تتولّى السلطة منذ أطاحت قوّات أميركية الرئيس نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير، مع انطلاقه في رحلته الخاصّة التي ستأخذه إلى الهند اعتباراً من السبت.
وقال روبيو “مع تضرّر الاقتصاد الهندي بشكل متزايد من الفوضى التي أحدثها الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، نريد أن نبيعهم من الطاقة كل ما هم مستعدّون لشرائه”.
وأضاف “نعتقد أيضاً أن هناك فرصاً تتعلّق بالنفط الفنزويلي. في الواقع، حسب علمي، ستسافر الرئيسة الفنزويلية بالوكالة إلى الهند الأسبوع المقبل أيضاً”.
وتابع “هناك الكثير من العمل مع الهند. إنّهم حليف عظيم وشريك عظيم”.
ورغم انتقاد رودريغيز علناً العملية التي أطاحت مادورو، نالت إشادة من الرئيس دونالد ترامب لتعاونها مع الولايات المتحدة، بما في ذلك في قطاع النفط.
وتملك فنزويلا أكبر احتياطات نفطية مؤكّدة في العالم.
وتربط رودريغيز علاقات قديمة بالهند كونها من أتباع المعلم الروحي الراحل ساتيا ساي بابا. وهي زارت مقرّه الروحي (أشرام) في جنوب الهند مرّتين على الأقل في السنوات الأخيرة أثناء تولّيها منصب نائبة الرئيس.
وتستورد الهند حوالى نصف حاجاتها من الطاقة ومعظم حاجاتها من النفط.
وكانت من كبار مستوردي النفط الإيراني حتى هدّد ترامب، خلال ولايته الأولى، بفرض عقوبات على أي دولة تشتري النفط من إيران.
إنذار أحمر في الأمن السيبراني.. العالم يدخل مرحلة “الحروب الرقمية الشاملة”
حذرت تقارير تقنية وأمنية دولية من أن عام 2026 قد يشهد أخطر تصعيد سيبراني منذ سنوات، مع تحول الهجمات الإلكترونية من عمليات تجسس أو ابتزاز منفصلة إلى جزء أساسي من الصراعات الجيوسياسية والحروب الحديثة. تقرير تناولته وسائل إعلام تركية استناداً إلى دراسات أمنية دولية أشار إلى أن الحكومات والشركات باتت تواجه “إنذاراً أحمر” بسبب التوسع السريع للهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، واستهداف البنية التحتية الحيوية وأنظمة الأقمار الصناعية وGPS.
ووفقاً لتقرير نشرته Euronews استناداً إلى تقديرات شركات أمنية مثل Google Cloud وFortinet وForrester، فإن التهديدات السيبرانية لم تعد مجرد خطر تقني، بل أصبحت جزءاً من المنافسة الاستراتيجية بين الدول الكبرى، خصوصاً روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية. وتشير التقديرات إلى أن أوروبا وحدها تحملت خلال السنوات الأخيرة خسائر قاربت 300 مليار يورو نتيجة الهجمات الإلكترونية وبرامج الفدية والتخريب الرقمي.
التقارير تحدثت عن تصاعد نوعي في الهجمات، أبرزها:
- استخدام الذكاء الاصطناعي في إنشاء رسائل تصيد واحتيال شديدة الواقعية،
- تقنيات استنساخ الأصوات البشرية لخداع الموظفين والمديرين،
- هجمات “حقن الأوامر” داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي،
- إضافة إلى استهداف أنظمة GPS والأقمار الصناعية والتشويش على الملاحة والطيران والدفاعات العسكرية.
كما حذرت الدراسات من أن الحرب السيبرانية بدأت تنتقل إلى “الفضاء”، حيث أصبحت الأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة العالمية أهدافاً رئيسية للهجمات الإلكترونية. ووفقاً للتقارير، يمكن عبر التلاعب بإشارات GPS توجيه الطائرات أو الدرونات أو الصواريخ إلى مسارات خاطئة، أو تعطيل أنظمة الملاحة المدنية والعسكرية بالكامل.
الأخطر أن الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة دفاع فقط، بل أصبح سلاحاً بيد المهاجمين أيضاً. فالشركات الأمنية تتوقع أن تستخدم مجموعات القرصنة “وكلاء ذكاء اصطناعي” قادرين على تنفيذ الهجمات وتعديلها والتكيف مع الدفاعات بشكل شبه مستقل، دون تدخل بشري مباشر.
اعتقالات في ميونخ تفتح ملف “التجسس الأكاديمي” الصيني في أوروبا
أعادت السلطات الألمانية ملف التجسس الصيني إلى الواجهة بعد توقيف زوجين في مدينة ميونخ للاشتباه بجمعهما معلومات وتقنيات حساسة لصالح بكين، في قضية أثارت قلقاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية الألمانية، خصوصاً مع تزايد المخاوف الأوروبية من استهداف الجامعات ومراكز الأبحاث المتقدمة.
ووفقاً لما أعلنته النيابة العامة الفيدرالية في ألمانيا، فإن التحقيقات تشير إلى أن الموقوفين عملا على بناء علاقات مع أكاديميين وباحثين في مجالات ترتبط بتقنيات يمكن استخدامها لأغراض عسكرية، من بينها الذكاء الاصطناعي والهندسة الفضائية وتقنيات المعلومات. كما تتهم السلطات الزوجين بمحاولة نقل معطيات وأبحاث حساسة إلى جهات مرتبطة بالصين.
القضية تأتي في وقت تشهد فيه أوروبا تحولاً واضحاً في نظرتها إلى الصين. فبعد سنوات من التعامل مع بكين بوصفها شريكاً اقتصادياً أساسياً، بدأت الحكومات الأوروبية تتعامل معها بشكل متزايد باعتبارها منافساً استراتيجياً يسعى للوصول إلى التكنولوجيا الغربية المتقدمة.
وتكتسب ألمانيا حساسية خاصة في هذا السياق، باعتبارها واحدة من أهم الدول الصناعية والتكنولوجية في أوروبا، وتضم جامعات ومراكز أبحاث تعد من الأكثر تقدماً في مجالات الهندسة والصناعة والذكاء الاصطناعي.
وفي السنوات الأخيرة، حذرت أجهزة الاستخبارات الألمانية مراراً من محاولات اختراق تستهدف المؤسسات العلمية والاقتصادية، سواء عبر شركات واستثمارات أو من خلال التعاون الأكاديمي والبحثي.
ويرى مراقبون أن القضية تعكس تصاعد ما بات يُعرف بـ“التجسس التكنولوجي”، حيث أصبحت المنافسة الدولية لا تقتصر على الجيوش والسلاح التقليدي، بل تمتد إلى السيطرة على المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة.
كما تأتي هذه التطورات في ظل احتدام الصراع العالمي على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، وهي المجالات التي تعتبرها القوى الكبرى مفتاح التفوق الاقتصادي والعسكري خلال العقود المقبلة.
وفي المقابل، تواجه أوروبا معضلة متزايدة بين الحفاظ على انفتاحها الأكاديمي والعلمي، وبين تشديد الرقابة الأمنية على التعاون مع الصين، خاصة مع الضغوط الأمريكية المتزايدة لتقليص الاعتماد الأوروبي على بكين في القطاعات الاستراتيجية.
ويرى محللون أن قضية ميونخ قد تكون مؤشراً على مرحلة جديدة من التوتر بين أوروبا والصين، عنوانها المنافسة التكنولوجية والأمنية، بعدما كانت العلاقات بين الجانبين تتركز لعقود على الاقتصاد والتجارة بشكل أساسي.
هل تنهار حكومة ميرتس؟.. الخلافات تهز الائتلاف الألماني والسيناريو الأقرب “حكومة أقلية”
تتصاعد في ألمانيا مؤشرات التوتر داخل الائتلاف الحاكم بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، وسط حديث متزايد في الأوساط السياسية والإعلامية عن احتمال انهيار الحكومة الحالية نتيجة الخلافات المتراكمة بين المحافظين والاشتراكيين الديمقراطيين، في واحدة من أكثر الأزمات السياسية حساسية التي تواجه برلين منذ سنوات.
ووفقاً لتقارير ألمانية نقلتها الجزيرة نت، فإن الخلافات بين شركاء الحكم تجاوزت في الأسابيع الأخيرة الملفات التقنية التقليدية، لتتحول إلى أزمة ثقة سياسية حقيقية تهدد تماسك الائتلاف، خصوصاً مع تصاعد التباينات حول الاقتصاد، الإنفاق العسكري، سياسة الهجرة، والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
وتشير التقديرات إلى أن الحكومة الألمانية تواجه أربعة سيناريوهات رئيسية في حال تفاقمت الأزمة:
- استمرار الائتلاف بصعوبة بعد تقديم تنازلات متبادلة،
- إعادة تشكيل الحكومة،
- الدعوة إلى انتخابات مبكرة،
- أو اللجوء إلى تشكيل “حكومة أقلية”، وهو السيناريو الذي بدأت وسائل إعلام ألمانية تعتبره الأكثر ترجيحاً في حال فشل الأطراف في ترميم التحالف الحالي.
ورغم أن ألمانيا لا تمتلك تاريخاً طويلاً مع حكومات الأقلية بعد الحرب العالمية الثانية، فإن هذا الخيار عاد إلى النقاش بقوة مع تزايد هشاشة التوازنات داخل البرلمان، وصعوبة الوصول إلى أغلبية مستقرة في ظل صعود اليمين الشعبوي وتراجع الأحزاب التقليدية.
وتأتي الأزمة السياسية في وقت تعيش فيه ألمانيا ضغوطاً اقتصادية وأمنية متزايدة، بدءاً من تداعيات الحرب المرتبطة بإيران وأسعار الطاقة، وصولاً إلى تباطؤ الاقتصاد الألماني وتصاعد الجدل الداخلي بشأن الإنفاق الدفاعي ودور برلين في الملفات الدولية.
كما تواجه حكومة ميرتس انتقادات متكررة بسبب ما تصفه وسائل إعلام ألمانية بـ“أزمة التواصل السياسي”، بعد سلسلة تصريحات ومواقف أثارت جدلاً داخل ألمانيا وخارجها، وهو ما دفع المستشار نفسه للاعتراف مؤخراً بوجود أخطاء في إدارة الرسائل السياسية والإعلامية للحكومة.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تعكس تحولات أعمق داخل المشهد السياسي الألماني، حيث لم تعد الأحزاب التقليدية قادرة بسهولة على الحفاظ على التوافقات الواسعة التي ميّزت السياسة الألمانية لعقود، في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني الشعبوي زاد من تعقيد المشهد، إذ تخشى الأحزاب التقليدية أن تؤدي أي انتخابات مبكرة إلى تعزيز نفوذ اليمين المتطرف داخل البرلمان، وهو ما يجعل كثيراً من القوى السياسية تفضّل استمرار الحكومة الحالية رغم الخلافات.
وفي حال اتجهت ألمانيا نحو حكومة أقلية، فإن ذلك سيمثل تحولاً سياسياً لافتاً في بلد اعتاد تاريخياً على الحكومات الائتلافية المستقرة نسبياً، وقد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر هشاشة في إدارة أكبر اقتصاد أوروبي، خصوصاً في ظل التحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي تواجهها القارة الأوروبية حالياً.
خطة أوروبية “صامتة” لما بعد الناتو.. هل تستعد القارة لمرحلة ما بعد المظلة الأمريكية؟
بدأت دول أوروبية داخل حلف شمال الأطلسي إعداد ما وُصف بـ“خطة بديلة سرية” تحسباً لاحتمال تراجع الالتزام العسكري الأمريكي تجاه أوروبا أو حتى تعطّل قدرة الحلف على التحرك الجماعي مستقبلاً، في مؤشر جديد على عمق أزمة الثقة المتصاعدة بين ضفتي الأطلسي منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
ووفقاً لما كشفته مجلة “الإيكونوميست” ونقلته الجزيرة نت، فإن المناقشات الأوروبية تدور حول تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية للقارة، وبناء هيكل أمني أكثر استقلالية يمكنه العمل حتى في حال تقليص الدور الأمريكي داخل الناتو أو انسحاب واشنطن من بعض التزاماتها العسكرية التقليدية.
وتأتي هذه التحركات بعد أشهر من التوتر المتكرر بين إدارة ترامب وعدد من العواصم الأوروبية، خاصة بشأن:
- الحرب في إيران،
- الإنفاق الدفاعي،
- ومستقبل الدعم الأمريكي لأوكرانيا والناتو.
كما أثارت تصريحات ترامب الأخيرة، التي وصف فيها الحلف بأنه “عبء مكلف” على الولايات المتحدة، مخاوف متزايدة داخل أوروبا من احتمال حدوث تغير جذري في طبيعة العلاقة الأمنية عبر الأطلسي.
وبحسب التقارير، فإن الخطة الأوروبية لا تهدف رسمياً إلى استبدال الناتو، بل إلى ضمان استمرار الردع العسكري في مواجهة روسيا إذا قررت واشنطن تقليص وجودها أو إعادة توزيع أولوياتها العالمية نحو آسيا والصين. وتشمل المناقشات:
- رفع الإنفاق العسكري الأوروبي،
- تطوير الصناعات الدفاعية المشتركة،
- إنشاء منظومات قيادة أوروبية أكثر استقلالية،
- وتعزيز القدرات النووية واللوجستية داخل القارة.
وتقود فرنسا وألمانيا جزءاً أساسياً من هذا التوجه، بينما تدفع دول مثل فنلندا وبولندا ودول البلطيق نحو تسريع بناء قدرات دفاعية أوروبية تحسباً لأي فراغ أمني مستقبلي. كما عاد الحديث بقوة عن مفهوم “الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية”، الذي تدافع عنه باريس منذ سنوات.
لكن في المقابل، لا تزال هناك انقسامات داخل أوروبا نفسها بشأن مدى القدرة على الاستغناء عن الولايات المتحدة أمنياً، خاصة أن واشنطن ما تزال توفر:
- المظلة النووية،
- القدرات الاستخباراتية،
- النقل العسكري الاستراتيجي،
- وأنظمة القيادة المتقدمة التي يصعب على أوروبا تعويضها سريعاً.
كما تشير تقديرات أمنية إلى أن القارة الأوروبية، رغم قوتها الاقتصادية، ما تزال تعاني فجوات كبيرة في التصنيع العسكري والجاهزية العملياتية، وهو ما ظهر بوضوح خلال الحرب في أوكرانيا وأزمة مضيق هرمز الأخيرة.
ويرى مراقبون أن التحركات الأوروبية الحالية تعكس إدراكاً متزايداً بأن العالم يدخل مرحلة أكثر اضطراباً، حيث لم تعد أوروبا قادرة على افتراض استمرار الحماية الأمريكية بالشكل التقليدي الذي استمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
كما تعكس الأزمة تحوّلاً أعمق داخل السياسة الأمريكية نفسها، إذ يتزايد داخل تيار “أمريكا أولاً” المرتبط بترامب الاعتقاد بأن أوروبا يجب أن تتحمل العبء الأكبر في الدفاع عن نفسها، بدلاً من الاعتماد الدائم على واشنطن.
“إل نينيو” يعود بقوة.. العالم يترقب اضطرابات مناخية وغذائية غير مسبوقة
تتزايد التحذيرات الدولية من عودة ظاهرة “إل نينيو” المناخية هذا العام بقوة قد تجعلها واحدة من الأشد منذ عقود، وسط مخاوف من تداعيات واسعة تشمل موجات حر قياسية، وفيضانات مدمرة، وجفافاً واسع النطاق، إضافة إلى اضطرابات متوقعة في الأمن الغذائي وأسعار السلع عالمياً.
“إل نينيو” ظاهرة مناخية طبيعية تحدث عندما ترتفع حرارة المياه في المحيط الهادئ الاستوائي فوق معدلاتها الطبيعية، ما يؤدي إلى انتقال كميات ضخمة من الحرارة إلى الغلاف الجوي ويؤثر على أنماط الطقس في مناطق واسعة من العالم.
وتشير بيانات مراكز الأرصاد الأمريكية والأوروبية والأسترالية إلى أن درجات حرارة المحيط الهادئ ترتفع بوتيرة سريعة، مع توقعات بأن تبلغ الظاهرة ذروتها في نهاية العام الحالي أو مطلع العام المقبل، فيما حذرت بعض النماذج المناخية من احتمال تحولها إلى واحدة من أقوى موجات “إل نينيو” المسجلة تاريخياً.
ويحذر خبراء المناخ من أن تأثيرات الظاهرة لن تكون متساوية حول العالم، إذ يُتوقع أن تتعرض مناطق في أمريكا الجنوبية وشرق إفريقيا وآسيا الوسطى لفيضانات وأمطار غزيرة، بينما تواجه دول أخرى موجات جفاف حادة وحرائق واسعة، خاصة في أستراليا وإندونيسيا وأجزاء من أمريكا الجنوبية.
كما قد تؤثر الظاهرة على الأعاصير والعواصف المدارية، حيث تميل “إل نينيو” إلى تقليل نشاط الأعاصير في المحيط الأطلسي، لكنها في المقابل قد تتسبب بتراجع الأمطار في مناطق واسعة من أمريكا الوسطى، ما يرفع احتمالات الجفاف ونقص المياه.
ويشير التقرير إلى أن المخاوف الأكبر ترتبط هذه المرة بالأمن الغذائي العالمي، خاصة مع تزامن الظاهرة المناخية مع أزمات جيوسياسية واضطرابات في أسواق الطاقة والأسمدة. فالجفاف والفيضانات قد يضربان محاصيل رئيسية مثل الكاكاو والحبوب، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً خلال الأشهر المقبلة.
على سبيل المثال، يشار إلى ارتفاع أسعار الشوكولاتة بعد موجة “إل نينيو” السابقة، نتيجة تضرر محاصيل الكاكاو في غانا وساحل العاج بسبب الطقس الجاف، إضافة إلى تأثر الأمن الغذائي لأكثر من 60 مليون شخص خلال موجة 2015–2016 وفق تقديرات الأمم المتحدة.
كما بدأت آثار الظاهرة تظهر مبكراً في بعض المناطق، حيث سجلت إندونيسيا حرائق غابات مبكرة هذا العام، وسط مخاوف من تفاقمها مع اشتداد الظاهرة المناخية. وفي الوقت نفسه، تتزايد الضغوط على الزراعة العالمية بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالأزمات الدولية.
ويرى خبراء أن خطورة “إل نينيو” الحالية لا تكمن فقط في قوتها المحتملة، بل في توقيتها أيضاً. فالعالم يدخل هذه الدورة المناخية وسط ارتفاع قياسي في درجات الحرارة العالمية، وأزمات اقتصادية وغذائية متراكمة، ما قد يجعل آثارها أكثر حدة مقارنة بالموجات السابقة.
كما تعكس التحذيرات المتصاعدة حجم الترابط بين المناخ والاقتصاد والسياسة الدولية، حيث لم تعد الظواهر الجوية مجرد أحداث بيئية معزولة، بل عوامل قادرة على التأثير في أسعار الغذاء والطاقة والهجرة والاستقرار الاجتماعي في دول عديدة.
وفي ظل هذه التوقعات، بدأت وكالات أممية وحكومات ومنظمات دولية بالفعل مناقشات وخطط استعداد لمواجهة السيناريوهات المحتملة، خصوصاً في الدول الأكثر هشاشة أمام تغيرات المناخ ونقص الموارد الغذائية.
أمريكا
شهدت الولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة تصاعداً في الانقسامات السياسية والاستراتيجية المرتبطة بالحرب مع إيران والعلاقة مع إسرائيل، خاصة بعد الخلافات المتزايدة بين إدارة دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو حول حدود التصعيد العسكري وأهداف الحرب النهائية، ما تزامن مع استقالة مديرة وكالة الأمن الوطني الأمريكي تولسي جابارد، المعروفة باعتراضها على الحرب على إيران، وعلى التدخلات الأمريكية الخشنة في الخارج بشكل عام. كما برزت أزمة داخل الحزب الجمهوري بعد خسارة النائب توماس ماسي، أحد أبرز ممثلي تيار الماجا، أمام مرشح مدعوم من ترامب واللوبي المؤيد لإسرائيل، ما أعاد النقاش حول نفوذ جماعات الضغط داخل السياسة الأمريكية.
وفي السياق نفسه، تتزايد التحذيرات داخل الولايات المتحدة من التداعيات الاقتصادية للحرب، إضافة إلى مخاوف أوسع تتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي على الطبقة الوسطى وسوق العمل الأمريكي، وسط حديث متزايد عن تحولات عميقة قد تعيد تشكيل الداخل الأمريكي خلال السنوات المقبلة. كما تناولت التقارير تحركات واشنطن لتقييد الاستثمارات والصفقات الصينية، في إطار توسيع الحرب الاقتصادية والتكنولوجية مع بكين، إلى جانب عودة الاهتمام الأمريكي بمناطق استراتيجية مثل البحر الأحمر وإريتريا بعد أزمة مضيق هرمز.
استقالة جابارد تكشف صراعاً خفياً داخل إدارة ترامب حول حرب إيران ودور إسرائيل
فتحت استقالة مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي جابارد الباب أمام تساؤلات واسعة داخل واشنطن بشأن طبيعة إدارة الحرب الأخيرة مع إيران، وحجم تأثير اللوبي المؤيد لإسرائيل في صناعة القرار الأمريكي، بعد تقارير متزايدة تحدثت عن أن البيت الأبيض دفع فعلياً نحو إقصائها بسبب خلافات عميقة تتعلق بالتقييمات الاستخباراتية للحرب والبرنامج النووي الإيراني.
ورغم أن السبب الرسمي الذي أُعلن للاستقالة تمثل في تفرغ جابارد لرعاية زوجها المصاب بمرض نادر، فإن معطيات سياسية واستخباراتية متقاطعة، بينها ما نقلته وكالة رويترز، تشير إلى أن الاستقالة جاءت نتيجة صدام مباشر بين جابارد والجناح الأكثر تشدداً داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، خاصة في ما يتعلق بالموقف من إيران وإسرائيل.
وبحسب مصادر أمريكية، فإن الخلاف لم يكن شخصياً أو إدارياً، بل تمحور حول رفض جابارد تقديم تقييمات استخباراتية تتبنى الرواية التي استخدمها البيت الأبيض لتبرير توسيع الحرب ضد طهران.
ففي الوقت الذي كان ترامب ومسؤولون مقربون منه يروجون لفكرة أن إيران باتت على بعد “أسابيع قليلة” من امتلاك قنبلة نووية، قدمت جابارد شهادة مكتوبة للكونغرس أكدت فيها أن الضربات الأمريكية السابقة ضمن عملية “مطرقة منتصف الليل” عام 2025 دمرت فعلياً البنية الأساسية لبرنامج التخصيب الإيراني، وأن أجهزة الاستخبارات لم ترصد أي جهود جدية لإعادة بنائه.
هذا التقييم الاستخباراتي مثّل، وفق مراقبين، ضربة مباشرة للسردية السياسية التي بُني عليها التصعيد ضد إيران، لأنه سحب عملياً مبررات “الخطر الوشيك” التي استخدمتها الإدارة للدفع نحو الحرب.
كما زاد التوتر بعد جلسة الاستماع السنوية الخاصة بالتهديدات العالمية، حين رفضت جابارد توصيف إيران بأنها “تهديد وشيك”، مكتفية بالقول إن تحديد ذلك يعود للرئيس الأمريكي نفسه، وهو ما اعتبره صقور الإدارة والمقربون من إسرائيل موقفاً “متساهلاً” لا يوفر الغطاء الاستخباراتي المطلوب لتوسيع العمليات العسكرية.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن الشكوك الإسرائيلية تجاه جابارد لم تبدأ مع الحرب الأخيرة، بل تعود إلى سنوات سابقة، بسبب تاريخها السياسي المعروف بمعارضة التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.
ففي عام 2019، وصفت جابارد أي حرب محتملة مع إيران بأنها “غبية”، كما اتهمت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمحاولة جر الولايات المتحدة إلى صراع لا يخدم مصالحها القومية. ورغم محاولاتها لاحقاً إظهار دعمها لسياسة “الردع” بعد انضمامها إلى إدارة ترامب الثانية، فإن دوائر أمنية واستخباراتية إسرائيلية ظلت تنظر إليها باعتبارها شخصية تؤمن بعقيدة “الانكفاء” وتقليص التدخلات العسكرية الأمريكية، وهي رؤية تتعارض مع المقاربة الإسرائيلية القائمة على الحاجة إلى حضور أمريكي قوي ومباشر في مواجهة إيران.
وفي موازاة ذلك، بدأت جابارد تتعرض تدريجياً للتهميش داخل دوائر القرار الأمني. فقد استُبعدت من اجتماعات تخطيط مرتبطة بالعمليات في إيران وفنزويلا، فيما بدأ البيت الأبيض يعتمد على قنوات استخباراتية وأمنية بديلة أكثر انسجاماً مع توجهات ترامب والجناح الداعم للتصعيد العسكري.
كما لعبت استقالة حليفها المقرب جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، دوراً مهماً في تعميق الأزمة. فكينت، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز حلفاء جابارد داخل مجتمع الاستخبارات، غادر منصبه قبل أشهر بعد انتقادات علنية للحرب على إيران، واتهامات مباشرة لإسرائيل ولوبياتها بالضغط على واشنطن نحو المواجهة العسكرية.
وبحسب التقارير، فإن دفاع جابارد الضمني عن كينت، وعدم تنصلها من تصريحاته أثار غضب ترامب، الذي اعتبر أن مديرة استخباراته باتت تحتضن شخصيات تشكك في توجهات الإدارة وعلاقاتها بحلفائها التقليديين.
ويرى مراقبون أن ما جرى مع جابارد يعكس تحولاً أوسع داخل إدارة ترامب الثانية، حيث تراجع تدريجياً نفوذ التيار الانعزالي المناهض للحروب الخارجية داخل حركة “ماجا”، مقابل صعود شخصيات أكثر تشدداً مثل ماركو روبيو وجون راتكليف، ممن يدفعون نحو سياسة أكثر هجومية تجاه إيران والصين وكوبا.
كما تعيد القضية فتح النقاش القديم داخل الولايات المتحدة حول استقلالية مجتمع الاستخبارات وحدود علاقته بالقرار السياسي. فمنتقدو الإدارة يعتبرون أن استبعاد جابارد يعكس خطراً متزايداً يتمثل في تهميش التقييمات المهنية عندما تتعارض مع التوجهات السياسية المسبقة، خصوصاً في قضايا الحرب والأمن القومي.
وفي المحصلة، تبدو استقالة تولسي جابارد أكثر من مجرد مغادرة لمسؤولة رفيعة داخل إدارة ترامب، بل مؤشراً على صراع أعمق داخل واشنطن بين منطق “التقدير الاستخباراتي المهني” ومنطق “القرار السياسي المرتبط بالحرب”، في لحظة تشهد فيها الولايات المتحدة واحدة من أكثر مراحلها انقساماً بشأن دورها العالمي وحدود تحالفها مع إسرائيل وكيفية إدارة صراعات الشرق الأوسط المقبلة.
روبرت كاجان يحذر ترامب: التسوية مع إيران قد تتحول إلى “هزيمة أمريكية” تهز نفوذ واشنطن وإسرائيل – ضغوط المحافظين الجدد على ترامب لضرب إيران
أثار مقال نشره الكاتب الأمريكي المحافظ روبرت كاغان في مجلة “ذا أتلانتيك” بعنوان : “نهاية ترامب للعبة هي استسلام – Trump’s Endgame is Surrender” جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية الأمريكية، بعدما قدم قراءة شديدة التشاؤم لمسار الحرب مع إيران، معتبراً أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتجه فعلياً نحو “مخرج تفاوضي مذل” قد يعيد رسم توازنات القوة في الخليج ويمنح طهران نفوذاً إقليمياً غير مسبوق.
ويكتسب المقال أهمية خاصة لأن كاجان لا يُعد من الأصوات الهامشية داخل واشنطن، بل أحد أبرز منظري تيار “المحافظين الجدد”، ومن الوجوه الفكرية التي دفعت بقوة نحو غزو العراق عام 2003. كما يُعرف بارتباطه الوثيق بمراكز النفوذ التقليدية المؤيدة للتدخلات العسكرية الأمريكية، وهو متزوج من فيكتوريا نولاند، إحدى أبرز الشخصيات المتشددة في وزارة الخارجية الأمريكية خلال العقدين الماضيين.
وبحسب القراءة التي يقدمها كاجان، فإن مؤشرات “التراجع الأمريكي” بدأت تظهر بوضوح بعد المكالمة المتوترة الأخيرة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي تحدثت تقارير عن أنها تضمنت إبلاغ واشنطن لتل أبيب بأنها تعمل على صياغة “رسالة نوايا” مع إيران تنهي الحرب رسمياً، وتفتح مرحلة تفاوض تستمر ثلاثين يوماً بشأن الملف النووي الإيراني وأمن الملاحة في مضيق هرمز.
ويرى كاجان أن هذه الخطوة لا تعكس سعياً أمريكياً نحو “تسوية قوية”، بل محاولة للخروج من الأزمة بأقل الخسائر السياسية والعسكرية الممكنة. ويذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن استخدام مصطلح “النهاية” أو “وقف الحرب” ليس سوى صيغة مخففة لكلمة “الاستسلام”.
ويعيد الكاتب نقطة التحول الرئيسية إلى ما بعد الهجوم الإيراني على منشأة الغاز القطرية، الذي جاء رداً على استهداف إسرائيل لحقل “بارس” الإيراني في مارس الماضي. فمنذ تلك اللحظة، بحسب المقال، بدأ ترامب يتجنب أي تصعيد مباشر يستهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، ما أوحى لطهران بأن واشنطن لا ترغب في حرب شاملة، بل في احتواء التصعيد ومنع انفجار إقليمي واسع قد يضرب أسواق الطاقة العالمية.
كما يشير كاجان إلى أن التهديدات الأمريكية اللاحقة باستئناف الهجمات لم تُقنع الإيرانيين، الذين توصلوا، وفق تقديره، إلى قناعة بأن ترامب غير مستعد لتحمل كلفة مواجهة مفتوحة، وهو ما دفعهم إلى التمسك بشروط تفاوضية مرتفعة.
وتتمحور أخطر نقاط المقال حول مستقبل مضيق هرمز، حيث يحذر كاجان من أن إيران تستغل فترة وقف إطلاق النار لترسيخ “نظام عبور جديد” في المضيق، يقوم على فرض ترتيبات وتفاهمات مباشرة مع الدول المستوردة للطاقة، ومنح امتيازات لحلفائها وشركائها مثل الصين وروسيا، مقابل فرض قيود أو رسوم على الدول التي تعتبرها خصوماً.
وبحسب هذه الرؤية، فإن دولاً عدة، بينها تركيا وكوريا الجنوبية والعراق، بدأت بالفعل مناقشات غير معلنة مع طهران لضمان استمرار تدفق النفط والغاز عبر المضيق، في ظل غياب رغبة أمريكية واضحة في خوض حرب بحرية طويلة لإعادة فرض السيطرة التقليدية على الممرات المائية في الخليج.
ويرى كاجان أن أخطر ما في هذا السيناريو ليس فقط تراجع الهيمنة الأمريكية، بل تحوّل إيران من دولة خاضعة للعقوبات إلى قوة تملك أدوات تأثير مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وهو ما سيؤدي تدريجياً إلى انهيار منظومة العقوبات الغربية وعودة تدفق الأموال والاستثمارات إلى طهران.
أما إسرائيل، فيعتبر كاجان أنها قد تكون الخاسر الأكبر من هذا المسار. فبحسب مقاله، فإن أي تسوية تُبقي إيران قوية وقادرة على التحكم النسبي بالمضيق ستدفع دول الخليج إلى إعادة ترتيب علاقتها مع طهران لحماية مصالحها الاقتصادية، ما سيؤدي إلى تراجع الحماسة الإقليمية لمشاريع التطبيع والتحالفات الأمنية المناهضة لإيران.
كما يحذر من أن إسرائيل قد تجد نفسها أكثر عزلة من أي وقت مضى إذا قرر ترامب المضي في مسار التسوية، خاصة مع تزايد التيارات داخل قاعدة “ماجا” التي تعارض التورط في حروب جديدة في الشرق الأوسط.
تعليق المعهد المصري
يمكن القول أن مقال كاجان لا يهدف فقط إلى التحذير من “خطر التسوية مع إيران”، بل يشكل أيضاً محاولة ضغط كبيرة ومباشرة على ترامب وقاعدته السياسية لمنع أي تراجع أو اتفاق قد يُفهم باعتباره انتصاراً استراتيجياً لطهران وهزيمة للمشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة. الضغوط التي تأتي من صقور المحافظين الجدد، سواء داخل الإدارة الأمريكية أو خارجها، فضلاً عن الضغوط الإسرائيلية واللوبي الأمريكي الداعم لإسرائيل، والممولين الرئيسيين للحزب الجمهوري ولترامب نفسه، لن تدع أي مجال لتوقيع اتفاق لوقف الحرب مع إيران، لأنهم يرونه استسلاماً وهزيمة وضياعاً لفرصة تاريخية. وفي ضوء تشدد الجانب الإيراني في التمسك بمطالبه، لا يبدو أن هناك مناص من عودة الحرب، وبصورة أشد من الجولتين السابقتين.
خلف التحليل الجيوسياسي، يمكن أن نقرأ المقال أيضاً باعتباره جزءاً من الصراع الداخلي الأمريكي بين تيار “المحافظين الجدد” وتيار “أمريكا أولاً” المرتبط بترامب.
فالمحافظون الجدد، الذين فقدوا جزءاً كبيراً من نفوذهم بعد حربي العراق وأفغانستان، يسعون منذ سنوات إلى استعادة دورهم داخل مؤسسات القرار الأمريكية، عبر الدفع نحو سياسة خارجية أكثر هجومية قائمة على التدخل العسكري وتغيير الأنظمة وفرض الهيمنة الأمريكية بالقوة.
وفي المقابل، يقوم خطاب ترامب السياسي (المعبر عن تيار الماجا بالقول على الأقل) على رفض الحروب الطويلة المكلفة، والتركيز على تقليل الانخراط العسكري الخارجي، حتى لو استخدم أحياناً لغة تصعيدية في السياسة الخارجية.
وفي ظل هذه التناقضات، تبدو الحرب مع إيران بالنسبة للنخب الأمريكية أكثر من مجرد مواجهة عسكرية، بل ساحة صراع داخلية بين رؤيتين مختلفتين لدور الولايات المتحدة في العالم:
رؤية تريد استعادة الهيمنة بالقوة، وأخرى تحاول إدارة الانسحاب دون الاعتراف الكامل بالتراجع.
هل يولد حزب ثالث في أمريكا؟ صراع “ماجا” واليسار التقدمي يهز الثنائية التقليدية
تتصاعد في الولايات المتحدة التساؤلات حول مستقبل النظام الحزبي التقليدي، مع اتساع الانقسامات داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وظهور تيارات سياسية باتت تتجاوز الأطر الكلاسيكية التي حكمت الحياة السياسية الأمريكية لعقود.
وعاد النقاش مجدداً حول احتمال ولادة قوة سياسية ثالثة، في ظل الصراع المتصاعد بين حركة “ماجا” المرتبطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبين اليسار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، وسط شعور متزايد لدى قطاعات واسعة من الأمريكيين بأن الحزبين التقليديين لم يعودا قادرين على تمثيل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تعيشها البلاد.
وتحوّلت حركة “ماجا” خلال السنوات الأخيرة من مجرد تيار داخل الحزب الجمهوري إلى حالة سياسية وشعبية قائمة بذاتها، تحمل خطاباً قومياً وشعبوياً يرفض العولمة والنخب التقليدية والإعلام والمؤسسات الفيدرالية، بينما يواصل اليسار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي الدفع نحو تغييرات جذرية تتعلق بالاقتصاد والرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية والسياسة الخارجية.
هذا الاستقطاب الحاد جعل الحزبين الرئيسيين التقليديين يبدوان أكثر هشاشة من السابق، خاصة مع تصاعد الخلافات الداخلية حول قضايا مثل الهجرة، ودور الدولة، والسياسة الخارجية، والعلاقة مع الشركات الكبرى والتكنولوجيا.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بالتنافس الانتخابي، بل بأزمة أعمق تمس الهوية السياسية الأمريكية نفسها. فالنقاش داخل الولايات المتحدة لم يعد يدور فقط حول البرامج والسياسات، بل حول طبيعة الدولة الأمريكية ودورها العالمي وشكل المجتمع الذي يريده الأمريكيون في المستقبل.
ورغم أن فكرة إنشاء حزب ثالث لطالما ظهرت في محطات مختلفة من التاريخ الأمريكي، فإن النظام الانتخابي الأمريكي ما يزال يشكل عائقاً كبيراً أمام أي قوة جديدة، بسبب طبيعة قوانين الانتخابات والتمويل والمجمع الانتخابي وهيمنة الحزبين على المؤسسات السياسية والإعلامية.
لكن في المقابل، يعتقد محللون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في ظهور حزب ثالث بالمعنى التقليدي، بل في تحوّل الحزبين نفسيهما إلى كيانات منقسمة داخلياً، بحيث تصبح حركة “ماجا” عملياً حزباً داخل الحزب الجمهوري، بينما يتحول اليسار التقدمي إلى قوة مستقلة نسبياً داخل الحزب الديمقراطي.
ويعكس هذا المشهد حجم التحولات التي يشهدها المجتمع الأمريكي، حيث تتراجع تدريجياً التوافقات السياسية التي حكمت البلاد بعد الحرب الباردة، لصالح حالة استقطاب حاد تمزج بين الاقتصاد والهوية والثقافة والسياسة الخارجية.
وفي ظل هذه الانقسامات، يبدو أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة إعادة تشكيل سياسي قد لا تؤدي بالضرورة إلى ولادة حزب ثالث قريباً، لكنها قد تغيّر بشكل عميق شكل اليمين واليسار الأمريكيين خلال السنوات المقبلة، في لحظة تبدو فيها الثنائية الحزبية التقليدية أقل قدرة على احتواء الغضب والانقسام المتصاعد داخل المجتمع الأمريكي.
الفساد والولاء والحرب.. ترامب بين القبضة الحزبية وتراجع الشعبية
تكشف تقارير وتحليلات نشرتها صحف أمريكية، بينها نيويورك تايمز وواشنطن بوست وبوليتيكو، عن مشهد سياسي معقد يعيشه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتمثل في تعاظم نفوذه داخل الحزب الجمهوري مقابل تراجع ملحوظ في شعبيته على المستوى الوطني، خاصة مع تصاعد الجدل حول الحرب على إيران، واتهامات باستغلال مؤسسات الدولة لخدمة حلفائه السياسيين.
ووفقاً للتقارير، نجح ترامب خلال الأشهر الماضية في إحكام سيطرته على الحزب الجمهوري بشكل غير مسبوق، بعدما تحولت الانتخابات التمهيدية داخل الحزب إلى اختبارات ولاء مباشرة له. وبرز ذلك بوضوح في ولاية كنتاكي، حيث خسر النائب الجمهوري توماس ماسي، أحد أبرز منتقدي ترامب، أمام مرشح مدعوم من الرئيس الأمريكي.
لكن هذا التوسع في النفوذ الحزبي يتزامن مع تراجع شعبية ترامب لدى الناخبين المستقلين وقطاعات أوسع من الرأي العام الأمريكي، خاصة مع استمرار الحرب على إيران وارتفاع المخاوف الاقتصادية المرتبطة بأسعار الطاقة والتضخم. استطلاعات رأي نقلتها الصحف الأمريكية أظهرت تراجعاً واضحاً في مستويات التأييد الشعبي للرئيس، مقابل ارتفاع الحماس الانتخابي لدى الديمقراطيين.
كما تصاعدت الانتقادات ضد إدارة ترامب بعد الكشف عن صندوق تعويضات ضخم أنشأته وزارة العدل بقيمة 1.8 مليار دولار، قالت الإدارة إنه يهدف إلى تعويض أشخاص تعرضوا لملاحقات “ذات دوافع سياسية”، بينما اعتبر منتقدون أن الصندوق يمثل نموذجاً جديداً للمحسوبية السياسية وتمويل الحلفاء من المال العام.
وأشارت نيويورك تايمز إلى أن التسوية المرتبطة بالصندوق شملت ملفات تتعلق بالسجلات الضريبية لترامب، وسط اتهامات بأن الإدارة تستخدم مؤسسات الدولة لتصفية الحسابات السياسية وإعادة صياغة رواية أحداث انتخابات 2020 واقتحام الكونغرس في السادس من يناير/كانون الثاني 2021.
في المقابل، تحدث موقع بوليتيكو عن بوادر تمرد داخل الحزب الجمهوري نفسه على خلفية الحرب مع إيران، بعدما انضم عدد من الجمهوريين إلى الديمقراطيين لدعم مشاريع تحد من صلاحيات الرئيس العسكرية وتطالب بضرورة موافقة الكونغرس على استمرار العمليات العسكرية.
وتقول التقارير إن عدداً من الجمهوريين باتوا ينظرون بقلق إلى تركيز ترامب المتزايد على “معاقبة خصومه” داخل الحزب، بدلاً من التركيز على الملفات الاقتصادية والمعيشية التي تشغل الناخب الأمريكي، مثل التضخم والطاقة والهجرة.
ويرى مراقبون أن ترامب يواجه اليوم مفارقة سياسية معقدة: فكلما ازدادت قبضته على الحزب الجمهوري، تقلصت قدرته على توسيع قاعدته الوطنية خارج التيار الترامبي الصلب.
كما أن الحرب على إيران بدأت تتحول إلى عامل ضغط داخلي متزايد على الإدارة الأمريكية، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من كلفة الحرب الاقتصادية والعسكرية، وتنامي القلق داخل الشارع الأمريكي من الانخراط في صراع طويل جديد في الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، تشير تحليلات أمريكية إلى أن استمرار ترامب في تحويل الحزب الجمهوري إلى حركة تقوم على الولاء الشخصي له أكثر من البرامج السياسية التقليدية قد يمنحه قوة داخلية كبيرة على المدى القصير، لكنه قد يخلق أيضاً انقسامات أعمق داخل الحزب نفسه مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وفي المحصلة، ترسم الصحافة الأمريكية صورة لرئيس يواصل السيطرة على حزبه بفاعلية، لكنه يواجه في المقابل تراجعاً متزايداً في قدرته على الحفاظ على إجماع وطني أوسع، وسط تصاعد الجدل حول الحرب، الاقتصاد، واستغلال مؤسسات الدولة في المعارك السياسية الداخلية.
هزيمة توماس ماسي في كنتاكي.. هل يعيد ترامب تشكيل الحزب الجمهوري على قاعدة “الولاء الكامل”؟
خسر النائب الجمهوري الأمريكي توماس ماسي الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في ولاية كنتاكي أمام المرشح المدعوم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إد غالرين، في واحدة من أكثر المعارك الانتخابية إثارة داخل الحزب الجمهوري خلال انتخابات 2026. الهزيمة لم تُقرأ باعتبارها مجرد خسارة نائب مخضرم لمقعده، بل باعتبارها رسالة سياسية قوية من ترامب وحلفائه ضد الأصوات الجمهورية الخارجة عن خطه السياسي، خصوصاً في ملفات السياسة الخارجية وإسرائيل.
وكان توماس ماسي يُعد من أبرز الشخصيات الجمهورية “المشاكسة” داخل الكونغرس، إذ تبنى طوال السنوات الماضية مواقف ليبرتارية انعزالية، وانتقد سياسات الإنفاق العسكري والتدخلات الخارجية، كما عارض بعض حزم الدعم الأمريكي لإسرائيل وأوكرانيا، ما وضعه في صدام متكرر مع المؤسسة الجمهورية التقليدية ومع ترامب نفسه.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل المعركة بشكل مباشر، وشن هجوماً حاداً على ماسي قبل التصويت، واصفاً إياه بأنه “أسوأ عضو جمهوري” و ”معرقل وأحمق”، داعياً الناخبين إلى إسقاطه. كما حصل إد غالرين، الضابط السابق في قوات “النيفي سيلز – القوات الخاصة في البحرية”، على دعم سياسي وإعلامي واسع من التيار الترامبي ومن جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل.
لكن العامل الأكثر حساسية في السباق كان حجم الأموال التي ضُخت ضد ماسي. تقارير إعلامية أمريكية أشارت إلى أن جماعات ضغط داعمة لإسرائيل، بينها منظمات مرتبطة بـAIPAC، أنفقت ملايين الدولارات لدعم غالرين وإسقاط ماسي بسبب مواقفه المنتقدة للمساعدات الخارجية لإسرائيل. ووفق تقديرات إعلامية، تحولت المعركة إلى واحدة من أغلى الانتخابات التمهيدية في تاريخ مجلس النواب الأمريكي، مع إنفاق قارب 35 مليون دولار.
وفي خطاب الاعتراف بالهزيمة، لمح ماسي إلى هذا البعد بشكل واضح، متهماً “قوى في واشنطن” بمحاولة “شراء المقعد” بعدما فشلت – بحسب تعبيره – في شراء صوته داخل الكونغرس. كما سخر من خصمه قائلاً إنه احتاج وقتاً للعثور عليه “في تل أبيب” من أجل تهنئته بعد الفوز، في إشارة مباشرة إلى الدعم المؤيد لإسرائيل في السباق.
ما حدث في كنتاكي يتجاوز حدود دائرة انتخابية محلية. فالمعركة كانت اختباراً لثلاث قضايا كبرى داخل الحزب الجمهوري:
أولاً:
هل ما يزال ترامب يملك القدرة على إسقاط أي جمهوري يعارضه؟ والنتيجة حتى الآن تقول: نعم.
فالهزيمة تعكس استمرار هيمنة ترامب على القاعدة الجمهورية، وتحول الانتخابات التمهيدية إلى أداة لمعاقبة المعارضين داخل الحزب أكثر من كونها تنافساً تقليدياً بين المحافظين.
ثانياً:
الصراع داخل اليمين الأمريكي حول السياسة الخارجية. ماسي مثّل تيار “أمريكا أولاً” بنسخته الانعزالية: تقليل الحروب، رفض المساعدات الخارجية، تقليص دور واشنطن العالمي. بينما يميل جزء آخر من الجمهوريين، خاصة المتحالفين مع اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، إلى دعم انخراط أمريكي أقوى في الشرق الأوسط والتحالفات التقليدية.
ثالثاً:
قوة المال السياسي المرتبط بإسرائيل داخل واشنطن. المعركة أكدت أن الموقف من إسرائيل ما يزال معياراً حساساً في السياسة الأمريكية، وأن أي نائب يخرج عن الخط التقليدي قد يواجه ماكينة مالية وإعلامية ضخمة ضده، حتى داخل الحزب الجمهوري نفسه.
لكن المفارقة أن هزيمة ماسي قد لا تُنهي الظاهرة التي يمثلها، بل ربما تعمّق شعور جزء من القاعدة الجمهورية بأن الحزب أصبح أقل تسامحاً مع الأصوات المستقلة، وأكثر خضوعاً لمعادلات الولاء الشخصي لترامب والتحالفات المالية والسياسية التقليدية.
وفي النهاية، فإن سقوط توماس ماسي لا يعكس فقط انتصار إد غالرين أو ترامب، بل يكشف طبيعة التحول الجاري داخل الحزب الجمهوري نفسه: من حزب يحتمل تعدد الأصوات المحافظة، إلى حزب يُعاد تشكيله تدريجياً حول مركزية الولاء السياسي، خاصة في ملفات الأمن القومي وإسرائيل والسياسة الخارجية.
“التحالف مع إسرائيل” يدخل قلب المعركة الانتخابية الأمريكية
أثار منشور سياسي متداول في الولايات المتحدة على حساب الأيباك، اللوبي الداعم لإسرائيل، جدلاً واسعاً بعد الاحتفاء الفج بهزيمة النائب الأمريكي توماس ماسي، ذو الشعبية الكبيرة، والمعروف بمواقفه المنتقدة لإسرائيل وبعض سياسات الدعم الأمريكي لها، والمعروف أيضاً بسعيه لكشف ملفات إبستين مهما فضحت من شخصيات نافذة، أمام المرشح والمحارب السابق في قوات “النيفي سيلز – القوات الخاصة في البحرية” ، غير المعروف من قبل، إد غالرين، في سباق انتخابي اعتُبر اختباراً جديداً لنفوذ اللوبيات الداعمة لإسرائيل داخل السياسة الأمريكية.
المنشور، الذي حمل رسالة واضحة مفادها أن “دعم إسرائيل سياسة جيدة وانتخابياً مفيد أيضاً”، لم يكن مجرد تهنئة عابرة، بل عكس طبيعة النفوذ الصهيوني داخل الخطاب السياسي الأمريكي، حيث بات الموقف من إسرائيل جزءاً أساسياً من تقييم الولاء السياسي داخل بعض الدوائر الحزبية والانتخابية.
ويُعرف توماس ماسي، النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي منذ العام 2012، بمواقفه المختلفة نسبياً عن التيار التقليدي داخل الحزب الجمهوري، خاصة في ملفات السياسة الخارجية، والإنفاق العسكري، والدعم غير المشروط لإسرائيل. وخلال السنوات الأخيرة، انتقد ماسي بعض سياسات تل أبيب، واعتدائها على غزة، وعارض الحرب على إيران، ودعا إلى تقليص الانخراط الأمريكي الخارجي، ما جعله هدفاً دائماً لحملات ضغط سياسية وإعلامية من جماعات مؤيدة لإسرائيل.
في المقابل، جرى تقديم إد غالرين، غير المعروف بخبرات سياسية من قبل، بوصفه نموذجاً للمرشح “القومي المحافظ” الداعم بقوة للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، مع التركيز على خلفيته العسكرية وخدمته في القوات الخاصة الأمريكية، وهي صورة تُستخدم كثيراً في الحملات الانتخابية الأمريكية لتعزيز فكرة الحزم الأمني والولاء للمؤسسة التقليدية للدولة.
لكن ما يجعل هذه القضية أوسع من مجرد سباق انتخابي محلي هو أن إسرائيل أصبحت مجدداً نقطة انقسام داخل السياسة الأمريكية نفسها، خصوصاً بعد الحرب في غزة والتوترات المتزايدة في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي ما تزال فيه قطاعات واسعة من الجمهوريين والإنجيليين والمحافظين تعتبر دعم إسرائيل جزءاً من “الثوابت الاستراتيجية”، بدأت تظهر داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي أصوات أكثر تشككاً في طبيعة هذا الدعم وحدوده.
الرسالة التي حملها المنشور شديدة الوضوح: أي سياسي أمريكي يبتعد عن الخط التقليدي المؤيد لإسرائيل سيواجه تكلفة سياسية وانتخابية مرتفعة، مهما كانت شعبيته وإمكانياته. وهذا يعكس قوة شبكات التمويل الضخم غير المحدود والضغط السياسي المرتبطة بملف إسرائيل داخل واشنطن، خاصة في الانتخابات التمهيدية المحلية التي يمكن فيها توجيه الموارد الإعلامية والمالية بشكل مركز ضد مرشح بعينه، مع رفع أي مرشح مرغوب فيه مهما كانت خلفيته وامكانياته.
لكن في المقابل، تكشف هذه المعارك أيضاً عن تغيرات أعمق داخل المجتمع الأمريكي. فالأجيال الشابة، وبعض التيارات اليمينية الانعزالية، إضافة إلى قطاعات تقدمية داخل الحزب الديمقراطي، باتت أكثر استعداداً لانتقاد إسرائيل مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد أو عقدين. ولذلك فإن الصراع لم يعد فقط بين “مؤيدين ومعارضين لإسرائيل”، بل بين رؤيتين لدور أمريكا في العالم:
أمريكا المنخرطة في التحالفات الخارجية التقليدية، والخاضعة للأجندة الإسرائيلية، وأمريكا التي تريد تقليل التورط الخارجي والتركيز على الداخل.
ومن هنا، فإن الاحتفاء بهزيمة توماس ماسي لا يعكس فقط انتصار مرشح على آخر، بل يعكس محاولة لإرسال رسالة ردع سياسية أوسع: أن الموقف من إسرائيل ما يزال معياراً حساساً في الحياة السياسية الأمريكية، وأن الخروج عن الإجماع التقليدي في هذا الملف قد يكلّف السياسيين مواقعهم، حتى داخل التيارات المحافظة نفسها.
تلغراف: أزمة هرمز كشفت خللاً خطيراً في القوة البحرية الأمريكية
كشفت أزمة مضيق هرمز، التي تفجرت بعد قيام إيران بزرع ألغام بحرية متطورة وإغلاق واحد من أهم الممرات النفطية في العالم، عن ثغرة استراتيجية غير متوقعة في التخطيط العسكري الأمريكي، بحسب تقرير نشرته صحيفة “تلغراف” البريطانية ونقلته الجزيرة نت.
ووفقاً للتقرير، فإن الولايات المتحدة، رغم امتلاكها أقوى بحرية في العالم، قد تجد نفسها عاجزة عن إعادة فتح المضيق بسرعة دون الاعتماد بشكل كبير على حلفائها الأوروبيين داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”. ويرجع ذلك إلى تراجع القدرات الأمريكية المتخصصة في إزالة الألغام البحرية خلال العقود الماضية، مقابل احتفاظ الدول الأوروبية بخبرات وأساطيل متقدمة في هذا المجال.
وأشار التقرير إلى أن إيران زرعت ألغاماً بحرية في مضيق هرمز بعد أسابيع من اندلاع الحرب، ما أدى إلى تحويل الممر البحري الحيوي إلى منطقة شديدة الخطورة تهدد حركة النفط والتجارة العالمية. كما نقل عن مسؤولين في البنتاغون قولهم إن عمليات إزالة الألغام قد تستغرق عدة أشهر بسبب تعقيد البيئة البحرية واتساع نطاق المنطقة المستهدفة.
وبحسب “تلغراف”، فإن واشنطن ركزت منذ نهاية الحرب الباردة على تطوير حاملات الطائرات والغواصات النووية والمدمرات الصاروخية، بينما أهملت تدريجياً قدرات الحرب المضادة للألغام، وهي قدرات واصلت دول أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا الاستثمار فيها بسبب المخاوف المرتبطة بالتهديدات الروسية في بحر البلطيق وبحر الشمال.
كما لفت التقرير إلى أن البحرية الأمريكية سحبت في عام 2025 مروحيات “سي دراغون” المتخصصة بإزالة الألغام من البحرين، وهو ما زاد من هشاشة القدرة الأمريكية على التعامل السريع مع سيناريو إغلاق المضيق. وفي المقابل، دفعت دول أوروبية بسفن وكاسحات ألغام وقوات بحرية إلى المنطقة للمشاركة في أي عملية محتملة لإعادة فتح الممر البحري.
وتأتي هذه التطورات بينما تستمر تداعيات إغلاق مضيق هرمز على حركة التجارة العالمية، حيث تحدثت تقارير عن مئات السفن وناقلات النفط العالقة، إضافة إلى اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة.
ويرى مراقبون أن الأزمة كشفت حدود التفوق العسكري التقليدي الأمريكي، إذ أظهرت أن امتلاك حاملات طائرات متطورة وصواريخ بعيدة المدى لا يكفي بالضرورة للسيطرة على حرب بحرية غير تقليدية تعتمد على الألغام والاستنزاف وتعطيل الممرات الحيوية.
كما أعادت الأزمة تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، ما يجعل أي اضطراب فيه قادراً على التأثير مباشرة في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
ويشير التقرير إلى مفارقة سياسية لافتة، إذ وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه مضطراً للاعتماد على القدرات الأوروبية داخل الناتو، رغم انتقاداته السابقة المتكررة للجيوش الأوروبية واتهامه لها بالاعتماد المفرط على الحماية الأمريكية.
وفي ظل استمرار الأزمة، تبدو معركة هرمز أبعد من مجرد مواجهة بحرية عابرة، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الولايات المتحدة وحلفائها على حماية حرية الملاحة العالمية في عصر الحروب غير التقليدية، حيث قد تصبح الألغام البحرية الرخيصة أكثر تأثيراً من الأساطيل الضخمة والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
مونديال 2026.. هل يتحول “حلم الفيفا الأمريكي” إلى أزمة جماهيرية واقتصادية؟
قبل عام واحد فقط من انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بدأت تظهر مؤشرات مقلقة تهدد الصورة التي أرادت FIFA تسويقها باعتبارها “أكبر نسخة في تاريخ البطولة”. تقرير نشرته BBC Sport كشف عن مخاوف متزايدة داخل قطاع السياحة والفنادق الأمريكي، بعد إلغاء أعداد ضخمة من حجوزات الفنادق المرتبطة بالمونديال، وسط تحذيرات من ارتفاع الأسعار، وضعف الإقبال الجماهيري، وتحول البطولة إلى حدث نخبوي لا يستطيع الجمهور العادي تحمله.
وبحسب التقرير، فإن ما يصل إلى 70% من الغرف التي كانت محجوزة مسبقاً لصالح البطولة في مدن أمريكية مستضيفة مثل بوسطن، دالاس، لوس أنجلوس، فيلادلفيا وسياتل، تم إلغاؤها لاحقاً، ما أثار قلقاً داخل قطاع الضيافة الأمريكي الذي كان يعوّل على المونديال لتحقيق طفرة اقتصادية وسياحية ضخمة.
الأزمة لا ترتبط فقط بالفنادق، بل تعكس مشكلة أعمق تتعلق بالنموذج الاقتصادي الذي تُدار به البطولات الرياضية الكبرى في الولايات المتحدة. فتكاليف السفر، والإقامة، والتذاكر، والنقل الداخلي، وحتى الطعام داخل الملاعب، تُعد من الأعلى عالمياً، ما يجعل حضور البطولة بالنسبة لعائلة عادية أمراً شديد الكلفة. ومع توسعة البطولة إلى 104 مباريات ولأول مرة بمشاركة 48 منتخباً، ترتفع أيضاً التكاليف التشغيلية والتنظيمية بشكل غير مسبوق.
وفي الوقت الذي تراهن فيه “فيفا” على السوق الأمريكية بوصفها أكبر سوق رياضي وإعلاني في العالم، يبدو أن هناك فجوة متزايدة بين الرؤية التجارية للبطولة والواقع الجماهيري. فالكثير من المشجعين، حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، بدأوا ينظرون إلى كأس العالم كحدث مخصص للأثرياء والشركات والسياح القادرين على دفع آلاف الدولارات، وليس مهرجاناً شعبياً مفتوحاً كما كان يُنظر إليه تاريخياً.
كما تتداخل السياسة بشكل واضح مع الملف الرياضي. فصورة الولايات المتحدة خارجياً خلال السنوات الأخيرة، والانقسامات الداخلية، والتوترات المتعلقة بالهجرة والأمن، كلها عوامل تؤثر على قرار الجماهير الدولية بالسفر. بعض النقاشات على منصات الجماهير الرياضية الغربية بدأت تتحدث بالفعل عن “مونديال باهظ ومربك تنظيمياً”، وليس عن احتفال كروي عالمي فقط.
المفارقة أن “فيفا” أرادت من نسخة 2026 أن تكون تتويجاً لهيمنة كرة القدم تجارياً في أمريكا الشمالية، لكنها قد تواجه نتيجة معاكسة إذا استمرت الأسعار بالارتفاع وتحولت تجربة المشجع إلى عبء مالي. فنجاح كأس العالم لا يُقاس فقط بعدد الرعاة أو قيمة البث التلفزيوني، بل أيضاً بالقدرة على خلق حالة جماهيرية عالمية حقيقية.
وفي حال فشلت المدن المستضيفة في الحفاظ على أسعار مقبولة وتسهيلات لوجستية مناسبة، فقد تجد “فيفا” نفسها أمام بطولة ضخمة من حيث الأرقام، لكنها أقل حرارة جماهيرياً من نسخ سابقة أقيمت في دول أقل ثراءً وأكثر قرباً من ثقافة المشجعين التقليدية. وهنا تحديداً يظهر التناقض بين كرة القدم كرياضة شعبية عالمية، وكرة القدم كمشروع اقتصادي عملاق تقوده الشركات والمنصات التجارية.
“الطبقة الوسطى المعرفية” تحت التهديد… هل يبدأ الذكاء الاصطناعي أكبر إعادة تشكيل لسوق العمل منذ الثورة الصناعية؟
يحذر تقرير مطول نشرته مجلة The Atlantic من أن الولايات المتحدة ليست مستعدة بعد للتأثير العميق الذي قد يتركه الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، في وقت تتسارع فيه قدرات النماذج الذكية بوتيرة تتجاوز قدرة الحكومات والمؤسسات الاقتصادية على التكيف.
التقرير، الذي كتبه الصحفي جوش تيرانجيل، يناقش ما إذا كان العالم يقترب من لحظة تاريخية شبيهة بالثورة الصناعية، لكن بسرعة أكبر بكثير. فبينما احتاجت التحولات التكنولوجية السابقة عقوداً لإعادة تشكيل سوق العمل، يخشى اقتصاديون وخبراء تقنيون أن يضغط الذكاء الاصطناعي سنوات التغيير في أشهر قليلة فقط، مع احتمال تأثر ما يقارب 40% من الوظائف عالمياً.
القلق الأكبر لم يعد متعلقاً بالعمالة اليدوية أو الوظائف الروتينية فقط، بل بما يسمى “الطبقة المعرفية”؛ المبرمجون، موظفو المكاتب، المحللون، المسوقون، موظفو خدمة العملاء، الصحفيون، وحتى بعض المهن القانونية والتعليمية. فهذه الوظائف تعتمد أساساً على معالجة المعلومات والنصوص والقرارات، وهي المجالات التي يتقدم فيها الذكاء الاصطناعي بسرعة هائلة.
ويشير التقرير إلى أن كثيراً من الشركات بدأت بالفعل إعادة تنظيم أعمالها حول أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن بصمت. فبدلاً من إعلان “تسريح جماعي”، يجري ببساطة تقليل التوظيف الجديد، ورفع إنتاجية الموظف الواحد عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي. وهذا ما يجعل التحول الحالي أخطر من موجات الأتمتة السابقة؛ الوظائف قد لا تختفي فوراً، لكنها تبدأ بالتآكل تدريجياً حتى تصبح الحاجة للبشر أقل بكثير.
المفارقة أن عدداً من كبار قادة شركات التكنولوجيا أنفسهم أصبحوا أكثر صراحة في التحذير من آثار الذكاء الاصطناعي على العمالة. فالتقرير ينقل حالة قلق متزايدة داخل النخب الاقتصادية من أن الأنظمة السياسية الحالية لا تملك تصوراً حقيقياً لما سيحدث إذا بدأت قطاعات كاملة بفقدان قيمتها الاقتصادية بسرعة.
في المقابل، لا يزال هناك تيار اقتصادي أكثر تفاؤلاً يرى أن الذكاء الاصطناعي سيخلق وظائف جديدة كما فعلت كل الثورات التقنية السابقة. دراسات اقتصادية حديثة تشير إلى أن التأثير الحالي للذكاء الاصطناعي ما يزال أقرب إلى “تعزيز الإنتاجية” منه إلى الإحلال الكامل للبشر، وأن الاقتصاد تاريخياً كان قادراً على خلق وظائف جديدة بعد كل موجة أتمتة.
لكن أصحاب النظرة المتشائمة يردون بأن المشكلة هذه المرة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في سرعتها. فحين يحدث التحول أسرع من قدرة المجتمعات على إعادة تدريب العمال وخلق قطاعات جديدة، تظهر أزمات سياسية واجتماعية حادة: بطالة، تآكل الطبقة الوسطى، تصاعد الشعبوية، وتراجع الثقة بالمؤسسات.
الأكثر حساسية أن الذكاء الاصطناعي قد يضرب تحديداً “وظائف البداية” التي يعتمد عليها الشباب لدخول سوق العمل. صندوق النقد الدولي حذر مؤخراً من أن الشباب قد يكونون أكثر الفئات تضرراً إذا اختفت الوظائف التأسيسية التي تمنح الخبرة المهنية الأولى.
وفي العمق، لا يناقش المقال التكنولوجيا فقط، بل يناقش سؤالاً أوسع: ماذا يحدث للنظام الاقتصادي كله عندما تصبح “القدرة الذهنية” نفسها قابلة للأتمتة الرخيصة؟
لأن الاقتصاد الحديث بُني أساساً على فكرة أن التعليم والمعرفة يضمنان قيمة الإنسان في السوق. لكن إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة التقارير، التحليل، البرمجة، الترجمة، التصميم، وإدارة المعرفة بسرعة وتكلفة شبه صفرية، فإن النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي قامت عليه الطبقة الوسطى خلال العقود الماضية قد يبدأ بالاهتزاز فعلاً.
ولهذا تبدو المعركة القادمة ليست فقط حول “الوظائف التي سيأخذها الذكاء الاصطناعي”، بل حول شكل المجتمع نفسه: كيف سيُعاد توزيع الدخل؟ ما قيمة العمل البشري؟ ومن سيملك أدوات الإنتاج الجديدة؟
توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب إيران.. هل بدأت تظهر أولى شقوق التحالف؟
كشفت تقارير إعلامية أمريكية وتركية عن أجواء متوترة رافقت الاتصال الأخير بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الحرب مع إيران، وسط خلافات متزايدة حول توقيت التصعيد العسكري وحدود التفاهم مع طهران.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام بينها CNN Türk وتقارير أمريكية، فإن الاتصال بين الرجلين وُصف بأنه “طويل ومشحون”، بعد رفض ترامب العودة الفورية إلى الضربات العسكرية ضد إيران، مفضلاً منح المفاوضات فرصة إضافية. وتشير التسريبات إلى أن نتنياهو أبدى غضباً واضحاً من موقف ترامب، خاصة أن إسرائيل ترى أن أهداف الحرب ضد إيران — المتعلقة بالبرنامج النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي — لم تتحقق بالكامل بعد.
التقارير تحدثت عن حالة قلق داخل تل أبيب من احتمال أن يذهب ترامب نحو تفاهم جزئي أو تهدئة مؤقتة مع طهران، وهو ما تعتبره إسرائيل خطراً استراتيجياً قد يمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب قدراتها. وفي المقابل، يحاول ترامب تقديم نفسه كزعيم قادر على إنهاء الحرب عبر الضغط والتفاوض معاً، لا عبر الانخراط في حرب مفتوحة طويلة.
اللافت أن ترامب قال للصحفيين بعد الاتصال إن نتنياهو “سيفعل ما أريده”، في تصريح أثار جدلاً واسعاً داخل إسرائيل والولايات المتحدة، لأنه يعكس رغبة ترامب في إظهار نفسه باعتباره الطرف الذي يمسك فعلياً بإيقاع القرار الإسرائيلي في الحرب الحالية.
في المقابل، ما تزال إيران تتعامل بحذر شديد مع الطروحات الأمريكية، إذ أكدت طهران أنها لن تستسلم للضغوط أو التهديدات، مع استمرارها في دراسة المقترحات المطروحة بشأن وقف التصعيد. كما حذرت شخصيات إيرانية بارزة من أن أي عودة للحرب ستقابل برد أكثر اتساعاً وقسوة.
تكشف التباينات الأخيرة بين واشنطن وتل أبيب أن الخلاف لم يعد مرتبطاً فقط بتفاصيل إدارة الحرب، بل بطبيعة الهدف النهائي منها. فإسرائيل تتعامل مع المواجهة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالكامل عبر إضعاف إيران عسكرياً واستراتيجياً، سواء من خلال ضرب برنامجها النووي، أو استنزاف قدراتها الصاروخية، أو تقليص نفوذ حلفائها في المنطقة.
في المقابل، تبدو إدارة ترامب أكثر حذراً تجاه الانزلاق إلى حرب مفتوحة وطويلة، خصوصاً مع المخاوف المرتبطة بأسعار النفط، والاقتصاد الأمريكي، والانعكاسات الانتخابية الداخلية. فالرئيس الأمريكي يسعى إلى توظيف التصعيد العسكري كورقة ضغط تفرض شروط تفاوض أفضل على طهران، لا كمدخل إلى مواجهة إقليمية يصعب احتواؤها لاحقاً. كما أن البيت الأبيض يدرك حساسية المزاج داخل تيار “أمريكا أولاً”، الذي يرفض التورط في حروب طويلة في الشرق الأوسط.
أما بالنسبة لنتنياهو، فإن التراجع أو القبول بتهدئة دون تحقيق إنجاز واضح ضد إيران قد يفتح عليه أزمة سياسية داخلية حادة، بعدما جعل من “الخطر الإيراني” محور خطابه السياسي والأمني لسنوات. ولهذا، تبدو إسرائيل أكثر ميلاً نحو توسيع أهداف الحرب، بينما تحاول واشنطن إبقاء هامش للمناورة السياسية والدبلوماسية. وفي العمق، تعكس هذه التباينات حقيقة لطالما رافقت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية: التحالف بين الطرفين ثابت، لكن تعريف النصر وحدود الحرب ليس بالضرورة متطابقاً دائماً.
إيران
ركزت التقارير المتعلقة بإيران على مرحلة “ما بعد الحرب” وكيفية تعامل طهران مع آثار المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد بدأت السلطات الإيرانية حملة تعبئة نفسية ومجتمعية واسعة، شملت تدريبات رمزية للمدنيين على استخدام السلاح في الساحات العامة، ضمن حملة “جانفدا” أو “الفداء لإيران”، في محاولة لإظهار المجتمع الإيراني بوصفه مستعداً لأي مواجهة مستقبلية.
كما كشفت تقارير غربية، بينها نيويورك تايمز، أن إيران اعتمدت خلال الحرب استراتيجية “الاستنزاف السياسي” عبر رفع كلفة المواجهة على واشنطن وتل أبيب دون الانجرار إلى حرب شاملة. كذلك تصاعد الجدل حول مستقبل النظام الإيراني بعد الحديث عن دور متزايد لمجتبى خامنئي، والتسريبات المرتبطة بمحمود أحمدي نجاد واحتمال استخدامه كورقة في سيناريوهات “ما بعد النظام”.
وعلى المستوى الإقليمي، واصلت طهران تعزيز خطاب “المقاومة والصمود”، بالتوازي مع مراقبتها للتحولات الأمنية في الخليج، خاصة التقارب السعودي الباكستاني ودخول المنظومات الدفاعية الصينية إلى المعادلة الإقليمية.
الكلاشينكوف في الساحات.. كيف تحوّل إيران “الخوف من الحرب” إلى مشهد تعبئة يومي؟
بعد أسابيع من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بدأت مشاهد غير مألوفة تنتشر في الساحات العامة الإيرانية: رجال ونساء يتلقون تدريبات على حمل الكلاشينكوف، عناصر من الباسيج والحرس الثوري يشرحون فك وتركيب السلاح، وشاحنات عسكرية تحمل عرساناً يقفون إلى جانب صواريخ ومنصات رشاشات في احتفالات جماعية تحمل شعار “جانفدا” أو “الفداء لإيران”.
هذه الصور، التي انتشرت في طهران ومدن أخرى مثل الأهواز وكرمان وشيراز وزاهدان، تعكس تحركاً منظماً من السلطات الإيرانية لإدخال فكرة “الاستعداد للحرب” إلى الحياة اليومية، ليس عبر تعبئة عسكرية تقليدية واسعة، بل من خلال صناعة حالة نفسية ورمزية قائمة على إظهار مجتمع مستعد للدفاع والتضحية إذا عادت المواجهة الإقليمية مجدداً.
وفي ساحات مثل “هفت تير” و ”ونك” و ”الإمام حسين” في طهران، أقيمت خيام تدريب يشرف عليها عناصر من الحرس الثوري وقوات الباسيج، حيث يحصل المدنيون على دورات قصيرة تتضمن التعرف إلى أنواع الذخيرة، وقواعد السلامة، وفك وتركيب الكلاشينكوف، دون استخدام ذخيرة حية أو الانخراط في تدريبات قتالية فعلية.
كما تترافق هذه الأنشطة مع عروض رمزية أخرى، من بينها سيارات مزودة برشاشات تجوب الشوارع، وبرامج تلفزيونية تتضمن إطلاق نار استعراضي، إضافة إلى أعراس جماعية يجري فيها الزفاف على متن شاحنات عسكرية وبجوار صواريخ “خيبر شكن”، ضمن حملة “جانفدا” التي تدمج بين الرمزية الدينية والوطنية والعسكرية.
وتؤكد السلطات الإيرانية أن المشاركة في هذه الأنشطة تطوعية، بينما يقدّم الباسيج نفسه بوصفه “قوة تعبئة شعبية” جاهزة للدفاع عن البلاد في حال عودة الحرب. ويحصل بعض المشاركين بعد انتهاء التدريب على بطاقات رمزية تؤكد مشاركتهم في دورات “الفداء لإيران”.
لكن رغم المظاهر العسكرية اللافتة، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن ما يجري لا يرقى إلى مستوى “تسليح شعبي واسع”، بل يظل أقرب إلى حملة تعبئة نفسية وإعلامية منظمة تهدف إلى رفع المعنويات وتعزيز صورة الصمود الداخلي بعد الحرب الأخيرة.
ويرى مراقبون أن إيران تحاول من خلال هذه المشاهد تحقيق أكثر من هدف في وقت واحد.
فعلى المستوى الداخلي، تسعى السلطات إلى احتواء آثار الحرب والخسائر والضغوط النفسية عبر تحويل الخوف إلى حالة تعبئة وطنية، وإظهار أن المجتمع ما يزال متماسكاً وقادراً على الاستعداد لأي مواجهة مقبلة.
أما خارجياً، فتحاول طهران إرسال رسالة ردع سياسية ونفسية مفادها أن أي حرب جديدة لن تبقى محصورة في المنشآت العسكرية أو الجبهات التقليدية، بل ستواجه مجتمعاً جرى تجهيزه نفسياً على فكرة “المقاومة الشعبية”.
كما تعكس هذه المشاهد استمرار اعتماد النظام الإيراني على نموذج “التعبئة العقائدية” الذي تأسس منذ الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات، حين لعبت قوات الباسيج والمتطوعون دوراً مركزياً في الخطاب الرسمي حول التضحية والصمود.
لكن اللافت اليوم أن التعبئة لم تعد مرتبطة فقط بالمساجد أو الجبهات، بل أصبحت جزءاً من المشهد المدني اليومي: في الساحات، وفي الإعلام، وحتى في حفلات الزواج.
وفي ظل الهدنة الهشة الحالية، تبدو هذه الأنشطة جزءاً من معركة أوسع تخوضها إيران على مستوى الوعي والإدراك، حيث يجري استخدام السلاح والرموز العسكرية ليس فقط كأدوات حرب، بل أيضاً كأدوات لإدارة الخوف، وتعزيز التماسك الداخلي، وإظهار الجاهزية أمام الخصوم في مرحلة ما بعد الحرب.
نيويورك تايمز: إيران نقلت المعركة إلى “حرب استنزاف سياسي” ضد واشنطن وتل أبيب
كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن إيران اعتمدت خلال الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ما وصفته دوائر غربية بـ“استراتيجية الضغط الثلاثي”، في محاولة لمنع خصومها من تحقيق حسم سريع، وإجبارهم على التعامل مع كلفة المواجهة على أكثر من مستوى عسكري وسياسي واقتصادي في آن واحد.
وبحسب الصحيفة، فإن طهران لم تتعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة تقليدية هدفها تحقيق انتصار عسكري مباشر، بل باعتبارها معركة لإدارة التوازنات ومنع انهيار معادلة الردع التي بنتها طوال السنوات الماضية. ولهذا اعتمدت القيادة الإيرانية على مزيج من التصعيد العسكري المحدود، والضغط غير المباشر على المصالح الأمريكية والإسرائيلية، بالتوازي مع تحركات سياسية عبر قنوات إقليمية ودولية هدفت إلى إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
وتشير التقديرات التي نقلتها الصحيفة إلى أن إيران حاولت منذ الأيام الأولى للحرب تفادي سيناريو “المواجهة الشاملة”، لكنها في الوقت نفسه عملت على رفع كلفة العمليات العسكرية على خصومها، سواء عبر استهداف العمق الإسرائيلي، أو التهديد بإرباك الملاحة والطاقة في المنطقة، أو الحفاظ على مستوى من التصعيد يمنع واشنطن من الانتقال إلى مرحلة الحرب المفتوحة.
كما رأت الصحيفة أن طهران حاولت استغلال التباينات داخل المعسكر المقابل، خصوصاً بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، في ظل اختلاف واضح في تقدير سقف الحرب وأهدافها النهائية. ففي حين دفعت إسرائيل نحو توسيع المواجهة وإضعاف إيران بشكل جذري، بدا البيت الأبيض أكثر حذراً من الانجرار إلى حرب طويلة ومكلفة قد تتسبب باضطرابات إقليمية واقتصادية واسعة.
وفي هذا السياق، ركزت الاستراتيجية الإيرانية على تحويل الحرب من مواجهة عسكرية مباشرة إلى معركة استنزاف سياسي ونفسي، تقوم على إقناع الخصوم بأن استمرار التصعيد سيؤدي إلى حالة عدم استقرار إقليمي تشمل أسواق الطاقة والممرات البحرية والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن إيران حاولت من خلال هذا الأسلوب الحفاظ على صورة “الدولة القادرة على الصمود”، حتى مع تعرضها لضربات قاسية، وذلك عبر إظهار قدرتها على الاستمرار في الرد وعدم السماح بفرض معادلة استسلام كامل أو انهيار سريع للنظام.
كما تعكس هذه المقاربة تحولاً أوسع في طبيعة الصراعات الإقليمية، حيث لم يعد التفوق العسكري وحده كافياً لتحقيق الحسم، بل أصبحت القدرة على إدارة التصعيد ورفع الكلفة السياسية والاقتصادية على الخصم جزءاً أساسياً من معادلات الحرب الحديثة.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، تبدو الاستراتيجية الإيرانية أقرب إلى محاولة منع خصومها من تحقيق “نصر نظيف”، عبر إبقاء المنطقة في حالة استنزاف وضغط دائم، بما يفرض على واشنطن وتل أبيب التعامل مع الحرب باعتبارها أزمة مفتوحة لا يمكن إنهاؤها بسهولة أو بكلفة محدودة.
تسريبات عن أحمدي نجاد تهز المشهد الإيراني.. هل كانت واشنطن وتل أبيب تخططان لمرحلة “ما بعد النظام”؟
أثارت تقارير إعلامية غربية جدلاً واسعاً بعد الكشف عن معلومات تتحدث عن وجود تصورات أمريكية وإسرائيلية لاستخدام الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد ضمن سيناريوهات مرتبطة بإعادة تشكيل السلطة في إيران خلال الحرب الأخيرة. التقارير، التي استندت إلى مصادر استخباراتية وسياسية غربية، فتحت باب التساؤلات حول حجم الاختراقات داخل إيران، وحدود الحرب الخفية بين طهران وخصومها.
وبحسب ما نُقل عن تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل ناقشتا خططاً متعددة المراحل تهدف إلى إضعاف النظام الإيراني، تضمنت استهداف مراكز القيادة، وإحداث حالة من الفوضى الداخلية، ودعم ترتيبات سياسية بديلة في حال انهيار السلطة المركزية. اللافت في هذه التسريبات أن اسم الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد طُرح ضمن الشخصيات التي يمكن الاستفادة منها في مرحلة انتقالية محتملة، رغم تاريخه المعروف بخطابه المتشدد تجاه الغرب وإسرائيل.
التقارير تحدثت أيضاً عن أن إسرائيل حاولت خلال الأيام الأولى للحرب تنفيذ ضربة قرب منزل أحمدي نجاد في طهران بهدف فك الحصار الأمني المفروض عليه، بعد سنوات من تراجع علاقته بالمؤسسة الإيرانية الحاكمة. ووفقاً للروايات المتداولة، فإن الضربة أدت إلى إصابته واختفائه عن الأنظار منذ بداية الحرب، بينما لم تصدر السلطات الإيرانية توضيحات رسمية حاسمة بشأن وضعه الحالي.
ويستند جزء من الجدل إلى التحولات التي طرأت على علاقة أحمدي نجاد بالنظام الإيراني خلال السنوات الأخيرة. فالرجل الذي كان يوماً أحد أبرز رموز التيار المحافظ دخل في صدامات متكررة مع مؤسسات الدولة، وانتقد علناً بعض سياسات النظام، كما مُنع من الترشح للرئاسة عدة مرات من قبل مجلس صيانة الدستور، ما عزز صورته كشخصية خرجت جزئياً من العباءة التقليدية للنظام.
كما أعادت التقارير تسليط الضوء على شخصيات مقربة من أحمدي نجاد، أبرزها مدير مكتبه السابق إسفنديار رحيم مشائي، الذي سبق أن وُجهت له اتهامات داخل إيران تتعلق بعلاقات مشبوهة مع جهات أجنبية، رغم عدم صدور أدلة علنية حاسمة تثبت تلك الاتهامات.
وفي السنوات الأخيرة، أثارت تحركات أحمدي نجاد الخارجية الكثير من التكهنات، خاصة بعد زياراته إلى دول مثل المجر وغواتيمالا، وسط حديث متكرر في الإعلام الإيراني والغربي عن محاولاته بناء شبكة علاقات سياسية خارج الإطار الرسمي الإيراني.
لكن رغم الضجة الكبيرة التي أحدثتها هذه التسريبات، لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت وجود علاقة استخباراتية مباشرة بين أحمدي نجاد والولايات المتحدة أو إسرائيل. كما يرى عدد من المحللين أن جزءاً من هذه الروايات قد يدخل ضمن الحرب النفسية المتبادلة بين إيران وخصومها، خاصة في ظل تصاعد الحديث عن الاختراقات الأمنية داخل الدولة الإيرانية.
ويرى مراقبون أن مجرد تداول اسم أحمدي نجاد في هذا السياق يعكس حجم التحولات داخل المشهد الإيراني، حيث لم تعد الانقسامات تقتصر على إصلاحيين ومحافظين، بل امتدت إلى شخصيات كانت سابقاً جزءاً من صلب النظام نفسه. كما يكشف الأمر عن طبيعة الصراع الحالي، الذي لم يعد يعتمد فقط على المواجهة العسكرية أو العقوبات، بل بات يقوم أيضاً على تفكيك الثقة داخل الأنظمة وإثارة الشكوك بين أجنحتها السياسية والأمنية.
وفي حال صحت بعض هذه التسريبات، فإن ذلك يعني أن الصراع حول إيران دخل مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها ليس فقط “إضعاف النظام”، بل البحث عن بدائل وشخصيات يمكن توظيفها في أي مرحلة انتقالية مستقبلية. أما إذا كانت المعلومات جزءاً من حملة تضليل أو حرب نفسية، فإن هدفها يبدو واضحاً: تعميق الانقسام داخل إيران وزرع الشك بين مراكز القوة فيها، في واحدة من أخطر معارك الظل التي تشهدها المنطقة منذ سنوات.
باكستان تنشر قوات ومقاتلات في السعودية.. هل يتشكل محور ردع جديد في مواجهة إيران؟
كشفت وكالة Reuters في تقرير حصري أن باكستان نشرت نحو 8000 جندي، إضافة إلى سرب من مقاتلات JF-17، وطائرات مسيّرة، ومنظومة الدفاع الجوي الصينية HQ-9 داخل المملكة العربية السعودية، وذلك بموجب اتفاق دفاعي متبادل بين البلدين جرى توقيعه العام الماضي، في خطوة تعكس تصعيداً استراتيجياً غير مسبوق في خضم الحرب الإقليمية المرتبطة بإيران.
وبحسب التقرير، فإن القوات المنتشرة لا تقتصر على مهام تدريبية أو رمزية، بل تُوصف بأنها “قوة قتالية كاملة الجاهزية” يمكن استخدامها في حال تعرض السعودية لهجمات جديدة. كما نقلت رويترز عن مصادر أمنية وحكومية أن الاتفاق يسمح نظرياً برفع عدد القوات الباكستانية داخل المملكة إلى 80 ألف جندي إذا تطلبت الظروف ذلك.
الانتشار شمل أيضاً منظومات دفاع جوي صينية HQ-9، وهي من أكثر الأنظمة الدفاعية تطوراً لدى الصين، إضافة إلى مقاتلات JF-17 المطورة بالشراكة الصينية الباكستانية، ما يعني أن الرياض لا تعزز دفاعاتها فقط، بل تنوّع أيضاً مصادر تسليحها بعيداً عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
اللافت أن هذه الخطوة تأتي رغم لعب إسلام آباد دور الوسيط الرئيسي في التهدئة بين واشنطن وطهران خلال الأشهر الماضية. فباكستان استضافت جولات حوار بين الولايات المتحدة وإيران، وساهمت في تثبيت وقف إطلاق النار المؤقت، لكنها في الوقت نفسه عمّقت تعاونها العسكري مع السعودية بشكل غير مسبوق.
تكشف التقارير المتعلقة بنشر قوات باكستانية ومنظومات دفاع جوي صينية داخل السعودية عن تحوّل أعمق من مجرد ترتيبات عسكرية مؤقتة مرتبطة بالحرب مع إيران، إذ يبدو أن الرياض بدأت فعلياً بإعادة صياغة بنيتها الأمنية الإقليمية بعيداً عن نموذج الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة. فالحرب الأخيرة وما رافقها من استهداف للبنية النفطية وتهديد مباشر للعمق الخليجي أظهرت حدود المظلة الأمريكية التقليدية، ودفع ذلك السعودية إلى البحث عن منظومة ردع أكثر تنوعاً ومرونة.
وفي هذا السياق، تبرز باكستان بوصفها شريكاً استراتيجياً يتجاوز البعد العسكري التقليدي، نظراً لامتلاكها جيشاً كبيراً وخبرة قتالية وقدرات نووية تجعلها بالنسبة للرياض عنصر ردع إقليمي بالغ الأهمية. كما أن الحديث عن إمكانية توسيع الانتشار العسكري الباكستاني إلى عشرات الآلاف من الجنود يعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق الأمني بين البلدين.
وفي المقابل، يحمل ظهور منظومات HQ-9 الصينية داخل المشهد الخليجي دلالة جيوسياسية لافتة، تشير إلى أن بكين لم تعد مجرد شريك اقتصادي لدول الخليج، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى طرف حاضر في معادلات الأمن والدفاع الإقليمي. وبهذا، تبدو السعودية وكأنها تتجه نحو نموذج أمني متعدد الرعاة، يجمع بين الشراكة الأمريكية، والتكنولوجيا الصينية، والدعم العسكري الباكستاني، في محاولة لبناء توازنات جديدة داخل منطقة تدخل مرحلة أكثر تعقيداً واضطراباً.
فايننشال تايمز: أين مجتبى خامنئي؟ ومن يدير إيران فعلياً؟
سلطت صحيفة فايننشال تايمز الضوء على حالة الغموض المتصاعدة داخل إيران بشأن مكان المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي ودوره الحقيقي في إدارة الدولة، بعد أكثر من شهرين على توليه المنصب خلفاً لوالده علي خامنئي الذي قُتل خلال الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. التقرير، الذي نقلته الجزيرة نت، أشار إلى أن غياب مجتبى الكامل عن الظهور العلني فتح باب التكهنات داخل إيران وخارجها حول طبيعة السلطة الفعلية في طهران خلال هذه المرحلة الحساسة.
ورغم محاولات المسؤولين الإيرانيين طمأنة الداخل والخارج بأن المرشد الجديد ما يزال يدير شؤون الدولة ويتمتع بصحة جيدة، فإن غيابه المستمر عن المشهد العلني عزز الشكوك بشأن حجم نفوذ الحرس الثوري داخل بنية القرار الإيراني، خاصة مع استمرار الحرب والضغوط العسكرية والسياسية على البلاد.
وتشير التقارير إلى أن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران تشهد تعثراً جزئياً بسبب ما تصفه بعض الدوائر الغربية بـ“تشتت مراكز القرار” داخل النظام الإيراني، في وقت يزداد فيه الحديث عن تنامي دور المؤسسة العسكرية والأمنية مقارنة بالمؤسسة الدينية التقليدية.
وكانت وسائل إعلام إيرانية قد تحدثت خلال الأسابيع الماضية عن تعرض مجتبى خامنئي لإصابة خلال الحرب، دون تقديم تفاصيل واضحة عن طبيعتها أو مدى تأثيرها. كما اكتفى المرشد الجديد منذ توليه المنصب بإصدار رسائل مكتوبة ولقاءات محدودة جرى الحديث عنها رسمياً، دون ظهور علني مباشر بالصوت والصورة لفترات طويلة، الأمر الذي غذّى المزيد من التكهنات حول وضعه الصحي والأمني.
في المقابل، تحاول طهران التأكيد أن مؤسسات الدولة ما تزال تعمل بصورة طبيعية، حيث أصدر مجتبى خامنئي خلال الفترة الماضية توجيهات وقرارات تتعلق بالعلاقات مع الصين والملفات العسكرية والاقتصادية، في محاولة لإظهار استمرار مركزية موقع المرشد داخل النظام الإيراني.
ويرى مراقبون أن القضية لا تتعلق فقط بمكان المرشد الجديد، بل بطبيعة المرحلة التي تعيشها إيران بعد الحرب. فالنظام الإيراني دخل للمرة الأولى منذ عقود مرحلة انتقالية حساسة تجمع بين:
- انتقال القيادة،
- الحرب المفتوحة،
- والضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة.
كما أن صعود مجتبى خامنئي نفسه إلى موقع المرشد أثار جدلاً داخل إيران، لأن النظام الإيراني تاريخياً كان يرفض فكرة “توريث السلطة” بشكل مباشر، بينما ينظر بعض خصوم النظام إلى انتقال المنصب من الأب إلى الابن باعتباره تحولاً حساساً في طبيعة الجمهورية الإسلامية.
وتشير التحليلات إلى أن غياب مجتبى عن الظهور العلني قد يكون مرتبطاً بالاعتبارات الأمنية، خاصة مع الحديث عن محاولات إسرائيلية وأمريكية لاستهداف مراكز القيادة الإيرانية خلال الحرب. لكن في الوقت نفسه، فإن استمرار هذا الغياب يمنح خصوم إيران مساحة أوسع للتشكيك في تماسك النظام وفي الجهة التي تمسك فعلياً بمفاتيح القرار داخل طهران.
وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن السؤال المطروح داخل الأوساط السياسية والإعلامية لم يعد فقط “أين مجتبى خامنئي؟”، بل أيضاً: هل ما تزال المؤسسة الدينية هي مركز السلطة الحقيقي في إيران، أم أن الحرب دفعت الحرس الثوري إلى لعب دور أكبر في إدارة الدولة والملفات الاستراتيجية؟
تركيا
:EFES-2026 تركيا تستعرض “حرب المستقبل” في أكبر مناوراتها العسكرية
نفذت القوات المسلحة التركية المرحلة الليلية من مناورات “إيفيس 2026” العسكرية في منطقة دوغان بي بإزمير، في واحدة من أضخم المناورات المشتركة التي تنظمها أنقرة منذ سنوات، وسط مشاركة واسعة لوحدات برية وبحرية وجوية وقوات خاصة، واستخدام مكثف للطائرات المسيّرة والأنظمة الذكية ومنصات الحرب الإلكترونية.
المناورات، التي وصفتها وسائل إعلام تركية بأنها “حبست الأنفاس”، لم تكن مجرد استعراض ناري تقليدي، بل بدت كعرض عملي للعقيدة العسكرية التركية الجديدة القائمة على الدمج بين المسيّرات، الذكاء الاصطناعي، العمليات البرمائية، والحرب الشبكية المتعددة المجالات.
وخلال المرحلة الليلية، استخدمت القوات التركية مقاتلات F-16، ومروحيات T-129 أتاك، وأنظمة دفاع جوي “كوركوت”، إضافة إلى طائرات “بيرقدار” ودرونات “كارغو” الانتحارية، ضمن سيناريو يحاكي مواجهة واسعة ضد قوة معادية تمتلك بنية اتصالات ورادارات ودفاعات ساحلية. كما شاركت وحدات SAT وSAS الخاصة في عمليات تسلل بحري وتدمير أهداف ساحلية وألغام بحرية.
اللافت في EFES-2026 ليس حجم النيران فقط، بل طبيعة الأنظمة المستخدمة. فوزارة الدفاع التركية أكدت إدخال أنظمة قيادة وتحكم تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات ضمن عملية اتخاذ القرار العسكري، إلى جانب استخدام أنظمة محاكاة متقدمة وحرب شبكية تربط مختلف الوحدات القتالية في الزمن الحقيقي.
كما شهدت المناورات ظهوراً لافتاً لمجموعة واسعة من الصناعات الدفاعية التركية المحلية، من بينها مسيّرات “كارغو” و”توغان” وأنظمة مكافحة الدرونات “تونغا”، في رسالة واضحة بأن أنقرة لم تعد تكتفي بشراء السلاح، بل تسعى لتقديم نفسها كقوة تكنولوجية عسكرية مستقلة وقادرة على تصدير نموذجها القتالي.
ما تعرضه تركيا في EFES-2026 ليس مجرد “مناورة”، بل إعلان عن انتقال كامل في فلسفة الحرب التركية.
الجيش التركي تاريخياً كان يعتمد على الكتلة البرية الثقيلة والعقيدة الأطلسية التقليدية، لكنه بدأ الآن بإعادة تشكيل عقيدته حول مفهوم مختلف: الحرب السريعة، الشبكية، والرخيصة نسبياً. ولهذا ظهرت المسيّرات في قلب المناورة لا على هامشها.
الأهم أن تركيا لا تستعرض السلاح للداخل فقط، بل للخارج أيضاً، من خلال ثلاث رسائل:
الأولى:
تركيا تريد تأكيد أنها قوة إقليمية مستقلة عسكرياً، قادرة على العمل دون اعتماد كامل على الناتو أو السلاح الأمريكي.
الثانية:
أن الصناعات الدفاعية التركية أصبحت جزءاً من السياسة الخارجية التركية نفسها. فكل مناورة هي أيضاً معرض تسويق ضخم للسلاح التركي أمام وفود عسكرية أجنبية.
الثالثة:
أن أنقرة تستعد لبيئة إقليمية أكثر خطورة في المتوسط والشرق الأوسط، حيث أصبحت احتمالات الاشتباك البحري والجوي والحرب غير التقليدية أعلى من السابق.
كما أن إدخال الذكاء الاصطناعي في منظومات القرار العسكري يشير بوضوح إلى أن تركيا تحاول اللحاق بالموجة العالمية الجديدة في “حروب الخوارزميات”، حيث تصبح سرعة تحليل البيانات واتخاذ القرار أهم أحياناً من عدد الجنود أنفسهم.
لكن رغم هذا التقدم، تبقى هناك معضلة: الجيش التركي يتطور بسرعة تقنياً، لكن البيئة الجيوسياسية المحيطة بتركيا تزداد تعقيداً أيضاً: اليونان، شرق المتوسط، سوريا، العراق، البحر الأسود، والتوترات مع إسرائيل وإيران.
ولهذا تبدو EFES-2026 أقرب إلى رسالة استراتيجية مفادها أن أنقرة لا تريد فقط حماية حدودها، بل تريد أن تكون قوة قادرة على فرض توازنات إقليمية بنفسها، مستخدمة نموذجاً عسكرياً جديداً أقل اعتماداً على الغرب وأكثر اعتماداً على التكنولوجيا المحلية والمرونة العملياتية.
متابعات عربية
حفتر يستعرض القوة شرق ليبيا.. رسائل داخلية وخارجية في أكبر مناورات منذ سقوط القذافي
نفذت القوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر مناورات عسكرية واسعة وُصفت بأنها الأكبر منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، في خطوة أثارت اهتماماً إقليمياً ودولياً، خصوصاً مع الظهور اللافت لمدرعات وآليات أمريكية الصنع للمرة الأولى ضمن تشكيلات القوات المشاركة.
المناورات التي أُجريت في مناطق شرق وجنوب ليبيا شملت تدريبات على القتال البري، تحريك الأرتال المدرعة، الرماية الثقيلة، والطيران المسيّر، وسط حضور عسكري وإعلامي واسع. لكن العنصر الأكثر إثارة للانتباه كان ظهور عربات ومدرعات أمريكية حديثة، ما فتح باب التساؤلات حول طبيعة التحولات الجارية في علاقات شرق ليبيا العسكرية، ومصدر هذه المعدات، وما إذا كانت تعكس تغيراً في مقاربة بعض القوى الدولية تجاه قوات حفتر.
وتأتي هذه المناورات في وقت تشهد فيه ليبيا حالة جمود سياسي وأمني طويلة، مع استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، وتعثر مسارات الانتخابات والتسوية النهائية. لذلك ينظر مراقبون إلى التحرك العسكري ليس باعتباره تدريباً روتينياً فقط، بل رسالة متعددة الاتجاهات: للداخل الليبي، وللقوى الإقليمية، وللأطراف الدولية المنخرطة في الملف الليبي.
داخلياً، يبدو أن حفتر يسعى إلى تثبيت صورة “الجيش المنظم” القادر على فرض السيطرة وحماية الشرق الليبي، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن ترتيبات سياسية جديدة واحتمالات إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في البلاد. كما أن الاستعراض العسكري يمنح القيادة العامة فرصة لإظهار تماسكها وقدرتها على الاحتفاظ بالتفوق العسكري مقارنة بالتشكيلات المسلحة في الغرب الليبي.
أما خارجياً، فإن ظهور معدات أمريكية يحمل دلالات تتجاوز الجانب التقني. فمنذ سنوات، ارتبط تسليح قوات حفتر بشكل أساسي بروسيا والإمارات ومصر، بينما ظلت العلاقة مع واشنطن ضبابية وحذرة. لذلك فإن ظهور مدرعات أمريكية يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هناك قنوات تنسيق غير معلنة، أو تحولات تدريجية في نظرة بعض الدوائر الغربية إلى شرق ليبيا، خاصة مع تصاعد القلق من النفوذ الروسي المتزايد في الساحل الإفريقي وليبيا تحديداً.
اللافت أيضاً أن هذه المناورات تأتي في سياق إقليمي شديد الحساسية. فالساحل الإفريقي يشهد إعادة تموضع عسكرياً واسعاً بعد تراجع النفوذ الفرنسي، بينما تتسابق قوى دولية وإقليمية لملء الفراغ الأمني في المنطقة. وليبيا، بحكم موقعها الجغرافي وثروتها النفطية وحدودها المفتوحة، تبقى إحدى أهم ساحات هذا التنافس.
كما أن استعراض القوة الحالي قد يكون جزءاً من محاولة حفتر إعادة تقديم نفسه دولياً كشريك أمني يمكن الاعتماد عليه في ملفات الهجرة غير الشرعية، مكافحة الجماعات المسلحة، وتأمين الجنوب الليبي، خصوصاً مع تزايد الاهتمام الأوروبي والأمريكي باستقرار المتوسط والساحل.
لكن في المقابل، تحمل هذه التحركات مخاطر واضحة. فكل استعراض عسكري كبير داخل ليبيا يعيد إحياء المخاوف من العودة إلى منطق الحسم بالقوة، ويزيد الشكوك لدى الأطراف الغربية الليبية التي قد ترى في المناورات محاولة لفرض توازنات سياسية جديدة بالقوة العسكرية لا عبر التوافق.
وفي النهاية، لا يمكن قراءة هذه المناورات بوصفها حدثاً عسكرياً منفصلاً فقط، بل كجزء من إعادة تشكيل المشهد الليبي والإقليمي. فحفتر لا يوجّه دباباته نحو الصحراء فقط، بل يرسل رسالة سياسية تقول إن شرق ليبيا ما يزال لاعباً مركزياً في أي معادلة قادمة، وإن القوة العسكرية ستبقى أحد أهم عناصر التفاوض على مستقبل الدولة الليبية.
قطر ومصر تعززان شراكة الغاز.. القاهرة تراهن على دور إقليمي جديد في شرق المتوسط
تتجه مصر وقطر إلى توسيع تعاونهما في قطاع الغاز الطبيعي، في خطوة تعكس التحولات المتسارعة في سوق الطاقة بشرق المتوسط، ومحاولات إعادة تشكيل خريطة التصدير والإمداد في المنطقة وسط التوترات الجيوسياسية العالمية.
وأعلنت شركة قطر للطاقة توقيع مذكرة تفاهم مع الحكومة المصرية وشركة “إكسون موبيل” للتعاون في تطوير واستغلال اكتشافات الغاز القبرصية عبر البنية التحتية المصرية الخاصة بتسييل الغاز وإعادة تصديره إلى الأسواق العالمية، خاصة الأوروبية.
ويأتي الاتفاق في وقت تسعى فيه القاهرة إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي للطاقة، مستفيدة من امتلاكها منشآت تسييل الغاز في إدكو ودمياط، إضافة إلى موقعها الجغرافي القريب من حقول شرق المتوسط وخطوط الملاحة الدولية.
كما يعكس التحرك القطري توسعاً متزايداً في استثمارات الدوحة المرتبطة بالطاقة خارج الخليج، ضمن استراتيجية تهدف إلى ترسيخ حضورها في أسواق الغاز العالمية، وربط إنتاج شرق المتوسط بالبنية التحتية الإقليمية القادرة على التصدير السريع والمرن.
ويشير مراقبون إلى أن الاتفاق لا يقتصر على البعد التجاري فقط، بل يحمل أبعاداً جيوسياسية واضحة، في ظل استمرار أوروبا بالبحث عن مصادر بديلة للغاز الروسي، وتصاعد أهمية شرق المتوسط كممر ومصدر طاقة أكثر استقراراً نسبياً مقارنة بالمناطق الملتهبة في الخليج والبحر الأحمر.
كما يلفت الاتفاق إلى تصاعد نموذج “التكامل الطاقي” في المنطقة، حيث يجري ربط الغاز القبرصي بالإمكانات المصرية في التسييل والتصدير، مع دخول قطر كشريك تمويلي واستثماري يمتلك خبرة عالمية واسعة في سوق الغاز الطبيعي المسال.
وفي الوقت نفسه، يعكس حضور شركة “إكسون موبيل” استمرار الاهتمام الأمريكي بملف غاز شرق المتوسط، باعتباره جزءاً من التنافس الدولي على الطاقة وسلاسل الإمداد والنفوذ الاقتصادي في المنطقة.
لكن رغم هذا التقارب، ما تزال مشاريع الغاز في شرق المتوسط تواجه تحديات سياسية وأمنية معقدة، أبرزها الخلافات البحرية، والتوترات الإقليمية، والمنافسة بين القوى الإقليمية على خطوط النقل والتصدير.
وفي ظل هذه المعادلة، تبدو القاهرة وكأنها تراهن على تحويل موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية إلى نقطة عبور رئيسية للغاز في المنطقة، بينما تسعى قطر إلى توسيع نفوذها الطاقي عبر شراكات إقليمية تتجاوز حدود الخليج التقليدية.
اتفاق 17 أيار يعود إلى الواجهة.. هل يعيد لبنان التفاوض تحت الضغط الإسرائيلي؟
أعادت تقارير إعلامية ونقاشات سياسية في لبنان إحياء المقارنة بين المفاوضات الجارية اليوم مع إسرائيل وبين اتفاق 17 أيار 1983، الذي وُقّع بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان لكنه انهار لاحقاً تحت ضغط الانقسام الداخلي والتوازنات الإقليمية. واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل يكرر التاريخ اللبناني نفسه ولكن بظروف مختلفة؟
اتفاق 17 أيار وُقّع عام 1983 بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل برعاية أمريكية، وكان يهدف عملياً إلى إنهاء حالة الحرب وتنظيم الانسحاب الإسرائيلي من لبنان بعد اجتياح 1982. لكن الاتفاق واجه رفضاً واسعاً داخلياً، خاصة من القوى الوطنية واليسارية وسوريا، التي اعتبرته محاولة لجر لبنان إلى تسوية منفردة مع إسرائيل. وفي النهاية سقط الاتفاق قبل أن يُطبق فعلياً.
اليوم، يعود الحديث عن “تفاهمات أمنية” و ”ترتيبات حدودية” ووساطات دولية، وسط حرب واستنزاف متواصل على الجبهة الجنوبية. ومع أن السياق مختلف، فإن كثيرين داخل لبنان يرون أن هناك عناصر متشابهة:
- ضغط خارجي لإنجاز تفاهم سريع،
- انقسام داخلي حول العلاقة مع إسرائيل،
- وربط ملف الأمن اللبناني بالتوازنات الإقليمية الأوسع.
لكن الفرق الأساسي أن لبنان اليوم أضعف بكثير مما كان عليه في الثمانينات.
فالدولة اللبنانية تعيش انهياراً اقتصادياً ومالياً غير مسبوق، والمؤسسات الرسمية تعاني من هشاشة عميقة، بينما بات حزب الله لاعباً عسكرياً وسياسياً مركزياً لا يمكن تجاوز دوره في أي تفاوض يتعلق بالجنوب أو بالعلاقة مع إسرائيل.
تحليل المعهد المصري :
يعيد الحديث المتصاعد عن التفاهمات والوساطات الجارية على الجبهة اللبنانية الجنوبية إلى الأذهان اتفاق 17 أيار 1983، الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، قبل أن يسقط لاحقاً تحت ضغط الانقسام الداخلي والتوازنات الإقليمية. واليوم، وبعد أكثر من أربعين عاماً، يعود الجدل نفسه تقريباً ولكن في سياق أكثر تعقيداً، مع تصاعد الضغوط الدولية لإنهاء المواجهة على الحدود، ومحاولات الدفع نحو ترتيبات أمنية جديدة بين لبنان وإسرائيل.
ورغم اختلاف الظروف التاريخية، يرى مراقبون أن أوجه الشبه بين المرحلتين لا يمكن تجاهلها. ففي الحالتين، تجري المفاوضات تحت وقع الحرب والضغط العسكري، وفي ظل اختلال واضح في ميزان القوى، بينما يبدو الداخل اللبناني منقسماً حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل وحدود التسوية الممكنة.
لكن الفارق الجوهري أن لبنان اليوم يعيش وضعاً أكثر هشاشة بكثير مقارنة بثمانينات القرن الماضي. فالدولة اللبنانية تعاني انهياراً اقتصادياً ومالياً غير مسبوق، ومؤسساتها السياسية والأمنية تواجه أزمة ثقة عميقة، في وقت أصبح فيه حزب الله لاعباً مركزياً لا يمكن تجاوز حضوره العسكري والسياسي في أي نقاش يتعلق بالجنوب أو بمستقبل العلاقة مع إسرائيل.
وفي هذا السياق، لا تبدو المفاوضات الحالية مرتبطة فقط بترسيم الحدود أو وقف إطلاق النار، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بموقع حزب الله نفسه داخل المعادلة اللبنانية والإقليمية. فإسرائيل تسعى إلى فرض ترتيبات تضمن إبعاد التهديد العسكري عن حدودها الشمالية، بينما يتعامل الحزب مع المواجهة باعتبارها جزءاً من صراع إقليمي أوسع يتجاوز الساحة اللبنانية.
كما أن أي محاولة لإنتاج تفاهمات جديدة تصطدم بالمعضلة اللبنانية التقليدية: غياب توافق داخلي واضح حول القضايا السيادية الكبرى. وهي النقطة نفسها التي ساهمت في إسقاط اتفاق 17 أيار سابقاً، حين بدا لكثير من اللبنانيين أنه اتفاق فُرض تحت ضغط خارجي أكثر مما جاء نتيجة تسوية داخلية حقيقية.
ويشير متابعون إلى أن المشهد الإقليمي اليوم أكثر تعقيداً مما كان عليه في الثمانينات. فلبنان لم يعد مجرد ساحة مواجهة عربية–إسرائيلية، بل تحول إلى جزء من الاشتباك المفتوح بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ما يجعل أي تفاهم محتمل مرتبطاً أيضاً بحسابات إقليمية تتجاوز القرار اللبناني نفسه.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو أي ترتيبات مقبلة أقرب إلى محاولة “تنظيم الاشتباك” ومنع الانفجار الشامل، أكثر من كونها مساراً فعلياً نحو سلام دائم أو تسوية نهائية. فالجبهة الجنوبية لم تعد مجرد ملف حدودي، بل أصبحت امتداداً مباشراً لصراع النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط.
ولهذا، فإن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق فقط بإمكانية تكرار اتفاق 17 أيار، بل بالسؤال الأعمق الذي يرافق لبنان منذ عقود: كيف يمكن لدولة تعيش كل هذا التشابك الداخلي والإقليمي أن تنتج قراراً سيادياً مستقلاً في لحظة حرب وضغط وتوازنات متغيرة؟
متابعات إفريقية
البحر الأحمر بعد هرمز.. لماذا تعود إريتريا إلى الحسابات الأمريكية؟
في خضم التحولات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة بعد الحرب مع إيران واضطراب الملاحة في البحر الأحمر، بدأت إريتريا تعود تدريجياً إلى واجهة الاهتمام الأمريكي، ليس بوصفها دولة هامشية في القرن الإفريقي، بل باعتبارها موقعاً استراتيجياً حساساً على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وبحسب تقرير نشره نون بوست، فإن واشنطن تدرس تخفيف بعض القيود والعقوبات المفروضة على أسمرة، في خطوة تعكس تغيراً واضحاً في النظرة الأمريكية إلى البحر الأحمر بعد أزمة مضيق هرمز والتوترات الإقليمية الأخيرة.
فالولايات المتحدة، التي ركزت لعقود على الخليج بوصفه مركز الثقل الرئيسي لأمن الطاقة العالمي، بدأت تتعامل مع البحر الأحمر وباب المندب باعتبارهما جزءاً لا يقل أهمية في معادلة التجارة والطاقة والأمن البحري، خاصة بعد الهجمات التي طالت الملاحة الدولية خلال الحرب الأخيرة.
وفي هذا السياق، تبرز إريتريا بموقعها الجغرافي المطل على البحر الأحمر، قرب باب المندب، الممر الذي تعبر منه نسبة كبيرة من التجارة العالمية وشحنات النفط المتجهة نحو أوروبا وآسيا.
ورغم العزلة السياسية الطويلة التي عاشتها أسمرة بسبب العقوبات والاتهامات المتعلقة بحقوق الإنسان، فإن التطورات الإقليمية دفعت القوى الكبرى إلى إعادة النظر في أهمية الدولة الصغيرة الواقعة في القرن الإفريقي، خاصة مع تصاعد التنافس الدولي على الموانئ والقواعد العسكرية في المنطقة.
كما يأتي التحرك الأمريكي وسط مخاوف متزايدة من تمدد النفوذ الصيني والروسي في شرق إفريقيا. فالصين تمتلك بالفعل قاعدة عسكرية في جيبوتي المجاورة، بينما تسعى موسكو منذ سنوات إلى تثبيت حضور دائم لها قرب البحر الأحمر، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداً مباشراً لتوازنات النفوذ البحري في المنطقة.
ويرى مراقبون أن الاهتمام الأمريكي بإريتريا يعكس تحولاً أوسع في التفكير الاستراتيجي بعد الحرب الأخيرة، حيث لم تعد واشنطن تنظر إلى أمن المنطقة فقط من زاوية الخليج وهرمز، بل من خلال شبكة الممرات البحرية الممتدة من البحر الأحمر حتى المحيط الهندي.
كما تكشف هذه التحولات عودة “الجغرافيا” إلى قلب الصراع الدولي. فالموانئ والمضائق وخطوط الملاحة أصبحت مجدداً عناصر حاسمة في التنافس بين القوى الكبرى، في وقت يتزايد فيه القلق العالمي من هشاشة سلاسل الإمداد والطاقة.
وفي المقابل، تدرك واشنطن أن أي فراغ في البحر الأحمر قد تملؤه قوى منافسة بسرعة، سواء عبر القواعد العسكرية أو النفوذ الاقتصادي أو الشراكات الأمنية، وهو ما يدفعها إلى إعادة ترتيب علاقاتها وتحالفاتها في المنطقة، حتى مع دول ظلت لسنوات خارج دائرة الاهتمام الغربي التقليدي.
لكن هذا التحول لا يخلو من التعقيدات. فإريتريا تقع في منطقة شديدة الهشاشة، تحيط بها أزمات السودان واليمن وإثيوبيا والصومال، ما يجعل أي تصعيد أو إعادة تموضع دولي في البحر الأحمر مرتبطاً مباشرة بحسابات الأمن الإقليمي والتنافس الدولي في آن واحد.
وفي ظل هذه المعادلة، تبدو إريتريا اليوم أكثر من مجرد دولة صغيرة على الساحل الإفريقي، بل نقطة جديدة في سباق النفوذ الدولي على البحر الأحمر، الذي يتحول تدريجياً إلى واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم بعد مرحلة هرمز.




