الجارديان: مصابون ومهجورون.. المئات من مبتوري الأطراف من أهل غزة تُركوا عالقين في مصر

نشرت صحيفة الجارديان البريطانية في 9 إبريل 2026 تقريراً بعنوان: “مصابون ومهجورون.. المئات من مبتوري الأطراف من أهل غزة تُركوا عالقين في مصر” لـ “إيمري تشايلاك”، وهو صحفي ومصور تركي أمريكي، يغطي قضايا اجتماعية وبيئية من مختلف أنحاء العالم. يقول تشايلاك إنه في ذروة الحرب المدمرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة الفلسطيني، كان عشرة أطفال يفقدون ساقاً واحدة أو كلتا الساقين بمعدل يومي. أما من يُقَدّر لهم أن يعبروا الحدود إلى مصر طلباً للمساعدة الطبية، فإن التعافي الجسدي ليس سوى مجرد بداية فقط للمعاناة التي يواجهونها هناك.

صورة الغلاف للسيدة الفلسطينية علا جمال، وهي مُعلمة من غزة، أثناء تركيب ذراع اصطناعية لها في مركز طبي بالقاهرة.
وقد جاء التقرير على النحو التالي:
كانت علا جمال، السيدة الفلسطينية التي تبلغ من العمر 36 عاماً، ترضع ابنها زين البالغ من العمر شهرين فقط، عندما أصاب صاروخ (أطلقته إسرائيل) مستشفى النصر في غزة في نوفمبر 2023. وعندما أصاب الانفجار المبنى، اخترقت الشظايا ذراع السيدة علا جمال بينما كانت تحمل طفلها الرضيع.
تقول علا جمال وهي في مركز للأطراف الصناعية بالعاصمة المصرية القاهرة: “كنت قد ركضتُ مع عائلتي إلى المستشفى وبقينا هناك للاختباء (من جحيم الحرب). كنا نظن أنه سيكون مكاناً آمناً لنا لأنه مستشفى للأطفال”.
ولكن في خضم الفوضى التي خلَّفتها ضربة الصاروخ الذي استهدف المستشفى، لم يكن طلب المساعدة متاحاً بالمرة. حيث “كان الجميع في المستشفى يصرخون. وكان الدم الذي يسيل بغزارة من ذراعي يغطي وجه طفلي الرضيع زين، وكان أطفالي الثلاثة الآخرون يجلسون بجانبي أيضاً”.
تقول السيدة علا جمال إنها انتظرت ساعة كاملة وهي على هذه الحالة حتى وصلت سيارة إسعاف لنقلها إلى مستشفى الشفاء، وهو مرفق طبي آخر في غزة، حيث خضعت لعملية بتر لذراعها. وخلال تلك الفترة، انفصلت عن أطفالها الذين وُضعوا لدى عائلة أخرى لرعايتهم.

(مجموعة من الأطراف الاصطناعية التي صُممت خصيصاً لمصابين وقد وُضعت إلى جانب أحد الجدران في العيادة، وهي تحمل أسماء المرضى الذين سيتم تركيبها لهم)
وبعد شهر، سافرت جمال إلى مصر مع والدتها لتلقي المزيد من العلاج، وهي الآن واحدة من آلاف الفلسطينيين الذين يعانون من إصابات غيّرت مجرى حياتهم. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الفلسطينية، فقد خضع أكثر من 6000 بالغ وطفل لعمليات بتر أطراف منذ شهر أكتوبر 2023. وفي ذروة هذه الحرب المدمرة، أفادت التقارير أن عشرة أطفال كانوا يفقدون ساقاً واحدة أو كلتا الساقين بمعدل يومي.

(المصاب “شادي شريف عايش السوس”، وهو أب لطفلين من غزة، رُكّب له طرف صناعي في القاهرة. حيث كان قد فقد ساقه إثر قصف صاروخي على مخيم من مخيمات اللاجئين بينما كان يجمع الحطب)
وبالنسبة لمن فقدوا أطرافهم جرّاء هذه الحرب المدمرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، فإن التعافي الجسدي ليس سوى البداية فقط لآلامهم. فقد وصل أحد المصابين، شادي شريف عايش السوس، وهو أب لطفلين، إلى عيادة في القاهرة في شهر فبراير 2026، لتجربة أول طرف صناعي تم تصميمه خصيصاً له. حيث كان قد فقد ساقه إثر هجوم صاروخي على مخيم للاجئين في غزة في 3 ديسمبر 2023.
يقول شادي: “كنا نسكن في مخيم للاجئين من الخيام بمنطقة الزهراء (في غزة). حيث كنت قد ذهبت مع بعض أقاربي لجمع الحطب عندما أصابتنا شظايا صاروخ أدت إلى فقد ساقي في الهجوم.”
يقول شادي إنه أصيب في منطقة ما أسفل الركبة عند وقوع الهجوم الصاروخي في المكان. وعلى إثر ذلك، أُخذ إلى أقرب مستشفى على ظهر أحد البغال، وأُخبر أنه بحاجة إلى بتر ساقه. قرر الذهاب إلى مستشفى في مصر لمحاولة إنقاذها، ولكن ما أن وصل إلى هناك (بعد معاناة)، كانت الغرغرينا قد انتشرت في ساقه، فاضطروا إلى بترها من فوق الركبة. والآن هو ينتظر العودة إلى وطنه. حيث يقول: “أريد العودة إلى غزة لأن بناتي هناك. لقد سجّلت اسمي في قائمة الانتظار. وعندما يُسمح لي بالمغادرة، سأعود إلى بناتي.”

(بعض الناس تراهم يستريحون في الظل في القاهرة الجديدة. فمعظم الفلسطينيين الذين يأتون إلى مصر لتلقي العلاج لا يحصلون على إقامة رسمية أو ولا يُمنحون حتى وضع لاجئ)
إن معاناة الفلسطينيين المصابين بإصابات بالغة جرّاء هذه الحرب المدمرة والتي تُغير مجرى حياتهم بالكلية من أجل لحصول على الرعاية والدعم المتخصصين ليست في الحقيقة مجرد مشكلة طبية. فمصر هي المعبر الحدودي الرئيسي للقطاع، وعادةً ما تكون الوجهة الأولى لمبتوري الأطراف عند مغادرتهم غزة. لكن معظم الفلسطينيين الذين يدخلون مصر لتلقي العلاج يعيشون في وضع قانوني غامض، إذ لا يُمنحون عادةً إقامة رسمية أو حتى صفة لاجئ. ولم تُعلن الأمم المتحدة حتى مسؤوليتها تجاه الفلسطينيين العالقين في مصر.
ويقول الناجون (من جحيم الحرب) إنهم، لعدم حيازتهم تصاريح إقامة سارية، يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان مجبرين على الإقامة في نُزُل أو السكن مع عائلات أخرى، وهم غير قادرين على العمل، ويعيشون تحت ضغط الوضع المؤقت. ويجعل النقص في توفر الوثائق الحصول على رعاية الأطراف الاصطناعية المتطورة وطويلة الأمد أمراً شبه مستحيل دون دعم المنظمات غير الحكومية.

(عائلات فلسطينية تشارك في برنامج بالقاهرة تنظمه منظمة غير حكومية تركية، حيث يتلقون مساعدات طبية ومساعدات مالية وحصصاً غذائية)

(عمر خالد، 24 عاماً، إن ذراعه بُترت في غزة عام 2013، لكنه يُعاني منذ ذلك الحين من صعوبة في الحصول على الدعم)
في أحد العيادات بالقاهرة، يقول عمر خالد، 24 عاماً، إن ذراعه كانت قد بُترت في غزة عام 2013، لكنه يُعاني منذ ذلك الحين من صعوبة في الحصول على الدعم اللازم. ويضيف: “بدأت أشعر بآلام في منطقة البتر، ولا أعرف ما السبب. فالأمر يتطلب متابعة وفحوصات… وأحتاج إلى مراقبة مستمرة”.
ويقول يوسف الديب، 25 عاماً، وهو أخصائي أطراف صناعية معتمد في مركز “أورثوميديكس” بالقاهرة، إن عيادته عالجت نحو 300 مريض فلسطيني منذ شهر أكتوبر 2023، ومعظمهم كان بدعم من منظمات غير حكومية مثل جمعية “حجر الصداقة” التركية. ويتابع: “فهم لا يملكون القدرة المالية على شراء الأطراف الصناعية. والمنظمات غير الحكومية تُحاول مساعدة هؤلاء الناس، وهذا أمر جيد”.

(السيدة الفلسطينية علا جمال بذراعها الاصطناعية)
ويتضاعف الألم الجسدي بالنسبة للناجيات مثل علا جمال بالأثر النفسي الذي يُثقل كاهل أطفالها. فابنها زين، الذي كانت تُرضعه حين أصاب الصاروخ المنطقة التي كانت تتواجد بها، يبلغ الآن أكثر من عامين، لكن الصدمة لا تزال حاضرة عنده بشدة.
تقول السيدة علا: “لا يزال يستيقظ في نفس الوقت كل ليلة ويبكي أثناء نومه. أخبرتُ الطبيب بذلك، فقال لي إن ذلك لأن الجسم لا ينسى هذا النوع من الصدمات”.
وكانت سبع نساء قد تناوبت على رعاية زين لمدة عامين بينما كان منفصلاً عن والدته. حيث تقول السيدة علا: “لم يتعرف عليّ أو على والده عندما كان عمره عامين، لأنه كان يبلغ من العمر شهرين فقط حين انفصلنا”. وعلى الرغم من الأمان الذي يجدونه في القاهرة، تقول علا جمال إن عائلتها لا تزال تشعر بالحنين إلى مكان ربما لم يعد موجوداً في غزة. وتُضيف: “يقول لي أطفالي كل يوم: أمي، نريد العودة إلى غزة”.



