إتفاقية ترسيم الحدود البحرية الليبية التركية وتداعياتها الإقليمية – ردود الأفعال وتقدير الموقف

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
مقدمة
أثار تصديق مجلس النواب الليبي في بنغازي، يوم 20 أكتوبر 2026، على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة عام 2019، ردود أفعال إقليمية ودولية متباينة، وأعاد فتح أحد أبرز ملفات التنافس على النفوذ والحقوق البحرية في شرق البحر المتوسط. وتكتسب الخطوة أهميتها من توقيتها وطبيعة التحول الذي تعكسه داخل ليبيا، إذ لم يقتصر قرار البرلمان على اعتماد المذكرة، بل شمل أيضًا إلغاء قراريه الصادرين عام 2020 برفض الاتفاقيتين التركية الليبية وقطع العلاقات السياسية مع أنقرة.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية التركية تحسنًا ملحوظًا بعد سنوات من التوتر، مع استمرار الخلافات بين البلدين بشأن ملفات إقليمية، من بينها ليبيا وشرق المتوسط. كما يتزامن مع تقاطع المصالح المصرية واليونانية والقبرصية في مواجهة الترتيبات البحرية التي ترى هذه الدول أنها تتعارض مع حقوقها السيادية، بينما تعتبر تركيا الاتفاقية جزءًا من تصورها لتحديد مناطق اختصاصها البحري وتعزيز موقعها في المنطقة.
وتطرح الخطوة الليبية تساؤلات بشأن دوافع التحول في موقف البرلمان، وما إذا كانت تعكس إعادة ترتيب للتحالفات داخل ليبيا، ومدى قدرة الاتفاقية على تغيير المعادلات القانونية والعملية في شرق المتوسط. كما تثير تساؤلات حول طبيعة الرد المصري، وحدود التنسيق مع اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي، وما إذا كان الخلاف سيؤثر في مسار التقارب المصري التركي.
وتستهدف هذه الدراسة رصد ردود الأفعال الرسمية والإعلامية، وتحليل الأبعاد القانونية والسياسية والاستراتيجية للاتفاقية، وتقدير مآلاتها المحتملة، مع التمييز بين النتائج التي ترتبت بالفعل على التصديق، والآثار التي لا تزال مرتبطة بخطوات الأطراف المعنية في المرحلة المقبلة.
الملخص التنفيذي
يمثل تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا تحولًا سياسيًا مهمًا، لأنه ينهي موقفًا استمر نحو ست سنوات من رفض الاتفاقية وقطع العلاقات مع أنقرة، ويوسع قاعدة التأييد الليبي لها لتشمل المؤسسة التشريعية في شرق البلاد، بعد أن كانت مرتبطة أساسًا بحكومة الوفاق الوطني السابقة في طرابلس. وتستفيد تركيا من هذا التحول في تعزيز حضورها داخل المعسكر الشرقي الليبي، وتوسيع فرص التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، بينما تسعى السلطات الليبية في الشرق إلى تقديم الخطوة باعتبارها دفاعًا عن المصالح البحرية الوطنية.
في المقابل، رفضت مصر الاتفاقية في تصريحات رسمية، مؤكدة أنها باطلة ولا ترتب آثارًا قانونية بحقها، وأنها تمس حقوقها في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، وانعكس ذلك أيضًا على المستوى الإعلامي بشكل مكثف. كما رفض الاتحاد الأوروبي واليونان وقبرص وإسرائيل المذكرة، معتبرين أنها لا تتفق مع قانون البحار وتمس حقوق دول ثالثة. ويعكس هذا الموقف تقاطعًا في المصالح بين القاهرة وأثينا ونيقوسيا، لكنه لا يعني بالضرورة تطابق جميع حساباتها أو دخولها في ترتيبات مواجهة مباشرة مع تركيا. وقد لحقت أيضًا الإمارات والبحرين بقائمة الدول المعترضة على الإتفاقية!
وتكمن المسألة الأساسية في أن تصديق البرلمان الليبي يعزز الموقف السياسي للاتفاقية، لكنه لا يحسم بمفرده النزاع القانوني بشأن ترسيم الحدود البحرية، ولا يفرض تلقائيًا حدودًا بحرية على مصر أو اليونان أو قبرص. كما أن استمرار الاتفاقية بين تركيا وليبيا، وفق موقف الطرفين، يختلف قانونيًا عن قدرتها على إنتاج آثار في مواجهة دول ثالثة تعترض عليها.
أما العلاقات المصرية التركية، فتواجه اختبارًا جديدًا على خلفية الخلاف حول الاتفاقية البحرية. وفي المقابل، عززت القاهرة تنسيقها الدبلوماسي مع أثينا، مؤكدة رفضها للاتفاقية وتمسكها بحقوقها البحرية وفقًا للقانون الدولي. ولا تكفي المواقف المعلنة حتى الآن للجزم بمدى انعكاس هذا الخلاف على مسار العلاقات المصرية التركية، إذ يتوقف ذلك على الخطوات التي قد تتخذها الأطراف لاحقًا.
أولًا: خلفية الاتفاقية ودلالات التحول الليبي
وقّعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية، برئاسة فائز السراج، مذكرة التفاهم البحرية في 27 نوفمبر 2019، لتحديد مناطق الصلاحية البحرية بين البلدين في البحر المتوسط، بما يشمل حدود الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة وفق إحداثيات جغرافية محددة. وقد أثارت المذكرة اعتراضات مصر واليونان وقبرص منذ توقيعها، بسبب ما اعتبرته هذه الدول مساسًا بحقوقها البحرية، وبسبب الخلاف حول كيفية التعامل مع الجزر اليونانية وموقعها في ترسيم المناطق البحرية.
في عام 2020، رفض مجلس النواب الليبي في الشرق الليبي والذي يعبر عن رؤية حفتر الاتفاقية، وأصدر قرارًا بقطع العلاقات السياسية مع تركيا. لكن المجلس صوّت بالإجماع في 20 أكتوبر 2026 على اعتماد المذكرة وإلغاء قراريه السابقين. ورحّب المجلس الأعلى للدولة في طرابلس بالقرار، كما رحبت به أنقرة، بما يعكس تقاربًا في الموقف بين مؤسسات ليبية كانت منقسمة بشأن الاتفاقية. صادق المجلس بالإجماع على إلغاء قرارين صادرين عن المجلس عام 2020 يتعلق الأول برفض المصادقة على مذكرتي تفاهم بين البلدين، والثاني إلغاء قرار قطع العلاقات السياسية مع الجمهورية التركية، وفق المتحدث باسم مجلس النواب الليبي عبد الله بليحق.
وتبرز هنا نقطتان أساسيتان. الأولى أن القرار لا يتعلق بإعادة إحياء مذكرة جديدة، بل بتغيير موقف البرلمان من مذكرة دخلت حيز التنفيذ منذ عام 2019، وفق الموقف التركي، على أساس أنه تم توقيعها مع الحكومة المعترف بها دوليًا. والثانية أن التحول لا يقتصر على الملف البحري، إذ إن إلغاء قرار قطع العلاقات يشير إلى رغبة في فتح مسار سياسي أوسع مع أنقرة.
ويأتي ذلك بعد سنوات من التوتر التركي مع معسكر شرق ليبيا، الذي ارتبط بقيادة خليفة حفتر، في وقت كانت فيه أنقرة تدعم حكومة طرابلس عسكريًا وسياسيًا. ومن ثم، فإن قبول البرلمان الاتفاقية يعكس تغيرًا في حسابات العلاقات مع تركيا، وقد يرتبط بإعادة تقييم المصالح الليبية، والحاجة إلى شركاء اقتصاديين وأمنيين، ومحاولة توسيع هامش الحركة السياسية داخل ليبيا.
لكن لا تتوافر أدلة كافية للجزم بأن التصديق جاء نتيجة صفقة سياسية أو أمنية محددة. ولذلك، فإن القراءة الأكثر انضباطًا هي اعتبار القرار مؤشرًا على تحول في العلاقات، مع مراقبة ما إذا كان سيتبعه تعاون عملي في ملفات الطاقة أو الأمن أو الوجود التركي في شرق ليبيا.
وكان الناطق باسم مجلس النواب الليبي، عبد الله بليحق، في نقطة يجب التوقف عندها، قد أعلن في 6 أكتوبر 2026، انتخاب الصالحين عبد النبي رئيسًا للمجلس خلفًا لعقيلة صالح، الذي شغل المنصب لنحو 12 عامًا. وذكرت مصادر نيابية أن عبد النبي ترشح دون منافسين، عقب انسحاب منافسه إدريس المغربي. ويكتسب هذا التغيير أهمية خاصة في ضوء العلاقات الجيدة التي ربطت عقيلة صالح بمصر والإمارات وخليفة حفتر، فضلًا عن موقفه الرافض للاتفاقية البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة طرابلس عام 2019. فقد غادر صالح منصبه قبل أيام من مصادقة مجلس النواب في شرق ليبيا على الاتفاقية، في حين جاء اعتمادها في ظل رئاسة خلفه الصالحين عبد النبي.
ويثير هذا التزامن تساؤلات بشأن دلالاته السياسية وانعكاساته على التوازنات داخل شرق ليبيا، وعلى المصالح المصرية في ملف ترسيم الحدود البحرية والتحركات التركية في المنطقة. ومع ذلك، فإن تزامن التغيير القيادي مع المصادقة لا يكفي وحده لإثبات وجود علاقة سببية بين الحدثين.
ماذا تكسب ليبيا؟
من الجانب الليبي، يقدم الاتفاق ثلاثة أنواع من المكاسب المحتملة؛ الأول يتعلق بتوسيع هامش ليبيا التفاوضي في المتوسط. فمن خلال تبني خط بحري مع تركيا، تدخل طرابلس وبنغازي إلى ملف شرق المتوسط من موقع فاعل، بدل التعامل مع الحدود البحرية باعتبارها ملفًا تحدده تفاهمات الدول المحيطة بليبيا.
والثاني اقتصادي. فالبحر المتوسط قبالة السواحل الليبية يمثل مساحة كبيرة للاستكشاف النفطي والغازي، وكانت العلاقات في هذا المجال قد بدأت تتطور قبل التصويت الأخير. ففي 2026 دخلت شركة النفط التركية TPAO في تحالف مع شركات دولية، بينها ريبسول الإسبانية وMOL المجرية، لاستكشاف الرقعة البحرية O7 شمال غربي بنغازي، في مؤشر على انتقال التعاون التركي–الليبي في قطاع الطاقة من الخطاب السياسي إلى مشروعات تجارية فعلية.
أما المكسب الثالث فهو سياسي؛ حيث تستطيع المؤسسات الليبية استخدام العلاقة مع تركيا كورقة موازنة في شبكة علاقاتها مع مصر واليونان وإيطاليا والاتحاد الأوروبي، وعدم الارتهان لمحور إقليمي واحد.
لكن هذا المكسب يحمل في المقابل تكلفة محتملة؛ فكلما اتجهت ليبيا إلى تفعيل الاتفاق ميدانيًا في مناطق تتداخل معها مطالب دول أخرى، ارتفع مستوى الاحتكاك الدبلوماسي وربما الأمني مع تلك الدول.
ثانيًا: الموقف التركي وأهداف أنقرة
رحبت وزارة الخارجية التركية بقرار البرلمان الليبي، وقالت إن المذكرة تصون الحقوق والمصالح المتبادلة للبلدين استنادًا إلى القانون الدولي ومبادئ الإنصاف، وإنها تسهم في تعميق التعاون بينهما. كما أكدت أن الاتفاقية دخلت حيز التنفيذ منذ عام 2019.
وتنظر أنقرة إلى الاتفاقية باعتبارها إحدى أدوات سياستها البحرية في شرق المتوسط، حيث تسعى إلى تعزيز موقعها في ملفات ترسيم المناطق البحرية والطاقة والنفوذ الإقليمي. ومن هذا المنطلق، يمنحها تصديق البرلمان الليبي في الشرق مكسبًا سياسيًا، لأنه يلغي الانقسام الليبي بشأن الاتفاقية بما يجعلها خاضعة لإجماع من الأطراف الليبية الرئيسية في جانبي البلاد، ويوفر أساسًا أوسع للتعاون مع المؤسسات الموجودة في شرق البلاد.
ويتمثل المكسب التركي الأول في تعزيز العلاقة مع طرف ليبي كان يعارض الاتفاقية وقطع العلاقات معها. أما المكسب الثاني، فهو توسيع نطاق الشراكة التركية داخل ليبيا، بما قد يتيح لأنقرة فرصًا اقتصادية وسياسية وأمنية أوسع. ويتمثل المكسب الثالث في تعزيز موقفها التفاوضي في شرق المتوسط، حتى إن ظل النزاع القانوني مع الدول المعترضة قائمًا.
لكن هذه المكاسب لا تعني أن الاتفاقية أصبحت مقبولة إقليميًا أو أن الاعتراضات القانونية قد زالت. فالرفض المصري والأوروبي واليوناني والقبرصي يضع حدودًا سياسية أمام تحويل الاتفاقية إلى أساس لترتيبات بحرية معترف بها من جميع الأطراف. كما أن أي استكشاف أو استغلال لموارد في مناطق متداخلة أو متنازع عليها قد يفتح بابًا لخلافات إضافية. وبالتالي، فإن أهمية القرار بالنسبة إلى تركيا تكمن في تعزيز موقعها السياسي والتفاوضي، وليس في حسم النزاع البحري بشكل قانوني بصورة نهائية.
تجدر الإشارة إلى أن تركيا ترفض التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة للبحار الصادرة عام 1982 لموقف قانوني ثابت يقضي بأن ترسيم الحدود البحرية يجب أن يكون بناء على الجرف القاري للدول، وليس الجزر. الإعتماد على الجزر، التي ألت إلى اليونان بموجب اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى، في الترسيم سيحرم تركيا من أغلب حقوقها في المياه الإقتصادية.
تقوم الرؤية التركية على أن الترسيم يجب أن يستند إلى مبدأ الإنصاف، وألا يؤدي وجود الجزر إلى قطع الامتداد البحري للسواحل القارية الطويلة لتركيا. وكانت الخارجية التركية قد أكدت منذ 2019 أن منح الجزر الواقعة بين البرين التركي والأفريقي أثرًا كاملًا في تحديد الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة سيؤدي، من وجهة نظر أنقرة، إلى نتائج غير منصفة.
بالنسبة إلى أنقرة، تتجاوز قيمة المذكرة مسألة النفط والغاز. أولًا، يمنح الاتفاق تركيا سندًا ثنائيًا في مواجهة تصورات أخرى لترسيم شرق المتوسط تقوم بصورة أساسية على تفاهمات اليونان وقبرص ومصر؛ فبدل أن تبقى تركيا في مواجهة مطالب بحرية متجاورة من عدة دول، أصبحت تمتلك اتفاقًا مع دولة تقع على الضفة الجنوبية للمتوسط يكرس رؤيتها الخاصة للترسيم.
ثانيًا، يمنح الخط التركي–الليبي أنقرة وزنًا تفاوضيًا أكبر في أي مشاريع مستقبلية للغاز أو الكهرباء أو البنية التحتية البحرية تمر في مناطق متنازع عليها. وهذا لا يعني أن تركيا تستطيع قانونيًا منع أي مشروع بمجرد وجود المذكرة، لكنه يعني أن تجاهل المطالب التركية يصبح أكثر صعوبة سياسيًا وعمليًا عندما يتعلق الأمر بمشروعات تحتاج إلى بيئة مستقرة واستثمارات بمليارات الدولارات.
ثالثًا، يحمل قرار 2026 مكسبًا سياسيًا أوسع: تركيا لم تعد تعتمد في ملفها الليبي على علاقتها بالسلطة الموجودة في طرابلس وحدها. فقد شهدت السنوات الأخيرة تقاربًا متدرجًا بين أنقرة والقيادات في شرق ليبيا، شمل لقاءات واتصالات سياسية وأمنية، الأمر الذي جعل تركيا قادرة على التواصل مع طرفي الانقسام الليبي بدل الارتباط بمعسكر واحد فقط. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن هذا التحول كان أحد العوامل التي مهدت لتغيير موقف مجلس النواب من الاتفاق.
وهنا تكمن ربما أهم نتيجة استراتيجية للتصويت: تحوّل تركيا من طرف كان محسوبًا على غرب ليبيا إلى قوة تمتلك قنوات ونفوذًا في كافة أنحاء ليبيا، في الغرب والشرق معًا.
ثالثًا: الموقف المصري ودلالاته
أعلنت وزارة الخارجية المصرية في 21 أكتوبر رفضها القاطع لتصديق البرلمان الليبي، مؤكدة أن المذكرة باطلة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني بالنسبة إلى مصر، وأنها تمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري. كما شددت القاهرة على اعتراضها السابق على الاتفاقية، ورفضها أي إجراءات تستند إليها وتتعارض مع الحدود البحرية المصرية المعلنة.
كما أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بعد لقائه في استانبول مع وزير الخارجية التركي في تغريدة له: “التقيت بوزير خارجية تركيا في إسطنبول، حيث أكدت رفض مصر القاطع لتصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقعة عام ٢٠١٩ بين فايز السراج وتركيا بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط. من جانبه، أكد الوزير التركي تفهمه للشواغل المصرية وأهمية استمرار التشاور بشأنها”.
من المثير للتساؤل أن يأتي هذا الموقف المصري على الرغم من التحسن المطرد في العلاقات التركية – المصرية في السنوات الأخيرة. من الغريب أيضًا الإعلان المصري أن الإتفاقية تمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، رغم أن مصر كانت قد غيرت بشكل مفاجئ في خطابها حول هذا الموضوع في أواخر العام 2019، حيث أصدر وزير خارجيتها في ذلك الوقت سامح شكري تصريحًا قال فيه: “إن الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا لا يمس مصالح مصر”. وقال شكري إنه “لا يوجد مساس لمصالحنا في مصر من اتفاق تركيا وحكومة الوفاق، لكن يوجد مساس لمصالح دول أخرى في منطقة المتوسط، كما أن الوضع في ليبيا لا يحتمل أي تعقيدات إضافية”. هذا الموقف يثير التساؤلات حول عودة مصر لرفض الاتفاق الأن، على أساس أنه ينتقص من حقوقها، بعد أن كانت قد نفت هذا الأمر صراحة على لسان وزير خارجيتها.
لم يكن الرفض المصري للاتفاقية مقتصرًا على بيان وزارة الخارجية، بل امتد إلى التناول الإعلامي المصري وبشكل قوي، حيث سلط عدد من البرلمانيين والإعلاميين الضوء، وبشكل حاد، على ما اعتبروه مساسًا بالحقوق البحرية المصرية، مؤكدين رفض القاهرة للاتفاقية. في هذا السياق، كتب الإعلامي، وثيق الصلة بالنظام المصري، والبرلماني المصري مصطفى بكري عبر حسابه على منصة “إكس”:
“قيام مجلس النواب الليبي بالتصديق علي مذكرة التفاهم الموقعة بين فايز السراج رئيس الحكومة الليبيه السابق وبين تركيا بشأن تحديد مجالات الصلاحيه البحريه في البحر المتوسط أمر مرفوض ويدعو إلي الدهشة لعدة أسباب:
- هذه الاتفاقيه تخالف مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحده لقانون البحار عام ٨٢، الخاصه بتعيين المنطقه الاقتصاديه الخالصه والجرف القاري.
- المذكره تنطوي علي مساس واضح بالحقوق السياديه المصريه في منطقتها الاقتصاديه الخالصه وجرفها القاري.
ويواصل بكري: “لكل هذه الأسباب أعلنت مصر رفضها المطلق لأي اجراءات أو تصرفات صادره عن أي طرف إستنادا لتلك المذكره، بما يتعارض مع الحدود البحريه المصريه المعلنه”.
وذكر “أن مصر تحتفظ بحقها في حماية حقوقها التي يكفلها القانون الدولي، والتصدي لأي محاوله للإخلال بها”.
وفي النهاية قال: “الرأي العام المصري في حالة صدمه، خاصة وأن مجلس النواب الليبي سبق له وأن رفض هذه الاتفاقيه واعتبرها كأن لم تكن، والسؤال: لماذا، وما السبب؟”.
بشكل عام، ركز جانب من التغطية الإعلامية المصرية على حماية الحقوق البحرية والسيادة الوطنية، وأبرز رفض الخارجية المصرية للاتفاقية. ويظهر ذلك بوضوح في تصريحات مصطفى بكري، الذي أكد رفض مصر لأي إجراءات أحادية تمس حقوقها ومصالحها في شرق المتوسط، وشدد على ضرورة احترام القواعد القانونية المنظمة لترسيم الحدود البحرية.
كما نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية عن بكري وصفه الاتفاقية بأنها اعتداء على الحقوق المصرية ومخالفة للقانون الدولي، مع تأكيده أن العلاقات المصرية التركية والمصرية الليبية راسخة، وأن القاهرة ستتصرف بما يراعي مصالحها الوطنية.
ولا يعتقد عضو مجلس النواب المصري، عاطف مغاوري، أن “تؤدي موافقة برلمان الشرق الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، إلى توتر جديد بين القاهرة وأنقرة”، مشدداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «موقف مصر وتركيا ثابت، كل منهما يتمسك بموقفه ولم يغيره، ومع ذلك تحسنت العلاقات بين البلدين الفترة الماضية؛ نظراً للمخاطر الوجودية التي تهدد المنطقة”. وأشار إلى أن «المتغير الجديد ليس في موقف تركيا ولا مصر، ولكنه يتمثل في موقف برلمان الشرق الليبي الذي كان يرفض الاتفاقية على مدى 6 سنوات، بل وقطع العلاقات من قبل مع تركيا، فما الذي دفعه للموافقة الآن؟ وهل هناك أشياء تحدث في ليبيا يجب الانتباه لها؟» وأجاب قائلاً: «بالقطع، الأجهزة المصرية تعمل على هذا الأمر وفق ما يراعي الأمن القومي للبلاد».
ويكشف هذا الخطاب عن مسارين متوازيين على المستوى الرسمي والإعلامي: التشدد في رفض الاتفاقية باعتبارها تمس المصالح المصرية، وتجنب الجزم بأن الخلاف سيؤدي إلى قطيعة مع تركيا أو ليبيا. وهذا التمييز مهم، لأن الخطاب الإعلامي الحاد لا يساوي بالضرورة قرارًا رسميًا بالتصعيد.
ويعكس الموقف المصري تمسكًا بعدم السماح بتحويل التصديق الليبي إلى أمر واقع يمكن الاستناد إليه في أي مطالبات أو تحركات بحرية لاحقة. كما يهدف إلى تثبيت الاعتراض المصري رسميًا، والحفاظ على أساس قانوني ودبلوماسي يمكن البناء عليه في التعامل مع أي خطوات عملية قد تتخذها تركيا أو ليبيا. القاهرة ترى من منظورها أن الاتفاقية تطغى على الحقوق المصرية، وترى أن الاتفاقية التركية الليبية تمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، وتعارض ترسيمًا بحريًا تعتبره متجاهلًا لحقوقها وفق قواعد القانون الدولي.
لكن هذا لا يعني أن الاتفاقية اقتطعت فعليًا جزءًا من المياه الإقتصادية المصرية، وإنما تثير نزاعًا بشأن ترسيم المناطق البحرية والحقوق المترتبة عليها، وهو ما قد تزداد أهميته إذا انتقل الخلاف من المستوى السياسي والقانوني إلى خطوات تنفيذية على الأرض أو في البحر.
وتكمن حساسية الملف بالنسبة إلى القاهرة في تداخل عدة اعتبارات منها، حماية الحقوق البحرية، والحفاظ على التحالف السياسي مع اليونان وقبرص، ومراقبة توسع النفوذ التركي في ليبيا، وفي الوقت نفسه إدارة العلاقة الثنائية مع أنقرة بعد تحسنها خلال السنوات الأخيرة.
ومن المهم التمييز بين حدة الصياغة القانونية للبيان المصري وبين اتخاذ قرار بالتصعيد. فالخارجية المصرية لم تعلن في البيان إجراءات ضد الدولة التركية أو تجميدًا للعلاقات أو أية إجراءات أخرى، بل أكدت رفض الاتفاقية والاحتفاظ بحق مصر في حماية مصالحها. وبذلك يظل المسار الدبلوماسي والقانوني هو الأداة المعلنة في هذه المرحلة.
وقد جاء التصريح الأخير المشار إليه من وزير الخارجية المصري أثناء زيارته لاستانبول لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة ال R4، وكذلك اجتماعهم مع مجموعة وزراء خارجية أوروبيين. ويؤشر ذلك على أن الموافقة البرلمانية الليبية الأخيرة لم يكن لها تأثير سلبي على العلاقات المصرية التركية، بدليل حضور وزير الخارجية المصري اجتماعات استانبول.
إن رفض مصر للاتفاقية البحرية التركية الليبية قد يكون موجهًا بالأساس لمعسكر عائلة حفتر في الشرق الليبي، حيث يكشف عن تباين واضح بين موقف القاهرة وموقف حفتر ، الذي كانت القاهرة تنظر إلى مشروعه باعتباره ركيزة أساسية لضمان حماية الأمن القومي المصري، وفوجئت الأن بأنه يأخذ قرارًا استراتيجيًا مهمًا دون الرجوع إليها، وبعد إقصاء رجلها في البرلمان، رئيسه السابق عقيلة صالح.
فمنذ انطلاق عملية الكرامة التي قادها حفتر عام 2014، قدمت القاهرة مختلف أشكال الدعم والتنسيق له، انطلاقًا من الرهان على قدرته على بسط سيطرته على كامل الأراضي الليبية. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن العلاقة بين نظام السيسي وعائلة حفتر، لم تعد على درجة التوافق التي اتسمت بها في السابق، بل باتت تشهد خلافات وتباينات في الرؤى، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة التفاهمات التي حكمت العلاقة بين الطرفين خلال السنوات الماضية. وبالتأكيد يعكس القرار الليبي الأخير ازديادًا للنفوذ التركي في شرق ليبيا على حساب النفوذ المصري.
يدعم هذا الرأي أن القاهرة، في حقيقة الأمر، لم تكن ترى أن الاتفاقية تنتقص من حقوقها، وهو ما صرح به وزير الخارجية السابق، كما أسلفنا.
كما قد يكون التحالف المصري مع اليونان وقبرص سببًا أخر في التصعيد الإعلامي المصري، لما يشكله ذلك من تصاعد النفوذ التركي في شرق المتوسط على حسابهما، ومزيد من عرقلة لمشاريع مشتركة مع إسرائيل لنقل الكهرباء بعد انتاجها في إسرائيل إلى أوروبا عن طريق قبرص، وهو المشروع المعروف بإسم “الرابط البحري العظيم The Great Sea Interconnector“.
رابعًا: ردود الأفعال الأوروبية والإقليمية
1-الاتحاد الأوروبي
أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في بيان مشترك رفضهما لتصديق البرلمان الليبي، معتبرين أن الاتفاقية تمس الحقوق السيادية لدول ثالثة ولا تتفق مع قانون البحار، وجدد الطرفان تضامنهما مع اليونان وقبرص. وأكد الاتحاد أن موقفه من مذكرة التفاهم لم يتغير منذ عام 2019.
ويعكس هذا الموقف استمرار الاعتراض الأوروبي على الاتفاقية، لكنه لا يعني بالضرورة أن الاتحاد سيتجه إلى إجراءات عقابية أو مواجهة مباشرة مع تركيا، في ضوء السعي الأوروبي للتقارب مع أنقرة في ظل الأجواء المتوترة التي تمر بها القارة الأوروبية نتيجة حرب أوكرانيا. فالموقف المعلن يركز على عدم الاعتراف بالآثار التي قد تمس حقوق الدول الأعضاء، وعلى حماية الاستقرار الإقليمي.
وتكمن أهمية الرفض الأوروبي بالنسبة إلى القاهرة وقبرص واليونان، في أنه يوسع دائرة الاعتراض الدبلوماسي على الاتفاقية، ويحول دون ظهورها باعتبارها خلافًا ثنائيًا مصريًا تركيًا، أو يونانيًا تركيًا او قبرصيًا تركيًا فقط، لكنه يظل موقفًا سياسيًا وقانونيًا، ولا يحسم وحده أي نزاع قضائي محتمل بشأن الحدود البحرية.
وفي سياق متصل ، اعتبرت اليونان ومصر وقبرص والإمارات والبحرين في بيان مشترك، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، الاتفاقية البحرية الليبية التركية باطلة ومنعدمة الأثر القانوني رغم مصادقة مجلس النواب الليبي عليها، محذرة من تداعيات القرار على الأمن والاستقرار الإقليميين.
وجاء ذلك في بيان مشترك ألقاه وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس ،الاثنين 26 أكتوبر 2026، في نيويورك باسم الدول الخمس والاتحاد الأوروبي، اعتبر فيه مصادقة مجلس النواب على الاتفاقية الموقعة عام 2019 تثير مخاوف جدية وقد تشكل سابقة خطيرة تقوض قواعد القانون الدولي. وأكد البيان أن الاتفاقية تتجاهل الواقع الجغرافي وحقوق الدول الساحلية، بما فيها الحقوق البحرية للجزر، معتبرا أن قرار مجلس النواب لا يغير وضعها القانوني، ولا يمنحها أساسا مشروعا لترسيم المناطق البحرية أو ترتيب آثار قانونية على الدول الأخرى.
وحذر البيان المشترك من أن قبول اتفاقيات ثنائية تتجاهل قواعد ومبادئ القانون الدولي من شأنه أن يخلق سابقة خطيرة تقوض النظام القانوني الدولي والأسس التي تقوم عليها التسوية السلمية للنزاعات، مشددا على ضرورة احترام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وحقوق الدول الأخرى.
من المثير للدهشة أن تشارك الإمارات والبحرين في التوقيع على هذا البيان، رغم أنه من المفترض عدم وجود أي علاقة بينهما وبين منطقة شرق المتوسط، والخلافات الواقعة فيها. ولا يوجد تفسير لهذا الأمر سوى العلاقة القوية الحالية بينهما وبين إسرائيل، التي ترفض هذه الإتفاقية بالطبع.
2- اليونان
رفضت أثينا التصديق الليبي، واعتبرت أن الاتفاقية تفتقر إلى أساس قانوني، وأنها تتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية، وفي مقدمتها كريت وجزر الدوديكانيز. كما أكدت أن تركيا وليبيا، وفق موقفها، لا تمتلكان سواحل متقابلة أو متجاورة بما يبرر الترسيم الوارد في المذكرة. وتنظر اليونان إلى الاتفاقية باعتبارها تحديًا لموقفها البحري في شرق المتوسط، ولذلك تحركت سريعًا لحشد الدعم الأوروبي، وتعزيز التنسيق مع مصر. ويكشف ذلك عن أن التطور الليبي قد يدفع أثينا إلى زيادة جهودها الدبلوماسية، وربما إلى تسريع المباحثات بشأن المناطق البحرية مع القاهرة.
مباشرةً بعد تصديق برلمان الشرق الليبي، جرى اتصال بين وزير الخارجية المصري ووزير الخارجية اليوناني، وشدّدت مصر واليونان، على “الرفض القاطع لمصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقّعة عام 2019 بين حكومة فايز السراج وتركيا بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط”، واتفق الجانبان على «مواصلة التشاور بشأن تحديد الحدود البحرية وفقاً للقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار”. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي، بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره اليوناني جيورجوس جيرابيتريتيس، حسب بيان لوزارة الخارجية المصرية.
3-قبرص
رفضت قبرص الاتفاقية أيضًا، وأعلنت توجهها إلى مواصلة التحرك لدى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، معتبرة أن المذكرة تمس حقوق الدول الثالثة ولا تتفق مع قواعد قانون البحار، بما في ذلك الحقوق البحرية للجزر.
ويعني ذلك أن القاهرة وأثينا ونيقوسيا تتقاطع مصالحها في الاعتراض على الاتفاقية، لكن لا ينبغي افتراض أن هذا التقاطع سيتحول تلقائيًا إلى تحالف جديد أو خطوات موحدة تتجاوز التنسيق الدبلوماسي والقانوني القائم.
4-إسرائيل والولايات المتحدة
نددت إسرائيل بمصادقة البرلمان الليبي على الاتفاق البحري، معتبرة أن تركيا تسعى مجدداً إلى “زعزعة استقرار شرق المتوسط”. وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن الاتفاق يأتي في سياق نزاع مستمر منذ سنوات بشأن السيادة البحرية وحقوق استكشاف مصادر الطاقة في المنطقة. الرفض الإسرائيلي مفهوم لما يعنيه توقيع الإتفاقية من تكريس للنفوذ التركي في شرق المتوسط على حساب نفوذها مع حلفائها اليونان وقبرص، وسيسبب المزيد من عرقلة مشروعاتها لتوصيل الغاز أو الكهرباء من إسرائيل إلى أوروبا. هذا الأمر سيرفع من مستوى التوتر في العلاقة بين تركيا وإسرائيل، الذي سيضاف إلى التوترات القائمة من خلال الملف السوري.
أما الموقف الأمريكي، فكان أكثر تحفظًا من الموقف الأوروبي؛ إذ دعت واشنطن الأطراف إلى تسوية النزاعات البحرية عبر المفاوضات والحوار ، من دون إصدار إدانة مماثلة للمواقف المصرية واليونانية والقبرصية والأوربية والإسرائيلية والأوروبية. يأتي هذا الموقف الأمريكي منطقيًا أيضًا بالنظر لسعي الولايات المتحدة لتوحيد السلطة ودعم الاستقرار في ليبيا تحت إدارة واحدة، وهي تدعم الجهد التركي في هذا المجال، حيث سيكون إعتماد الإتفاقية من جميع الأطراف الوازنة في ليبيا خطوة على طريق تحقيق الأهداف الأمريكية في دعم الإستقرار، وتوحيد القرار الليبي.
من المهم الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لم تنضم إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، حيث أن مجلس الشيوخ في أمريكا نفسها لم يصادق على اتفاقية قانون البحار حتى الأن لأسباب قانونية، بسبب اعتراضات تتعلق ببعض أحكامها، ولا سيما نظام استغلال موارد قاع البحار العميقة وتسوية المنازعات. غير أن عدم انضمامها إلى الاتفاقية لا يمنعها من الاستناد إلى القواعد التي تعدّها جزءًا من القانون الدولي العرفي عند تقييم مذكرة التفاهم التركية الليبية. ومن ثم، فإن موقف واشنطن من المذكرة لا يمكن حسمه بمجرد الإشارة إلى عدم تصديقها على الاتفاقية، بل يتطلب مناقشة الأسس القانونية التي يستند إليها كل طرف في النزاع البحري.
لا يعني اختلاف المواقف أن الدول المعترضة تشكل كتلة واحدة ذات أهداف متطابقة؛ فلكل منها مصالحها وحساباتها في شرق المتوسط. لكنه يوضح أن الاتفاقية تقع في قلب تنافس إقليمي أوسع حول الحدود البحرية والطاقة والنفوذ، وليس مجرد خلاف بين تركيا ومصر أو تركيا واليونان وقبرص.
سادسًا: تحليل الاتفاقية من الناحية القانونية والبحرية
تتعلق الإتفاقية بتحديد مناطق الصلاحية البحرية بين تركيا وليبيا، بما يشمل المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري. وتكمن أهمية هذه المناطق في الحقوق المتعلقة باستكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها وإدارتها، وليس في السيادة الإقليمية الكاملة على المياه كما هو الحال في المياه الإقليمية.
ويقوم الخلاف القانوني على كيفية تحديد خط الترسيم، ومدى مراعاة السواحل والجزر والحقوق البحرية للدول الأخرى. وتنص المادتان 74 و83 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على أن ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة يتم بالاتفاق على أساس القانون الدولي، بغرض التوصل إلى حل منصف.
وتتمسك اليونان بأن الاتفاقية التركية الليبية تتجاهل الأثر القانوني للجزر اليونانية، كما تعترض مصر على ما تعتبره مساسًا بحقوقها في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري. وفي المقابل، تؤكد تركيا وليبيا أن المذكرة تستند إلى القانون الدولي ومبادئ الإنصاف، وتخدم مصالحهما البحرية.
ومن الضروري هنا التمييز بين مسألتين قانونيتين:
الأولى: العلاقة بين تركيا وليبيا، حيث يرى الطرفان أن المذكرة تنظم حقوقهما البحرية، وقد عزز التصديق الليبي الأخير قبولها السياسي داخل البرلمان.
الثانية: آثار الاتفاقية على الدول الثالثة، حيث لا يكفي اتفاق دولتين وحده لفرض حدود بحرية على دولة ثالثة لم توافق عليها. ولذلك فإن التصديق الليبي لا يحسم بذاته النزاع مع مصر أو اليونان أو قبرص، ولا يجعل الحدود الواردة في المذكرة ملزمة لهذه الدول تلقائيًا.
كما أن وصف الاتفاقية بالبطلان أو المشروعية في البيانات السياسية لا يغني عن تحليل قانوني متخصص لنصها وإحداثياتها والجغرافيا البحرية ذات الصلة، أو عن تسوية النزاع عبر التفاوض أو الآليات القانونية المتاحة. وتزداد أهمية ذلك لأن تركيا ليست طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بينما تستند اليونان ومصر ودول أخرى إلى أحكامها في مواقفها القانونية.
وكما ذكرنا سابقًا، فإن تركيا ليست طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وهو ما يجعل استناد الأطراف الأخرى إلى الاتفاقية الأممية بوصفها معاهدة ملزمة لها محل إشكال قانوني. غير أن ذلك لا يعفي تركيا وليبيا تلقائيًا من قواعد القانون الدولي العرفي ذات الصلة، كما لا يحسم وحده قانونية الاتفاقية البحرية الموقعة ، التي يتوقف تقييمها على طبيعة القواعد القانونية المنطبقة وحقوق الدول الأخرى في المناطق البحرية محل النزاع.
ومن ثم، فإن التصديق الليبي يضيف دعمًا سياسيًا للاتفاقية، لكنه لا ينهي الخلاف القانوني بشأن مدى توافقها مع قواعد الترسيم البحري أو حقوق الدول الثالثة، وفقًا لما تراه الدول المعترضة على الإتفاقية، كما لا يعني تلقائيًا موافقة هذه الدول على بدء أنشطة استكشاف أو تنقيب في المناطق المتنازع عليها.
سابعًا: الأبعاد الاستراتيجية للخطوة الليبية
قد تفوق هذه الأبعاد في أهميتها الأبعاد القانونية المشار إليها أعلاه.
1-توسيع النفوذ التركي داخل ليبيا:
يمثل انتقال البرلمان في شرق ليبيا من رفض الاتفاقية وقطع العلاقات إلى اعتمادها خطوة مهمة في مسار التقارب مع أنقرة. وإذا تطور هذا التقارب إلى تعاون اقتصادي أو أمني أوسع، فقد تتمكن تركيا من تعزيز حضورها في مناطق كانت علاقتها بها أكثر تعقيدًا في السابق.
ولا يعني ذلك أن شرق ليبيا أصبح تابعًا للسياسة التركية أو أن التنافس الداخلي الليبي انتهى؛ فالمصالح المحلية والحسابات السياسية لا تزال عوامل مؤثرة، لكن قبول الاتفاقية يفتح مجالًا جديدًا للتعاون، ويعطي أنقرة فرصة لتوسيع شبكة علاقاتها داخل البلاد.
2-إعادة ترتيب التوازنات في شرق المتوسط
تسعى تركيا من خلال الاتفاقية إلى تثبيت تصورها للحدود البحرية وتعزيز موقعها في التنافس على موارد الطاقة. أما مصر واليونان وقبرص، فتتمسك كل منها بتصورات وحقوق بحرية ترى أنها تتعارض مع المذكرة. وبذلك، فإن التصديق يعيد تنشيط الخلاف حول الترسيم البحري، ويزيد أهمية التنسيق المصري اليوناني والقبرصي. لكنه لا يغير وحده الوضع البحري القائم؛ فالتغيير الفعلي يتطلب إجراءات إضافية، مثل تحركات رسمية لترسيم الحدود أو تنفيذ أنشطة بحرية أو استكشافية تستند إلى الاتفاقية.
3-انعكاسات محتملة على ملف الطاقة
ترتبط مناطق الصلاحية البحرية بالحقوق في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، ولذلك يمكن أن تؤثر الخلافات حول الترسيم في قرارات الاستثمار والتعاون في الطاقة. ومع ذلك، لا تتوافر أدلة كافية على أن التصديق سيؤدي فورًا إلى مشروعات تنقيب جديدة أو إلى تغيير توزيع الموارد في المنطقة.
ويظل السيناريو الأكثر أهمية هو ما إذا كانت تركيا وليبيا ستنتقلان من تثبيت الاتفاقية سياسيًا إلى اتخاذ خطوات عملية استنادًا إليها. ففي هذه الحالة قد تتزايد الاعتراضات المصرية واليونانية والقبرصية، وقد تتحول القضية من خلاف دبلوماسي إلى نزاع أكثر تعقيدًا بشأن الأنشطة البحرية والموارد.
4-العلاقة بين الملف البحري ووحدة ليبيا
قدمت مؤسسات ليبية التصديق باعتباره خطوة لتوحيد الموقف الوطني بشأن الحقوق البحرية. لكن من جهة أخرى، فإن الاتفاقية الموقعة أصلًا بين حكومة طرابلس وتركيا كانت موضع انقسام داخلي، وكان رفضها من جانب البرلمان في طبرق جزءًا من الخلاف السياسي الأوسع بين الشرق والغرب. ومن ثم، فإن قبول البرلمان لها قد يعكس تقاربًا بين مؤسسات كانت متعارضة في هذا الملف، لكنه لا يكفي لإثبات أن الانقسام السياسي الليبي قد انتهى. ويظل السؤال هو ما إذا كان التوافق البحري سيقود إلى تفاهمات أوسع بين القوى الليبية، أم سيبقى محصورًا في هذه المذكرة.
ثامنًا: تداعيات الاتفاقية على العلاقات المصرية التركية
تأتي الخطوة الأخيرة في وقت شهدت فيه العلاقات المصرية التركية تحسنًا واضحًا، بما في ذلك الزيارات الرئاسية والتعاون الدبلوماسي والأمني والدفاعي. ولذلك، فإن الخلاف حول الاتفاقية يختبر قدرة البلدين على الفصل بين الملفات التي يتفقان فيها وتلك التي لا تزال موضع خلاف.
وقد أشارت تغطية صحيفة «الشرق الأوسط» في 22 أكتوبر ، كما ذكرنا سابقًا، إلى أن عددًا من الشخصيات المصرية ، والتي تناولت الملف، لا تتوقع أن يؤدي التصديق وحده إلى توتر شامل بين القاهرة وأنقرة، مع تأكيدها أن التحول الأهم هو تغيير موقف البرلمان الليبي. كما نقلت الصحيفة عن محللين أن الخلاف يمكن أن يُدار بصورة هادئة، إذا تجنب الطرفان ربطه ببقية ملفات التعاون.
لكن استمرار التقارب لا يعني أن القاهرة ستتراجع عن اعتراضها، أو أن أنقرة ستتخلى عن الاتفاقية. فالموقفان الرسميان لا يزالا متعارضين، وقد يؤدي أي تحرك عملي يستند إلى المذكرة في منطقة تتداخل فيها المطالب البحرية إلى رفع مستوى التوتر.
وتوجد ثلاثة عوامل ستحدد أثر الخلاف على العلاقات الثنائية:
أ-طبيعة الخطوات التالية: إذا ظل الأمر في إطار المواقف السياسية والتصريحات الإعلامية، فستكون فرص الاحتواء أكبر. أما إذا ارتبط بأنشطة بحرية أو مطالبات عملية تمس مصالح مصر من منظور القاهرة، فقد يتصاعد الخلاف.
ب-إدارة الملف الليبي: قد يؤدي توسيع التقارب التركي مع شرق ليبيا إلى إثارة مخاوف مصرية تتجاوز الاتفاقية البحرية، خصوصًا إذا امتد إلى ترتيبات أمنية أو عسكرية جديدة.
ج-المصالح الثنائية الأخرى: استمرار التعاون في الملفات الاقتصادية والأمنية والإقليمية قد يوفر حافزًا للطرفين لاحتواء الخلاف، من دون أن يعني ذلك الوصول إلى تسوية فورية بشأن الحدود البحرية.
وبالتالي، فإن الخلاف يمثل اختبارًا لمسار التقارب المصري التركي، لكنه لا يشكل بمفرده دليلًا على انهياره.
تاسعًا: تقدير المآلات المحتملة
يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتطور الأزمة خلال المرحلة المقبلة:
السيناريو الأول: احتواء الخلاف دبلوماسيًا وقانونيًا
يقوم هذا السيناريو على استمرار مصر واليونان وقبرص في رفض الاتفاقية، مع تعزيز التنسيق الدبلوماسي والقانوني، بينما تحافظ القاهرة وأنقرة على قنوات الاتصال في الملفات الأخرى. وقد يستمر الخلاف دون انتقاله إلى مواجهة مباشرة أو توتر في العلاقات في ملفات أخرى، خاصةً إذا لم تتخذ الأطراف خطوات عملية تفرض واقعًا بحريًا جديدًا.
وتدعم هذا السيناريو مواقف القاهرة التي ركزت على رفض الاتفاقية وحماية الحقوق البحرية، وكذلك الزيارات المتبادلة عالية المستوى بين الطرفين للتنسيق في ملفات إقليمية هامة أخرى، دون إعلان إجراءات تصعيدية محددة، إلى جانب تأكيد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أهمية الاستقرار الإقليمي.
السيناريو الثاني: تصاعد التنافس البحري والدبلوماسي
قد يتطور الوضع إذا انتقلت تركيا وليبيا إلى تنفيذ إجراءات عملية تستند إلى المذكرة، أو إذا طرحتا مطالب بحرية تتعارض بصورة مباشرة مع المواقف المصرية أو اليونانية. وفي هذه الحالة، قد تتجه القاهرة وأثينا ونيقوسيا إلى زيادة التنسيق، وربما تسريع المباحثات بشأن الترسيم البحري، وتكثيف التحركات لدى المؤسسات الدولية.
ومن مؤشرات هذا المسار ما أوردته رويترز في 22 أكتوبر بشأن مباحثات مصرية يونانية حول احتمال توسيع المنطقة الاقتصادية الخالصة شرقًا باتجاه قبرص. وقد أكد الطرفان أن أي خطوة من هذا النوع ستتم وفق القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
لكن حتى في هذا السيناريو، لا تعني زيادة التنافس البحري بالضرورة وقوع قطيعة بين الأطراف المختلفة؛ فقد يظل التصعيد محصورًا في المواقف الدبلوماسية والتحركات القانونية والأنشطة البحرية.
السيناريو الثالث: توسيع التقارب التركي مع شرق ليبيا بما يؤثر على العلاقة مع مصر
قد يؤدي التصديق إلى تعاون أوسع بين أنقرة والسلطات الموجودة في شرق ليبيا، يشمل الاقتصاد والطاقة وربما الأمن والدفاع، بما يرفع من مستوى النفوذ التركي في شرق ليبيا. إذا حدث ذلك، فستكون التداعيات أوسع من تداعيات رفض الاتفاقية نفسها، لأنها ستؤثر في حسابات النفوذ داخل ليبيا وفي تقدير القاهرة لدور تركيا في جوارها الغربي.
تقدير عام:
في ضوء الوقائع المتاحة حتى الأن، يبدو أن الأثر المباشر الأكثر وضوحًا للقرار هو تعزيز الموقف السياسي التركي داخل ليبيا وإعادة تنشيط الخلاف البحري مع مصر واليونان وقبرص. أما الآثار العملية على الحدود البحرية أو التنقيب عن الطاقة أو العلاقات الثنائية، فستعتمد على الخطوات التي ستتلو قرار التصديق.
ومن ثم، لا يمكن الجزم بأن التصديق سيؤدي إلى أزمة كبيرة بين القاهرة وأنقرة أو الأطراف الاخرى. كذلك لا يمكن التقليل من أهميته باعتباره مجرد إجراء شكلي؛ فالقيمة الاستراتيجية للخطوة تكمن في احتمال تحويل التقارب التركي مع شرق ليبيا إلى تعاون أوسع، وفي دفع مصر إلى تعزيز التنسيق البحري والقانوني مع اليونان وقبرص.
يمثل تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا تحولًا سياسيًا مهمًا، لأنه أنهى موقفًا سابقًا من الرفض وقطع العلاقات، وفتح المجال أمام توسيع التعاون التركي مع شرق ليبيا. لكنه لا يحسم النزاع القانوني حول الترسيم البحري، ولا يجعل الحدود الواردة في الاتفاقية ملزمة تلقائيًا لمصر أو اليونان أو قبرص.
وتواجه القاهرة تحديًا يتمثل في حماية حقوقها البحرية من وجهة نظرها وتثبيت اعتراضها القانوني، مع الحفاظ على قدرتها على إدارة الخلاف مع أنقرة دون الإضرار ببقية ملفات التعاون. وقد يشكل تعزيز التنسيق المصري اليوناني والقبرصي أحد أبرز مسارات التعامل مع التطور، خصوصًا إذا ظهرت خطوات عملية تستند إلى المذكرة.
أما المآلات، فستتوقف على طبيعة التحركات التالية: هل سيبقى التصديق موقفًا سياسيًا يعزز التفاوض، أم سيتحول إلى إجراءات عملية تزيد من حدة التنافس البحري؟ وهل ستتمكن القاهرة وأنقرة من الفصل بين الخلاف البحري وبقية العلاقات الثنائية، أم سيتسع الخلاف ليشمل ملفات إقليمية أخرى؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات تقول بانهيار مسار التقارب المصري التركي أو بوقوع قطيعة كما كان في الماضي، لكن التطور يضيف نقطة توتر جديدة إلى توازنات شرق المتوسط، ويجعل متابعة التحركات الدبلوماسية والقانونية والبحرية في الأسابيع المقبلة ضرورية لتقدير اتجاه الأزمة بصورة أدق.
من وجهة نظرنا، فإن السياسة الخارجية المصرية في الفترات الأخيرة تتسم بالضعف والتباطؤ، كما أن المشكلات الداخلية المتفاقمة في مصر على الصعيد الاقتصادي جعلت القاهرة تركز على داخلها، وليس لديها قوة كبيرة في التعامل في الملفات الخارجية، أو أنياب للتأثير الجاد في هذه الملفات الاقليمية. على سبيل المثال، الملف الفلسطيني، وملف القرن الإفريقي، والملف السوداني، والأوضاع الإقليمية؛ فمصر، مقارنةً بالماضي، من ناحية التأثير والنفوذ لم تعد كما كانت في الملفات الخارجية. وعليه، فإن ذهاب حفتر وبرلمان الشرق إلى التصديق على الاتفاقية الموقعة بين تركيا وطرابلس عام 2019 يمكن أن يُفهم على أن الأطراف التي كانت تدعمها القاهرة أصبحت تراجع نفسها، وتبحث عن داعمين جدد يمتلكون حيثية ونفوذًا وقوة أكبر.
إلا أنه في أعقاب موافقة البرلمان الليبي في الشرق على الاتفاقية البحرية مع تركيا، زار صدام حفتر القاهرة، والتقى رئيس المخابرات العامة المصرية، حسن رشاد، وبحث معه تطورات الأوضاع في ليبيا، وسبل دعم الاستقرار والعملية السياسية وتعزيز المؤسسات الليبية. وجاءت الزيارة بعد أيام فقط من تصديق البرلمان الليبي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا،و التي أعلنت مصر رفضها، واعتبرتها مساسًا بسيادتها وحقوقها الاقتصادية في شرق المتوسط.
وتشير هذه الزيارة إلى أن معسكر خليفة حفتر يسعى إلى احتواء تداعيات الموافقة على الاتفاقية، والحفاظ على التوازن في علاقاته الإقليمية، حتى لا تكون المكاسب مع أنقرة على حساب القاهرة. فصدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي ونجل خليفة حفتر، من المؤكد أنه قد سعى خلال زيارته إلى شرح وجهة نظر معسكر الشرق الليبي للقاهرة، وتوضيح الأسباب التي دفعت البرلمان إلى الموافقة على الاتفاقية، إلى جانب بحث تداعياتها المحتملة والخطوات التي قد تترتب عليها مستقبلًا، مع التأكيد على أن المصالح المصرية لن تتأثر بهذه التطورات. وبذلك، يمكن قراءة الزيارة باعتبارها محاولة لطمأنة القاهرة والحفاظ على العلاقات معها، في ظل خلاف بحري لا يبدو أن معسكر حفتر يرغب في أن يتحول إلى أزمة أوسع مع مصر.
وفقًا لقراءتنا، فإن مصر واليونان وقبرص ستتعامل مع الاتفاقية من خلال ردود فعل ترتبط بمدى انتقالها إلى خطوات تنفيذية على أرض الواقع. فكلما رأت هذه الدول أن الاتفاقية التركية الليبية ستُترجم إلى خطوات تنفيذية فعلية، زادت احتمالات تقاربها وتنسيقها، واتخاذ خطوات تنفيذية مقابلة. أما إذا ظلت الاتفاقية دون تفعيل جاد، فمن المرجح أن يبقى الوضع على ما هو عليه، في حدود الإدانات والتحركات السياسية، مع استمرار العلاقات المصرية التركية، على وجه الخصوص، على النحو الذي استقرت عليه بعد التقارب بين البلدين، دون أن يصل الأمر بالضرورة إلى تصعيد في العلاقات بين تركيا واليونان وقبرص.
من الواضح أن تركيا لا تزال حريصة على علاقات جيدة مع مصر، فمثلًا تعمل أنقرة على جذب مصر نحو تفاهمات بحرية جديدة، مثل محاولة إبرام اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين البلدين في شرق البحر المتوسط، بما قد يسهم في إبعاد القاهرة عن المثلث المصري اليوناني القبرصي، أو على الأقل تقليص مستوى التنسيق القائم بين أطرافه.
ويمكن فهم تصريحات وزير الدفاع التركي، يشار غولر، في هذا السياق؛ فبعد موافقة مجلس النواب الليبي في الشرق على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني الليبية عام 2019، طرح غولر على مصر توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وذكر أن الاتفاق قد يمنح القاهرة نطاقًا إضافيًا من الاختصاص البحري يُقدَّر بنحو 15 ألف كيلومتر مربع مقارنة بما قد تحصل عليه بموجب اتفاق محتمل مع اليونان. ويعكس هذا الطرح محاولة تركية لتقديم مكاسب بحرية لمصر، بما يجعل إعادة النظر في خياراتها البحرية مدخلًا لتطوير العلاقات الثنائية وإعادة ترتيب التوازنات في شرق المتوسط.
و في إطار استمرار العلاقات الجيدة وصل قائد القوات البرية بالقوات المسلحة التركية، الفريق أول متين توكل، إلى القاهرة في زيارة رسمية يوم الثلاثاء 27 أكتوبر، وسط تنامي متواصل في العلاقات العسكرية بين مصر وتركيا. ويمكن أيضًا قراءة تصريحات وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، التي أكد فيها تفهم أنقرة لمخاوف القاهرة بشأن التطورات في ليبيا، خلال لقائه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في استانبول كما أسلفنا، عقب موافقة البرلمان الليبي في الشرق على المذكرة. فهذه التحركات والتصريحات، وإن لم تكن دليلًا قاطعًا على وجود خطة تركية متكاملة لتوثيق العلاقات مع مصر على حساب علاقاتها مع اليونان وقبرص، فإنها تشير إلى حرص أنقرة على احتواء تداعيات الخطوة الليبية، ومنع تحول الخلاف حول المذكرة إلى أزمة جديدة في العلاقات المصرية التركية، بالتوازي مع السعي إلى فتح مسار تفاوضي بحري مع القاهرة.
تجدر الإشارة إلى أن موافقة البرلمان الليبي في الشرق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 لا تعني بالضرورة حدوث تراجع في العلاقات المصرية التركية؛ إذ إن هذا الملف قديم، وظل أحد ملفات الخلاف بين البلدين منذ توقيع المذكرة، لكنه لم يكن السبب الوحيد في توتر العلاقات. فقد ارتبطت الخلافات المصرية التركية بعد عام 2013، بعوامل أخرى، من بينها استضافة تركيا عناصر من المعارضة المصرية، وموقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من التطورات السياسية التي شهدتها مصر آنذاك. وقبل استعادة العلاقات تدريجيًا، أجرى البلدان اتصالات واجتماعات نوقشت خلالها القضايا الخلافية، وعولجت بعض الملفات التي أسهمت في تهيئة الأجواء للتقارب، وصولًا إلى زيارة أردوغان للقاهرة وزيارة السيسي لأنقرة.
بمعنى آخر، فإن ملف الحدود البحرية لم يمنع استعادة العلاقات رغم استمرار الخلاف بشأنه، ما يشير إلى أن القاهرة وأنقرة استطاعتا الفصل، بدرجات متفاوتة، بين الخلافات البحرية ومجالات التعاون الأخرى. ومن ثم، فإن التصعيد المرتبط بالمذكرة قد يفرض ضغوطًا إضافية على العلاقات، لكنه لا يعني بالضرورة انهيار مسار التقارب القائم، كما أن الخلاف بشأن الغاز والحدود البحرية ظل اختلافًا في الرؤى والمصالح لم يصل، في المرحلة السابقة، إلى مستوى الأزمة الشاملة التي اتسمت بها العلاقات بعد عام 2013.
على جانب أخر، فقد يتحول هذا الملف في إتجاه المزيد من التقارب، وليس العكس. يتمثل ذلك في المساعي التركية الجادة لفتح مفاوضات مع القاهرة بشأن ترسيم الحدود البحرية، وتقديم عرض يتضمن مكاسب محتملة لمصر في المساحات البحرية، في محاولة لجعل الاتفاق المقترح خيارًا منافسًا لمسار التعاون المصري اليوناني، وربما إعادة توجيه حسابات القاهرة في شرق المتوسط.
من غير الواضح إن كان العرض التركي سيضمن تلقائيًا حصول مصر على المساحة المعلنة؛ إذ يتوقف ذلك على مضمون الاتفاق النهائي وأساسه القانوني، وكيفية ترسيم الحدود ومراعاة حقوق الدول الأخرى.
كما أن حسابات القاهرة لا تقتصر على المساحة البحرية وحدها، بل تشمل مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، وعلاقاتها القائمة مع اليونان وقبرص، وارتباط ذلك بعلاقتها مع إسرائيل، واتفاقيات ترسيم الحدود والتنسيق الثلاثي الذي تطور منذ عام 2013. لذلك، فإن القرار المصري سيظل مرتبطًا بمدى توافق أي عرض تركي مع مصالح مصر طويلة الأجل، وبقدرة القاهرة على الحفاظ على شراكاتها القائمة دون التفريط في فرص التفاوض مع أنقرة. وبذلك، لا تقتصر المسألة على الاختيار بين تركيا من جهة واليونان وقبرص من جهة أخرى، بل تتعلق بكيفية إدارة مصر لتوازناتها في شرق المتوسط، وحماية حقوقها البحرية، ومنع تحول التنافس الإقليمي إلى مصدر دائم للتوتر مع أي من الأطراف.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




