الخليجتقارير

سجن الرزين .. هنا يتم إذلال الإماراتيين

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

 

قبل البدء …

في شهر مارس 2013 كان هناك أربعة وتسعون إماراتيا يستعدون للمثول أمام المحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي لمحاكمتهم بالسعي لقلب نظام الحكم بدولة الإمارات العربية المتحدة (1)، كانت التهمة المعلنة “تأسيس وإدارة منظمة تسعى لمعارضة المبادئ الأساسية لنظام الحكم في الدولة ولقلب النظام”، ولكن هذه الإتهامات لم تكن سوى مبرر قانوني لعقاب سياسي لهذه المجموعة التى وصفت منظمة هويمان رايتس ووتش عمليتهم القضائية أنها غاية في الظلم، ولا يقال عنها إلا إنها استهتار بالعدالة .

لاحقاً حكمت (2) اصدرت المحكمة الاتحادية العليا حكما غيابيا بسجن ثمانية ممن أسمتهم “التنظيم السري” لمدة 15 سنة وحكمت حضوريا بسجن 56 من أعضاء التنظيم مدة 10 سنوات وعلى خمسة أعضاء مدة 7 سنوات، فيما برأت المحكمة 25 متهما منهم 13 امرأة، بالإضافة لمصادرة أموال واغلاق مواقع الكترونية، كان أبرز المحكوم عليهم هو الشيخ سلطان بن كايد القاسمي، أحد افراد الأسرة الحاكمة بإمارة رأس الخيمة، حيث انه ابن عم حاكم رأس الخيمة، وبعدها استطاعت دولة الإمارات اختطاف أحد المحكوم عليهم غيابياً وهو “عبدالرحمن خليفة سالم بن صبيح” من اندونسيا، ليصبح عدد المعتقلين 62 معتقل، ليتم نقل المحكوم عليهم إلى سجن الرزين بإمارة أبو ظبي.

ولكن الانتهاكات لم تقف بحق المحكوم عليهم حتى الآن، وهو ما يدفع لدراسة أسباب الحكم؟ وطبيعة الإنتهاكات ومدى صحتها؟ واسباب نقل المحكوم عليهم إلى هذا السجن تحديداً؟ وهل مدة سجنهم هي مدة اصلاحية؟ أم أنها مدة ترويضية عقابية؟

 

أولاً: مقدمات الربيع الإماراتي:

مثلت ثورات الربيع العربي فرصة للدعوة للتغير في الإمارات، وهو ما حدث في شهر مارس عام 2011، عندما قدمت العديد من الشخصيات الإماراتية أبرزهم من ينتمون لما يسمى بتيار الإصلاح عريضة تطالب بإصلاحات تشريعية ورقابية تضمن حق انتخاب جميع أعضاء المجلس الوطني الاتحادي من قبل كافة المواطنين كما هو حال الدول الديمقراطية، بالإضافة إلى تعديل المواد الدستورية ذات الصلة بالمجلس الوطني الاتحادي بما يكفل له الصلاحيات التشريعية والرقابية الكاملة.

وقد ارتأت السلطات الإماراتية أن تيار الإصلاح هو الطرف الأكثر فاعلية وخطورة في الدفع بهذه المطالب، وكانت هذه المطالب الأكثر جرأة منذ تأسيس الإمارات عام 1971، وكان رد السلطات الإماراتية بالتهديد والوعيد وهو ما دفع عدد من الموقعين للتراجع عن توقيعهم والتوبة، لتنطلق بعدها حملة لإعتقال اعضاء ومتعاطفين مع تيار الإصلاح، عكست الإعتقالات حجم القلق والغضب الذي شعر به النظام الإماراتي من هذه المطالب، ورغم أن المطالب لم تتجاوز الخط الأحمر وفق مقدميها فهي لم تتحدث في نظام الحكم وآلية تداوله، ولكن من ناحية أخرى كانت تلك المطالب تعني أن رياحين الربيع العربي قد وصل نسيمها بعض أبناء الإمارات، ومما يزيد الأمر سوءاً أن من حمل تلك المطالب هو تيار يصنفه نظام الحكم الإماراتي أنه منتمي لفكر جماعة الإخوان المسلمين(3).

لاحقاً ووفق القانون الاتحادي رقم 2 الصادر عام 2003 بشأن جهاز أمن الدولة والمرسوم الاتحادي رقم 5 لسنة 2012 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات والقانون الاتحادي رقم 7 لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإرهابية، تم اصدار أحكام متنوعة بالسجن وغيره، وكانت الأحكام نهائية لاتقبل الطعن حيث لايوجد مبدأ التقاضي على درجتين في دوائر أمن الدولة بالمحكمة الاتحادية العليا، أيضاً تم سحب جوازات السفر من بعض المواطنين الإمارتيين ومنع السفر عنهم، بل ووصلت بعض الإجراءات إلى التجريد من الجنسية مثلما حدث مع عائلة عبد الرزاق الصديق (4) الذين تمّ استدعاؤهم إلى مركز الشرطة وسحبت منهم جميع الوثائق الثبوتية لينقلبوا من مواطنين إماراتيين إلى أجانب دون جنسية.

كانت إذن مطالب التغيير التى طالب بها هؤلاء الإماراتيون، ورفضهم التراجع عنها، هو السبب في استهدافهم عبر حملة إعتقالات تعرضوا خلالها للإخفاء القسري والتعذيب ومحاكمات غير عادلة.

 

ثانياًً: الإمارات وخريطة الانتهاكات:

مثل تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان ببريطانيا بتاريخ 31 مايو 2017 (5)، نقطة بداية بحثنا حول طبيعة الإنتهاكات ومدى صحتها، حيث تحدث التقرير الحقوقي عن انتهاكات مازال يتعرض لها المعتقلون الإماراتيون بسجن الرزين، تحدث التقرير أن عثور إدارة السجن على قصاصة ورق بالإضافة إلى تجرؤ أحد المعتقلين على القاء خاطرة، كانت سبباً في قيام قوة من الضباط الإماراتيين برفقة جنود نيباليين من العاملين في السجن بمداهمة العنبر رقم 7 بتاريخ الخميس 25/05/2017 الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، والإعتداء على المعتقلين واجبارهم على خلع ملابسهم والوقوف بمواجهة الحائط، مع قيام الجنود النيباليين بالتحرش جنسيا بالمعتقلين، ثم اقتياد بعض المعتقلين إلى العزل الإنفرادي.

وبمراجعة الدستور الإماراتي، وجدنا أن ما حدث يخالف نص المادة رقم 26 والتى تنص على “ألا يعرّض أي إنسان للتعذيب أو المعاملة الحاطة من الكرامة” بالإضافة للمادة 28 والتى تنص على “منع إيذاء المتهم جسمانيا أو معنويا”.

وبالبحث عن السجن وجدنا أن معظم المعتقلين على خلفية قضايا سياسية، يتم ايداعهم في هذا السجن، وهو مادفعنا للتسائل حول هل كان ماحدث كان حادث فردي أم سياسة عقابية معتمدة من قبل السلطات الإماراتية؟

وفي 30 أغسطس 2016 صدر تقرير للمركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان (6)، وتحدث التقرير عن عدة انتهاكات تعرض لها معتقلون سياسيون من الموقعين على عريضة المطالب، وغيرهم، وكان أبرز الإنتهاكات:

1ـ الحبس الإنفرادي: حيث يتم احتجاز المعتقلين بزنازنين انفرادية ضيقة لمدد تتجاوز السبعة أيام، وهو مايدفع المعتقل للإنهيار العصبي وللاكتئاب.

2ـ الحرمان من التواصل: من الزيارة والاتصال بالعالم الخارجي، بالإضافة لحرمانهم من المصحف والجرائد والأوراق والأقلام كما يحرمون من حق التفسّح في الهواء الطلق.

3ـ التعذيب باستعمال مكبرات الصوت: عبر تشغيل موسيقى دعائية صاخبة تمدح حاكم أبو ظبي، بشكل مستمر نهارا وليلا وأثناء نوم السجناء، مما أدى إلى اضرابات نفسية، مثل الذي أصاب الدكتور محمد الركن، الذي أصيب بحالة هلع بعد تشغيل مكبرات الصوت ليلا وبشكل مفاجىء فأصيب الإغماء، وبعد نقله إلى عيادة السجن تبيّن أنّه يعاني نتيجة مضخمات الصوت بارتفاع ضغط الدم والتهاب في الأذن.

4ـ التفتيش المهين: عن طريق نزع كافة ملابس المعتقلين الداخلية والتعرية التامة أمام الشرطيين من أجل الخضوع للتفتيش.

5ـ الحرمان من صلاة الجماعة: وهي أداة عقابية ذكرها الدكتور محمود الجيدة، المعتقل القطري السابق بسجن الرزين (7).

وبمراجعة قائمة الإنتهاكات، وجدنا أن القانون الإماراتي لايسمح بأن تتجاوز مدة الحبس الإنفرادي 7 أيام، كما انه بالنسبة للحرمان من التواصل فإن المادة 23 من القانون الاتحادي رقم 43 لسنة 1992 بشأن تنظيم المنشآت العقابية، تقر بحق المعتقلين في مراسلة العائلة والأصدقاء واستقبالهم وزيارة المحامي على انفراد ودون مسمع من موظفي السجون، وبخصوص التفتيش المهين فإن (المادة17 ملاحظة عامة – 2001) والخاصة بضوابط التفتيش للمساجين ولزوارهم قررت فيما يتعلّق بالتفتيش الشخصي والجسدي أنه “يجب ضمان إجراءات فعلية كالقيام بالتفتيش بأسلوب يتماشى وكرامة الشخص الذي يتم تفتيشه”.

كما أن الإنتهاكات مستمرة وشملت ايضاً دكتور القانون والحقوقي/ محمد الركن، والدكتور والخبير الإقتصادي/ ناصر بن غيث، وكان الأخير قد اعتقل عقب سلسلة تغريدات على موقع تويتر ليتعرض للإختفاء القسري ثم المحاكمة والسجن بعدة سجون منها سجن الرزين.

 

ثالثاً: سجن الرزين .. إذلال أم ترويض؟

وفق تقارير حقوقية متعددة، ومنها تقرير “لاتوجد حرية هنا”(8) لمنظمة العفو الدولية، فإن معظم السجناء السياسيين في الإمارات العربية المتحدة، يتم احتجازهم داخل سجن الرزين شديد الحراسة، ويقع السجن وسط صحراء إمارة أبو ظبي ويخضع عمليا لسيطرة جهاز أمن الدولة وليس وزارة الداخلية الإماراتية، والتي يفترض أن تكون الجهة الرسمية المسؤولة عن الرقابة على المراكز الإصلاحية، ووفق التقرير فإن المضايقات وسوء المعاملة التى يتعرض لها السجناء تهدف إلى كسر معنوياتهم ومعنويات عائلاتهم.

ويُمكن معرفة التأثير الناتج عن الإجراءات التى تتخذها السلطات الإماراتية، والتى جاءت تفصيلاً في تقرير المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان عام 2016:

1ـ تعمّد سلطات الإمارات العربية المتحدة منع عائلات مساجين الرأي بسجن الرزين من زيارة أبنائهم أوّل أيام عيد الفطر لعام 2016، رغم قدوم العائلات من أكثر من مكان وتجشم عناء التنقل لسجن الرزين والإنتظار طويلا أمام بوابة السجن.

2ـ لم تسمح سلطات السجن للعائلات بالزيارة إلاّ في خامس أيام العيد وهو ما مثّل معاملة لاإنسانية للمساجين ولعائلاتهم بحرمانهم من المعايدة واللقاء في مناسبة دينية مهمة.

3ـ ترك عائلات المعتقلين عند بوابات السجون لساعات طويلة تحت الشمس الحارقة وتفتيشهم تفتيشا جسديا مهينا كما تفتيش الأمتعة لأكثر من مرّة في مخالفة صريحة لمجموعة مبادئ الاحتجاز والقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء.

4ـ منع العائلات من اللقاء مباشر بمعتقلي الرأي مثلهم مثل غيرهم من المساجين، حيث يتم اللقاء عبر حاجز زجاجي فاصل، ولا تمكنهم سلطات السجن فضلا عن ذلك من الوقت الكافي للتواصل مع المعتقلين بل تستعجلهم بإنهاء الزيارة سريعا.

5ـ منع المعتقل من معانقة ابنائه وأسرته.

بالإضافة إلى تقرير منظمة العفو الدولية “لاتوجد حرية هنا”(9)، والذي ذكر: تعرض المعتقلين لإلغاء حقوق الزيارات العائلية الخاصة بهم طوال أسابيع أو أشهر دون إبداء الأسباب، وفي بعض الحالات تم منع أبناء بعض السجناء أو أحفادهم تعسفا من زيارة ذويهم فيما حُرم البعض الآخر من الاتصالين، الهاتفيين المسموح بهما أسبوعيا بشكل تعسفي، وتعمد تأخير إيصال أو إعادة الرسائل التي يرسلها السجناء إلى عائلاتهم.

الأمر هنا لا يمثل فقط انتهاك لحق المعتقل في الاتصال بالعالم الخارجي بالزيارات العائلية، أو مخالفة للقانون الإتحادي رقم 43 لسنة 1992 الخاص بتنظيم المنشآت العقابية، والذي أقر مجموعة من الحقوق للمساجين ومنها الحق في مقابلة زائريهم.

ولكن الأمر يتعدى مسألة مخالفة القوانين والحقوق بما قد يفسره البعض بمحاولة إذلال، هذا بالاضافة إلى أن تلك الإجراءات لها انعكاسات سلبية مفترضة على الجانب النفسي والعقلي للمعتقل، وهو ما يدفع للتساؤل حول هل المقصود من آلية العقاب تلك هو احداث تغيير ترويضي في شخصية المعتقل وعائلته بشكل يحوله من معارض مشاكس إلى مريض نفسي أو يائس أو مستسلم؟

 

رابعاً: الرزين وما بعد الانتهاكات:

ذكر “تيري كوبرز” في كتابه “الجنون في غياهب السجون”، تحت عنوان “ضعف التواصل مع الأحباء”: أن السياسات العقابية التي تقلل من عدد الزيارات أو جودتها تجعل من مدة عقوية السجن فترة غير محتملة، كما انها تساهم في اضعاف الإستقرار الإنفعالي، وتعرض السجين لإضطرابات عقلية، وتحد من قدرته على التكيُّف مع الحياة في المجتمع بعد إطلاق سراحه.

وفي نفس السياق كان الطبيب النفسي ستيوارت جراسيان قد أجرى فحصاً على عدد كبير من السجناء الأمريكيين أثناء إقامتهم في وحدات الحبس الانفرادي المنعزل، واستنتج أن هذه الوحدات شأنها شأن بيئات الحرمان الحسي التي تمت دراستها في ستينيات القرن العشرين تؤدي عادةً إلى مرض الذهان، حتى  أن السجناء الذين لا يصابون صراحةً بالذهان يبلغون عن إصابتهم بعدد من الأعراض المشابهة للذهان، بما في ذلك التوتر مجهول السبب، وفرط الاستجابة للمثيرات الخارجية، والتشتت الإدراكي والهلاوس، والشعور بالأوهام، والصعوبة في التركيز والتذكر، وحالات الارتباك الحادة، وظهور التخيلات العدائية الأولية، وأوهام الاضطهاد، والإثارة الحركية، والانفعالات الهدَّامة العنيفة والمشوهة للذات، والتراجع السريع في الأعراض عند انتهاء العزل، وقد سمى هذه الأعراض بمتلازمة وحدة الحبس الانفرادي (10).

ووفق دراسة أجراها “كراغ هايني”(11) أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا حول السجناء الذين يتعرضون لمنع الزيارات والتواصل مع الأحباء وأيضاً الحبس الإنفرادي، فلقد وجد أن هؤلاء السجناء سرعان ما يفقدون ارتباطهم بالعالم الخارجي، وتنشأ لديهم اضطرابات في الهوية وفقدان الشعور بالاتجاه، وأحيانا رهاب اللقاء بأشخاص آخرين، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الإصابة بالاكتئاب والقلق، والصعوبة في التركيز، والاضطرابات النفسية، مع امكانية استمرار هذا لما بعد خروجهم من السجن.

وفي سياق هذه الآثار النفسية التي وقف عليها المحللون والمتخصصون، وأثناء البحث عن أنواع الإنتهاكات التى تتم في سجن الرزين، جاءت كلمات منشورة للطالب الجامعي والمدون/ خليفة النعيمي، والذي كتب في يوليو عام 2013 قبل أيام من اعتقاله “ليس لديكم الحق في انتزاع الولد من أبيه أو حرمان الوالد من ابنه، أو المعلم من طلابه، أو الخطيب من جمهوره، ومن ثم الزج بهم في السجن بشكل غير قانوني”، لاحقاً تم اعتقال النعيمي وصدر عليه حكم بالسجن 10 سنوات، يعقبه وضعه تحت المراقبة لمدة ثلاث سنوات إضافية.

ووفق تقرير منظمة العفو الدولية السابق ذكره فإن النعيمي أُودع الحبس الانفرادي في أربع مناسبات منفصلة لفترات تصل إلى ثمانية أيام دون أي إجراءات، كان أول هذه المرات في مارس 2014 عقب اعتراضه على مصادرة السلطات السجن لثياب السجناء ليوسعه الحراس بعدها ضربا بناءً على أوامر أحد الضباط ويودع الحبس الانفرادي مدة ثمانية أيام دون الحصول على ماء وطعام كافيين، ثم مرة أخرى عقب اعتراضه على مصادرة الحرس للملابس الداخلية العائدة للسجناء ومقتنياتهم الشخصية الأخرى، مع حرمانه من تلقي الزيارات العائلية مدة أسبوع كإجراء عقابي.

ورغم أن الدستور الإماراتي به مواد دستورية من أجل حماية الحرمة الجسدية والأدبيّة، مثل المادة 26 من الدستور والتى تنص على “أن لايعرّض أي إنسان للتعذيب أو المعاملة الحاطة بالكرامة”، والمادة 28 من الدستور والتى تنص على “منع إيذاء المتهم جسمانيا أو معنويا”، إلا أن هذه المواد تتوقف أمام أسوار سجن الرزين، ورغم أن الإمارات أصبحت عضوة في اتفاقية التعذيب في عام 2012، إلا انها رفضت الانضمام إلى البروتوكول الاختياري الخاص باتفاقية مناهضة التعذيب، حتى لا تجد نفسها ملزمة باستقبال اللجنة الفرعية لمنع التعذيب للتحقيق حول شكاوى التعذيب وإساءة.

وهنا قد يدفع البعض أن تلك الأحداث هي تصرفات فردية لم يصل علمها للسلطات الإماراتية، ولكن وفق ما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية بعنوان “لا توجد حرية هنا”: فإن عائلات السجناء السياسيين في سجن الرزين بعثوا بخطاب إلى وزير الداخلية في اغسطس 2013 دون أن يتلقوا رد منه، كما قاموا في 25 مارس 2014 بتوجيه رسالة مشتركة إلى النائب العام في أبي ظبي يطالبونه فيها بالتحقيق في الانتهاكات التي تُرتكب بحق ذويهم السجناء، ولكن لم يحصلوا على رد أيضاً، بل إن منظمة العفو الدولية وعبر مندوبيها قاموا في نوفمبر 2013 بسؤال جمعية حقوق الإنسان الإماراتية عن ظروف احتجاز سجناء محاكمة “إمارات 94″، فأخبرتهم الجمعية أنها قد أعدت تقريرا في ضوء قيامها بالتفتيش على ظروف الاحتجاز في عدد من السجون ومراكز الحجز في الإمارات العربية، وقالت الجمعية أن مراكز الحجز ترقى إلى مصاف “الخدمة المتوفرة في فنادق الخمس نجوم”، ولكن عندما طالبت منظمة العفو الدولية الإطلاع على هذا البحث، كان رد الجمعية “انه للاستخدام الداخلي فقط”، وعندما طلبت منظمة العفو الدولية من السلطات الإماراتية أن يقوم مندوبيها بزيارة سجن الرزين، لم يتلقوا أى ردود.

ومن هذا العرض يتضح أن أحد اسباب نقل المحكوم عليهم إلى سجن الرزين، هو خضوع هذا السجن لسلطة جهاز أمن الدولة وليس وزارة الداخلية الإماراتية، وفق ما ذكرته منظمة العفو الدولية. ومن دراسة بعض الإنتهاكات التى تمارس ضد المعتقلين، يتضح ان لهذه الإنتهاكات ضرر نفسي وعقلي على السجناء، بحيث يكون الهدف من تلك الإنتهاكات الإذلال بجانب كونها اجراءات عقابية ترويضية لمن تعتبرهم السلطات الإماراتية متمردين يجب تقليم أفكارهم وعقولهم.

 

خاتمة: أبوظبي .. هل نجح الترويض؟

في عام 2009، قال الدكتور/ محمد المنصوري المحامي وسجين الرأي: “يأتي الناس من دول الغرب إلى هنا ويشاهدون مراكز التسوق والبنايات الشاهقة ويعتقدون أننا نتمتع بالحرية، ولكن كل هذه الأنشطة والمصالح الاقتصادية والبنايات لمن؟ إنه نظام ديكتاتوري، تعتقد الأسرة الحاكمة أنها تمتلك البلاد وأن الشعب خادم لها، لا توجد حرية هنا ” (12)

وفي عام 2013، كتب الناشط السياسي وسجين الرأي/ عبيد يوسف الزعابي 2013: “سوف نستمر في المطالبة بوقف تغول الأجهزة الأمنية على حياتنا وتعديها على حقوقنا وحرياتنا ونشرها لثقافة الخوف في المجتمع ومقاومتها لحياة حرة وكريمة، لن نتوقف عن المطالبة بحقوقنا إلى حين أن نتمتع بها في بلد حر يمكننا العيش فيه بكرامة ونتمتع فيه بكامل حقوقنا في ظل وجود مؤسسات عادلة ونظام برلماني مكتمل المعالم ومجتمع متحرر من الخوف”.

وفي عام 2014، كتب الناشط الإماراتي/ أسامة النجار، مغرداً عبر موقع تويتر، عن سوء المعاملة التي يلقاها والده حسين علي النجار الحمادي وغيره من السجناء السياسيين المحتجزين في سجن الرزين في أبو ظبي.

وبالمقارنة بين هذه التواريخ، يتبين أنه رغم نجاح السياسية القمعية الإماراتية، إلى أنها لم تستطع أن تحقق الإنتصار المطلق، حيث أنها كلما نجحت في اسكات صوت إماراتي يظهر صوت إماراتي آخر، وأن ما تحاول السلطات الإماراتية من اظهاره من انها دولة علمانية عصرية مزدهرة قوية اقتصادياً، لا يخفي حقيقة أنها دولة قمعية، لايوجد بها حرية تعبير، أو آلية تداول السلطة كما في الدول الغربية، وأنه رغم عضويتها في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلا أنها إحدى الدول التى تمارس انتهاكات فجة في مجال حقوق الإنسان. وتستمر معركة الحرية بين من قرر الإنحياز إليها من نشطاء ومنظمات حقوقية ومدافعين عن حقوق الإنسان، وبين من قرروا دعم القمع السلطوي المدعم بالمال (13).

————————–

الهامش

(1) محاكمة 94 إسلاميا في دولة الإمارات بتهمة السعي لقلب النظام، BBC ، 4 مارس 2013، الرابط

(2) أسماء المحكوم عليهم في قضية “التنظيم السري”، الاتحاد، 2 يوليو 2013، الرابط

(3) لمراجعة نص الوثيقة وقائمة الموقعين عليها، راجع الرابط، تاريخ الزيارة 25 أغسطس 2017.

(4) تقرير المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان : التعذيب بدولة الإمارات العربية المتحدة، 26 يونيو 2016، الرابط

(5) المعتقلون السياسيون في سجن الرزين الإماراتي محرومون من أبسط الحقوق، المنظمة العربية لحقوق الإنسان ببريطانيا، 31 مايو 2017، الرابط

(6) أوضاع السجون في دولة الإمارات العربية المتحدة، المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان، 30 اغسطس 2016، الرابط

(7) مقابلة مع د. محمود الجيدة المعتقل السابق في السجون الإماراتية، تلفزيون قطر، 24 يونيو 2017، الرابط

(8) لا توجد حرية هنا: إسكات المعارضة في الإمارات العربية المتحدة، منظمة العفو الدولية، 18 نوفمبر 2014، الرابط

(9) – لا توجد حرية هنا: إسكات المعارضة في الإمارات العربية المتحدة، منظمة العفو الدولية، 18 نوفمبر 2014، الرابط

(10) – كتاب الجنون في غياهب السجون، تأليف تيري كوبرز، صفحة 91

(11) – أطباء أميركيون يحذرون من مخاطر السجن الانفرادي، العربية نت، 16 فبراير 2014، الرابط

(12) الجانب المظلم من دبي، يوهان هاري، صحيفة الإنتدبندنت، 7 إبريل 2009، الرابط

(13) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق