الحركات الإسلاميةكتب إليكترونية

بين البنا وقطب: الاتفاق والاختلاف الجزء الخامس

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تحدثت في الحلقات السابقة عن فكر “الإخوان المسلمون” وكيف ينظرون إلى استخدام القوة والثورة والجهاد، والمؤسسات التي تتهم بتسويق وتعميم ثقافة العنف والإرهاب وأثبتنا من خلال الشهادات والتحاليل والكتابات والوقائع ان فكر الإخوان لم يحمل فيروس العنف والإرهاب، وقد تحدثنا عن رحم فكر الإخوان ولم نتحدث عن فكر الاخوان هكذا مجزءا او مستندا الى كتابات مفكري الاخوان، بل ركزنا على ماقاله وكتبه الإمام حسن البنا رحمه الله لان رحم فكر الاخوان ومنطلقه ومرجعيته الاولى هو الفكر الوارد في رسائل الامام البنا رحمه الله، اما ما كتبه مفكري الاخوان ففيه فهم للأصل وليس الأصل، ورغم حرص هؤلاء على شرح وتعميم محتوى رسائل الامام البنا الا ان بعض الكتابات اجتهدت وأعطت لنفسها الحق المطلق في شرح وتفسير فكر الامام البنا رحمه الله فانقسمت بين مدافع عن حرفية كلام البنا وبين مجتهد ومعدل ومطور لهذا الفكر وخصوصا في موضوع استخدام القوة والثورة والجهاد والعنف والارهاب والحزبية والتعددية والمرأة والفن وغير ذلك من الافكار والمواقف.

ولعل مابرز بعد استشهاد الامام البنا رحمه الله من فراغ قيادي في الجماعة لمدة ما يقارب الخمس سنوات (1949-1954)، والمحنة التي دخلت فيها الجماعة بعد اغتيال مرشدها الاول، ودخول ابرز قياداتها الى سجون عبد الناصر، هذا الوضع احدث فراغا ليس فقط قيادي ولكن فكري ايضا واجتهادات هنا وهناك.

وكان ما كتبه المفكر الاسلامي الشهيد سيد قطب ابرز ما ملأ هذا الفراغ فضلا على بروز جماعة داخل السجن تدعو الى التكفير في اول انحراف فكري على منهج الامام حسن البنا رحمه الله، ليقابل ذلك حزم كبير من المرشد الثاني للجماعة الاستاذ القاضي حسن هضيبي الذي واجه فكر التكفير بكتابه المشهور “دعاة لا قضاة” مفندا ان يكون الاخوان المسلمون يكفرون المجتمع وهو كتاب مرجعي في دفع تهمة التكفير عن جماعة الاخوان المسلمين،  والذي انتقد فيه الهضيبي الكثير من المفاهيم التي جاء بها أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، وسيد قطب في الطبعات الأولى من الظلال وفي المعالم، وسمح لعلماء الإخوان المسلمين بتدريسها للصف الإخواني في المعتقلات لمحاصرة الأفكار التكفيرية التي كانت قد بدأت بالانتشار تحت طائلة التعذيب في السجون الناصريَّة.

ورغم ذلك فقد برز في الاعلام المصري مفردة جديدة في ساحة الاخوان المسلمين وهو الفكر القطبي (تجاوزا) في إشارة الى كتابات الشهيد سيد قطب وعلى رأسها (معالم في الطريق) ووصل الامر بهؤلاء الى وصف ما كتبه الشهيد سيد قطب بالميلاد الجديد لجماعة جديدة داخل سجون عبد الناصر سموها التيار القطبي في جماعة الاخوان المسلمين ولاسيما سنة 1965، والصقوا بها كل الافكار التي تدعو الى تكفير وتجهيل(من جاهلية وليس جهل) المجتمع من خلال سرد مواقف سيد قطب من مفردة الحاكمية ووصف المجتمع بالجاهلي، فهل فعلا هنالك مدرستان في جماعة الاخوان المسلمون واحدة تتبع فكر الامام حسن البنا واخرى تتبع فكر سيد قطب، ومامدى الاتفاق والاختلاف بين المدرستين ان وجدتا وهل هنالك علاقة فكرية بين افكار سيد قطب والجماعات الجهادية اليوم ومنها داعش؟

هل كان سيد قطب تكفيريًّا؟.. هل كان متطرفًا مُغاليًا؟.. وهل في كتاباته ما يحمل على تكفير مسلمي الزمن الحديث والمُعاصِر؟.. هل يتحمل سيد قطب مسؤوليَّة العنف الذي تبنَّته المجموعات الإسلاميَّة التي ظهرت في فترةٍ لاحقةٍ؟!.. ثم ما المشكلة بالضبط في الأفكار والرؤى التي طرحها سيد قطب؟!.. هل هي في الأفكار ذاتها؛ أم مجرَّد سوء تأويل فيها؟!..

هذه الأسئلة وغيرها كثيرًا ما كانت تُطرح في الأوساط السياسيَّة والبحثيَّة طيلة العقود الماضية، ولا تزال أفكار الشَّهيد سيد قطب مثارًا للعديد مِن النِّقاشات والسِّجالات، وخصوصًا في الفترات التي تشهد بعض الأعمال العُنفيَّة التي تُنْسَب إلى بعض الجماعات المحسوبة على تيار الإسلام السِّياسيِّ، أو تلك الفترات التي تشهد مُراجعات من نوعٍ ما من جانب بعض هذه الجماعات والتَّيَّارات. ولذلك؛ ظهرت الحاجة إلى إعادة قراءة تراث وأدبيَّات ومرجعيَّات هذه التَّيَّارات، على اختلاف ألوانها.

وتُعتبر المشكلة الرئيسية التي تواجه مسألة تقييم أدبيات وأفكار قطب، هي أنها مجتزئة من السِّياق التَّاريخيِّ لها، كذلك هي مجتزأة من فكر صاحب الظلال نفسه، بحيث إن الأفكار التي توصف بأنها تكفيريَّة أو تدعو إلى العنف جرت دراستها بشكل منفصل، وليس في إطار المشروع الفكري لسيد قطب بأكمله، وتم تقييمها بعد وفاته من دون مراجعته هو ذاته فيها.

ولقد فرضت الكثير من الاعتبارات السِّياسيَّة التي ظهرت في مصر في فترة السِّتينيَّات وما تلاها التعتيم على الكثير من النِّقاشات التي قام بها الكثير من العلماء ورموز الإخوان المسلمين مع قطب نفسه في أفكاره هذه، والتي أضافت الكثير من الإضاءات على أفكار قطب، وخصوصًا كتبه التي ثار حولها جدل كبير، مثل “معالم على الطَّريق” وبعض الطبعات من “في ظلال القرآن”.

ولقد جرت الكثير من المحاولات لفهم فكر قطب ورؤاه، ومحاولة تفسيرها؛ إلا أنَّ الجاد والرصين، وكذلك الأمين والمُحايد من هذه الرؤى ظل متناثرًا في بعض الأدراج أو في زوايا بعض الصحف والمواقع الخاصة بأصحابها.

وفي المقابل؛ ثارت الكثير من المعارك الفكريَّة بين المؤيدين والمعارضين لفكر سيد قطب، وتصدت أقلام من هذا الطرف وذاك لمعالجة أفكاره بالصورة التي تخدم طبيعة الاتجاهات العامة التي يقررون وضع كتب وأفكار قطب فيها.

فقد تحدث خلق كثير من علماء ومفكري الجماعة منهم من عمل على تفسير ماذهب اليه سيد قطب في كتبه (الضلال والمعالم) وحرص على ربطه بفكر الامام حسن البنا وراح البعض الاخر يخرج سيد قطب من فكر الجماعة الذي مرجعيته حسن البنا، ومنهم من نظر الى تجديدات سيد قطب تطوير لفكر الاامام حسن البنا وراح البعض الاخر يكتب عن ضوابط في فهم مواقف سيد قطب رحمه الله.

ولما كان النقاش والحوار بين قمم وقامات من مفكري جماعة الاخوان المسلمين كالشيخ القرضاوي والاستاذ ابراهيم الهضيبي وعبد الرحمان محمد والاستاذ صلاح شادي ويوسف العظم وشقيق الشهيد محمد قطب، والمفكر طارق البشري وفريد عبد الخالق، كان علينا ونحن نبحث الموضوع بين الاتفاق والاختلاف واثبات او نفي وجود مدرستين فكريتين ان نعرض لكل وجهات النظر المطروحة في الساحة، لان تراث الاخوان المسلمون هو تراث الامة ودراسته وفحصه ضرورة حتمية للتمييز بين الفكرة والخطة والموقف والظروف المحيطة ثم الخروج بتوليفة متوازنة تحرر الجيل الجديد من رواقات الاختلاف والأخطاء والإخفاقات التي حدثت ليسير من سار على بينة على اعتبار ان الذين نتحدث عنهم مجموعة من المجتهدين يخطؤون ويصيبون ولايملكون الحقيقة المطلقة.

سيد قطب وجماعة الإخوان المسلمون الانتماء والاجتهاد

يقول الاستاذ صلاح شادي في كتابه الشهيدان حسن البنا وسيد قطب: قد يعجب القارئ عن الشهيد حسن البنا، الذي أسس جماعة الإخوان المسلمين، وعن الشهيد سيد قطب رائد الفكر الإسلامى في هذه الجماعة، الذي أغنى تراثها وتراث الأجيال من بعده بذخائر مؤلفاته، حين يعلم أن كليهما ولد في سنة 1906 م، ونهلا من معين واحد، حين تخرجا من دار العلوم، ثم افترقا.. كل إلى طريق!!.

أما الأول، فذهب يبنى جماعة الإخوان المسلمين، وأما الثانى فذهب يضرب في دنيا الآداب، ويحلق في سماء الشعر، ويخوض في لجة الصحافة، ويبرز في ندوات الأدب والحب والجمال!!!.

ومن العجب ألا يجتمع أحدهما بصاحبه في دنيا الناس، ولكنهما التقيا في ركب الشهداء والصديقين، تحت راية واحدة هي راية جماعة الإخوان المسلمين، نحو هدف واحد هو إعلاء كلمة الله في الأرض.

وتعجب أكثر أن الشهيد سيد قطب قد كتب مؤلفه في “العدالة الاجتماعية في الإسلام” سنة 1948 ،  وسافر إلى أمريكا قبل أن يعرف شيا عن جماعة الإخوان المسلمين ! وإنما كان يراها من ضمير الغيب ويأمل أن يشهد رجالها في دنيا الواقع. ولهذا صدر كتابه هذا بقوله:

“إلى الفتية الذين ألمحهم في خيالى قادمين يردون هذا الدين جديدا كما بدأ، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، مؤمنين في قرارة أنفسهم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.. إلى أولئك الفتية الذين لا أشك لحظة أن روح الإسلام القوية ستبعثهم من ماضى الأجيال إلى مستقبل الأجيال في يوم قريب.. جد قريب”، ولقد ظن الذين اطلعوا على هذا الكتاب أن المؤلف يقصد بهذه المقدمة شباب الإخوان المسلمين، في الوقت الذي لم يكن قد عرف شيئا عن هذه الجماعة وشبابها، فبادرت الحكومة المصرية يومئذ بمصادرة الكتاب وسحبه من السوق..!!

وكان الإخوان المسلمون وقتئذ في السجون والمعتقلات يصطلون بنير النقراشى الذي قتل في 28 ديسمبر 1948 ،  وامتد بعده حكم إبراهيم عبد الهادى حتى 25 يوليو1949.

وكان تعليق الشهيد حسن البنا على هذا الكتاب حين قرأه: “هذه أفكارنا وكان ينبغى أن يكون صاحبها واحدا منا” وتحققت آمال الشهيد حسن البنا.. بعد أن لقى ربه في 12 فبراير 1949 حين كان صاحب هذا الكتاب مريضا في إحدى المستشفيات الأمريكية، فلاحظ بهجة وسرورا يغمران من حوله الممرضات والمرضى فظن أن القوم في عيد، غير أنه ذهل حين سألهم عن سبب بهجتهم تلك فكانت إجابتهم: “لقد تخلصنا من عدو الغرب الأول في ديار الشرق.. لقد قتل حسن البنا !!.

ولقد وجهت هذه الحادثة تفكيره ورسخت عنده أن يكون عضوا في جماعة الإخوان المسلمين !! ، وألا يكتفى بأن يكون كاتبا إسلاميا فحسب بل جنديا في كتيبة الإسلام.

وهكذا عرف الشهيد سيد قطب دعوة الإخوان المسلمين،  وبدأ يعمل لا بقلمه فحسب ولكن بكيانه كله وطاقاته الخلاقة في التنظيم ووجدانه النابض بالحياة ليحكم شرع الله في الأرض.

ويرى الدكتور صلاح شادي أن كتب الشهيد سيد قطب لا غنى بعضها عن الآخر، ولكن إذا أردنا تلخيص معطياته للأمة الإسلامية في مجال الحركة. استطعنا أن نجدها في كتابيه “في ظلال القرآن” و “معالم في الطريق”، فما عجز عن نشره في مضمون التحرك الإسلامى في الكتاب الأول استطاع بعد ذلك أن يقدمه في كتابه “المعالم”…

ولعل الشهيد سيد قطب يعرض لنا طرفا مما أراد أن يقدمه للناس في كتابه الظلال، وأنت تقرأ له في مقدمة الطبعة الثالثة قوله:-

“لقد عشت أسمع الله –سبحانه وتعالى- يتحدث إلى بهذا القرآن أنا العبد القليل الصغير.. أى تكريم للإنسان هذا التكريم العلوى الجليل، أى رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟ أى مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟..

وعشت في ظلال القرآن أنظر من علو إلى الجاهلية التى تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة.. أنظر إلى تعاجب أهل الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال وتصورات الأطفال واهتمامات الأطفال، كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال.. وأعجب ما بال هؤلاء الناس؟ ما بالهم يرتكزون في الحمأة الوبيئة، لا يسمعون النداء العلوى الجميل، النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه..؟ عشت أتملى في ظلال القرآن.. ذلك التصور الشامل الكامل الرفيع النظيف للوجود، لغاية الوجود كله وغاية الوجود الإنسانى وأقيس إليه التصورات الجاهلية التى تعيش فيها البشرية، في شرق وغرب وشمال وجنوب، وأسأل.. كيف تعيش البشرية في المستنقع الآسن في الدرك الهابط، في الظلام البهيم، وعندها ذلك المرتع الذكي، وذلك المرتقى العالي، وذلك النور الوضئ.. وعشت في ظلال القرآن أحس التناسق بين حركة الإنسان كما يريدها الله، وحركة هذا الكون الذي أبدعه الله.. ثم أنظر.. فأرى التخبط الذي تعانيه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية، والتصادم بين التعاليم الفاسدة الشريدة التى تملى عليها، وبين فطرتها التى فطرها الله عليها، وأقول في نفسى، أى شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى الجحيم؟ يا حسرة على العباد.. وعست في ظلال القرآن الكريم.. أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود، أكبر من حقيقته، وأكبر في تعدد جوانبه، إنه عالم الغيب والشهادة، لا عالم الشهادة وحده…

ويتابع الدكتور صلاح شادي :فلا نستطيع أن نترك مجال الحديث عن كتاب “الظلال” وكاتب “المعالم” بدون أن نعرض لما توهمه البعض فيما أورده الكاتب الشهيد.. في هذين الكتابين من أنه كفر المسلمين بمعاصيهم إذا لم يعملوا في صف الجماعة التى ينتمى إليها، والحركة التى يعمل للإسلام من خلالها، وأنه عد المجتمعات المعاصرة في ديار الإسلام مجتمعات جاهلية أفرادا وحكاما وأنظمة…

ويرد الأستاذ يوسف العظم في كتابه عن الشهيد سيد قطب، على هذا الوهم في فهم الجاهلية التى ورد ذكرها في هذين الكتابين فيقول: “لقد وردت كلمة الجاهلية في عطاء سيد قطب عند الحديث عن الفهم والأنظمة والأخلاق التى تهيمن على “المجتمع الجاهلى اليوم” كما سيطرت على المجتمع الجاهلى الأول، ولم يورد الشهيد كلمة الجاهلية في حق الأفراد ما يفهم منه تكفير الناس أو إخراجهم من ربقة الإيمان…

كما وردت كلمة الجاهلية في بعض المواضع لدى الشهيد بمفهوم التخلف في الفكر والخلق والقيم وأساليب الحياة يقول:-

“ولابد أن نبادر فنبين أن التشريع لا ينحصر فقط في الأحكام القانونية كما هو المفهوم الضيق في الأذهان اليوم لكلمة التشريع – فالتصورات والمناهج والقيم والموازين والعادات والتقاليد.. كلها تشريع يخضع الأفراد لضغطه، وحين يصنع الناس –بعضهم لبعض- هذه الضغوط- ويخضع لها البعض الآخر منهم في مجتمع لا يكون هذا المجتمع متحررا، إنما مجتمع بعضه أرباب وبعضه عبيد –كما أسلفنا- وهو –من ثم مجتمع متخلف- أو بالمصطلح الإسلامى.. جاهلى”.

وإن للجاهلية مفاهيم متعددة ومعانى كثيرة، فما بال قوم يحملونها على معنى الكفر البواح دون سواه، إذ أن للكفر نفسه مفاهيم متعددة ومعانى كثيرة، فما بال قوم يصرون على أن تحمل على معنى الشرك وعبادة غير الله؟!

ثم يستطرد المؤلف يوسف العظم فيقول: “هذا هو الفهم السليم لفكر الشهيد، وهذه هي دعوة الإسلام التى دعاها –يرحمه الله- وما سوى ذلك فلغو وضيق أفق ومرض ولا يستقيم مع مفهوم الإسلام في الإصلاح ودعوته في بناء الأنفس والمجتمعات”.

وحول هذا الفهم يرد الأستاذ محمد قطب شقيق الشهيد سيد فيقول:-

“لقد سمعت الشهيد يردد أكثر من مرة قوله: نحن دعاة ولسنا قضاة إن مهمتنا ليست إصدار أحكام على الناس ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة لا إله إلا الله، لأن الناس لا يعرفون مقتضاها الحقيقي وهو التحاكم إلى شريعة الله.

فضلا عن أن الحكم على الناس يستلزم وجود قرينة قاطعة لا تقبل الشك، وهذا أمر ليس في أيدينا،  ولذلك فنحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس، فلسنا دولة وإنما نحن جماعة مهمتها الدعوة لتبيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم”.

ونحن في هذه النبذة عن الشهيد سيد قطب لا نستطيع الإفاضة في الرد على ما قيل عن خروج أفكاره عن مشكاة الشرع، فإن ما دعا الشانئون إلى هذا الخطأ هو تعريفه لمعنى التوحيد بأنه تصديق سلوكى وشعورى عما نطقه اللسان، فاستنتجوا أنه يعنى الحكم بالكفر على من كذب سلوكه قوله.. وهو أمر لم يرد في حسبانه بإطلاقه هكذا بهذه الصورة:

ويوجه الدكتور صلاح شادي بعض النقد لما جاء في كتاب المعالم فيقول :ولكن قد نجد أنفسنا في حاجة إلى الرد على مقولة الشهيد في دار الحرب ودار الإسلام، فيما أورده في كتاب المعالم حيث قال:-

“إن هناك دار واحدة هى دار الإسلام، تلك التى تقوم فيها الدولة المسلمة فتهيمن عليها شريعة الله، وتقام فيها حدوده، ويتولى المسلمون فيها بعضهم بعضا، وما عداها فهو دار حرب علاقة المسلم بها إما القتال وإما المهادنة على عهد وأمان ولكنها ليست دار إسلام. ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين”..

فقد لا يتسق هذا القول مع سابق ما قدمناه من شروح لأفكار الشهيد إلا إذا حملنا عبارته على أن الديار التى يعيش فيها المسلمون تبقى ديار مسلمين، وإن تكن ديار إسلام بالمصطلح الفقهى المعروف..

سيد قطب والمدرسة الاخوانية الجديدة بين المؤكدين والنافين

مع كل احتكاك سياسي بين جماعة الاخوان المسلمين في مصر والنظام السياسي المصري تثور اعلاميا قضايا الاتهامات المجانية التي تتهم فيها الجماعة بالارهاب والعنف والتكفير من طرف رموز العلمنية في مصر عبر وسائل الاعلام المختلفة التي تربط بين تصرفات الاخوان في مصر وبعض ممثليها في بعض البلدان الاسلامية او من كانوا بالامس من الاخوان المسلمين او يتعاملون معم، ويكون دائما فكر سيد قطب رحمه الله في قلب النقاش والحوار والاتهام، وتنشط قيادات الجماعة في حملات الرد الفكري بين نافي ومؤكد لافكار سيد قكب رحمه الله، وبعد الهجمة المركزة على كتابات سيد قطب وارتباطها بجماعة الاخوان المسلمون نستعرض هنا رايان بارزان في القضية الاول للدكتور محمد عبد الرحمان عضو مكتب الارشاد للاخوان في مصر (يحسب اعلاميا على مايسمى جماعة القطبية التي دخلت الاخوان سنة 1965) والدكتور ابراهيم الهضيبي حفيد المرشد الخامس للإخوان المسلمين مأمون الهضيبي

يقول محمد عبد الرحمن، وهو يدافع على سيد قطب ويبرؤه من تهم التكفير والعنف :ينبغي على مَن يحكم على كتابات الشهيد سيد قطب أن يستخدم الأسلوب العلمي المحايد، وأن يتجرد من أي انحياز نفسي يكون متأثرًا بموقفه من التيار الذي ينتمي إليه، أو متحاملاً على شخصه وذاته، أو شاعرًا بالغيرة منه.

إن أي كاتب إذا أردنا أن نحكم على آرائه أو نستوضحها لا يكتفي بمجرد قراءتنا وفهمنا لبعض ما كتب وإنما يكون هذا من خلال أسلوب علمي محدد يحقق مبدأ “التثبت والتبين”.

1. إما أن يكون بمناقشته فيما كتب واستيضاح ما يقصد.

2. وإذا كان غير موجود، فننظر إلى سلوكه وآرائه العملية، لنفهم في ضوئها مقاصده ومعتقداته.

3. وكذلك أن ننظر في كلماته كلها ولا نجتزأ منها سطورًا.

4. وإذا كان الكاتب قد سطَّر آراء ثم رجع عنها بعد ذلك وأعلن عدم رضائه، فلا ينبغي أن نحاسبه عليها بعد ذلك، مثلما فعل الشهيد عندما أعلن عن عدم رضائه عن كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” وأن به بعض الأخطاء وسيحاول إعادة كتابته، وكان هذا الكتاب في بداية توجهه الإسلامي وقبل التزامه بجماعة الإخوان المسلمين.

5. كذلك علينا ألا نحاسبه فيما فهمه بعض الناس عندما طالعوا كتاباته وإنما ماذا كان يقصد وما هو فهمه؟

فهل كان الشهيد يكفر الناس حكامًا ومحكومين؟ وهل كان يصف هذه المجتمعات بالجاهلية، أي بالكفر والخروج عن الدين؟ وهل كان ينتهج منهج العنف والانعزال؟ إننا إذا طبقنا المنهج العلمي في الدراسة والتقييم لوصلنا إلى نتيجة قطعية بالنفي لهذه الاتهامات.

لقد كان الخطأ في حقيقته عند هؤلاء الذين أرادوا أن يفهموا فهمًا معينًا ويحملوا باقي كلامه على هذا الفهم رغم أن حياته العملية وأقواله وكتاباته ومَن عاشوا بالقرب منه تقطع بابتعاده عن هذه المفاهيم.

أو نجد البعض يقفون عند بعض الألفاظ ذات الدلالة الأدبية ويجردونها عن سياقها ولا ينظرون إلى أن الكاتب كان أديبًا ولا يقصد المعنى الذي ذهبوا إليه مطلقًا.

كان مقصد سيد قطب بكلمات الجاهلية: القيم والمفاهيم، وليس الأشخاص أو الناس في المجتمع، لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر- رضي الله عنه- عندما أخطأ مرةً “إنك امرؤٌ فيك جاهلية”.

وما ذكره هو من لفظ الحاكمية وضحه في أماكن أخرى، حيث يقصد بها تأكيد المرجعية لشرع الله وضرورة تطبيقه، وما ذكره عن انتساب الناس للإسلام بحكم شهادة الميلاد هو كلام عام ذكره غيره من العلماء الذين سبقوه ولم يتهمهم أحد بادعاء التكفير.

كان رحمه الله يستخدم الكلمات البليغة الأدبية لتوضيح رأيه وللدفاع عن الإسلام، ولم يكن بصدد إصدار أحكام، فهذه لها أصول ولها أهلها من علماء الشريعة، ولم يدع هو ذلك في يومٍ من الأيام.

وحول حديثه عن الجهاد، لم يخرج عن قول علماء الأمة عن شرح نوعي الجهاد: “جهاد الدفع” و”جهاد الطلب” أي الغزو في سبيل الله ولم يدع أنه سيتكلم عن الأحكام الفقهية والشروط الشرعية المتعقلة بذلك وإنما كان يتحدث عن المبدأ والمفهوم.

ويواصل الدكتور محمد عبد الرحمان في توضيح بعض كلمات وآراء سيد قطب فيقول :

أ) ففي كتاب “المعالم” الذي اشتهر بأن فيه تلك الرؤية التكفيرية الانعزالية نجده في آخر صفحات الكتاب يتكلم عن الجاهلية والتعامل معها: “ليس لنا أن نجاري الجاهلية في شيء من تصوراتها، ولا في شيء من أوضاعها ولا في شيء من تقاليدها مهما يشتد ضغطها علينا، إن وظيفتنا الأولى هي إحلال التصورات الإسلامية والتقاليد الإسلامية في مكان هذه الجاهلية.

إن ضغط التصورات الاجتماعية السائدة، والتقاليد الاجتماعية الشائعة ضغط ساحق عنيف.. لا بد أن نثبت أولاً، ولا بد أن نستعلي ثانيًا، ولا بد أن نرى الجاهلية حقيقة الدرك الذي هي فيه بالقياس إلى الآفاق العليا المشرقة للحياة الإسلامية التي نريدها.

ولن يكون هذا بأن نجاري الجاهلية في بعض الخطوات، كما أنه لن يكون بأن نقاطعها الآن وننزوي عنها وننعزل، كلا.. إنما هي المخالطة مع التميز، والأخذ والعطاء مع الترفع، والصدع بالحق في مودة والاستعلاء بالإيمان في تواضع.. ” (كتاب معالم في الطريق صـ 176)

ب) ومن أقواله التي نقلت عنه:

“إن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة لا إله إلا الله؛ لأن الناس لا يعرفون مقتضاها الحقيقي وهو التحاكم إلى شريعة الله” (من كتاب أعلام الحركة الإسلامية لعبد الله العقيل صـ 652).

جـ) كان الشهيد يرفض فرض الإسلام من أعلى على الناس، أو يستخدم العنف والقوة داخل المجتمع، وإنما السبيل للالتزام بالإسلام وإقامة الحكم الإسلامي، هو إيقاظ القلوب وتفهيم الناس وبناء القناعات الصحيحة لديهم.

فيقول رحمه الله.. “ولا بد إذن أن تبدأ الحركات الإسلامية من القاعدة، وهي إحياء مدلول العقيدة الإسلامية في القلوب والعقول، وتربية مَن يقبل هذه الدعوة وهذه المفهومات الصحيحة تربية إسلامية صحيحة.. وعدم محاولة فرض النظام الإسلامي عن طريق الاستيلاء على الحكم قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات هي التي تطلب النظام الإسلامي لأنها عرفته على حقيقته وتريد أن تحكم به..” (جريدة المسلمون، من مقالة بعنوان لماذا أعدموني؟ ذكرت كلمات وكتابات له).

د) وها هو الشهيد يصف المجموعة التي تولى تربيتها عام 65، عندما تم اعتقاله تمهيدًا لإعدامه: “لقد اتفقنا على مبدأ عدم استخدام القوة لقلب نظام الحكم وفرض النظام الإسلامي من أعلى؛ لأن المطالبة بإقامة النظام الإسلامي وتحكيم شريعة الإسلام ليست هي نقطة البدء، وإنما هي نقل المجتمعات ذاتها إلى المفهومات الإسلامية الصحيحة، وتكوين قاعدة إن لم تشمل المجتمع كله، فعلى الأقل تشمل عناصر وقطاعات تملك التوجيه والتأثير في اتجاه المجتمع كله إلى الرغبة والعمل في إقامة النظام الإسلامي”. (كتاب شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر- المستشار سالم البهنساوى صـ 237، وكتاب العبقري العملاق سيد قطب صـ83 للأستاذ إبراهيم منير).

هـ) وعندما سُئل في التحقيق- وكانت إجاباته من منطلق أنها شهادة للتاريخ؛ حيث كان متأكدًا أنه سيصدر عليه الحكم بالإعدام، سأله المحقق: هل ترى أن هناك فرقًا بين المسلم المنتمى لجماعة الإخوان وغير المنتمى لتلك الجماعة؟

كانت إجابته المدونة في الأوراق:

“الذي يميز الإخوان أن لهم برنامجًا محددًا في تحقيق الإسلام فيكونون مقدمين في نظري على مَن ليس لهم برنامج محدد..”

ثم سأله المحقق:

س: فلم التمييز بين أفراد هذه الجماعة وبين المسلمين قاطبةً وهم جميعًا أصحاب عقيدة وأهداف وبرنامج؟

أجاب: التمييز- في رأيي- ليس تمييز شخص على شخص، ولكن فقط باعتبار أن الجماعة ذات برنامج، وأن كل فردٍ مرتبط بهذا البرنامج لتحقيق الإسلام عمليًّا، وهذا هو وجه التمييز في رأيي”.

فلم يكن رحمه الله حتى آخر يوم في حياته يعتقد أو يظن أن المسلمين أصبحوا داخلين في نطاق الكفر بل يثبت لهم الإسلام.

وأيضًا يتضح أن الشهيد لم يذهب مطلقًا في رؤيته أن ينتقي مجموعة من الأفراد ينعزل بهم عن المجتمع بحجة أنه جاهلي ليقوم بتربيتهم ثم القفز بهم على السلطة، فها هو يقرر بوضوح أن الطريق هو تربية أفراد المجتمع وتفهيمهم وإقناعهم القيم والتصورات الإسلامية وكيفية الالتزام الصحيح بها، وأن يشمل ذلك جيلاً بأكمله، فإن لم يكن المجتمع كله فعلى الأقل نسبة كبيرة فيه تصبح هي الغالبية وتملك التأثير فيه.

وقد كانت رؤيته لمجموعة الشباب في 65، أنهم خطوة على الطريق ضمن البداية التي يجب أن تستمر وتتسع لتشمل جيلاً بأكمله.

س) وفي تعريفه الجاهلية، وكما ذكر بالمعالم: “المجتمع الجاهلي: هو المجتمع الذي لا يُطبق فيه الإسلام ولا تحكمه عقيدته وتصوراته، وقيمه وموازينه وسلوكه ونظامه وشرائعه.. “في ظلال القرآن جـ 2 صـ37.

وفي موضع آخر يحدد قصده منها: “إنها تعلن العلمانية كمنهج في التشريع، وحتى الحياة كلها، وبعضها وضع القوانين من عند نفسه تخالف شرع الله، وقال عنها: هذا شرع الله” إ. هـ.

فهو هنا يشير إلى حكم عام وليس حكمًا على أشخاص أو مجتمع معين، كما أنه يقصد بكلامه من يقول للناس أن هذا شرع الله، وهو متأكد أنه ليس كذلك بل من عند نفسه. وما ذهب إليه الشهيد هنا، يتطابق مع ما قرره علماء المسلمين.

ص) ويظهر بوضوح أن أقوال الشهيد سيد قطب، عن الجاهلية، وعن الكفر لا تعني الأفراد، بل تتعلق بجاهلية السلوك والمناهج والقيم والتصورات، وبكفر التشريعات والأحكام المناقضة للإسلام. بل إنه في المسألة إثبات الإسلام يرى أن النطق باللسان بالشهادتين كافٍ لذلك.

يقول في الظلال في تفسير آية ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (النساء: الآية94): “يكتفى الإسلام هنا النطق بكلمة اللسان، فلا دليلَ يناقضها. “إ. هـ أي أنه يقول بإسلام مَن نطق بالشهادتين دون انتظار لامتحانه.

كما أنه في حديثه أحيانًا يتكلم عن جاهلية العقائد، وفي موضعٍ آخر عن جاهلية السلوك، وهناك فرق كبير بينهما.

ومن أقواله: “أنه فيما يختص بالفرد يكون الاحتكام إلى عقيدته وخلقه، وفيما يختص بالأمة الاحتكام إلى نظام حياتها كلها” إ. هـ.

والشهيد يقر ويعترف بإسلامية الأفراد في داخل مجتمعاتنا، أما الأنظمة التي توجه حياة الناس والعادات والسلوكيات والمفاهيم والأخلاق في المجتمع، فهي محل كلامه، وهي التي وردت النصوص الشرعية بوصفها بالجاهلية وبالنفاق وبنفي الإيمان الكامل أحيانًا عنها. “كتاب العبقري العملاق سيد قطب صـ 78 للأستاذ إبراهيم منير”.

ع) كان يرفض فكرة تجزئة القبول بالاحتكام للإسلام في جزئية، ورفضهم الاحتكام إليه في أجزاء أخرى من قضايا المجتمع، وهناك فرق فقهى واضح بين رفض مبدأ القبول بالاحتكام إليه وبين الضعف في التنفيذ مع وجود القبول والرضى.

كان رحمه الله ينادى بالرؤية الشمولية، ومن أقواله في ذلك: “والذين يصرخون اليوم طالبين منع المرأة من الانتخاب باسم الإسلام أو منعها من العمل باسم الاسلام، أو إطالة أكمامها وذيلها باسم الإسلام، ليسمحوا لي مع تقديري لبواعثهم النبيلة أن أقول لهم: إنهم يحيلون الإسلام هزأةً وسخريةً؛ لأنهم يحصرون المشكلة كلها في مثل هذه الجزئيات.

إن طاقتهم كلها يجب أن تنصرف إلى تطبيق النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية بأن يسيطر على نظام المجتمع وقوانين الدولة، وللتربية الإسلامية بأن تسيطر على المدرسة والبيت والحياة، يجب أن يأخذوا الإسلام جملةً وأن يدعوه يؤدي عمله في الحياة جملةً، فهذا هو الأليق لكرامة الإسلام، وكرامة دعاة الإسلام” (راجع كتاب العبقري العملاق صـ 67، للأستاذ إبراهيم منير).

شهادات مَن عاشوا مع سيد قطب والتقوا به من الاخوان :

(الشهادات التي وردت كانت من هؤلاء الأساتذة الكرام الذين عايشوه ولم تكن فردية بل تواترت عبر العديد من الأفراد، ولكن نذكر فقط أسماء من سمعنا منهم مباشرة):

أ) لقد حدثت مناقشات وأسئلة له من كثير من إخوانه عندما أشاع البعض أنه يكفر المجتمع ويصفه بالجاهلية.

حدث هذا ممن كانوا معه في قفص المحكمة أثناء التحقيقات، وفيمن التقى به داخل مستشفى السجن، بل إن قيادة الإخوان كلفت الأستاذ عمر التلمسانى عندما كان سيلتقى به لسؤاله المباشر عن ذلك وعاد وهو يحمل إجابة واضحة منه، بنفي الشهيد أنه يكفر أحدًا أو يقصد بجاهلية المجتمع تكفير الناس (شهادة أ. جمعة أمين).

ب) إن كتاباته قبل طباعتها كان يقرأها كبار الإخوان ومنهم الأستاذ الهضيبي وأقروا ما فيها ولم يجدوا فيها ما فهمه البعض واتهمه به (شهادة أ. جمعة أمين ود. محمود عزت).

جـ) لقد تواترت عشرات الشهادات ممن عاصروه وسألوه مباشرةً، فأكد رأيه الواضح وأنه لا يكفر أحدًا، بل وصف مَن فهموا ذلك- أي ما فهموه من تكفير المجتمعات- أنهم لم يفهموا وأساءوا الاستخدام فقال: لقد حُملت كتبي وآرائي على حمارٍ أعرج..” (شهادة د. محمد بديع، ود. محمود عزت).

هـ) شهادة الداعية زينب الغزالي، عندما سألته مباشرةً عام 1964م عندما زارها في منزلها عن إشاعة أنه يكفر الناس لأنهم لم يفهموا الإسلام، فاستغرب هذا القول، وبيَّن أن فهمهم هذا خاطئ لما كتبه، وأنه سيوضح هذا ويرد عليه في الجزء الثاني من “المعالم”. (حوار مجلة المجتمع الكويتية 1982م، صـ 85 كتاب العبقري العملاق).

ض) شهادة أ. عمر التلمساني في كتابه ذكريات لا مذكرات:

“.. وما أراد الشهيد الأستاذ سيد قطب في يومٍ من الأيام أن يكفِّر مسلمًا”، “.. إن كثرة ترداده “للمتجتمع الجاهلي” لم يقصد بها تكفير المجتمع، ولكن تشديد النكير على الظلمة والطغاة والمستغلين والمشككين، وهو أسلوب تعرفه اللغة العربية..”.

“والذين يعرفون الشهيد سيد قطب ودماثة خلقه وجمّ أدبه، وتواضعه ورقة مشاعره، يعرفون أنه لا يكفر أحدًا..”

“.. هذا موجز مقتضب للمبادئ التي قام عليها كتاب معالم في الطريق وقد كان لي شرف الاطلاع عليه قبل طبعه ونحن في مستشفى ليمان طرة” إ. هـ (وراجع أيضًا كتاب العبقري العملاق).

ط) شهادة الأستاذ سيد نزيلي (من قيادات الإخوان في 65):

“أنه- يقصد الشهيد سيد قطب- لم يتهم عامة المسلمين بالكفر، وكان يصلي خلف الإمام العادي، وكان يأكل ذبائح المسلمين، ويؤثر عنه في سجنه أن سُئل: “هل أنت تُكفِّر عامة المسلمين؟” فقال: كيف أكفر عامة المسلمين وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وحب الدين متغلغل في وجدانهم وقلوبهم..”، ثم نادى على سجينٍ من أرباب الإجرام والمعروفين بالشراسة وسوء الخلق، وقال له: يا فلان إذا قابلك رجل ولعن دينك ماذا يكون موقفك؟ فقال هذا السجين: أقتله، فاستشهد سيد قطب بذلك في أن للإسلام قدسيةً واحترامًا في نفوس حتى الذين يُخيل إلينا أنهم أبعد ما يكونون عن الإسلام بأعمالهم..” أ. هـ.

ويقول أيضًا الأستاذ سيد نزيلي: “.. نحن الجيل الذي تربَّى على فكر سيد قطب لم نلحظ هذه الدعاوى التي تتهمه بالتكفير، وهو لم يطلب منا ذلك في الكتابات التي كان يرسل بها إلينا ويربينا عليها نحن جيل 65، نحن كنا نعيش بإسلامنا بين أهلينا ومجتمعنا ولم يخطر على بالنا أننا متميزون بأي شيء عن غيرنا من المسلمين”.

ويقول: “وسيد قطب لم تكن كتاباته لانعزال هذه الفئة، بل كان يطلب من الشباب أن يندمجوا مع المجتمع حتى يغيروا هذا المجتمع”. إ. هـ.

“.. وقد انتهيت بعد لقائي بإخواني واستجلاء حقائق الأمور إلى: أننا لم نكفر مسلمًا ولم نعلم من الأستاذ سيد قطب أنه يأمرنا بالتكفير أو الانعزال عن المجتمع أو المفاصلة الشعورية التي يفهمها البعض خطأ بمعنى الانعزال”. إ.هـ ( صـ78، 88، 89 من كتاب البعقري العملاق).

ظ) شهادة العالم الجليل الشيخ محمد عبد الله الخطيب، حيث ذكر أنه زار الأستاذ سيدًا في الفترة القصيرة التي خرج فيها من السجن عام 1964م، وأنه زاره في بيته يوم جمعة، فوجده عائدًا من صلاة الجمعة مصليًا وراء إمام المسجد، وحكى لي أحد الإخوان أنه رأى الأستاذ سيدًا يصلى خلف أحد المسجونين الجنائيين في فترة محبسه”. اهـ.

فهل يعقل أن الأستاذ يحكم بالكفر على عموم الأفراد والمجتمعات ثم يصلى وراءهم؟ (صـ 94 من كتاب العبقري العملاق).

ك) شهادة الأستاذ إبراهيم منير، والأستاذ أحمد كنزي (من شعبة عابدين بالقاهرة)؛ حيث إنهما وهما في السجن عام 1963م وصل إليهم من بعض الإخوان أن الأستاذ سيد يقوم بوضع كتاب عليه اتفاق من الجماعة هو (معالم في الطريق) وأن على الإخوان جميعًا خارج السجون قراءته.. وعندما اشتد المرض على الشهيد سيد قطب تم نقله إلى مستشفى قصر العيني، فتحايلنا على زيارته كل يوم جمعة- أسبوعيًّا تقريبًا- لنسمع منه ونستفسر، ولم نسمع منه على الإطلاق أنه يعنى بالجاهلية تكفير الناس، ولم نسمع منه قولاً بكفر الحكام، ولم نسمع منه أن العزلة الشعورية عن الناس تعني مقاطعتهم والعيش في الكهوف والجبال وتجنب العمل في وظائف المجتمع، ولكنه كان يركز على إحياء معانى الإيمان في قلوب الأمة، ويعنى بالجاهلية جاهلية السلوك وليست جاهلية الاعتقاد.. وهذه شهادة بما علمت ألقى بها الله عز وجل: أنى لم أسمع منه خلاف ما قلت. اهـ. (صـ7 كتاب العبقري العملاق للأستاذ إبراهيم منير)

ويقول أيضًا الأستاذ إبراهيم منير:

“صرح الشهيد أكثر من مرة وفي أكثر من موضع أن من رغب في معرفة.. إننا دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم”. (صـ 81 العبقري العملاق).

ع) بل إن شقيقه الأستاذ محمد قطب يؤكد أنه سمعه أكثر من مرة يقول: “.. نحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس، فضلاً عن كوننا دعوة ولسنا دولة، دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم”. (صـ80 كتاب العبقري العملاق)

ل) أشاعوا عنه أنه يدعو إلى المرحلية في الأخذ بالأحكام الشرعية، وأننا في المرحلة المكية، فنأخذ حكمها الشرعي من حيث وجوب الهجرة وعدم إلزامية الأحكام التي وردت بعد ذلك.. إلخ وهذا لم يذهب إليه الشهيد من قريب أو بعيد، فهو لم يكن يتكلم عن المرحلية في الأحكام الشرعية، وعندما سُئل: هل نحن في المجتمع المكي أم المجتمع المدني؟ أجاب: “نحن في سنة كذا وقد كمل الإسلام ولن ينقص. اهـ.

وأما حديثه عن المرحلية فكان متعلقًا بالحركة الجهادية ووسائل الدعوة. (من شهادة أ. صبرى عرفة أحد قيادات 65)

وقد يسأل البعض: هل نحن بحاجة إلى مثل كتابات الشهيد سيد قطب في هذه المرحلة الآن؟ الإجابة القاطعة تكون بنعم؛ حيث ما زالت الأمة تواجه حملة شرسة ضد قيم الإسلام، وتواجه محاولات من قوى عالمية للسيطرة عليها واحتوائها، وفي ظل عولمة الإعلام ووصوله بكل الأفكار والشبهات إلى الجميع تقريبًا يصبح التحصين ضدها والقوة في الدفاع عن قيم وأحكام الإسلام والتميز بها أمرًا لازمًا، وهو ما تقدمه كتابات الشهيد وغيره من العلماء المجاهدين، وبالتالي يجب الاستفادة من كتابات الشهيد في ظل الضوابط التي أشرنا إليها.

هل تولى سيد قطب القيادة والتوجيه لمجموعة 1965 ؟

هل كان قيام سيد قطب رحمه الله بالإشراف على تربية وتنظيم وتوجيه شباب الدعوة في 1965م يعتبر خطأً حركيًّا وخارجًا عن سياسة الجماعة، أو سبب ضرر لها وانتكاسة؟

إن من يقول هذا الكلام لم يفهم دعوة الإخوان، ولم يعرف قواعد الإسلام ومبادئه، فمقياس الخطأ والصواب أو الضرر والفائدة لا يكون بالهوى الشخصي، وإنما بالرجوع لأحكام الشرع ومبادئ الدعوة إلى الله.

إن العمل والدعوة للإسلام في مناخ مناوئ له فريضة لازمة، وسيكون له تضحيات كالقابض على الجمر، وإن هذا هو واجب الدعاة وورثة الأنبياء مهما لاقوا من أذى.

فما قام به الشهيد ومن معه من شباب هو أداءٌ لواجب الدعوة وللأهداف التي آمنوا بها وبايعوا عليها.

إن قبوله قيادة الشباب في هذه الفترة وهو حديث الخروج من السجن يعاني من سوء الحالة الصحية وضيق المورد المالي، وذلك كي يربيهم على الإسلام، ويبعد بهم عن طريق العنف والانتقام، وقد أفادوا جميعًا بذلك، كان هذا يمثل قمة الثبات والتضحية وكسرًا لحاجز الخوف.

كما أن حركتهم هذه، وإن لم تشمل جميع الإخوان، حيث كانت في بدايتها؛ إلا أنها كانت في إطار المؤسسية، وتحت علم قيادة الجماعة وموافقتها، وما شهادة بعض أفراد الجماعة بعكس ذلك، إما لعدم علمه أو لخلطه في الأمر بين منع القيادة أية تجمعات للشباب تنتهج منهج العنف أو تسعى لرفع السلاح، وبين تأييدها للقيام بالتربية وحمل الدعوة.

كما أن قيام هذه الفئة المؤمنة وإقدامها على الحركة بالدعوة والتجميع والتربية وأمامهم مناخ السجون والاعتقالات والتعذيب من نظام طاغٍ لا يعرف قانونًا؛ كان في ذاته يشكل انتصارًا معنويًّا للإيمان والعقيدة التي ارتفعت وتسامت فوق كل ذلك، وتجاوزت الخوف مما سيحدث لها من بطش.

كما أن هذه الحركة المباركة لشباب 65 كانت ردًّا عمليًّا على بطش النظام، وأنه لم يستطع أن يُخضع الجماعة أو يُرعب أبناءها أو يوقف مسار دعوتها، وكانت صوتًا معارضًا قويًّا لهذا النظام في حين سكت الجميع وخضعوا له مما أحرق كبد النظام غيظًا، فكان بحق مفخرة في تاريخ دعوة الإخوان المسلمين، ونذكر عندما ذهب أحد الإخوان للأستاذ الهضيبي وقتها يشتكي من حركة هؤلاء الشباب بالدعوة والتجمع قال له: أو ليس قعودك عن الدعوة والعمل لها إضرارًا لها؟ (من شهادة الدكتور محمد بديع).

هل القطبية مدرسة جديدة مخالفة لفكر البنا؟

ولمواصلة النقاش والحوار حول الفكر الذي دعا اليه الشهيد سيد قطب وفكر الاخوان نستعرض هنا رد حفيد المرشد الخامس للاخوان المسلمين مامون الهضيبي ابراهيم الهضيبي في رده على دفاع محمد عبد الرحمان عضور مكتب الارشاد فيقول بالتصرف وهو رد تحت عنوان ( الفرق بين حسن البنا وسيد قطب كالفرق بين السلم والحرب): يبدو أن الحديث حول أفكار الأستاذ سيد قطب وعلاقتها بجماعة الإخوان مسألة معقدة وستزداد تعقيدا لأسباب أهمها أن موقف أغلب القيادات التنظيمية، التى جرى انتخابها منه موقف ملتبس، فهم من جهة يخالفون ما يذهب إليه المفكرون من أهل الاختصاص من كونه مختلفا فى منهجه وأفكاره عن الأستاذ البنا، من جهة أخرى يرفضون أن يوصموا بالقطبية ومع ذلك يدافعون عن أفكاره، ومن جهة ثالثة تتميز الكثير من كتاباتهم وتصريحاتهم عن الأستاذ قطب بالارتباك المنهجى.

وأتصور أن سبب صك مصطلح القطبية هو قدرته التفسيرية العالية، وتفصيل ذلك أن الألفاظ إنما هى قوالب للمعانى، الهدف منها نقل الأفكار من ذهن المتحدث إلى ذهن السامع، ومن البديهى أن الأستاذ قطب يتفق مع الأستاذ البنا فى بعض الأفكار، وأن تلك الأفكار ليست هى ما يميز فكره بحيث تستحق النسبة إليه، بل كانت الرؤية المتكاملة، التى دارت حولها فكرته هى أهم ما ميزه إخوانيا، وهى التى يتناولها المصطلح الذى نحن بصدده.

والاختلاف الرئيسى بين مشروعى الأستاذين البنا وقطب يتمركز حول نقاط محددة، أولها الموقف من المجتمع، فالأول صاحب مشروع اندماج، والثانى صاحب مشروع انفصال شعوري لا يشعر بالانتماء للمجتمع، وغاية البقاء الجسدي فيه هى استقطاب أفراده للتنظيم، ويظهر عدم الانتماء للمجتمع فى الرفض الكامل لمفاهيم كالقومية والوطنية، واعتبارها من مظاهر «الشرك الخفية: الشرك بالأرض والشرك بالجنس والشرك بالقوم» لأنه «لا جنسية للمسلم إلا عقيدته» لأن الإسلام لا يعترف إلا بآصرة «العقيدة الإسلامية وحدها دون أواصر الجنس والأرض واللغة واللون والمصالح الأرضية القريبة والحدود الإقليمية السخيفة»، كما يقول فى المعالم.

ولا شك فى اختلاف هذا عن مشروع الأستاذ البنا، الذى مدح ــ فى رسالة دعوتنا ــ فى معانى الوطنية «حب الأرض وألفتها والحنين إليها والانعطاف نحوها»، وكونها دافعة للعمل «بكل جهد لتحرير البلد من الغاصبين وتوفير استقلاله وغرس مبادئ العزة والحرية فى نفوس أبنائه»، وكذلك «تقوية العلاقات بين أبناء القطر الواحد»، ولم يرفض منها إلا «تقسيم الأمة إلى طوائف تتناحر وتتضاغن وتتراشق بالسباب وتترامى بالتهم»، وقال مثل ذلك فى القومية، ولا شك أن الفرق واضح، فيمكن التعبير عن مشروع الأستاذ قطب بأنه مشروع الانتماء الأوحد، ومشروع الأستاذ البنا بأنه مشروع توازن دوائر الانتماء.

ومشروع الأستاذ البنا هو مشروع انفتاح على المجتمع وتواضع يعرف أن الجماعة لا تمثل الإسلام، وإنما هى جماعة بشرية قابلة للخطأ، وهى لذلك لا ترى بأسا فى أن «يتقدم إلينا من وصلته هذه الدعوة.. برأيه فى غايتنا ووسيلتنا وخطواتنا فنأخذ الصالح من رأيه»، مؤمنة بأن «مع كل قوم علما، وفى كل دعوة حقّا وباطلا»، أما مشروع الأستاذ قطب فهو مشروع استعلاء على المجتمع اقتناعا بضلاله البين والحق المطلق للجماعة (من حيث إنها الفئة المؤمنة بين أناس جاهلين)، مما يوجب أن»نستعلى على هذا المجتمع الجاهلى وقيمه وتصوراته.. إننا وإياه فى مفترق طريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق».

ومشروع الأستاذ قطب يهمش الإبداع والفكر، فهو يؤجل كل قضية فكرية مقابل سؤال أساسى هو عنده القضية كلها: أأنت مع الفئة المؤمنة أم ضدها؟ ويرى تأجيل طرح كل قضية فكرية لما بعد «إقامة مملكة الله فى أرضه»، ويعتبر الدخول فى القضايا الفكرية والرد على تساؤلات العامة وتقديم مشروع إسلامى متكامل من علامات الضعف والهزيمة النفسية.

والأستاذ البنا قدم فى رسائله الحلول الواقعية الإجرائية، والاسترايجية الفكرية للمشكلات التى رآها، وقدم عرضا كاملا لمشروعه وموقفه من القضايا والمفاهيم المختلفة، والفرق هنا هو الفرق بين مشروع ثورى لم يأخذ من العنف إلا موقفا مؤقتا، بمعنى أنه كان يرى أن الوقت غير مناسب لاستخدامه؛ «فلا ضرورة فى هذه المرحلة لاستخدام القوة»، وبين مشروع إصلاحى يؤمن بالنضال الدستورى.

وبهذا يتضح أن التمايز بين المشروعين واضح بحيث أن القطبى (أى المتبنى لأفكار الأستاذ قطب) له اتجاه فكرى متمايز، وهذا الاختلاف بين المشروعين كان يدركه الأستاذ قطب، فقد حدثنى الأستاذ فهمى هويدى أنه حينما ظن الإخوان أن الأستاذ قطب يقصدهم بقوله «إلى الفتية الذين أراهم فى خيالى قادمين» فى مقدمة أحد كتبه، علق هو على ذلك بأن قال للأستاذ هويدى إن الإخوان أساءوا فهم مقصده، وإنه يقصد فتية غيرهم.

كما أن عددا من قيادات الإخوان أدركوا هذا الفارق، فقد حدثنى جدى المستشار المأمون الهضيبى حين سألته عن كتاب المعالم قال: «المعالم لا يمثلنا فى شىء وأفكار الأستاذ سيد لا تمثلنا فى شىء».

وحدثنى الدكتور فريد عبدالخالق ــ الذى زرته لأتحقق من شهادته فأملانى وكتبت فى حضوره وأقر ما كتبت ــ عن الخلاف بين المنهجين قال إنهما «يتفقان ويختلفان، فهما يتفقان فى الانطلاق من الإسلام والرغبة فى الإصلاح، ويختلفان فى التصورات الرئيسية، وفى فهم النصوص ومقاصدها.. ومنهج البنا يبحث عن مربعات مشتركة للتعاون الإنسانى لتحقيق الأهداف العليا.. أما منهج سيد قطب فيرفض الواقع وينعزل عنه ويراه واقعا جاهليا يمنع من عبادة الله.. وأنا أتفق مع المستشار البشرى فى أن منهج الأستاذ قطب يختلف كثيرا عن منهج الأستاذ البنا».

وأتصور أن من يستخدم تعبير القطبية فإنما يفعل ذلك لما يراه من تأثير لهذه الأفكار على توجهات التنظيم، وهو اعتقاد مبنى على آراء ومواقف هذه القيادات، والتى تظهر فى كتاباتهم وتصريحاتهم.

وأتصور أن الدكتور عبد الرحمن محمد يقع فى عدد من الأخطاء المنهجية التى تؤثر سلبا على مصداقية المقال، ومن ذلك ادعاؤه أن المستشار طارق البشرى يرى أن الأستاذ قطب على منهج الأستاذ البنا ولكنه «كالمدفعية الثقيلة التى ترد على الهجمة من خندق الدفاع والثبات»، والمقال الذى يستند إليه الكاتب فيه نصوص صريحة لأستاذنا المستشار يقول فيها إن الأستاذ قطب «اعتبر دعوته إنما تقوم لإنشاء الدين إنشاء، أى إنها دعوة لاعتناق عقيدة الإسلام، حتى لو كانت بين قوم يدعون أنهم مسلمون، » وأنه «لا صعوبة فى بيان وجوه المغالاة فى هذا الفكر الذى يحصر المسلمين فى نطاق طليعة محدودة»، ويخلص إلى أن «سيد قطب صاحب فكر يختلف كثيرا عن فكر حسن البنا»، إذ إن «فكر البنا يزرع أرضا وينثر حبا ويسقى شجرا وينتشر مع الشمس والهواء، وفكر قطب يحفر خندقا ويبنى قلاعا ممتنعة عالية الأسوار، والفرق بينهما هو الفرق بين السلم والحرب»، وهى كلمات كافية فى التدليل على موقف المستشار.

ومن المشكلات المنهجية أن الكاتب أراد نفى تهمة التكفير عن كلام الأستاذ قطب، فقام فى سبيل ذلك بخطأين فى الاستدلال، أولهما تجاهل نصوص صريحة الدلالة كتلك التى يقول فيها «ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأوثان.. البشرية عادت إلى الوثنية وارتدت عن لا إله إلا الله.. البشرية بجملتها» (فى ظلال القرآن، الجزء الثانى صفحة 1057)، وكقوله فى الظلال أيضا (الجزء الثانى صفحة 888): «إن المسألة فى هذا كله مسألة إيمان أو كفر، أو إسلام أو جاهلية» فجعل الجاهلية مرادف الكفر كما الإيمان مرادف الإسلام، وترد هذه الجملة أكثر من خمس مرات فى صفحتين من الظلال، وعشرات العبارات المشابهة فى الكتاب بمجلداته.

وكقوله فى الظلال أيضا «وهناك الشرك الواضح الظاهر، وهو الدينونة لغير الله فى شأن من شؤون الحياة.. كاتخاذ أعياد ومواسم يشرعها الناس ولم يشرعها الله، والدينونة فى زى من الأزياء يخالف ما أمر الله به من الستر ويكشف أو يحدد العورات، التى نصت شريعة الله أن تستر» (الجزء الرابع صفحة 2033)، فلم يفرق فى ذلك بين المعصية والشرك، وهو ما يخالف منهج أهل السنة والجماعة كما يقول العلامة القرضاوى، وما أكده الدكتور عبدالخالق قال: «الأستاذ قطب كان لا يفرق بين المعصية والكفر».

وأما الجهة الأخرى لفساد الاستدلال فهى القول بأن آلاف الإخوان «قرأوا هذه الكتابات ولم يفهموا منها هذا الفهم»، وهو ادعاء يفترض أن عقول المتلقين كانت صفحات بيضاء، وهو باطل، إذ قرأ بعض هؤلاء الأصول العشرين و(دعاة لا قضاة)، الذى هو نقض لأفكار الأستاذ قطب. أما من قرأ للأستاذ قطب من غير وجود إطار فكرى مغاير فقد اتجه للتكفير وخرجت منهم جماعات العنف، وليس الأستاذ قطب هو المسئول عن جرائم تلك الجماعات، إذ إن الضغوط الاجتماعية والسياسية كانت الدافع الرئيسى للتطرف، ولكن كتاباته ساعدت فى إيجاد مبررات شرعية للعنف فى نظر من أقدموا عليه.

بل إن محاولة تأويل كلام الأستاذ قطب عن الجاهلية تتنافى مع ما فهمه منه بعض تلامذته من الإخوان، فالأستاذ محمد الصروى يقول فى كتابه (الإخوان المسلمون وتنظيم 65: الزلزال والصحوة) «حرص سيد قطب على وضع كثير من النقط فوق الحروف.. واختار لهم مفردات لغة لعلها من وجهة نظره المناسبة لساحة القتال (مثل الجاهلية دار الحرب وغيرها كثير)».

وقوله إن حركة تنظيم 65 «كانت فى إطار المؤسسية وتحت علم قيادة الجماعة وموافقتها، وما شهادة بعض أفراد الجماعة بعكس ذلك، إما لعدم علمه أو لخلطه فى الأمر» ترده شهادة الدكتور عبدالخالق مسئول القاهرة الكبرى فى حينه وهمزة الوصل بين التنظيم ومرشده الذى كان قيد الإقامة الجبرية، الذى حدثنى فقال:«قبل أحداث وسجن سنة 1965 بفترة علمت أن هناك من يفكر فى القيام بموقف عدوانى ضد النظام.. فقابلت عبدالفتاح اسماعيل وسألته عن حقيقة ما علمته من وجود حركة بقيادة عبدالعزيز العلى (مسئول المجموعة قبل الأستاذ قطب) فأكد أنهم يتدارسون القرآن فقط، فطلبت منه أن يصارحنى بالحقيقة فأكد على ما قال، فقلت إن الإخوان غير موافقين على العنف.. وذهبت بعد ذلك لمقابلة العلى فى منزل الحاجة زينب الغزالى وجلست ساعة أحاججه وأقدم له منطق الإخوان الرافض للعنف، فاستأذن فى أن يرجع إلى المجموعة قبل التراجع عن فكرة العمل المسلح، وذهبت للأستاذ الهضيبى لأنهم قالوا لى إن ذلك يتم بموافقته، فقال: الإذن كان للعمل السلمى، وكلفنى بإيقاف العملية.. ولما شعرت المجموعة بتذبذب موقف العلى بعد لقائى معه استبدلوه بالأستاذ قطب، فذهبت لمقابلته فى منزله فى حلوان وكان عنده مجموعة من الشباب المتحمس حدثنى عن استعدادهم للتضحية، فطلبت الجلوس إليه منفردا وتحدثت إليه كالكلام الذى قلته للعلى، وأكدت أن هذا المنهج لا يرتضيه الأستاذ البنا الذى أدان اغتيال النقراشى والخازندار.. وعندما صدرت أحكام 1965 وكان من بين من صدرت بحقهم أحكام الإعدام عبدالفتاح إسماعيل، وكنا ذات صباح فى السجن فى طوابير الإفطار.. فوقف إسماعيل بجانبى وقال: جئت لأسألك أن تسامحنى، فقد كذبنا عليك، قال ذلك وكانت الدموع فى عينيه، فقلت له ربنا يسامحنا جميعا يا عبدالفتاح»، وهى شهادة تثبت ضلوع هذا التنظيم فى تخطيط عمليات مسلحة بغير موافقة القيادة.

ويواصل الاستاذ ابراهيم هضيبي رده بالقول: “وفى ظنى فإن هذا المقال كغيره من المقالات التى تدافع عن الأستاذ قطب قد أساءت إليه من حيث ظنت الإحسان، إذ جعلت الأستاذ وأفكاره شيئا واحدا فأغفلت أن انتقاد أفكاره لا تعنى الانتقاص من قدره، فالقاصى والدانى يعرف الظروف التى كتب فيها المعالم والظلال، ويعرف أنه كان ــ كما يقول الكاتب ــ «رجاعا، إذا راجعه أحد أو ناقشه»، وكان شجاعا فى الدفاع عما يؤمن به، وبالتالى فلم يكن من المستبعد أن يراجع هو ما ذهب إليه من آراء إذا تبين خطؤها.

ولكن بعض من جاءوا بعده تأثروا بسيرته البطولية التى تبعث على الإعجاب والإكبار، فأعماهم ذلك الإعجاب (مع بلاغة ورقى المستوى الأدبى فى كتابته) عن رؤية ما فى أفكاره من خلل، فتعصبوا لها ودافعوا عنها غير عابئين باختزالها للواقع، ومخالفتها للشرع كما يقول أهل الاختصاص، وقصورها عن تقديم رؤية فكرية تعالج مشكلات الواقع وتتقدم به تجاه الإصلاح والمقاصد، وضررها على الأمة لما سببته من تناحر”.

لقد افترض هؤلاء أن فى انتقاد أفكار الأستاذ قطب إساءة له، والحقيقة أنه بعيد عنها، وأن من ينتقد يدرك أن الأستاذ قطب إنما كتب ما اعتقد صوابه، غير عابئ بما تجره عليه هذه الكتابة من مشكلات، وأن الإساءة هى بالتعصب لتلك الأفكار، وهى الإساءة التى تنبه إليها الأستاذ قطب حين قال فى الاقتباس، الذى ينقله الدكتور عبدالرحمن «لقد حملت كتبى وأفكارى على حمار أعرج»، وهو ما عبر عنه الدكتور عبدالخالق فى حديثه عن تنظيم 65، وعما سماه «مدرسة النظام الخاص» (وهى فى تعريفه مدرسة فكرية ممتدة فى الجماعة إلى اليوم) قال: «إن هؤلاء قدموا وبذلوا، ولا يسىء إليهم فى شىء أن يكونوا قد أخطأوا، فلا على المرء إن أخطأ ورجع، فكلنا يخطئ ويصيب، فنسأل الله أن يغفر لنا ولهم، ونرجو أن تنتقل الدعوة لحالة علنية».نقلا عن صحيفة “الشروق” القاهرية.

وبعد هذا العرض يبدو ان الثابت في كل ما يعرض من طروحات أن السجون المصرية تسببت بحراك فكري عميق بين السجناء نتج عنه مواقف وأطروحات وتمايزات في صفوفهم لجهة ما طرحه البنا. فالقسم الأول، كسيد قطب، عمق من الأطروحة لدرجة أنه حولها من مصطلحها السياسي والاجتماعي إلى المصطلح العقدي، وحتى إلى مصطلحات حركية تحدد آليات العمل بدقة. وقسم ثاني ذهب أبعد مما ذهب إليه قطب كعبد الفتاح إسماعيل وشقيقه علي وشكري مصطفى الذي أسس لاحقا «جماعة المسلمين» التي اشتهرت إعلاميا بجماعة «التكفير والهجرة». أما القسم الثالث من الإخوان فقد التزم الأطروحة التقليدية للجماعة مبتعدا حتى عن أطروحات البنا ناهيك عن أطروحات سيد قطب وشكري مصطفى رغم أن الإخوان ظلوا على تماس عميق مع أطروحات سيد قطب ولو على المستوى الفردي.

هذه المحن التي تعرضت لها الجماعة أفقدتها خيرة علمائها ومفكريها، ودفعت بمن تبقى منها إلى حظيرة الفلسفة الإصلاحية من جديد. والغريب في التقسيمات الثلاثة أنها جميعا تعرضت لمحنة السجون وصنوف التعذيب التي تشتهر بها الشرطة المصرية. وبدلا من أن تحافظ الجماعة على تقدم أطروحاتها تمايزت صفوفها فأعدم « قضاة» الجماعة وتراجع « دعاتها » إلى المجهول بعد وفاة عبد الناصر وتولي الرئيس محمد أنور السادات للسلطة حيث عمد إلى الإفراج عن كافة المعتقلين الإسلاميين كخطوة لمواجهة القوى العلمانية وتركة سلفه.

ومن هؤلاء خرجت من السجون أطروحة « دعاة لا قضاة» للمستشار حسن الهضيبي كتعبير عما يفاخر به الإخوان الآن بأنهم أول من أجرى المراجعات في الجماعة.

وهكذا، ففي الوقت الذي تفرغت فيه الجماعة في مصر لإعادة ترميم نفسها مفضلة الأمن والسلامة العامة على التصادم، كانت « تنظيمات الغضب الإسلامي في مصر السبعينات» مثل التكفير والهجرة والجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد وتنظيم الكلية الفنية العسكرية تشق طريقها بسرعة قياسية مشكلة أخطر تحد للجماعة.

القرضاوي يتحدث عن الفرق بين فكر الشهيدين حسن البنا وسيد قطب

فجر الدكتور يوسف القرضاوي في مذكراته ابن القرية، قنبلة من العيار الثقيل حين راح يقارن بين فكر الامام حسن البنا وفكر سيد قطب، وزاد في فتيل القنبلة حوار له أجراه معه الإعلامي المصري ضياء رشوان، لتنهال عليه كالعادة سيول من الاتهامات وردود الفعل التي تتحدث عن اختيار التوقيت والكلمات ومجانبة الصواب والنصائح العاطفية، لتعيد النقاش من جديد حول فكر سيد قطب والجديد الذي جاء به، ولتعميق هذا النقاش نورد هنا في هذه الدراسة المقارنة التي فجرها الشيخ يوسف القرضاوي وهو من المنظرين الرئيسيين لفكر الاخوان المسلمين كيف لا وهو من دعا الى تجديد فكر الامام حسن البنا (في كتابه 78 سنة من مسيرة الإخوان المسلمين) سيما في قضايا حسمتها رسائل الامام البنا بالغلق كالحزبية والتعددية واستخدام القوة.

وقد قال الشيخ يوسف القرضاوي الداعية والفقيه الإسلامي إن الأفكار التكفيرية التي انتهى إليها المفكر الإسلامي سيد قطب في كتاباته ليست على منهج أهل السنة والجماعة الذي ارتآه جمهور الأمة، محملا قطب المسئولية عن أفكاره وليس الإخوان، ومؤكدا أن هذه الأفكار التكفيرية لا توافق فكر الإخوان المسلمين، لأن فكر الإخوان ليس فيه تكفير، حسبما تحدث.

جاءت هذه الشهادة للقرضاوي عن سيد قطب في حوار مع ضياء رشوان، الباحث في شئون الحركات الإسلامية، في برنامجه “منابر ومدافع” لتفتح الباب مجددا للنقاش حول الفكر التكفيري عند قطب وعلاقته بجماعة الإخوان المسلمين، وتصنيف قطب وانتمائه وهل هو إخواني أم سلفي أم جهادي؟

وقال القرضاوي في الحديث الذي بثته القناة مساء الجمعة 8 يوليو 2009 إن سيد قطب انتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين في بداية الخمسينيات من القرن العشرين، وإن انضمامه للإخوان جاء بناء على رغبته واقتناعه بالجماعة، مشيرا إلى أن التغير في أفكار قطب من الاعتدال إلى التكفير ظهر في كتاباته المتأخرة، خاصة تفسيره الشهير “في ظلال القرآن” وكتابه “معالم في الطريق”، ومؤكدا أن هذا التغيير يظهر بصورة واضحة عند المقارنة بين الطبعة الأولى من الظلال والثانية، حيث بدأ يتحدث في الثانية عن “الحاكمية” و”الجاهلية”.

وأكد القرضاوي أن ما كتبه قطب من أفكار خلال المرحلة الأخيرة من حياته يؤكد “خروجه عن أهل السنة والجماعة بوجه ما، فأهل السنة والجماعة يقتصدون في عملية التكفير حتى مع الخوارج”، قائلا إن أهل السنة لا يكفرون إلا “بقواطع تدل على أن الإنسان مرق من الدين الإسلامي تماما”.

وأضاف: “أعتقد أن الأستاذ قطب في هذا الأمر بعد عن الصراط السوي لأهل السنة والجماعة”، مرجعا هذا البعد إلى عدة أسباب أهمها أن هذه الكتابات كتبت في السجن، فقد كان يرى أن الدولة من خلال تمكينها للشيوعيين بعدت عن الإسلام.

وعلى الرغم من هذا الخروج عن أهل السنة والجماعة يرى القرضاوي أن قطب لو قدر له أن يعيش ويخرج من السجن ويناقش الناس في أفكاره لكان تراجع عن الكثير منها كما تراجع أخوه محمد قطب الذي تخلى عن فكرة التكفير العام للمسلمين (أعدم في 29 أغسطس 1966 بأمر من الرئيس جمال عبد الناصر).

وبعد هذا التصريح وردود الفعل حوله بين مؤيد ومخالف نعيد نشر ماقاله الشيخ القرضاوي في مذكراته ابن القرية “ويحلو لبعض الإخوة أن يعقدوا مقارنة بين حسن البنا وسيد قطب محاولين أن يثبتوا أنهما كانا على خط واحد، ونهج واحد، وأن سيدا لم يتجاوز خط البنا ورحم الله الرجلين.

وأنا أقول: إن سيدا أشاد بالبنا في كتاباته القديمة التي جمعها في كتاب (دراسات إسلامية) فكتب عن حسن البنا وعبقرية البناء. ولكنه لم يتحدث -فيما علمت- عن فكر البنا ومقاصده، ولم ينقل عنه في كتبه كما نقل عن المودودي والندوي، وإن كان يجمعه بحسن البنا الاتجاه العام لنصرة الإسلام، والذود عن حماه.

أما المنهج فكان لكل منهما شخصيته وتميزه، من حيث المنطلق، ومن حيث الغاية، ومن حيث الوسيلة ومن حيث الروح العامة.

فأما المنطلق -وإن كان إسلاميا لكليهما- نجده مختلفا كثيرا بينهما، فحسن البنا ينطلق من أن الأمة الإسلامية موجودة، وأن المسلمين موجودون، ولكنهم يحتاجون – إلى عمل كبير لتفقيههم بالإسلام، وتربيتهم عليه، بدءا بالفرد المسلم، فالبيت المسلم، فالشعب المسلم، فالحكومة المسلمة، فالأمة المسلمة.

وسيد قطب ينطلق من أن الأمة المسلمة قد انقطع وجودها منذ زمن، ولا بد من إعادتها من جديد، وكل الموجودين اليوم من سلالات أقوام كانوا مسلمين، وأوطانهم كانت من قبل دارا للإسلام، ولم تعد اليوم دارا للإسلام، وإذا لم يكونوا مسلمين، فعلينا أن ندعوهم إلى اعتناق العقيدة الإسلامية، وأن يدخلوا في الإسلام من جديد.

حسن البنا يرى أن الإسلام -باعتباره دينا- قائم وموجود، وأن هناك أمة تؤمن به من المحيط إلى المحيط، وأن الأمة المسلمة من أشد الأمم في الأرض تمسكا بدينها، وأن الإنسان العاصي أو المفرط من عامة المسلمين نجد أصل الإيمان مغروسا في أعماقه، ولكنه إيمان نائم أو مخدر، وهو في حاجة إلى إيقاظ وبعث وتنبيه، وهذه مهمة الدعوة الإسلامية ورجالها.

نجد حسن البنا يقول في رسائله: يا قومنا -وكل المسلمين قومنا- ندعوكم إلى كذا وكذا.

بخلاف سيد قطب، فهو يرى أن الإسلام قد انقطع وجوده من الأرض، فلا توجد أمة مسلمة، ولا يوجد مجتمع مسلم، بل لا يوجد أفراد مسلمون، لا بمعنى أنهم ارتدوا عن الإسلام، بل لأنهم لم يدخلوا أصلا في الإسلام؛ لأن دخول الإسلام لا يتحقق إلا بشهادة أن (لا إله إلا الله)، بما تتضمنه من إفراد الله تعالى بالحاكمية، وهم لم ينطقوا بالشهادة بهذا المدلول.

وهذا هو المفهوم الذي أنكره العلامة الندوي على سيد وعلى المودودي من قبله، وسماه (التفسير السياسي للإسلام).

حسن البنا يشعر بوجود الإسلام وأمته، ويتعاطف معها، ويعيش بهمومها، وسيد قطب لا يحس للإسلام ولا لأمته بوجود من حوله، بل يقول: قومنا على ملة، ونحن على ملة وهم على دين ونحن على دين آخر.

غاية حسن البنا أن يصحح فهم المسلمين للإسلام الذي يعتنقونه بحيث لا يقتصر على المعنى اللاهوتي أو التعبدي الشعائري، بل يجب أن يفهموه بشموله وتكامله وتوازنه: عبادة وجهادا، ودينا ودولة، خلقا وقوة، ثروة وغنى، تربية وتشريعا، وبعد تصحيح الفهم تبدأ عملية تجديد الإيمان وغرس المعاني الربانية والأخلاقية.

وغاية سيد قطب: أن يعلن رفض هذا المجتمع كله من حوله، فهو مجتمع جاهلي، لم يدخل بعد في الإسلام المطلوب: أن ندخل الناس في الإسلام من جديد، وندعوهم إلى اعتناق عقيدته، كما دعاهم الرسول وأصحابه وأن نشعرهم بأنهم شيء ونحن شيء وأن نصارحهم بذلك بلا وجل ولا خجل حتى يعرفوا حقيقة أنفسهم.

وسيلة حسن البنا: هي الدعوة والحوار والتربية والتغلغل في المجتمع، والعناية به بحل مشاكله وأخذه بالرفق والتدرج والانفتاح على المخالفين، والتسامح معهم دون تفريط في حقوق الأمة.

وسيلة سيد قطب: هي الدعوة والتربية أيضا مع غرس الشعور في العصبة المؤمنة القليلة -التي هي المسلمة دون من عداها- بالعزلة الشعورية من المجتمع، ورفض الانفتاح والتحاور مع الآخر، بل وتجب التعبئة الفكرية والشعورية ضده، وتقديم سوء الظن بهؤلاء الذين لا يضمرون إلا الشر والعداوة لمسلمين.

الروح العامة في منهج حسن البنا هي: التسامح والانفتاح والحكمة والتدرج.

والروح العامة في منهج قطب هي: التشدد والصرامة وإغلاق الأبواب.

ومن أجمل ما عبر عن اختلاف المنهجين: المفكر المؤرخ المستشار طارق البشري حين قال: “إن سيد قطب صاحب فكر يختلف كثيرا عن فكر حسن البنا -رحمهما الله- ولكن الأمر لا يقوم بالمقارنة بموازين مطلقة، إنما يجري وصف كل فكر وظروف إعماله، وفكر حسن البنا -لمن يطالعه- فكر انتشار وذيوع وارتباط بالناس عامة وهو فكر تجميع وتوثيق للعرى، وفكر سيد قطب فكر مجانبة ومفاصلة، وفكر امتناع عن الآخرين.

فكر البنا: يزرع أرضا وينثر حبا، ويسقي شجرا وينتشر مع الشمس والهواء.

وفكر قطب: يحفر خندقا ويبني قلاعا ممتنعة عالية الأسوار، والفرق بينهما هو الفرق بين السلم والحرب.

موقف الإخوان في معتقل 1965

ويواصل الشيخ يوسف القرضاوي حديثه عن سيد قطب بقول : “وقد حاول بعض الإخوة المحبين لسيد، والمعظمين له: أن يؤولوا كلماته هذه الظاهرة في دلالاتها على ما نقول. وقال أحدهم – الأخ د. إبراهيم عبيد – في تعقيب له: أليست هذه العبارات التي قالها سيد، مثل ما قاله الإمام حسن البنا في بعض الناس: ليسوا إخوانا، وليسوا مسلمين!

ونقول: إن هذه العبارة التي صدرت من حسن البنا – برغم شدتها وقسوتها حتى أن بعضهم أنكر صدورها عنه، وبعضهم زعم أنه أكره عليها – لا يمكن أن تحمل على ظاهرها؛ لأنها ضد منهج حسن البنا، ضد كتاباته كلها، وضد الأصل العشرين الذي ختم به الأصول إلى وضعها لفهم الإسلام في إطارها وفي حدودها. فلهذا يجب أن تؤول لتتفق مع الاتجاه الفكري والعقدي العام لحسن البنا، فهي كلمة متشابهة، يجب أن ترد إلى سائر كلامه المحكم.

وهذا بخلاف ما نقلناه عن سيد قطب، فهي ليست كلمة ولا كلمتين، وعبارة ولا عبارتين، قيلت في موضع أو موضعين، بل هي فكرة تجري في كتبه الأخيرة مجرى الدم في العروق، ولا نجد في كلامه الآخر ما ينقضها إلا كلامه القديم.

وقد نقلها كثيرون عنه ممن لقوه وسمعوا منه في مستشفى طره، كما حكى ذلك الأخ إبراهيم عبده نفسه حين قال: لما دخلنا المعتقلات سنة 1965 فوجئت -كما فوجئ كثيرون غيري من الإخوان- بفتنة عارمة، تقول بتكفير المسلمين جميعا! وتزعم أن هذا القول مرجعه الأستاذ سيد قطب، أوحى به إلى الذين التقوه في مستشفى طره. وكانت فتنة مزلزلة، رفضناها جميعا. واستبعدنا أن تصدر من الأستاذ سيد. وكانت فتنة هددت المجتمع الإخواني داخل السجن بالانقسام، حتى وصل فضيلة المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي، فحسم هذه القضية، وقف -كعهدنا به- وقفته الصلبة المنضبطة، وأصدر دراسته تحت عنوان (دعاة لا قضاة). وانتهت الفتنة وألتزم الإخوان إلا قليلا.

وقد بدأت الدراسة التي أملاها الأستاذ الهضيبي أو أقرها بنقد بعض كلمات الأستاذ المودودي في تفسير (لا إله إلا الله) وهو بهذا يرد -ضمنيا- على سيد قطب؛ لأن سيد أخذ كلام المودودي وعمقه وفصله، ورتب عليه آثارا وأحكاما، لم يرتبها المودودي نفسه.

وأعتقد اعتقادا جازما أن الأستاذ الهضيبي لم يقرأ ما كتبه سيد، ولا أحد من إخوانه في ذلك الوقت، وإلا لرد عليه. إذ لم تكن كتاباته الجديدة قد انتشرت في ذلك الوقت، ولذلك كانت كل المحاورات والمجالات حول ما سمعه بعض الأشخاص من سيد مشافهة.

وهذا باستثناء جماعة (القطبيين) الذين قرءوا ودققوا وعرفوا وآمنوا بما دعوا، والتزموا به وتحمسوا له، ودافعوا عنه، ودخلوا السجون في سبيله.

موقف سيد قطب من جمهور المسلمين

ويواصل الشيخ القرضاوي رده قائلا : كما لاحظت أن الإخوة الذين عقبوا علي كلهم -إلا واحدا- أغفلوا شيئا مهما، هو محور القضية، وهو ما نقلته عن سيد رحمه الله من كتبه. فقد تناسوا هذا تماما، وظلوا يركضون بعيدا: يبحثون عمن لقي سيدا، من سأله فأجابه. ومن سمع منه كذا وكذا، وأنا لا دخل لي بهذا كله. أنا أحكم على فكر الرجل من خلال نصوصه المكتوبة. والنص المكتوب هو أدل شيء على فكر الإنسان. بخلاف ما يقوله شفهيا، مما قد لا ينقل بنصه تماما، وما قد ينقل حسب فهم السامع، وما ينقل بعيدا عن سياقه وملابساته.

كنت أود من الإخوة المعقبين -ماداموا يحترمون المنطق العلمي، والبحث الموضوعي- أن يقفوا عند النصوص التي نقلتها -وهي ليست كل ما قاله الشهيد رحمه الله- ويبينوا لنا المراد منها نصا نصا. لينظر القارئ في تفسيرهم لها: أهو مقبول أم مرفوض؟ طبيعي أم متكلف ولكنهم –للأسف- لم يجشموا أنفسهم مشقة هذا الجهد.

وعندي رأي في تفسير الموقف العلمي لسيد، وهو ما شهده الناس منه، وسمعوه منه، في الفترة التي خرج فيها من ضيق السجن على باحة المجتمع، فقد واجه الجمهور الأعظم من الناس -التي شهدت نصوصه بأنه لم يدخل في الإسلام بعد، ولم يفهم (لا إله إلا الله) بمدلولها الحقيقي الذي حدده- فوجد هذا الجمهور يستقبله في كل مكان بالفرحة والترحاب، ويتعاطف معه، من كان منهم من الإخوان ومن لم يكن، ووجدهم في المساجد مقبلين على الله، تالين لكتاب الله، أو مستمعين له، متأثرين به، فلم يكن من السهل عليه أن يحكم على هؤلاء الناس بالكفر. حقيقة الناس في الواقع الذي يراه أوضح وأكبر مما سطره في الكتب. فلهذا سمعوا منه ما سمعوا، ورأوا منه ما رأوه، وأجابهم حين سئل بما أجاب. مما قد يعتبر تراجعا عما قرره في كتبه.

ولكن ما في الكتب من نصوص، ناصعة البيان، ظاهرة الدلالة، يبقى كما هو، لا نملك أن نغيره، أو نسقط منه حرفا، أو نزيف دلالته. فالحقيقة لا تقبل هذا، والشهيد سيد قطب نفسه لا يرضى هذا التزييف.

وأعتقد -والعلم عند الله- أن الشهيد، لو قدر الله أن ينسأ في أجله، ويعايش الناس في حياة طبيعية، ويتحدث إليهم ويسمع لهم، ويناقشهم ويناقشوه لغير رأيه فيهم، وعدل مما كتبه من قبل. فقد عرفنا من خلائقه: أنه كان رجلا صلبا في دين الله شجاعا في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يبالي أن يقول: أخطأت، فيما أخطأ فيه.

ولا يسعني إلا أن أدعو الله له بواسع المغفرة والرحمة، وأن يجزيه بنيته وبذله لدينه، وأن يأجره الأجرين فيما أصاب فيه من اجتهاد، ولا يجزيه الأجر الواحد فيما أخطأ فيه ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.

ونفى القرضاوي في الوقت ذاته أن تكون شهادته عن قطب هي افتئات على قطب، معتبرا أنها محاكمة للرجل من خلال كلامه والنصوص التي وردت في كتبه، وذلك ردا على ما قاله بعض الإخوان، مثل “محمود عزت” الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين، بأن الخطأ فيمن قرأ سيد قطب وليس فيما كتبه.

وقال القرضاوي إن الكلام الذي نقله عن قطب عن التكفير والجاهلية كلام واضح ولا يحتمل أي تأويل، مستشهدا في حديثه برواية للدكتور محمد عبد الله المهدي، والذي كان معتقلا عام 1965، حيث أكد له أن قطب اعترف أن الكتابات التي كتبها في المرحلة الأولى من حياته كـ”العدالة الاجتماعية في الإسلام”، و”السلام العالمي والإسلام”، و”مشاهد القيامة في القرآن”، لا تمثل رأيه ومذهبه الجديد، ولكن ما يذهب إليه ويتبناه هي ما كتبه في كتبه الأخيرة في السجن مثل “معالم في الطريق” والطبعة الثانية من “الظلال” و”هذا الدين” و”الإسلام ومشكلات الحضارة”.

وفي النقاش الذي جرى في السجن يعترف قطب بأن له منهجين قديما وجديدا تماما كالإمام الشافعي، لكن الشافعي غيّر في الفروع أما هو-قطب- فقد غير في الأصول، أي في أصول العقيدة، وهذه هي الإشكالية، حسبما يتحدث القرضاوي.

وقال القرضاوي إن الذي يتأمل كتابات قطب لا يشك في أنه تجاوز في مسألة التكفير، مؤكدا أن منهج قطب ليس هو منهج الإخوان المسلمين الذي وضع الإمام البنا أسسه في “الأصول العشرين”، وأشار إلى أن قطب لم يعش داخل الجماعة ولم يترب “على حصيرها”، فقد كانت فترة وجوده في صفوف الجماعة قليلة وما لبث أن دخل السجن، وفي السجن ظهرت التغيرات والمؤثرات الهائلة على أفكاره.

واعتبر القرضاوي أن المهم الآن ليس هو نسب سيد قطب لجماعة الإخوان أو غيرهم، ولكن المهم هو أفكاره، قائلا: نحن نحاكم أفكارا.. والذي يتحمل مسئولية هذه الأفكار هو صاحبها وليس الإخوان.. وأنا أرى أن هذه الأفكار لا توافق فكر الإخوان المسلمين، لأن فكر الإخوان ليس فيه تكفير”.

وعن السبب في التنازع على أفكار قطب بين كل من الإخوان المسلمين والسلفيين والجهاديين قال القرضاوي إن هذا يعود إلى أن فكر قطب يمثل مجالا ثريا يأخذ الجهاديون ويستفيدون منه، كما أن السلفيين يأخذون من أفكاره لكن لا يرونه سلفيا لأنه كان حليق اللحية، والإخوان أيضا يستفيدون من أفكاره، مؤكدا أنه لا يزال يقرأ كتابات سيد قطب ويأخذ منها ما يفيده، وذلك نظرا لأهميتها وصدق صاحبها في كتاباته.

وحذر القرضاوي كل من يقرأ كتابات قطب من الوقوع في أسر أفكاره، خاصة أن صاحبها كاتب ومفكر عظيم كتب هذا الكلام في لحظات نقاء روحي وصدق مع النفس كما أن لديه من الموهبة في الكتابة ما يجذب القارئ ويؤثر فيه.

وفي النهاية أشار القرضاوي إلى أن هذه الشهادة واختلافه مع قطب فيما انتهى إليه من أفكار تكفيرية وأنها ليست على منهج أهل السنة والجماعة الذي ارتآه جمهور الأمة والإخوان المسلمين لا تمنعه من أن يقول إن هذا الرجل أديب عظيم بمقياس الإبداع في النقد الأدبي وداعية عظيم وعالم ومفكر عظيم، وهو أيضا مسلم عظيم يكتسب هذه العظمة ليس فقط من أفكاره، ولكن من خلال التضحية بنفسه وتقديم عنقه فداء لدعوته في سبيل الله.

يوسف العظم والفروق بين سيد قطب والامام البنا

بقى أن نقدم مقارنة بين عطاء الشهيدين حسن البنا و سيد قطب للإسلام وللحركة الإسلامية، فلا مجال للمفاضلة بين الرجلين، إذ أن الشهيد سيد قطب يقول ويشهد للإمام حسن البنا بالأستاذية، ويعترف له بفضل السبق إلى ميدان العمل والبناء. وما خطر بباله أن يأتى اليوم الذي يرضى فيه الرجل لنفسه أن يقدم على الإمام الشهيد، البنا، العبقرى في أى مجال. مجالات البناء والعطاء،  وهذا ما أورده الشهيد سيد قطب في كتابه “دراسات إسلامية” حيث تحدث عن البنا وعبقرية البناء، ويحسن أن نورد هنا ما سجله الأستاذ يوسف العظم حول هذه المقارنة في كتابه عن الشهيد سيد قطب فيقول:-

  • يمضى الشهيد على طريق الأدب أولا والفكر ثانيا والالتزام بأمور الدين والفرائض ثالثا، بينما بدأ حسن البنا حياته ملتزما بروح الدين وتكاليف الشرع، حتى إنه أنشأ وهو مازال على مقاعد الدراسة جمعية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر”
  • وإذا كان حسن البنا قد انصرف إلى الأنفس يدعوها إلى التطهر، والقلوب يدعوها إلى التآلف، فقد انصرف سيد قطب ابتداء إلى العقول يدعوها إلى الاستنارة والتبصر والتدبر والنظر فيما حولها وما يراد بها من مكر الأعداء وتآمر الدخلاء الذين يحملون أسماءنا وينطقون الحروف العربية كما ننطقها في حياتنا اليومية مساء وصباحاً.
  • لقد انصرف حسن البنا لجمع الشباب وتوعيتهم وتنظيمهم حول صفاء العقيدة وشمول الإسلام وصلاحيته للحكم ومعالجة شئون الحياة مستمدا من الكتاب والسنة قواعد أساسية عامة أقيم عليها تنظيم الجماعة.
  • أما سيد قطب فقد لقى جيلا منظما، وشبابا متوثبا، وجماعة واعية فراح يعمق مناهجها ويبلور أهدافها وغاياتها وفق أحكام الإسلام متخذا من القرآن الكريم منطلق منهاجه حتى صار رجل الفكر الأول ليس في الجماعة وحدها بل في العالم الإسلامى كله.
  • كان البنا مهندس الجماعة وبانيها، وكان سيد قطب نبعها الثرى بزخم فكرى نير، وعطاء من نور الإيمان، يقدمه منهاج حركة ومنهاج حياة، لجماعة عملت منذ وجدت بتطبيق شرع الله في الأرض، واستئناف الحياة الإسلامية رغم كل الظروف القاسية والمؤامرات المريبة التى لا ترحم.
  • لقد كان حسن البنا البذرة الصالحة للفكر الإسلامى، وكان سيد قطب الثمرة الناضجة لهذا الفكر المستنير.
  • ولئن كان الشهيد سيد قطب قد زرع في كل بيت كتابا ينير العقل وفكر تهتدى به الأجيال فقد زرع الشهيد حسن البنا في كل ميدان رجلا وفي كل حقل داعية يعطى المثل الحى على أن الإسلام حسن تحمله القلوب الصادقة في الصدور العامرة يحيلها أقباسا وضيئة، ومشاعل على الدرب، وعنا وين على البذل والعطاء.. لتكون كلمة الله هى العليا أبدا، وجند الشيطان الخاسرون إلى بوار..

لقد قدر للرجلين أن التقيا في عام الولادة.. وأن لتقيا في ساح الشهادة، بأن يسقط كل منهما على يد طاغية أرعن وجندى من جند الشيطان.. والرجاء في رحمة الله كبير بأن يغمرهما بفضل منه وأن يجمعهما في مستقر رحمته في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

سيد قطب: أزمة أفكار أم إشكالية قراء ؟

ولعل من ابرز ماصدر عن فكر سيد قطب كتاب مشترك لجمع من المفكرين وهو بعنوان “سيد قطب والتكفير.. أزمة أفكار أم مشكلة قُرَّاء؟”،  والعنوان في حقيقة الأمر يمس الكثير من صميم الإشكالية التي أشرنا إليها سلفًا، وهي فكرة القصور في فَهم أفكار قطب وتنظيراتها وتطبيقاتها، ويحيل الكثير من المشكلات القائمة في تناول وتوصيف مشروع قطب الفكري إلى بعض الجوانب الخاصة بالمتلقِّين أنفسهم، أو ما أسماه المحرر في مقدمته بـ”القراءة الظاهريَّة” لأفكار سيد قطب.

والكتاب، المكون من مقدمة وخمسة فصول، هو في الأصل عبارة عن مجموعة من المقالات والدِّراسات التي كتبتها مجموعة من الأقلام المُتخصِّصة في الفكر الإسلاميِّ والحركات الإسلاميَّة، مثل الشيخ محمد البدري، والعلامة الدكتور يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والتي نشرها موقع إسلام أون لاين. نت على فترات ضمن ملفٍّ خاصٍّ بهذه القضيَّة.

كذلك يتضمن الكتاب مجموعةً من المقالات والدراسات التي وردت في بعض الكتب عن قطب ومؤلفاته وأفكار، ومن بينها قطوف بقلم المفكر والمؤرخ المصري المستشار طارق البشري، والأستاذ مصطفى مشهور المرشد العام الراحل لجماعة الإخوان المسلمين.

وبوجه عام؛ فإن أهم فصول الكتاب، هو الفصل الرابع؛ فقد عرض بعض الشهادات عن قطب، وما قاله قطب نفسه عن الأفكار التي نشرها في المعالم، وفي “في ظلال القرآن”، وهي كلها أمورٌ ظلت طي التَّعتيم لعقودٍ طويلةٍ.

ومن بين الشهادات التي وردت، شهادات كل من المرشد العام الرابع للإخوان المسلمين المستشار عمر التلمساني (رحمة الله عليه)، وعدد من الإخوان المسلمين الذين حكوموا في قضيَّة 65/1966م، مثل الأستاذ السيد نزيلي، والأستاذ أحمد عبد المجيد.

والسياق الرئيسي للكتاب – وفق مقدمة المحرر – هو الأزمة التي أثارتها التصريحات التي أطلقها العلامة القرضاوي ضد قطب وأفكاره في العام 2004م، والتي عادت وتجددت عاصفتها بمواقف مماثلة للدكتور القرضاوي في العام 2008م، والتي أكد فيها أن أفكار قطب تكفيريَّة، وتصم مجتمعات المسلمين اليوم بالجاهليَّة.

ويحدد المؤلف الهدف الرئيسي من كتابه هذا، وهو مناقشة علاقة فكر سيد قطب بقضيَّتَيْن أساسيَّتَيْن، وهما: قضيَّة التَّكفير وقضيَّة العنف، من خلال قراءة في بعض الأدبيَّات التي تناقش مقولاته، والتي تبرز في حقيقة الأمر، الكثير من الاختلافات القائمة في فهم قطب وأفكاره.

وتناول الكتاب هذه القضايا على المستوى المنهجي، في ثلاثة محاور، الأول؛ مقالات تحليليَّة عن فكر سيد قطب، واهتمت بالأساس بعددٍ من الأسئلة والموضوعات الرَّئيسيَّة، وهي: السياق التاريخي لنشأة فكر قطب والموازنة بينه وبين الإمام الشهيد حسن البنَّا مُؤسِّس جماعة الإخوان المسلمين، وعلاقة فكر قطب بأفكار جماعات العنف الدِّينيَّة، وقضية التكفير عند قطب، وهل هي تكفر المجتمع، وموقف جماعة الإخوان المسلمين من فكر قطب والقطبيَّة.

المحور الثاني هو عبارة عن مجموعةٍ من النصوص التي اختارها المحرر للأستاذ سيد قطب، من كتبه الثلاثة “في ظلال القرآن” و”معالم في الطريق” و”العدالة الاجتماعيَّة في الإسلام”، وهي تحمل – بحسب البعض – تكفيرًا للمجتمعات المسلمة في حياتنا اليوم، بينما يرى البعض أنَّها لا تحمل هذه الفكرة.

المحور الثالث هو محور الشهادات التاريخية المشار إليه، وله أهميته المنهجيَّة في الحديث عن فكر قطب، سواء لجهة فكر الرجل بشكل عام، أم لقضيَّة التكفير على وجه الخصوص، كذلك من جهة فكره وتعاطي مَن حوله مع انشغالاته وقراءاتهم له؛ وهو ما يعتبر تأريخًا لمرحلةٍ مُهمَّةٍ من تاريخ الحركة الإسلاميَّة.

ويقول المحرر: “إنه حرص على أن تكون هذه الشَّهادات منقسمة على قسمَيْن؛ شهادات لأموات دونوها في مذكراتهم أو نحوها، وأخرى لأحياء كانوا ملازمين لسيد قطب، وخصوصًا من تنظيم 65، والذي ظهرت بين ظهرانييه قضيَّة التكفير لأول مرَّة في العام 1968م”.

الفصل الأول من الكتاب جاء بعنوان “قُطب.. ومسؤوليَّة العنف”، ويحتوي على قراءتَيْن لأفكار سيد قطب، الأولى للمستشار البشري، الأولى بعنوان “سيد قُطب.. قراءة تاريخية”، والثَّانية بعنوان “سيد قطب.. وجماعات العنف” للباحث والكاتب السوري الدكتور معتز الخطيب محرر الكتاب.

القراءة الأولى هي في الأصل الجزء الأخير من دراسة للمستشار طارق البشري بعنوان “الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر”، وهي منشورةٌ ضمن كتاب “الحركة الإسلاميَّة: رؤيةٌ مستقبليَّةٌ” لعدد من المفكرين والباحثين، وحرره الدكتور عبد الله النُّفَيسي.

الكتاب في الأساس يقدم صورةً عامةً للفكر السياسي الإسلامي المعاصر؛ فيبدأ بإيضاح معالم الحركة السياسيَّة الإسلاميَّة في القرنَيْن الأخيرَيْن، والإشكاليات التي تواجهها، كما يعرض لدور الاستعمار الغربي في إبراز أهمية الإصلاح داخل البلدان المُستعمرة، ويقدم نماذج لأبرز دعاة الإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي مثل جمال الأفغاني ومحمد عبده وإسهاماتهما في هذا المجال.

ثم يعرض الكتاب لنموذجَيْن من نماذج الارتباط بين الحركة الوطنيَّة والإسلام، وهما الإمام الشهيد حسن البنا والشهيد سيد قطب، ويوضح أوجه الاتفاق والاختلاف في فكرهما.

كما يتعرض للفتنة الطائفية ووضعها داخل المجتمعات الإسلامية، ويوضح استفادة القوى الخارجية منها، ودور المثقفين فيها، ويشرح كذلك مفهوم التطرف، ويوضح ماهيته، ودوافعه.

وأخيرًا يدرس المشروع الوطني.. معناه، وعناصره ومفرداته، ويعرض لأسس الحوار الإسلامي العلماني، ويعرض لمثالين للمشروع الوطني المصري المعاصر خلال ثورتي 1919م و1952م.

وفي مداخلته في هذا الكتاب عن سيد قطب، يقول البشري:”إن أفكار سيد قطب تختلف تمامًا عن أفكار حسن البنا، وأنَّها كانت استجابةً للظروف التي عايشها قطب، والتي لم تنفصل بدورها عن الظروف التي عايشتها الحركة الإسلاميَّة في مصر في ذلك الوقت”.

ويضيف: “إنَّ هناك الفكر الإسلامي المعاصر بوجهٍ عام، وفكر قطب له مكانته فيه، جاء استجابة للعديد من الصيرورات التاريخيَّة والحضاريَّة القائمة على مستوى العالم الإسلاميِّ، وإن سيد قطب بشكلٍ عام، لم يكن من مدرسة المغالاة في الفكر السياسي الإسلامي، وإن الأوْلى أن يتمَّ الأخذ من الإيجابيات القائمة في كل مدرسة من مدارس الفكر السياسي الإسلامي والبناء عليها من دون تشدد في إطلاق الأحكام على أصحاب هذه الأفكار”.

الورقة الثانية في هذا الفصل والتي كانت بعنوان “سيد قطب.. وجماعات العنف” للباحث والكاتب السوري الدكتور معتز الخطيب، أكدت مجموعة من الحقائق، من بينها أو على رأسها بديهيَّة مهمة، وهي أنَّ الكثيرين يقرؤون ويفهمون فكر سيد قطب بمعزل عن سياقاتها الزمانية والمكانية.

وأول هذه السياقات التي يشير إليها الخطيب، هو الصراع الذي كان دائرًا في تلك الفترة التي ظهر فيها سيد قطب، والذي لا يزال قائمًا، بين الفكرة التغريبيَّة والفكرة الإسلاميَّة، ولذلك جاءت مختلف كتابات قطب مُشبعة بالحديث عن زيف الحضارة الجديدة وجنايتها على الإنسان، وفقدان “الرجل الأبيض”- في إشارة للغرب والولايات المتحدة- لدوره “في نشر الحضارة” كما كان يزعم الغرب إبان الحقبة الاستعماريَّة.

وعن ارتباط فكر قطب بالجماعات الدينيَّة والتيارات الجهاديَّة؛ فإنَّ هناك ملحظًا أخذه الكاتب، وهو مكانة سيد قطب لدى مختلف الحركات الجهاديَّة ورموزها بدءًا من النظام الخاص، وصولاً إلى تنظيمات مثل الجهاد الإسلامي والتكفير والهجرة والجماعة الإسلاميَّة.

إلا أن المدافعين عن فكر سيد قطب لا يرون هذه المسألة؛ حيث يطرحون عددًا من القضايا التي يجب أخذها في الاعتبار عند مناقشة فكره ومحاولة الأخذ منه، وهو ما أكده البشري وكثيرون آخرون، وهي مسألة ضرورة النظر إلى الملابسات التي ظهر في إطارها فكر قطب، ووضع فيها مؤلفاته، وخصوصًا الجدلية منها.

كما يشير الخطيب إلى أنَّ بعض المدافعين عن سيد قطب قالوا: إنه حتى لو أخذ عنه ما قاله في تكفير المجتمعات المسلمة حاليًا؛ فإنَّ الكثير من المحيطين بقطب والملازمين له أخذوا عنه أنَّه في أواخر أيامه عاد عن الكثير مما قاله وطرحه”.

ويقول هؤلاء:”إنَّ هناك الكثير من النماذج في تاريخ المدارس الفكريَّة الإسلاميَّة المختلفة لعلماء كبار عادوا عن أفكارهم بعد مراجعتهم لها، ومن بينهم الإمام الشَّافعي، ومن بين من نقلوا ذلك عن قطب تلميذ له هو الدكتور محمد المهدي البدري، كما ورد في مذكرات الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”.

ولهذه الاعتبارات وغيرها؛ فإنَّ الخطيب يؤكد وجود حاجةٍ إلى مُراجعة أفكار سيد قطب، وذلك ضمن مُراجعاتٍ كثيرةٍ مطلوبةٍ للفكر الإسلامي ولأمورٍ أخرى تمس صميم صيرورات حياة الأمة في ظل المستجدات الرَّاهنة، ومع ظهور مشكلة صاحبت الصراع الحالي بين مشروع التغريب والمشروع الإسلاميِّ، مع وصول الكثيرين إلى مرحلة الشطط بين الأخذ المطلق بفكرة التغريب، أو التشدد في تطبيق الفكرة الإسلاميَّة.

الفصل الثَّاني كان بعنوان “قطب.. وإشكاليَّة التَّكفير”، وشمل ثلاثة أوراق قدم فيها المحرر الدكتور معتز الخطيب عددًا من الرؤى:

“التكفير والجاهلية” بقلم المفكر الإسلامي الدكتور عبد الله أبو عزة، وهو في الأصل مقالٌ من جزءيْن نُشرا في مجلة “الشِّهاب” التي كانت تصدرها الجماعة الإسلاميَّة في لبنان، في العام 1972م، في الذكرى السَّادسة لاستشهاد سيد قطب، وفيها وجَّه أبو عزَّة انتقاداتٍ كبيرةً للحركة الإسلاميَّة ولسيد قطب استتبعت عددًا من الردود عليه على صفحات الشهاب، وفي مواضع أخرى.

والفكرة الرَّئيسيَّة التي تدور حولها الأفكار التي قدمها المفكر عبد الله أبو عزة، هي ما أثاره قطب من قضايا في كتابه “معالم في الطريق” عن جاهلية المجتمعات المسلمة اليوم، وأكد أن قطب قد حكم بتكفير المجتمعات المسلمة المعاصرة من خلال مجموعةٍ من النصوص التي وردَتْ في هذا الكتاب.

ولقد حاول أبو عزة الرد على بعض ما جاء به سيد قطب من أفكارٍ في هذا الجانب، من خلال التأكيد على فكرة زيادة الإيمان ونقصانه، والقول بأنَّ وجود بعض العوار في إيمان الإنسان أو حتى كفرهلا يعني ذلك خروجه عن الملَّة، مستشهدًا في ذلك بعددٍ من الأحاديث النَّبويَّة الصحيحة التي وردت في صحيح البخاري في باب الإيمان.

الورقة أو المقالة الثَّانية كانت بعنوان “وقفة مع الشهيد سيد قطب” للعلامة الدكتور يوسف القرضاوي، وفيها نحا القرضاوي هذا المنحى ذاته، ولكنه زاد على ذلك بعرض معالم من سيرة قطب ومسيرته مع دعوة الإخوان المسلمين.

وفي هذه المقالة التي هي جزء من مذكرات الدكتور يوسف القرضاوي، أكد القرضاوي أمرين، الأول: المكانة التي لقطب في فكر الحركة الإسلاميَّة وعلى مستواها التطبيقي والحركي، والأمر الثاني هو تأكيد القرضاوي أن قطب تبنى فكر التكفير وتجهيل المجتمعات الإسلاميَّة صراحةً.

فيقول في وصفه للمرحلة الثالثة من حياة قطب، والتي دخل فيها المعتقل في العهد الناصري: “أخطر ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه المرحلة هو ركونه إلى فكرة “التكفير” والتوسع فيها”.

وزاد القرضاوي على ذلك بتوجيه انتقادات حادة لقطب واتهامه بتجاوز الكثير من الآيات القرآنيَّة التي تناولت العلاقة مع الآخر غير المسلم، والتي وردت في سُورة “النِّساء” وسُورة “المُمتَحَنة”، والتي تدعو إلى مسالمة غير المسلمين ممن لم يحاربوا المسلمين في دينهم أو يظاهروا على إخراجهم من ديارهم، مع تركيز قُطب في المعالم وفي الطبعات الأولى من الظلال على الآيات القرآنيَّة التي تتناول فكرة ديار الحرب وديار السلم من وجهة نظر اعتبرها القرضاوي متشددة وتتجاوز صحيح الإسلام.

الورقة الثَّالثة كانت بعنوان “هل يكفر سيد قطب مسلمي اليوم؟”، وهو في الأصل عبارة عن مجموعة من مقالات وأقوال للشهيد سيد قطب جمعها وعلق عليها الدكتور يوسف القرضاوي.

وكانت عبارة عن رد فعل من القرضاوي على ردود الأفعال التي تلقاها على وقفاته مع الشهيد سيد قطب، والتي قال فيها: “إنه ركن إلى التكفير وتوسع فيه، ونُشرت هذه المقالة في باب “الإسلام وقضايا العصر” في موقع “إسلام أون لاين. نت”، في العام 2004م”.

وفي مقالته هذه؛ انتهى القرضاوي إلى أنَّ قطب تبنَّى “أفكارًا تكفيريَّةً” من خلال وضع نصوص صريحة ذكر فيها قطب فكرة التكفير والتجهيل لمجتمعاتنا المسلمة المعاصرة، انطلاقًا من فكرة حاكميَّة الشَّريعة الإسلاميَّة، وأن عدم تطبيقها، باعتبار أنها ما أنزل اللهُ تعالى، يسقط حكم الكفر على المسلمين.

إلا أن القرضاوي حرص على نفي فكرة أن أفكار قطب هي منهج أهل السُّنة والجماعة الذي ارتآه جمهور الأمة، محملاً قطب المسؤولية عن أفكاره وليس الإخوان المسلمين، ومؤكدًا أن هذه الأفكار التكفيريَّة لا توافق فكر الإخوان المسلمين “لأن فكر الإخوان ليس فيه تكفير”.

الفصل الثالث: “سيد قطب.. بين الاتهام والدفاع”.. وجاءت فيه خمسة مداخلات، الأولى بعنوان “عتاب للقرضاوي حول قطب” للكاتب الإسلامي جمال سلطان رئيس تحرير مجلة “المنار الجديد”، والثانية بعنوان “دفاع عن “قطب” أمام محكمة الإخوان” بقلم الدكتور يحيى هاشم حسن فرغل، العميد السابق لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف بطنطا، أما المقال الثالث فقد كان بعنوان “سيد قطب في الميزان!”، للعلامة السعودي الدكتور سلمان بن فهد العودة.

المقال الرابع “متى تعود الجماعة عن التبرير الاعتذاري للقطبيَّة؟” للكاتب والباحث السوري محمد جمال باروت، والمقال في الأصل هو مادة سبق نشرها في صحيفة “الوطن” السعودية بتاريخ 25 سبتمبر 2003م، وأخيرًا المداخلة الخامسة بعنوان “كلمة أخيرة حول سيد قطب” للدكتور يوسف القرضاوي.

وهو مجموعةٌ من المقالات التي تناولت قضية التكفير في فكر سيد قطب بين مُدافع ومتهم لقطب بتكفير المجتمعات المسلمة الحالية، وتمحورت إما بتأييد أو بالرد على ما جاء في أدبيات الدكتور يوسف القرضاوي في هذا المجال.

المقال الأول لجمال سلطان جاء عبارة عن رسالة معاتبة للدكتور يوسف القرضاوي في الحملة التي شنها على فكر الأستاذ سيد قطب (رحمه الله)، ووصف ما كتبه القرضاوي عن قطب بـ”القسوة”.

جمال سلطان في حديثه عن الحملة التي شنها الدكتور القرضاوي ذكر أن الهجوم على قطب داخل الإخوان المسلمين يعكس ما وصفه بالتوتر الحزبي القديم بين الفصيل الذي انتمى إليه قطب والفصيل الآخر الذي انتمى إليه المرشد الرابع للجماعة الأستاذ مصطفى مشهور (رحمة الله عليه)، وهو التوتر الذي قال سلطان: إنه بدأ خلال مرحلة الاعتقال وتفجر في السبعينيات، بعد خروج قيادات الإخوان المسلمين من المعتقلات.

ولكن – وبفرض صحَّة ما قاله جمال سلطان – فإنَّ هذا التوتر لا يعكس طابعًا حزبيًّا كما زعم سلطان، وإنما انطلق من المنطق ذاته الذي انطلق منه الكثيرون داخل الإخوان المسلمين من أن فكر قطب حول التكفير وجاهلية المجتمعات الإسلامية في الوقت الراهن، لا يعكس فكر الإخوان المسلمين الوسطي.

أما مقال الدكتور يحيى فرغل فقد جاء بمثابة “دفاع فقهي” عن سيد قطب في مواجهة الآراء التي طرحها الدكتور يوسف القرضاوي، فيحاول فرغل أن يأتي بأفكار تدعم ما نحا إليه قطب حول وجود مظاهر جاهلية داخل المجتمعات الإسلاميَّة حاليًا.

فيشير أولاً إلى أهمية الدور الذي لعبه سيد قطب في مواجهة التيارات التغريبية، ثم يضيف إنه بالفعل في المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة، وخصوصًا قبل الصحوة الإسلامية التي قادها الإمام البنا والشهيد سيد قطب والدكتور القرضاوي، هناك الكثير من الظواهر والممارسات التي تخرج عن نطاق مقتضى الشهادتَيْن.

ويقول أيضًا إن التجهيل لا يعني تكفير المجتمعات أو الحكم بكفرها صراحةً، ويشير إلى أن قطب كان يهدف من خلال مقولاته في هذا المجال إلى أن تبدأ المجتمعات الإسلامية في التعامل بإيجابية مع هذه الظواهر، ولكن بعد أن تبدأ في الخروج من حالة الجاهلية التي هي عليها.

ويعيب فرغل على المفكرين الإسلاميين أنهم لم يناقشوا أفكار قطب كما وردت في المعالم، من وجهات النظر الشرعية والسياسية والاجتماعية والتاريخية والحركية المختلفة، بعيدًا عن الآراء الشخصية أو القطوف التي يتم اجتزاؤها من كتابات وأفكار سيد قطب.

وإذا كان فرغل ينطلق من زاويةٍ فكريَّةٍ وفقهيَّةٍ في دفاعه عن قطب؛ فإنَّ الدكتور سلمان بن فهد العودة ينطلق في دفاعه عن قطب من زاويةٍ أخرى؛ وهي الزاوية الأخلاقية، فيقول: “إن فكر قطب أخذ الكثير من النقاشات بين مؤيد ومعارض، ولكن يجب الالتفات، بحسب العودة، إلى حقيقة مهمة مفادها أن سيد قطب في النهاية بشر، ومفكر له اجتهاداته التي يمكن الأخذ منها بعضه، والرد على البعض الآخر”.

الكاتب والباحث السوري محمد جمال باروت تناول فكر قطب، وخصوصًا كتابه الأشهر “معالم في الطريق” من زاوية أخرى، وهي موقف الإخوان المسلمين أنفسهم مما جاء فيه حول تكفير المجتمعات الإسلامية المعاصرة وتجهيلها.

وفي السياق، أكد باروت الإطار الذي ظهر فيه قطب، وهو ظروف محنة الإخوان المسلمين في السجون والمعتقلات في فترة حكم جمال عبد الناصر، والتي دفعت الكثير من الإخوان إلى محاولة تغيير بنية توجه الجماعة إلى تنظيم تكفيري راديكالي طليعي جديد.

وفي الإطار نفسه؛ خشيت قيادات الإخوان المسلمين في ذلك الحين، وعلى رأسهم المستشار حسن الهضيبي المرشد العام الثاني للجماعة، أن تتحول دعوة الإخوان المسلمين إلى إطار آخر غير الذي أسسها الإمام حسن البنا لأجله.

ولذلك قام المستشار الهضيبي بوضع رسالة “دعاة لا قضاة”، والتي انتقد فيها الكثير من المفاهيم التي جاء بها أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، وسيد قطب في الطبعات الأولى من الظلال وفي المعالم، وسمح لعلماء الإخوان المسلمين بتدريسها للصف الإخواني في المعتقلات لمحاصرة الأفكار التكفيرية التي كانت قد بدأت بالانتشار تحت طائلة التعذيب في السجون الناصريَّة.

ويشير باروت إلى أن فكر سيد قطب أخذ الكثير من النقاشات داخل جماعة الإخوان المسلمين لأن التطور الموضوعي للجماعة باتجاه الاستيعاب الإسلامي للمجتمع، يتناقض مع عملية السكوت عن أفكار سيد قطب حول الحاكمية وتكفير وتجهيل المجتمعات الإسلاميَّة الحديثة.

أما المقال الأخير في هذا الفصل، فهو للدكتور القرضاوي، والذي حرص في كلمته الأخيرة هذه عن موضوع سيد قطب التأكيد على مجموعة من الحقائق التي أشار إليها في مقالاته السابقة عن هذا الموضوع عاقدًا مقارنةً ما بين أفكار قطب وأفكار البنَّا الإصلاحيَّة.

ويقول: “إن هناك الكثير من الأعذار التي من الممكن أن تُلتَمس لقطب فيما كتبه، ومن بين ذلك أن ما كتبه في المعالم والظلال إنما أتى استجابةً لعوامل من بينها، أن هذا الفكر نتيجة اجتهاد من قائله، أسسه على ظواهر واعتبارات شرعية وعقلية، وهو اجتهاد يعذر صاحبه، بل يؤجر عليه أجرًا واحدًا.

وأضاف أن الظرف الذي ظهر فيه هذا الفكر وصاحبه، وذلك في سجون ومعتقلات عبد الناصر، في وقت كان فيه دعاة الإسلام يشنقون ويعذبون ويشردون، بينما الشيوعيون يمكن لهم يجعل لمتبنيه عذرًا أكبر، كما أنَّ قطب – يقول القرضاوي – لم يكن من المتاجرين بالدِّين؛ بل كان رجلًا صادقًا مخلصًا، وعاش لهذا الدِّين حتى قدم رقبته رخيصة في سبيل الله”.

وبين حسن البنا وسيد قطب يقول القرضاوي: “إن الروح العامة في منهج حسن البنا هي التسامح والانفتاح والحكمة والتدرج، بينما الروح العامة في منهج قطب هي التشدد والصرامة وإغلاق الأبواب”!

الفصل الرابع كان بعنوان “شهادات حول قطب والتكفير”، وفيه قدم المحرر مجموعة من الشهادات حول أفكار الشهيد سيد قطب في الحكم بتكفير وتجهيل المجتمعات الإسلاميَّة الحديثة.

وهذه الشهادات هي على التوالي:

1. شهادة سيد قطب نفسه، من كتاب “لماذا أعدموني”.

2. شهادة المرشد العام الثَّالث للإخوان المسلمين عمر التلمساني من واقع ما جاء في كتابه “ذكريات لا مذكرات”.

3. شهادة الحاجة زينب الغزالي كما وردت في حوارها مع مجلة “المجتمع” في العام 1982م.

4. شهادة الأستاذ عبد الحليم خفاجي في كتابه “عندما غابت الشمس”،

5. شهادة الأستاذ سيد نزيلي، وهو من قيادات تنظيم 65 المعروف إعلاميًّا بتنظيم القطبيِّين.

6. شهادة الأستاذ أحمد عبد المجيد، من تنظيم 65.

وأخيرا “شهادات حول قطب والتكفير”، للدكتور محمود عزت عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، والأمين العام السابق لها.

وفي حقيقة الأمر؛ فإنَّ كل هذه الشهادات حاولت أن تنفي عن قطب شبهة أنه حكم بتكفير المجتمعات المسلمة، وبعضهم، ومن بينهم المستشار التلمساني، ذكر وقائع سُئِلَ فيها سيد قطب: هل حكم بتكفير المسلمين؟؛ وكانت إجابته فيها بالنفي، كما أنَّها أجمعت تقريبًا على الظروف التي عاناها قطب وإخوانه في المعتقلات بين عامي 1954م وعام 1965م.

ولعل الشهادات الأهم التي وردت في هذا الإطار هي تلك التي وردت على لسان إخوان قطب في محنة 1965م باعتبار ملازمتهم لقطب، كذلك ما ورد في كتاب سيد قطب نفسه “لماذا أعدموني”، وننقل منه ما يلي من وقائع حكاها قطب حول موقف الإخوان المسلمين مما جاء في الظلال والمعالم في هذا الأمر:

“وقد حضر من عندهم للعلاج في طرة الأخ عبد الرؤوف أبو الوفا، فأبلغني خبر هذا الانزعاج من ناحية، واتجاه المجموعة في الواحة إلى عدم تكفير الناس من ناحية أخرى!. وقد قلت له: إننا لم نكفر الناس وهذا نقل مشوه؛ إنما نحن نقول: إنهم صاروا من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة، وعدم تصور مدلولها الصحيح، والبعد عن الحياة الإسلاميَّة، إلى حال تشبه حال المجتمعات في الجاهليَّة”.

ويضيف قطب أنَّه ذكر للأستاذ أبي الوفا: “وإنه من أجل هذا لا تكون نقطة البدء في الحركة هي قضية إقامة النظام الإسلامي، ولكن تكون إعادة زرع العقيدة والتربية الأخلاقية الإسلامية، فالمسألة تتعلق بمنهج الحركة الإسلامية أكثر مما تتعلق بالحكم على الناس!”.

الفصل الخامس والأخير من هذا الكتاب جاء بعنوان “صراع السلطة والمعرفة”، وتضمن مداخلة واحدة جاءت في صورة دراسة أو مقال تحليلي بعنوان “صراع السلطة والمعرفة في المجتمع العربي.. “معالم في الطريق” نموذجًا”، للكاتب والباحث السوري الدَّكتور رضوان جودت زيادة.

وفي هذه الدراسة تناول زيادة الظروف التي نشأت في إطارها جماعة الإخوان المسلمين، وكيف تطورت، كما قدم قراءات في فكر قطب من زاويةٍ مغايرةٍ تختلف عن النظرة التقليدية لسيد قطب من كونه أديبًا أم فقهيًا، فيقول زيادة: إن قطب كان مفكرًا ليبراليًّا أكثر من كونه مفكرًا إسلاميًّا، وإنَّ الكثير من أفكاره استقاها، وخصوصًا في الجانب الاجتماعي، بحسب زيادة، من مدارس فكريَّة أخرى مختلفة، من بينها الماركسية والليبراليَّة.

كما يؤكد زيادة الفكرة المحوريَّة التقليديَّة التي أكدها المجموع العام للمفكرين الذين قدم الكتاب إسهاماتهم، حتى ممَّن اتهموا قطب في أفكاره، وهي أنَّ الظروف والملابسات التي مر بها قطب والحركة الإسلاميَّة بوجهٍ عام في تلك المرحلة، كانت وراء ظهور مثل هذه الأفكار.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *