fbpx
دراساتسياسة

إعلانات العاصمة الإدارية.. ومستقبل الفقر في مصر

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

قبل ما يربو قليلا على العام، نشر كاتب مصري كبير[1] على حسابه بشبكة التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، يشكو من الإعلانات التي تصله على تطبيق “واتس آب”، بخصوص الوحدات العقارية المتوفرة في مدينة “العلمين الجديدة”، وكانت فحوى شكواه أن سعر المتر في الوحدة نحو 30 ألف جنيه (ألف دولار للمتر)، ما يجعل الوحدة في حدود 100 متر بمبلغ خارج قدرته المادية (3 مليون جنيه مصري)، ويتعجب الكاتب من وصولهم لرقم هاتفه، ومدى علمهم بقدرته المادية، حيث لفت لقدر من الضرر النفسي أصابه، وإن استعرض هذا الضرر بلباقة وظرف، يتناسب مع كونه كاتبا ساخرا. وهذا الحال، ربما لا يسمح بانتقال هذا الضرر النفسي من المجال الخاص إلى المجال العام. فالمفترض بكاتب مرموق أن يكون مستوى دخله مرتفعا، خاصة وأنه يكتب في صحيفة معروفة بارتفاع مقابل الكتابة فيها.

غير أننا في الآونة المعاصرة بتنا مدفوعين دفعا لنقل هذه القضية من المجال الخاص إلى حيز النقاش العام. لم يعد الأمر مقصورا على حادثة الكاتب المشار إليه، بل تجاوزت المتغيرات الراهنة هذه الصورة باتجاه وفرة الإعلانات عن الوحدات السكنية في العاصمة الإدارية، حيث لم تعد الإعلانات تأتينا – كما غيرنا – كما السابق على حساباتنا على تطبيق “واتس آب”، بل بتنا نراها في كل ما نعرض له من صفحات المواقع الإلكترونية للصحف، وحتى على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي والتدوين المصغر وحتى مواقع فيديو الهواة، ومن بينها موقع “يوتيوب”.

على خلاف المعهود، من إبقاء الأمر فيما يتعلق بتداول وحدات العقارات المطروحة ضمن “المحادثات الخاصة” بين العميل ومندوب التسويق، فإن الموجات الأخيرة من الإعلانات كانت واضحة بشكل جلي فيما يتعلق بالمساحة ونوع الوحدة والسعر، وبخاصة السعر، الذي يعود بنا لقصة الكاتب الساخر؛ الذي استهللنا الدراسة بالإشارة إليه. فاليوم، يطالع بعض ممن لا يجدون قوت يومهم كل يوم إعلانا عن توفر عقار يبلغ مقدمه (المبلغ الذي ينبغي دفعه مقدما قبل التقسيط In Advance) “وحده” ما يزيد على دخل قطاع من الشرائح الاجتماعية البسيطة خلال عشرين عاما، وعلى دخل قطاع ممن ينتمون للشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى لمدة 5 أعوام، فيما قد تبلغ قيمة القسط الواحد لهذه الوحدة قيمة دخل مطالع الإعلان لمدة عام كامل، وربما عامين. ويضاف لهذا الاعتبار كذلك أن مستويات الدخول في القطاع الخاص تشهد تخفيضا بالنظر لجائحة «كوفيد-19» وتحوراته، في توقيت تشير فيه الأجهزة الإحصائية للدولة المصرية إلى مستوى نمو اقتصادي بلغ 2.5% في الإجمالي، يشمل جميع مجالات عمل القطاع الخاص[2]، ما يضيف لمصادر الأذى مصادر أخرى.

وكان لافتا لنظر الباحث أن تتجه، باعتبار الباحث من المهتمين بحقل شبكات التواصل، ويعرف طريقة الإعلان بها، وقدرتها الفائقة على التوجه بدقة لنوعية العملاء الذين يناسبون موضوع التسويق، سواء من حيث الحاجة للمنتج /الخدمة، أو من حيث المستوى المادي للعميل؛ وعلاقة هذا المستوى بقدرته على سداد ثمن الوحدة، سواء نقدا أو مقسطا. الأمر فيه مشكل. وإذا كان كل من “فيسبوك” قادرا على توجيه الإعلان للشرائح التي تمثل العميل المناسب لهذا الإعلان، فإن “جوجل” أكثر قدرة من “فيسبوك” على أداء هذا الدور. فضخامة كمية البيانات التي يخزنها جوجل، سواء من خلال “محرك البحث”، أو من خلال “زواحف” المتابعة والكعكات “كوكيز” التي تزج بها الموقع لمتصفحاتنا، وكثير منها يرتبط بموقع “جوجل”، هذا الكم الهائل من البيانات يمكن شركات التسويق من الوصول لعملائها بصورة مباشرة من دون أن يدفعوا أناسا بوزن كاتبنا البارز للتبرم والتعبير عن ضيقه من مستويات تسعير هذه الوحدات العقارية. هذه الصورة تدفعنا لتبني أحد تفسيرين؛ لا ثالث لهما، فإما أن شركات التسويق ليس لديها استعداد للإنفاق على تحليلات “جوجل” من أجل الوصول لنوعية معلومات الزبائن الذين تبغي الوصول إليهم، وإما أن تسويق الوحدات العقارية الجديدة بات يواجه أزمة، ما دفع الشركات لتوسيع نطاق النشر، كما دفع السلطات لاتخاذ إجراءات استثنائية، نتحدث عنها في متن الدراسة. ولا يميل الباحث في هذا الإطار للظن بأن ثمة جناح في السلطة يرمي إلى تسريع (Accelerate) “الحنق الاجتماعي”، فاللجوء لهذا الخيار من باب “المسكنات الاجتماعية” التي لا يمكن الارتكان إليها إلا مع توفر قرائن واضحة.

الشرائح المتضررة من هذا النمط الإعلاني واسعة بشكل مدهش. نحن هنا لا نتحدث قطعا عن قطاع من المواطنين لا يجدون قوت يوم واحد حرفيا، بالرغم من أن “الهواتف الذكية ومستويات تسويقها، الجديدة والمستعملة، وحتى المنهكة، صارت في أيدي الجميع في مصر تقريبا، بما في ذلك “أطفال الشوارع” (مشاهدات مباشرة للباحث)، بل يقتصر الحديث هنا على تلكم الشريحة القادرة على توفير اتصال إنترنت في حده الأدنى، يتيح لهم الوصول لشبكة “فيسبوك”؛ باعتبارها الشبكة الأكثر شعبية في مصر، أو الوصول لتطبيق “تيك توك” باعتباره التطبيق الشعبي الثاني في مصر اليوم.

المقدمة هنا تشير إلى وجود أزمة ما في مستقبلات هذه الإعلانات، كما تشير لوجود تداعيات لاستقبالها كذلك. فما هي ملامح الأزمة؟ وما تداعياتها؟ هذا موضوع الدراسة.

أولا: إعلانات البذخ.. المسار إلى الأزمة

من أهم ملامح الأزمة المرتبطة بحالة سيولة الإعلانات المستفزة أن نتعرف على مساحة ما يمكن تسميته بالاختلال الفادح في توزيع الدخل وفي توزيع الثروة كذلك. هل نحن فعلا أمام اختلال فادح؟ أم أن الصورة لا تشي بهذا الاختلال الفادح؟ التساؤل الثاني حيال الأزمة يرتبط بالملامح التي تسبب إشكالا حقيقيا لدى عامة المصريين. فما هي مصادر تبلور الإشكال؟ ومن جهة ثالثة، بدا أن هناك اهتماما من المؤسسة الدينية الإسلامية المصرية بكبح هذا التوجه. فما ملامح توجه المؤسسة الدينية في هذا الإطار؟ وما كوابحه؟ هذه الأسئلة موضوع المحور الأول.

أ. الفقر في بر مصر

في أبرز المؤشرات التي ساقتها بيوت التفكير الدولية على حالة عدم المساواة؛ تلك البيانات التي نشرتها قاعدة بيانات اللامساواة الدولية[3]، نجد أنه في العام 2019، نسبة 1% (واحد بالمائة) من أعلى المصريين دخلا يحصلون على 19% من إجمالي الدخل، فيما يحصل الـ 50% الأقل دخلا (خمسون بالمائة) على 17.2% من إجمالي الدخل القومي في مصر. وتحصل نسبة الـ10% الأعلى دخلا في مصر على نسبة تبلغ 48.7% من الدخل القومي. الأرقام أمامنا تكشف أن مليون مصري فقط يحصلون على نسبة من الدخل القومي تفوق مجموع ما يحصل عليه 50 مليون مصري، وأن الـ10% الأعلى دخلا يحصلون على نحو 50% من إجمالي الدخل القومي، أي أن 90% من المصريين يحصلون على نصف الدخل القومي للبلاد؛ فيما يذهب النصف الآخر لعشرة ملايين مصري. وهذه الأرقام تكشف حجم الاختلال الفادح في الدخول، وتلقي بشكوك واسعة حول جدية ما أعلنه “الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء” المصري حول متوسط الدخل السنوي للأسرة المصرية، والذي تطور – بحسب المركز – من 13.46 ألف جنيه سنويا في 2004 – 2005 إلى 58.85 ألف جنيه سنويا في 2017 – 2018[4]، حيث يميل المؤشر لقياس متوسط حسابي بسيط للدخل الأسري متجاوزا واقع الاختلال الفادح في الدخل بين الأسر، وتؤدي طريقة المسوح لمنح نتائج مضللة في البيانات لمجرد امتناع بعض المبحوثين عن الإجابة بدقة على أسئلة المسح أو حتى اختيار عدم الرد.

غير أن قضية التفاوت في الدخول تمثل مدخلا لقضية أساسية أكثر خطورة في مصر. فمن حيث حال عدم المساواة في الثروة، كان أغنى 10% من المصريين يمتلكون 61% من إجمالي الثروة في عام 2000 ، على الرغم من حصولهم على 28.3% فقط من الدخل. وفي عام 2007، قفز نصيبهم من الثروة إلى 65.3% رغم انخفاض نصيبهم من الدخل إلى 25.57% في عام 2008، وهو ما يجعل الفجوة في توزيع الثروة من أكبر فجوات الثروة في العالم. ووفقا لدراسة أجراها المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والاستراتيجية (IRIS) في عام 2017، وجدت أن مصر كانت ثامن أسوأ دولة من حيث توزيع الثروة. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه في عام 2014، امتلك أغنى 1٪ من المصريين نصف ثروة جميع المصريين، مقارنة بامتلاكهم ثلث هذه الثروة في عام 2000[5].

هذه الصورة تحاول بعض المؤسسات الدولية موازنتها بتقديم مؤشر آخر لكنه مشوه. ووفق معالجة المؤشر وفق بيانات “إندكس موندي”، فإن المؤشر في مصر بلغ مستوى 31.80 اعتبارًا من عام 2015، وكان قد وصل هذا المؤشر على مدار الـ 25 عامًا الماضية إلى قيمة قصوى قدرها 32.80 في عام 1999، فيما وصل إلى قيمته الدنيا في عام 2012 بمستوى 28.30 نقطة[6]، وهي الفترة التي شهدت فيها مصر “ثورة يناير”. فماذا يعني هذا المؤشر؟ وما طريقة بنائه؟ برغم تدني نسبة مؤشر المساواة، فلا يعكس مؤشر البنك الدولي / موندي حقيقة الصورة التي كشفتها قاعدة بيانات اللامساواة الدولية، وذلك لتأثره بتعديلات المتوسطات الهندسية التي تؤثر في المقام الأخير على الصورة الحقيقية.

ووفق تعريف البنك الدولي، يقيس مؤشر “GINI Index” مدى انحراف “دخل الفرد أو الأسرة”، وفي بعض الأحيان يقيس انحراف “الإنفاق الاستهلاكي”، عن التوزيع العادل للدخل. ويعتمد هذا المؤشر على قياس المسافة بين “منحنى لورينز” (يحدد النسب المئوية التراكمية لإجمالي الدخل المستلم مقابل العدد التراكمي للمستفيدين، بدءًا من أفقر فرد أو أسرة) والخط الافتراضي للمساواة المطلقة، معبرًا عنه كنسبة مئوية من أقصى مساحة تحت الخط. وبالتالي، فإن الرقم “صفر” على مؤشر جيني يمثل مساواة تامة، فيما يشير مؤشر 100 إلى حالة انعدام المساواة بصورة كاملة[7].

غير أن دراسة أجراها د. عادل عبد الغفار لصالح شبكة “وايلي”، يحاجج فيها بأن هذه الأرقام تعطي صورة مضللة. يرى “عبد الغفار” أن المشكلة الرئيسية في مؤشر “جيني” تتمثل في عدم قياس المداخيل العليا، ما يؤدي لتحول قياس عدم المساواة إلى تجسيد صورة غير واقعية. وتعزي الدراسة سبب ضعف صدقية المؤشر إلى أنه يتم قياس عدم المساواة في الدخل أو الإنفاق باستخدام مسوحات ميزانية الأسرة في عينة ممثلة للسكان، وأنه إذا كان تصميم عينة المسح صحيحا، واستجاب جميع الأفراد بدقة لجميع أسئلة الدخل والإنفاق، فستكون هذه الاستطلاعات مثالية لقياس عدم المساواة. أما إذا اختار المستجيبون عدم الرد على الاستطلاعات، ولم يرد الآخرون على أسئلة الدخل أو الإنفاق، فإن هذا يؤدي إلى ضعف صدقية المؤشر. ويلفت “عبد الغفار إلى أن هناك نقاشًا أكاديميًا مستمرًا حول النهج الذي يقترب من تحديد عدم المساواة، وفقًا لمؤشر البنك الدولي، وأن هناك إجماعا على أن مؤشر عدم المساواة في مصر محدود الصدقية بشكل كبير[8].

وتميل الحكومات المصرية لاستخدام لعبة الأرقام للتظليل على الصورة الحقيقية لوضع الفقر في مصر. حيث أعلن مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري في ديسمبر من العام 2020، إن معدل الفقر في مصر سجل 29.7%، معتبرا أن هذا التراجع “يعكس جدية الحكومة المصرية في محاربة الفقر”[9]، وكان معدل الفقر – بحسب بيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2017- 2018 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، قد سجل نسبة 32.5% من إجمالي المصريين[10]، وهي النسبة التي كانت في هذا التوقيت تعكس زيادة معدل الفقر مقارنة بالعام 2015 بإضافة شريحة جديدة تبلغ نسبتها 5% من المصريين، حيث كان مؤشر الفقر في 2015 يبلغ 27.8% من إجمالي المصريين.

في هذا الإطار، تصدر إقليم صعيد مصر (جنوبي البلاد) قائمة المحافظات الأكثر فقرا في الجمهورية، ورغم ارتفاع متوسط معدل الفقر، فإن الصورة تبدو أكثر قتامة مع الاطلاع على أرقام محافظات صعيد مصر (الجنوب المصري))، حيث سجلت محافظة أسيوط أعلى نسبة فقر بين مواطنيها بلغت 66.7%، تلتها محافظة سوهاج بنسبة 59.6%، ثم الأقصر 55.3%، والمنيا 54%، ثم محافظة قنا 41%[11]. ويشير تقرير مجلة “ذي إيكونوميست” في هذا الصدد لبيان البنك الدولي الذي أعلن تعقيبا على بيان 2019 بان 60% من المصريين بين شرائح الفقراء أو الأشد فقرا[12].

وتحدد مصر خط الفقر القومي عند مستوى إنفاق سنوي للفرد يبلغ 8800 جنيها (564 دولارا تقريبا)، بواقع معدل إنفاق شهري يبلغ 733 جنيها (47 دولارا تقريبا)، فيما تحدد خط الفقر المدقع عند مستوى إنفاق سنوي يبلغ 5900 جنيها (378 دولارا تقريبا)، بمعدل إنفاق شهري يبلغ 491 جنيها (31 دولارا تقريبا)[13]. ويحدد البنك الدولي مستوى الفقر كقيمة عالمية تأخذ في حسبانها مستويات الاقتصاد عبر دول العالم المختلفة بمعدل 3.2 دولارا يوميا؛ أي 96 دولار شهريا، فيما تعتبر خط الفقر المدقع 1.9 دولارا يوميا (أي 57 دولارا شهريا)[14]، أي أن حد الفقر المدقع في مصر يبلغ نحو منتصف المعدل الذي يعتمده “البنك الدولي” عالميا؛ آخذا في الحسبان تفاوت مستويات الدخول عبر العالم. وهو ما يشير لكارثة فعلية عندما نعود لحقيقة أن المتوسطات التي يسوقها “الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء” المصري لا يأخذ في الحسبان حقيقة التفاوت الحاد في الدخول الذي كشفته قاعدة بيانات اللامساواة الدولية.

ومما يعمق الأزمة أن الإعلانات التي نحن بصددها تواجه نسبة بطالة عامة تبلغ نحو 7.9% من عموم السكان، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وترتفع هذه النسبة إلى 21.77% بين الإناث، فيما ترتفع إجمالي نسبة البطالة في محافظات مثل دمياط لتبلغ نحو 21.1%، و15% في محافظة دمياط، و12.7% في محافظة بورسعيد، وتتراوح التقديرات بين 11.4% و15.5% في محافظة القاهرة، و10.9% في الإسكندرية، وهي محافظات يعتبرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء من المحافظات الثرية. كما تعلو نسبة البطالة في فئتين أساسيتين من فئات التعليم، أكبرهما فئة التعليم الجامعي وفوق الجامعي بنسبة 48.8%، وثانيتهما فئة التعليم فوق المتوسط، لتبلغ نسبة البطالة في هذه الشريحة 34.9% من إجمالي البطالة[15]، وهي أرقام تعني أن العملية التعليمية في مصر تسير بدون أي تخطيط لاستيعاب المتعلمين النوعيين في سوق العمل، لتتبقى فئات غير المتعلمين بصورة أساسية فئات تنخفض في أوساطها معدلات البطالة. ولا يذكر التقرير نسبة البطالة في أوساط الشرائح العمرية الأكثر شبابا.

يعاد إنتاج عدم المساواة من خلال إدامة وتقاطع أنواع مختلفة من عدم المساواة، منها تفاوت الدخل وفروق الثروة والتعليم والنوع والتوظيف والصحة. هذه المسارات من عدم المساواة تتكرر عبر الأجيال، وتكرس نفسها وتمنع الحراك الاجتماعي. ويضيف خبراء موردا جديدا لتكريس التفاوت، ألا وهو مورد النظام الضريبي.

لقد قامت السياسات الحكومية على مدى العقدين الماضيين بتحويل عبء الضرائب لعاتق ذوي الدخل المنخفض. وفي أعقاب ثورة يناير 2011، كانت هناك محاولات متواضعة لزيادة معدل الضريبة لفئات الدخل الأعلى، وإدخال شكل جديد من الضرائب التصاعدية المعتدلة. هذه المحاولات الإصلاحية واجهت مقاومة شرسة من جماعات رجال الأعمال، بحيث ارتفع معدل ضريبة الدخل لأصحاب الدخول الأعلى لفترة وجيزة إلى 30% في أعقاب الثورة، لكنه لم يلبث أن انخفض إلى 22.5% في أغسطس 2015. غير أن هذا المعدل الضريبي نادراً ما يجد سبيله للتنفيذ، وذلك بالنظر لتمتع رجال الأعمال المصريين بفرص أفضل للحصول على حوافز وإعفاءات ضريبية، ما يجعل مصر – فعليا – أقرب إلى تطبيق نظام الضرائب التنازلية الشديدة. الأمر ذاته ينطبق على ضريبة القيمة المضافة، حيث يقع عبء هذه الضريبة بشكل أكبر على فقراء مصر الذين يميلون لاستخدام الجزء الأكبر من دخلهم في المشتريات المتعلقة بالاستهلاك. وفي هذا الإطار، ينفق 10% من أفقر المواطنين في البلاد 6.4% من دخولهم على ضريبة القيمة المضافة، بينما ينفق أغنى 10% 3.34% فقط من دخولهم على نفس الضريبة[16].

ب. الملامح غير المباشرة للتوجهات الإعلانية العقارية

ينطلق الباحث من فرضية مفادها أن ثمة توجه صريح لتوسيع نطاق الإعلانات الخاصة بالعقارات الجديدة، لكنها لا تراعي الأوضاع الاجتماعية والثقافية للشطر الأعظم الساحق من المصريين. ما الملامح التي يمكن أن تخلص منها لتأكيد صحة هذه المقولة؟ هناك اعتباران أساسيان يجيبان على هذا التساؤل:

الاعتبار الأول: الدولة الجديدة بلا التزامات: أن الإعلانات، سواء منها ما كان نصيا أو مصورا (فيديو) يتضمن تفاصيل من الترف تقابلها عدة ظواهر سلبية في أرض الواقع. تستعرض هذه الإعلانات درجة عالية من التخطيط في مواجهة حالة عشوائية واضحة، كما تعرض درجة عالية من الجمال في مواجهة حالة مزرية من القبح تعم العاصمة القاهرة وجميع المحافظات؛ لحد يبدو الجمال فيه ظاهرة فردية؛ وينظر إليه باعتبارها من باب الكماليات. ومن جهة ثالثة، ترتبط هذه الإعلانات بالمبالغة في استعراض النظافة والتركيز على الخدمة المرتبطة بها، في توقيت تسوء فيه حالة المدن بسبب تضاؤل الاهتمام بملف النظافة، ومأسسته بصورة تعالج الثغرات اللافتة في هذا الملف. وفي ملمح أخير، تهتم هذه الإعلانات بالإشارة لكون التجمعات الترفيهية متمتعة بنظام أمن خاص بها، وهو ملمح لافت في ظل ضعف مستوى الخدمة الأمنية التي يحصل عليها المواطن في عموم محافظات مصر.

الانقسام في المزايا الاجتماعية على هذا النحو تمثل امتدادا لثقافة الانقسام الاجتماعي التي بدأت مصر تعرفها منذ التسعينيات بصورة واسعة نسبيا، وهي صورة “الكمبوندات المغلقة” أو “المستوطنات” التي تحفظ قاطنيها من “الآخر المصري” الذي يعدو باتجاه الخروج من دوائر التاريخ والحضارة؛ مفتقدا الأمن والثقافة واللياقة الاجتماعية (شكلا وسلوكا) للتعاطي مع قاطني المستوطنات. هذه الروح ربما عبرت عنها – استعارة – إحدى الأغنيات التي روجت لها سلطة 3 يوليو في أعقاب انقلابها العسكري مباشرة، “إحنا شعب وانتو شعب”، حيث باتت هذه الاستعارة حاضرة بقوة في ذهن رجل الشارع، لكنه حضور مغاير للهدف الذي من أجله جرى الاحتفاء بالأغنية، فالشعبان المنقسمان الآن أحدهما يقطن هذه المستوطنات المغلقة، فيما الشعب الآخر يقبع خارجها، وهي الصورة التي تعززها فكرة “العاصمة الإدارية” التي دشنتها سلطة 3 يوليو اليوم.

ثمة رسائل عدة موجهة للمصريين من خلال الصورة التي استعرضناها، لكن الرسالة الأساسية التي توجه لهم تتمثل في أن الدولة الجديدة المراد الترويج لها هي دولة بلا التزامات اجتماعية. وأي مزية يرغب فيها المصري، عليه أن يدفع ثمنها. وبين سطور هذه الرسالة الأساسية يثور التساؤل عن جدوى الدولة.

الاعتبار الثاني: دولة تهدم الدولة: هذا الاعتبار يتعلق بمحاولات نشر القبح خارج هذه المستوطنات باهظة التكلفة. أحدث الخطوات في هذا الصدد تتمثل فيما يحدث في ضاحية المعادي (جنوب القاهرة)، والتي تلقى فيها سكان “شارع 250″ و”ميدان الجزائر” إنذارات بالإخلاء، وذلك من أجل إنشاء 3 محاور تربط هذه الضاحية بالتجمعات العمرانية المجاورة. وهذه المنطقة تنطوي على حدائق تمثل مصدر بهجة في المكان، وبها أشجار نادرة يؤكد المقيمون بالمكان أنها مزروعة منذ اكثر من ألف عام، كما تشتهر هذه المنطقة بتجارة الورد، وعلى هذا الجمال أن ينزوي اليوم ليحل محله أحد تمثلات “صرعة الكباري” التي تجتاح مصر اليوم، والتي بلغ القبح ببعضها أنها تكاد تلتصق بنوافذ المنازل. يضاف لهذا، أن مكالمات الإنذار بالإخلاء رافقتها تأكيدات على أن المنذرين بالإخلاء لا ينبغي أن يتوقعوا تعويضات من الأساس، فضلا عن أن تكون هذه التعويضات عادلة[17].

لم تكن ضاحية “المعادي” أولى الضواحي التي تعاني هذا التجريف، وذلك القبح، فقد سبق لأرقى أحياء القاهرة، “حي مصر الجديدة” (شرق القاهرة)، أن عانى من نفس المأساة، حيث شهد حي مصر الجديدة، توجها تنفيذيا بقطع الأشجار في عدد من أجمل مناطق الحي؛ وذلك لإنشاء 5 كباري وهو الأمر الذي وصفه أهالي الحي بـ”المذبحة”، وقدم بعضهم شكاوى لمحافظة القاهرة لوقف هذا العدوان على المسطحات الخضراء والتراث المعماري للحي[18]، ما دفع المحافظة لإعادة زرع الأشجار المقطوعة!؟ لكن في منطقة أخرى لا تتميز بنفس المستوى المعماري والتخطيطي للمناطق المقتلع منها الأشجار[19].

وتتذرع أجهزة المحافظات المصرية القريبة من “العاصمة الإدارية” بمشكلة التكدس المروري لتنفيذ هذه الجرائم البيئية، وتجريد المناطق ذات الطرز المعمارية وأسلوب التخطيط المتميز من مواطن جمالها، ما من شأنه أن يدفع أهالي هذه المنطقة للهجرة منها باتجاه “العاصمة الجديدة”، والتي تقترن مساعي التحول إليها بتسهيلات ائتمانية تناسب المستوى الاجتماعي لسكان هذه المناطق التي يجري تشويهها.

مظاهر نشر القبح ليست جديدة، فملف النظافة لم يحسم حتى اليوم رغم أن أحد قطاعاته “إدارة المخلفات الصلبة” بات بيد المؤسسة العسكرية، ما يبدو معه أن من يحمل وجها للاستفادة من الملف ينفذه بصرف النظر عن مجمل الملف، فاهتمت المؤسسة العسكرية بملف المخلفات الصلبة؛ فيما بقي الملف الأساسي غير مفتوح أمام الجهاز السياسي للدولة. ويقال مثل ذلك حول مشروعات البنية التحتية التي تراجعت أولويتها تحت وطأة مطالب “العاصمة الإدارية، وباتت شوارع شهيرة في القاهرة محفورة تنتظر الاستكمال، فيما ذهبت الأولوية التنفيذية للمحاور المفضية لـ “العاصمة الإدارية”. وتبقى ملفات مفتوحة كثيرة.

ج. الخطاب الديني الرسمي في القضية

كان لافتا أن تتحرك إحدى القنوات الفضائية لتثير تساؤلا حول الإنفاق الاستهلاكي الاستفزازي، ما دفعها للجوء لأحد علماء الأزهر لتقديم إجابة عن الملف، وكان اللقاء مع الدكتور عبد الله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية، والذي أعلن أن التفاخر بالنعم التي أنعم الله بها على الإنسان، من خلال نشر الصور التي تدل على الثروة الكبيرة والغني الفاحش، نوع من الاختيال والتفاخر بالنعمة، وهذا صفة ذميمة وتدل على “نقص” في النفس الإنسانية، واستغلال النعمة وهي من عطاء الله عز وجل فقط. وأضاف أن الدين يقول إن الإنسان يستعمل النعم ما دامت حلالا، ولكن هناك واجبا عاما؛ ألا يختال بها على الناس وأن يكسر بها قلوب الفقراء والمحتاجين، فكسر القلوب عند الله شيء عظيم[20].

وفي رؤية د. النجار أنه من الصحيح أن الله خلق الناس طبقات، ولكن لا يجوز أن نتجاوز فيها على بعضنا. فالقادر لا يسحق – حتى لو نفسيا – غير المقتدر. فيجب أن يكون هناك نوع من التراحم ونوع من مراعاة مشاعر الناس، لأن الاختيال والتفاخر المبالغ فيه بالنعمة فيه أذى لأناس كثيرين”.

وبالعودة للمرجعية الإسلامية، يؤكد “النجار” أن إظهار النعم التي تزيد على الحد على مواقع التواصل الاجتماعي ليس له مبرر، فما الفائدة من صور راجل يركب عربية فارهة بملايين الدولارات، ويعيش في مجتمع فيه أناس كثر لا يجدون قوت يومهم، فعليه أن يستحي من الله، لأن في ذلك كسر للقلوب.

وحول استناد من يقوم بهذا الفعل على الآية القرآنية “وأما بنعمة ربك فحدث”،  قال عضو مجمع البحوث الإسلامية: “هم لا يعلمون أن التحدث المقصود في قول الله تعالى ليس الافتخار وإظهار النعمة، وإنما أن يعاون الناس ويساعدهم بهذه النعمة، وحتى أن كانوا يحملون نية طيبة يساعدون الفقراء والمحتاجين فعليهم أن يكملوا فعلهم ولا ينشرون هذه الصور”.

المساحة التي يتحدث بها د. عبد الله النجار لا تتعلق بالإعلانات، بل بالسلوكيات الاجتماعية المرتبطة بامتلاك السلع الاستهلاكية الترفيهية، ومن ثم التباهي بها، واستعراض امتلاكها. غير أن القضية تنتمي مقاصديا لنفس المربع المرتبط بالقضية الكلية ذاتها. فمن لا يجد قوت يومه يطالع كل يوم إعلانا عن توفر وحدة سكنية أو ترفيهية يبلغ المبلغ الذي ينبغي دفعه مقدما فيها “وحده” ما يزيد على دخل قطاع من الشرائح الاجتماعية البسيطة خلال عشرين عاما، وعلى دخل قطاع ممن ينتمون للشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى لمدة 5 أعوام. هذا ناهيك عن أن قطاع من المواطنين لا يجدون قوت يوم واحد حرفيا على نحو ما أسلفنا، وكان لافتا أن نرى ناشطين يعرضون صورا لأناس يبحثون في القمامة عما يقتاتون به.

وربما يرجع ضعف الاجتهاد في هذه المساحة لحالة الضعف الهيكلي الذي ينتاب مراكز التفكير المرتبطة بالمؤسسات الدينية التي تحرص سلطة 3 يوليو على إفقارها وإخضاعها، وإدماج نتاجها فيما يتعلق بأهدافها الخاصة بالتمكين لسلطة 3 يوليو ورؤاها. يتبدى هذا الضعف والإلحاق بصورة واضحة في تلكم الاستجابات السياسية التي تبديها مؤسستا وزارة الأوقاف المصرية، ودار الإفتاء المصرية بصورة خاصة، والتي يحاول الأزهر قدر الإمكان النأي عن مثيلاتها، تحت سقف منخفض من حرية الحركة، بلغ حد منع الأزهر وممثليه ورئيسه من السفر للخارج من دون إذن، وبلغ الأمر معه حد محاولة اغتيال شيخ الأزهر، في 2017 بعد خلافه مع رأس سلطة 3 يوليو حول قضية الطلاق الشفوي، وإحراجه له برفض الحل الذي قدمه رأس سلطة 3 يوليو لظاهرة ارتفاع نسبة الطلاق الشفوي[21].

ومن جهة أخرى، وفي نفس هذا السياق، فإن وضع “الركود الاقتصادي” الذي تعاني منه البلاد إثر حال تفاقم المديونية، ودخول المؤسسات الأمنية للميدان الاقتصادي، وتحولهما لجهات ذات نفوذ، تؤثر سلبا في وضع السوق، وخروج المنتجين غير الدولتيين من المنافسة، هذه الاعتبارات قادت إلى وضع من الركود؛ صار معه من المحظور أن تتوجه المؤسسات الدينية الرسمية لاستهجان آليات التسويق السائدة، أو آليات التسويق التي يجيدها السوق المحلي، بالنظر لمردوداتها السلبية: النفسية والاجتماعية وحتى السياسية. وفيما يترقب المجتمع من هذه المؤسسات الدينية تقويم الخطاب الإعلاني، تتجه سلطة 3 يوليو نحو الاستعداد لقمع ما يترتب على هذا الخطاب في الوقت الذي تعمل لحظر توجه المؤسسات الدينية فيه نحو تقويم هذا الخطاب أو نقده.

بالخوض في موقف المؤسسة الدينية، يدفعنا لتناول قضية قيمية أخرى مرتبطة بالمرجعية الإسلامية كذلك، وهي قضية مقاومة الحسد واشتهاء الدنيا، فالحسد المنهي عنه هو بحكم التعريف: تمني زوال النعمة. كما أن اشتهاء الدنيا هو مراد الشارع من قوله: “وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ” (طه: 131). وكلا الأمرين لا يعني الاستسلام للواقع الاقتصادي الاجتماعي، لكنه يعني ألا يؤدي السعي لرفع القدر في الدنيا إلى “علو” أو “فساد في الأرض” من جهة، أو إلى “طاقة نفسية مدمرة” تقود المجتمع للتردي.

في هذا الإطار، تطالب الشريعة المسلم عموما بالاجتهاد لتحقيق مراده وإعمار الأرض والإفادة من هذا الإعمار، في الوقت الذي تنهاه عن التطلع لما في يد غيره، فضلا عن تمني زوال هذه النعمة (الحسد). ليس من طبيعة الدين أن يسلم للأوضاع الجائرة بالاستمرار، وأن يتحول كما ترتأي خطابات المادية الكلاسيكية إلى “مخدر” للإنسان. هذه الرؤية المتزنة تصطدم من جهة أخرى بانغلاق البيئة الاقتصادية، وتوحش المنافسة، ودخول الدولة طرفا غير عادل في المعادلة الاقتصادية، سواء أكان دخولها بنفسها في صورة رأسمالية الدولة، أو عبر مؤسساتها الأمنية، والتي تحول تدخلها الاقتصادي لنفوذ يقضي على بيئة المنافسة، ويحول دون إمكانية استيعاب البيئة الاقتصادية للراغبين الجدد في الانضمام. في هذا الإطار تتحول الرؤية المتوازنة باتجاه آخر يدفع إما إلى الحسد أو إلى التغيير أو إلى الجريمة. فإلى أي حد بلغت الأمور في بر مصر؟ هذا ما ندرس ملامحه في المحور الثاني من الدراسة.

ثانيا: عدم المساواة.. التداعيات

هناك عدة اقترابات حاولت تبصر تداعيات عدم المساواة على المجتمعات التي ظهرت فيها هذه الظاهرة، بعض هذه الاقترابات نفسية، وبعضها سياسية، والبعض الآخر اجتماعي / اقتصادي. وثمة عشرات الدراسات أوجزها الباحثان الأمريكيان “نيكولاس باتريك” و”شيجيرو أويشي”[22] لفتت إلى عدد من هذه المداخل. فالتفاوت في الدخل أدى في بعض الدول إلى عواقب اقتصادية سلبية، حيث أظهرت بيانات اللوحة من النصف الثاني من القرن العشرين أن البلدان ذات التفاوتات المرتفعة في الدخل نمت بشكل أبطأ، كما أشارت دراسات إلى أنه من غير المرجح أن يستمر النمو في البلدان التي ترتفع فيها معدلات عدم المساواة بمرور الوقت.

ومن جهة أخرى، فإنه في البلدان التي ترتفع فيها معدلات عدم المساواة، يميل سكان هذه البلدان للمعاناة من حالة صحية أسوأ، وهذه الظاهرة لا ترتبط بالفقراء فقط، بل بتدهور صحة الأثرياء كذلك. واتجهت دراسة إلى أنه إذا تم تقليل عدم المساواة في 30 دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى مستوى كندا أو أستراليا تقريبًا، فمن الممكن أن يكون هناك أكثر من 1.5 مليون حالة وفاة.

ومن جهة ثالثة، يرتبط التفاوت الأكبر في الدخل أيضًا بانخفاض مستوى الرفاهية. فقد أكدت دراسات مختلفة بأن المناطق غير المتكافئة أكثر بها مستويات أعلى من الأمراض العقلية، وتداعياتها المتمثلة في الجريمة، وبخاصة القتل والاعتداء، علاوة على أمراض السمنة والوفاة المرتبطة بها، بالإضافة إلى تعاطي المخدرات وحمل المراهقات والعنصرية والسجن وعدد من المشكلات المجتمعية الأخرى.

يدلف الباحثان “باتريك” و”أويشي” لتداعيات ظاهرة غياب المساواة في الدخل من خلال أدوات علم النفس متضافرا مع علوم الاقتصاد والسياسة والاجتماع، ويريان أن ثمة مدخلين أساسيين لقياس أثر هذه الظاهرة سلبا على المجتمعات.

1. المدخل الأول / هدم الثقة العامة:

يستعرض الباحثان عدة دراسات تتعلق بهذا المدخل، حيث أظهرت استيبانات بحثية أنه كلما زاد تفاوت الدخل في منطقة معينة؛ قل ثقة أعضاء تلك المنطقة ببعضهم البعض. وقد أظهرت مسوح اجتماعية واسعة أجريت بين العامين 2005 و2013، أن الأشخاص في المجتمعات ذات المستويات الأعلى من عدم المساواة هم أكثر عرضة للاعتقاد بأن نظامهم غير عادل، وأن أولئك الذين يتقدمون يفعلون ذلك بشكل مخادع، وأن الأشخاص الأقل حظًا هم الأكثر “حسدًا” (أو لنقل هجوما على أصحاب الثروات) في أوقات ارتفاع عدم المساواة. ويلفت الباحثان إلى أن العمل التجريبي  الذي يعالج الحرمان النقدي النسبي في المختبر، يخلص لنفس النتائج إلى حد كبير[23].

وقد ربطت إحدى الدراسات “التجريبية الروابط بين عدم المساواة وانعدام الثقة وتكوين المجتمع والنمو الاقتصادي، من خلال  لعبة محاكاة مجتمعية، ووجد الباحثون أنهم عندما بدأوا التجربة في حالة من عدم المساواة، ومنح بعض المشاركين في البداية أموالًا أكثر من غيرهم وإعلام الجميع بمدى الثروة التي يمتلكها جميع المشاركين، فإن هؤلاء المشاركين الذين بدأوا في الثراء كانوا أقل احتمالا للدفع للاستفادة. وخلال التجربة، أدى الفشل في المساهمة في الصالح العام إلى زيادة مستويات عدم الثقة في جميع أنحاء التجربة، وخلق تجمعات متفرقة، وفي نهاية المطاف تباطؤ نمو اقتصاد التجربة مقارنة بنموذج أساسي بدأ من قاعدة المساواة في التمويل.

وقد يؤدي عدم المساواة أيضًا إلى تقليل الثقة من خلال آليات أكثر هيكلية. ففي البلدان التي تعاني من غياب التكافؤ، تقل احتمالية تفاعل الأشخاص من مختلف الطبقات الاجتماعية مع بعضهم البعض، حيث تكون الجماعات المختلفة أكثر عرضة للعيش في أحياء مختلفة، وإرسال أطفالهم إلى مدارس مختلفة، وقراءة الصحف المختلفة؛ بشكل عام ، فإنهم يختبرون عوالم اجتماعية مختلفة جذريًا. ففي المجتمعات غير المتكافئة ، يكون لدى السكان هوية طبقية أقوى، مع احتمال أن يعرّف الفقراء أنفسهم على أنهم “طبقة أدنى”. ولفتت دراسة أمريكية إلى أن الأثرياء أقل احتمالية للتبرع للأعمال الخيرية. كما خلصت دراسات أخرى إلى أنه في المجتمعات الأكثر مساواة، يمكن أن تؤدي نقاط التداخل الاجتماعي المتزايدة إلى الشعور بالمصير الاجتماعي المشترك، مما قد يؤدي إلى زيادة الثقة المجتمعية العامة[24].

كما أشارت دراسات تجريبية أجريت في الولايات المتحدة إلى تداعيات العلاقة بين عدم المساواة والثقة والحفاظ على المجتمعات، ولفتت الدراسة إلى تراجع مشاركة الأثرياء من سكان الولايات الأمريكية التي تعاني من ارتفاع عدم المساواة في المبادرات الاجتماعية، مثل نوادي الكتب ودوريات البولينج ومنظمات الخدمات، وارتبط بهذا الوضع أنهم باتوا أقل قبولًا بمرور الوقت. كما وجدت دراسة باستخدام 46 عامًا من بيانات المسح الأمريكية، أن عدم المساواة، على وجه التحديد، هو عامل رئيسي في الانخفاض الملحوظ في عضوية المجموعة الاجتماعية على مستوى الدولة. ووجدت دراسة باستخدام بيانات مسح من 24 دولة أوروبية أنه على عكس التفسير المادي الجديد لعدم المساواة (الذي يقترح نقص الموارد باعتباره السبب الرئيسي للنتائج المرتبطة بعدم المساواة)، فإن الفقراء في مجتمع غير متكافئ للغاية، حتى عندما يكون لديهم القدرة والموارد للمشاركة في الحياة المدنية، فإنهم يختارون عدم المشاركة. ووجدت دراسة أجريت على 30 عامًا من بيانات المسح على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية أن الناس في الولايات غير المتكافئة لديهم ثقة عامة أقل.

ويرتبط حال عدم الثقة بالآخرين بعدد من النتائج السلبية. فالأشخاص الذين لا يثقون بالآخرين هم أكثر عرضة للانخراط في سلوك غير أخلاقي، فضلا عن تردي الحال الصحية البدنية والنفسية، والتي تمثل بعضا من بواعث السلوكيات غير الأخلاقية.

ويمكن بشكل عام الإشارة لتداعيات حال ضعف الثقة العامة في مصر بانخفاض الثقة العامة في مصر، وظهور حالة نفور من القرارات الاقتصادية التي بات ثمة شعور سائد أنها قرارات لصالح الأثرياء، وأن الفقراء يتحملون العبء الأكبر من أسعار السلع العامة[25]، ومن الضرائب. ويتسع هذا النطاق من ضعف الثقة العامة باتجاه التعبير عنها من خلال تعبيرات دارجة من قبيل “الصب في المصلحة”. ويتسع هذا النطاق بالرغم من جهود الدولة لاستعراض استهدافها للأثرياء مثل صلاح دياب وصفوان مالك وحسن راتب وغيرهم. ويمكن القول بأن مظاهر استعراض التنكيل برجال الأعمال[26]، وتوسيع نطاق انتشار الأخبار المتعلقة بهم[27]، لا يعدو أن يكون جهدا لامتصاص الغضب الناتج عن ضعف الثقة العامة المرتبط بالتفاوت الحاد في الدخول والثروات.

وبرغم أن دراسات عدة أثبتت أن ضعف الثقة العامة لا تؤثر في الموقف السياسي في بعض البلدان الفقيرة المشابهة للحالة المصرية، ومن بينها دول أمريكا اللاتينية، إلا أن التداعيات الاجتماعية أكثر خطورة من التداعيات السياسية. ويلفت الكاتب المصري فاروق جويدة لحالة سعار الجرائم التي تشهدها مصر مقارنة بفترات سابقة من تاريخها، ويشير إلى عدة أسباب وراء ارتفاع معدل الجريمة، أولها “الفقر”، وثانيها مرتبط بالفقر كذلك، وهو البطالة[28].

ومن بين الجرائم التي ترتبط بهذا العارض النفسي جرائم التحرش الجنسي، والتي تعكس تراجع القيم العامة المشتركة، ومن بينها قيم العرض. وقد كشفت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية أن مصر من أكثر الدول التي تعانى من ظاهرة التحرش الجنسي، بعد أفغانستان. وكان من بين حجج الصحيفة الأمريكية أن الحكومة البريطانية حذرت مواطنيها من السفر إلى مصر بسبب تزايد التحرش بالنساء، وأكدت الصحيفة أنه عندما اعترض المسئولون المصريون على تحذير الحكومة البريطانية، واصفين إياه بـ”الافتراء”، ردت الحكومة البريطانية بالقول إن السائحات البريطانيات يتعرضن للتحرش والاغتصاب، وربما يصل الأمر إلى الخطف في مصر، أكثر من أي بلد آخر[29]. ونشرت صحيفة جزائرية عن تعرض صحفيتين أجنبيتين للاغتصاب في ميدان التحرير، علاوة على 46 بلاغا بتحرش جنسي وقع خلال احتفال قطاع من المصريين بترتيبات 30 يونيو التي أفضت إلى الانقلاب العسكري في يوليو 2013[30].

الحوادث في هذا الإطار كثيرة للأسف. لكن من بينها حوادث أيقونية، منها حادثة “فتاة فيرمونت” التي استدرجها ابن صاحب الشركة التي تعمل بها تحت دعوى حضور مؤتمر استثماري، وتناوب اغتصابها بالتعاون مع ابنة فنانة مصرية وابن رجل أعمال آخر[31]. وإلى جانب وقائع اخرى سنذكرها في المحور التالي، فإن الفجوة الهائلة في الدخول أدت لتوليد شعور لدى قطاع من أبناء الأثرياء بأن الشرائح الاجتماعية البسيطة ليسوا آدميين، وأنه صار لهم أن يتعاملوا معهم على هذا الأساس. جدير أن هذه الواقعة تحولت لواقعة رأي عام بسبب ما اعتبره شخوص السلطة فضيحة لابن أحد قادة المعارضة المصرية البارزين.

وبرغم أن الميول الإجرامية التي تنتشر تأثرا بحالة عدم الثقة العامة، أو حتى بسبب الرغبة في تقليد الأنماط الاستهلاكية للأثرياء، لا تأخذ طابعا طبقيا، حيث تنتشر هذه الجرائم بين كل الطبقات الاجتماعية، إلا أنه يلاحظ أن ثمة اتجاه من بين اتجاهات الجرائم موجه ضد الأثرياء. فقد كشفت حادثة سرقة حماة أحد الفنان المصريين عن مجرم تخصص في سرقة الأثرياء، ويتركز نشاط هذا المجرم في المراكز التجارية (المولات) التي يجوبها الأثرياء في مصر[32].

2. مدخل تعويض فاقد المكانة:

نفس الدراسة تستعرض مدخلا نفسيا اجتماعيا اقتصاديا آخر، يتمثل فيما يمكن تسميته بتعويض المكانة أو منافسة المكانة. وإن كان يعمل في الدول المختلفة بصيغ مختلفة. ويمكن القول بأن الدراسات التي جرى جمعها في هذا الإطار تتعلق بالدول أو المجتمعات التي تسود فيها قيمة القانون.

في هذا النوع من المجتمعات، ومع نمو عدم المساواة، يتجه الناس لتحقيق المزيد من الفوائد المادية من خلال العمل بشكل أفضل من أقرانهم. على سبيل المثال، يعمل سكان البلدان غير المتكافئة لساعات أطول من تلك الموجودة في الدول الأكثر مساواة، لأن العمل الجاد يكون له مردود نقدي أكبر عندما يحصل أصحاب الأداء الأعلى على المزيد من المكافآت، وهو ما يستخدمه الأفراد لتصوير أنفسهم في مكانة اجتماعية أعلى، وإبراز صورة فئة أعلى من خلال أنماط استهلاكهم. وفي دراسة مسحية على 23 أوروبية، تُظهر أعمال المسح واسعة النطاق أن مواطني الدول غير المتكافئة هم أكثر عرضة للقول إن الوضع الاجتماعي مهم بالنسبة لهم، مؤكدين على أهمية الاحترام والنجاح والإعجاب. وكان من اللافت في هذه الدراسة وأخرى مماثلة لها أن قلق الوضع هذا قد انتشر بين جميع أعضاء المجتمعات غير المتكافئة؛ متضمنا حتى أولئك الذين في أعلى السلم، والذين كانوا أكثر قلقًا بشأن وضعهم قبالة نظرائهم في مجتمعات أكثر مساواة.

وترتبط هذه التأثيرات النفسية بالنتائج السلوكية. فقد كان لافتا أن سكان بعض الولايات الأمريكية الذين لديهم مستويات أعلى من عدم المساواة يبحثون عن السلع التي تشير إلى استهلاك عالي المستوى. وأكدت بعض الدراسات أن عدم المساواة في الدخل أدى لقيام المحرومين بمغامرات أكثر خطورة من أجل اللحاق بالمستفيدين. وكان لافتا أن بعض الدراسات ربطت هذا النمط بنتائج اجتماعية خطيرة مثل ارتفاع معدلات السمنة وتعاطي المخدرات والأمراض العقلية والجريمة ومعدلات الوفيات الإجمالية ومستويات أسوأ من رفاه الطفل والتحصيل العلمي.

وتتحفظ هذه الدراسات عبر الإشارة إلى أنه من الصعب فصل المشاعر النفسية للحرمان النسبي عن التوزيع الفعلي للموارد في فهم ما يخلق ضغوط الحالة، كما أنه من الصعب تحديد الشرائح التي يتنافس معها الشرائح الاجتماعية التي تشعر بالحرمان؛ فهل يتنافسون مع أنفسهم / جيرانهم المباشرين، أو مع أعضاء آخرين في بلدهم ذوي مستويات دخول أعلى.

تعويض المكانة في مصر يختلف، باعتبار تدهور قيمة القانون في مصر بعد انقلاب الثالث من يوليو؛ وبصورة تكاد تكون أشد مما كانت عليه قبل ثورة يناير. فمع الغياب النسبي للقانون، أو تغييبه الانتقائي، يلجأ المصريون لتعويض المكانة من خلال الجرائم المالية والاجتماعية المختلفة كالفساد[33]، والرشوة[34]، والاحتيال على عملاء المصارف والشركات[35]، فيما تعطي الدولة نفسها المثال والقدوة لمثل هذه الأساليب من خلال الإتاوات المفروضة على رجال الأعمال[36]، وسلب الملكيات[37]، وحماية الفساد المرتبط ببعض القيادات الأمنية والسياسية[38]، والتدخل للإفراج عن رجال أعمال متهمين بالفساد وحتى بجرائم قتل[39].. إلخ. وفي هذا الإطار الأخير، تمثل واقعة الإفراج عن رجل الأعمال المدان في واقعة مقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم واقعة كاشفة. رجل الأعمال فائق الثراء خرج من السجن “بفلوسه”. فقد أفرج الرئيس المصري عن رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى في إطار صفقة رتبتها شقيقته، النائبة في البرلمان عن ائتلاف “دعم مصر”، الموالي لرأس سلطة 3 يوليو، وتتضمن الصفقة دفعة إضافية من التبرعات لصندوق “تحيا مصر”، بعد أن كانت الموجات الأولى من الدفعات قد أجريت لتمكين شقيقة رجل الأعمال من اكتساب عضوية مجلس النواب المصري[40]. تلكم هي الرسالة التي تبعث بها الدولة للشرائح الاجتماعية المختلفة، ويمكن إدراك تداعياتها في سياق ما سبق إيراده من نتائج الدراسات على مجتمعات أخرى.

لكن هذه الواقعة الكاشفة ليست الوحيدة في هذا الإطار، وتنشر صحيفة “الأخبار” المصرية تحقيقا حول ظاهرة “إنتا ما تعرفش أنا مين”، ولا يتردد الصحفي بالصحيفة القومية في أن يشير إلى أنه خلال فترة ما قبل الانقلاب العسكري، وصل الحال في مصر حد قيام بعض الأشقياء بارتكاب جرائم سرقة وسطو مسلح واعتداء على المال العام وغلفوها برداء «الشرعية» بزعم أنهم يحصلون على جزء من “أموال الشعب المنهوبة”، وهو ما يمكن للباحث اعتباره تعبيرا أيقونيا عن الأزمة التي ينتجها حال الاختلال الفادح في توزيع الدخول والقروة[41]. وبالنظر لظاهرة “إنتا ما تعرفش أنا مين”، فإن القضية تبعث برسائل تدفع نحو الانفلات الاجتماعي. وخلال العام الماضي، عرفت مصر ما اشتهر باسم “واقعة طفل المرور”، والتي قام خلالها طفل قاصر بـ”سرقة” مفاتيح سيارة أحد أصدقاء والده “الثري”، وقيادتها بسرعة جنونية، ومع توقيفه تعدى بالسباب على فرد الشرطة الذي أوقفه، وقام بتهديده بالضرب و”قطع العيش” لأن السيارة مسجلة كسيارة “هيئة قضائية”[42]. وربما لا توجد رسالة أبلغ من الكلمات التي قالها هذا الطفل القاصر لرجل المرور تعبر عما آل إليه الأمر بالفعل، وما يمكن أن يؤول إليه في حال اتجهت استجابة تعويض المكانة لهذه الوجهة. قال طفل المرور لرجل الشرطة: “إحنا ممكن نضربك ونكسحك ونقعدك جنب امك لولا إنك راجل كبير”.

ويتبقى ي هذا المحور أن نقف وقفة مع السؤال الذي طرحه الكاتب المصري أسامة غريب، عندما ذكر في مقال له أن “الفقر يقلل المناعة ويضعف المقاومة للانحراف، هذا بديهي، ولكن هل يعنى هذا أن الغِنَى يمنح حصانة ويجعل أصحابه بالضرورة شرفاء؟”[43]. هذا السؤال يرتبط بعرض آخر من أعراض التفاوت، والذي يشتبك مع حال تغييب السلطة للقانون، وحاجة شخوص السلطة للمال، وعزوف المواطنين، وربما عجزهم عن بسط رقابتهم على أداء السلطة في بلادهم، ما يؤدي إلى اجتراء أصحاب الثروة على المال العام، أو على المزايا التي تيسر لهم الحصول على مزيد من “ركام” الثروة، سواء عبر الحصول على امتيازات اقتصادية عبر التمييز الناجم عن الرشوة، أو تجاهل شروط العملية الإنتاجية، ما يؤدي بنظرهم لتوفير النفقات الإنتاجية، والتي يتحملها المواطن أضعافا عبر القطاع الصحي. والأمثلة على ذلك كثيرة وليس المقام لذكرها في ذاتها، وإنما في توصيفها كأحد نواتج التفاوت في الثروة، والتي تتيح لمراكمي الثروة أن يشتروا المسؤولين الساعين لتعويض فاقد المكانة. وأثيرت خلال الأيام الماضية قضية مدينة “مدينتي” التي أقطعتها سلطة الرئيس المصري الأسبق “مبارك”، قبل ثورة يناير، لرجل الأعمال هشام طلعت مصطفى ومنحته إياها، وقيل إبانها إن تكلفة الأرض كانت “بخسة”، ليتبين لاحقا أن رجل الأعمال المصري لم يدفع هذا الثمن البخس أيضا حتى حينه[44]، ومع غياب الشفافية اليوم، ومع دخول “هشام طلعت مصطفى” سباق التشييد في “العاصمة الإدارية، لا ندري هل تكرر معه الأمر مجددا أم أنه دفع الثمن هذه المرة.

خاتمة

خلاصة الدراسة أننا أمام “حالة استسهال” أو “تراخ” أو ربما “تواطؤ”، دفعت شركات التسويق العقاري المصرية لعدم التدقيق في بيانات عملائها، وسوق الحملة الإعلانية للكافة، ما يبدو معه أن الشركات عزفت عن القيام بحملة إعلانية موجهة لتلك الشريحة من العملاء الذي يمكنهم تحمل أعباء الوحدات العقارية الجديدة. وبرغم دقة المعلومات التي توفرها شركات مثل “جوجل” بخدماتها المختلفة أو “فيسبوك” أو حتى “تويتر”، إلا أن هذه المعلومات، ربما مكلفة، لكنها لا تفوق طاقة هذا الطوفان العقاري موضوع التسويق.

تحركت الدولة سلبا وإيجابا لتوفير حوافز للاستجابة لهذه الحملات الإعلانية، وفيما كانت الدولة تتحفظ على الاهتمام بملفات النظافة وتهيئة الطرق – باستثناءات قليلة تتعلق بمحاور العاصمة الإدارية، وفيما كانت تتحرك لنشر القبح عبر القضاء على مصادر الجذب في بعض الضواحي المصرية الفريدة، كانت الحملات الإعلانية تعرض صورا مختلفة للواقع المعيش في المدينة الجديدة وأخواتها بعرض في صورة مقارنة بين الجمال والقبح، بين النظافة والقمامة، بين التخطيط والعشوائية، بين الأمن وغيابه، الفارق بين ثقافة ما أصبحت عليه مصر خارج الأسوار وبين ما ستكون عليه داخل الأسوار.. إلخ. حملت الرسالة النهائية للحملات الإعلانية صورة الانسحاب الكامل للدولة من أدوارها الأساسية، ومن يريد هذه الأدوار فعليه أن يدفع هذه المبالغ المذكورة علنا ومن دون مواربة في الإعلانات.

لكن الرسالة الأخطر، والتي نستشفها من بين سطور حصاد مثيلات هذه الحملات الإعلانية، أن الوضع خارج الأسوار، أو الجمهورية القديمة، صار خرابا، وصار مستباحا، سواء على صعيد القيم البشرية أو المادية. لا يقطع الباحث بما إذا كانت الرسالة التي حاول رأس سلطة 3 يوليو تمريرها من خلال قوله “كدا خربانة وكدا خربانة” تصب في نفس الاتجاه، لكن واقع الاختلال الفادح في توزيع الدخول والثروة، أنتج إشكالين نفسيين خطيرين على المستوى القومي، أولهما “أزمة الثقة في المجال العام”، وثانيتهما “محاولات اللحاق بفرص دعم المكانة”. فالأولى بسبيلها لإنتاج حالة تشظي اجتماعي واضحة، ملامحها قديمة قدم مشروع النيوليبرالية المباركية في مصر، بدأت بانهيارات أنساق القيم المحافظة في مصر، والتي كانت تعمل على الحفاظ على المجتمع مع تراجع الدولة، أو مع عدم قدرة الدولة على توفير الموارد اللازمة لأداء أدوارها، وهو ما عزز بدوره من تراجع قدرة رأس المال المصري على التحول لرصيد ورأس مال اجتماعي، وبات يتجه نحو الانعزال، فيما يتصارع المصريون “الآخرون” خارج الأسوار، على الموارد المختلفة.

وفي إطار تغييب القانون، تحولت عملية “تعويض فاقد المكانة” بسبب اختلالات الأجور والثروات، تحولت هذه العملية إلى صراع على “القيم الحرام”، ليصير المال العام والعرض مستباحا على نحو ما عرضته قضية مثل “قضية فتاة فيرمونت”، أو قضية “طفل المرور”، أو حتى قضية “تصالح المخالفات”؛ حيث على المواطن أن يدفع بأثر رجعي فاتورة انهيار دولة مبارك، وأضحت الموارد الاقتصادية قيد المساومة لمن يدفع لـ”صندوق تحيا مصر”، بل وحتى إنفاذ الأحكام القضائية في ملفات الجنايات والقتل صار موضوعا للمساومة حول صفقات الصندوق، وهو ما اتضح في نموذج “قضية رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى”. وتحولت بعض المراكز الوظيفية في الدولة إلى موارد طائفية بدلا من أن تكون مهنية، فيما تتأهل الدولة، الدولة بالمعنى الكلي غير السلطوي، خارج الأسوار لحكم الضباط القادرين على البطش بكل من تسول له نفسه عبور الأسوار للداخل أو للخارج.

قد تبدو تعبيرات من قبيل “فقدان الثقة في المجال العام” و”تعويض فاقد المكانة” أقرب إلى “موضوع تعبير” في امتحان للغة العربية، والتي باتت ضمن حالة تعليمية فقدت كل دلالات العملية التعليمية، حيث لا تعليم بسبب «جائحة كوفيد-19»، ولا امتحانات، ولا نتائج، ولا تنسيق، و”يعمل إيه التعليم في وطن ضايع”. لكن هاتين العبارتين يقفان وراء كل صخرة تتهاوى من عل، سواء على الصعيد الاخلاقي، أو على صعيد التماسك الأسري، أو التضامن الاجتماعي بمعناه العام، أو على مستوى سيادة القانون، أو على أي من المستويات الرمزية في حيواتنا.


الهامش

[1] رغم أن الكاتب معروف، وقد يعرفه القارئ من خلال المذكور عنه، لكن الباحث يتحفظ على ذكر اسمه لعدم استطاعته الحصول على موافقته.

[2] تقرير “مصر في أرقام 2021″، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ص ص: 111 – 124.

[3] Income inequality, 1980-2019, World Inequality Database: https://bit.ly/3kcT57n

[4] متوسط الدخل السنوي للأسرة، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. https://bit.ly/3i6Sqlm

[5] Adel Abdel Ghafar, Causes and Consequences of Inequality in Egypt, Wiley Online Library, 7 February 2021. https://bit.ly/3hGOrN6

[6] Egypt – GINI index (World Bank estimate), https://bit.ly/3edlp5G

[7] GINI index (World Bank estimate) – Country Ranking. https://bit.ly/2Vx34tP

[8] Adel Abdel Ghafar, Causes and Consequences of Inequality in Egypt, Wiley Online Library, 7 February 2021. https://bit.ly/3hGOrN6

[9] المحرر، انخفاض معدل الفقر في مصر لأول مرة منذ 20 عاما، موقع “العين” الإماراتي، 3 ديسمبر 2020. https://bit.ly/3fdoZxB

[10] ياسمين سليم، ما هو خط الفقر وكيف يتم حسابه في مصر؟، موقع “مصراوي”، 30 يوليو 2019. https://bit.ly/3vfV6Cy

[11] المحرر، معدل الفقر في مصر يرتفع إلى 32.5 في المئة من عدد السكان، موقع “قناة بي بي سي” بالعربية، 30 يوليو 2019. https://bbc.in/3hEfOHY

[12] Editorial, Poor on the Nile.. Egypt is reforming its economy, but poverty is rising, The Economist, Aug 10th 2019 edition. https://econ.st/3eh1mmW

[13] قيمة خط الفقر المدقع للفرد في السنة، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. https://bit.ly/3i6Sqlm

[14] الفقر موقع “البنك الدولي للإنشاء والتعمير”، 7 أكتوبر 2020. https://bit.ly/3edCSuG

[15] مصر في أرقام، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تقرير 2021، ص ص: 46 – 58.

[16] Adel Abdel Ghafar, Causes and Consequences of Inequality in Egypt, Wiley Online Library, 7 February 2021. https://bit.ly/3hGOrN6

[17] سوزان عبد الغني، “إزالة مشاتل المعادي تمزيق للنسيج العمراني”.. محور الجزائر في مرمى الانتقادات، موقع “مصر 360″، 12 يوليو 2021. https://bit.ly/3B1G9Hk

[18] إسلام عبد المعبود، جدل بين سكان مصر الجديدة بسبب إنشاء 5 كباري ومذبحة الأشجار، صحيفة “الشروق” المصرية، 23 أغسطس 2019. https://bit.ly/36ALGGV

[19] محمد غايات، “يُعاد زراعتها”.. أول تعليق حكومي على قطع أشجار بمصر الجديدة، موقع “مصراوي”، 21 نوفمبر 2019. https://bit.ly/3i99lUh

[20] قناة “صدى البلد”، عبد الله النجار: التفاخر بالنعم والثراء يكسر قلوب الفقراء والمحتاجين موقع “يوتيوب”، 21 نوفمبر 2020. https://bit.ly/2T8FZNt

[21] وكالات، محاولة لاغتيـال شيخ الأزهر والدولة تتكتم عليها، موقع “سما” الإخباري، 14 فبراير 2017. https://bit.ly/3eeRBFW

[22] Nicholas R. Buttrick – Shigehiro Oishi, The psychological consequences of income inequality, Wiley Onlone Library, 8 March 2017. https://bit.ly/3xIC2Ow

[23] Ibid. https://bit.ly/3xIC2Ow

[24] Silke Goubin & Marc Hooghe, The Effect of Inequality on the Relation Between Socioeconomic Stratification and Political Trust in Europe, Springer Link, 12 February 2020. https://bit.ly/2UcPcEV

[25] المحرر، منظمة حقوقية: دعم الطاقة يفيد الأغنياء في مصر والفقراء يدفعون الثمن، موقع “الخليج الجديد”، 18 أكتوبر 2020. https://bit.ly/3Bi9qhk

[26] إبراهيم قاسم – بهجت أبو ضيف، تفاصيل القبض على صلاح دياب داخل فيلته بمنيل شيحة بأبو النمرس اليوم .. رجل الأعمال صدر ضده أمر بالضبط والإحضار لارتكابه مخالفة بناء في مصنع مملوك له بالبساتين .. والتحقيق معه وفقا لقانون مخالفات البناء، صحيفة “اليوم السابع” المصرية، 1 سبتمبر 2020. https://bit.ly/378YPqu

[27] حمدي دبش، تفاصيل القبض على رجل الأعمال حسن راتب .. التحقيقات تكشف تورطه في أكبر قضية آثار، صحيفة “المصري اليوم”، 29 يونيو 2021. https://bit.ly/36F7UaY

[28] فاروق جويدة، مصر بين جرائم الفقراء وسطوة الأغنياء، صحيفة “الشروق” المصرية، 25 يوليو 2010. https://bit.ly/3z6z9HF

[29] المحرر، بعد أفغانستان.. واشنطن بوست: مصر الأعلى في التحرش الجنسي، صحيفة “اليوم السابع” المصرية، 17 أغسطس 2008. https://bit.ly/3rdT7NZ

[30] المحرر، تسجيل 46 حالة تحرش جنسي واغتصاب صحفيتين أجنبيتين.. هذا ما يحدث داخل ميدان التحرير، موقع “صحيفة الشروق” الجزائرية، 1 يوليو 2013. https://bit.ly/2U9aovE

[31] آلاء عزت، “الاغتصاب الجماعي” : ضحايا الفتيات الفقراء التي لا حق لهم في حضرة الأغنياء، 6 مايو 2021. https://bit.ly/3xHOP3O

[32] حسن رضوان، متخصص في سرقة السيدات الأغنياء.. ما مصير سارق حماة تامر حسنى؟، موقع “قناة صدى البلد” المصرية، 21 يونيو 2021. https://bit.ly/3iuX1hx

[33] محمد مغاور، مصر: فساد مالي ورشى وعمولات بقائمة انتخابية مُقربة من السيسي، موقع “عربي 21″، 19 سبتمبر 2020. https://bit.ly/3wImgls

[34] حمدي دبش، تفاصيل القبض على رئيس حي مصر القديمة: «تلقى رشوة 400 ألف جنيه من متعهد قمامة»، صحيفة “المصري اليوم، 23 أغسطس 2020. https://bit.ly/2UeSK9x

[35] منى زاهي، أخطر «جرائم النصب» على عملاء البنوك في «زمن كورونا» (ملف)، صحيفة “النبأ” المصرية، 24 يونيو 2020. https://bit.ly/3hEvPgL

[36] المحرر، “تبرع إجباري لصندوق سيادي”… جدل حول مشروع قانون مصري على وقع أزمة كورونا، موقع “رصيف 22″، 5 أبريل 2020. https://bit.ly/3elLFuU

[37] لمصلحة مين ده؟ حساب “وسام فؤاد” شبكة “فيسبوك”. https://bit.ly/2VCx8UW

[38] أحمد الجعفري، اعرف الموقف القانوني لرئيس حي الدقي بعد حصوله على البراءة في قضية “الرشوة”، صحيفة “اليوم السابع” المصرية، 4 سبتمبر 2019. https://bit.ly/3ihBN6z

[39] المحرر، السيسي يعفو عن هشام طلعت مصطفى المدان في جريمة قتل سوزان تميم.. ومحاميه: القرار ليس ميزة خاصة

الشرق الأوسط، موقع “قناة سي إن إن” بالعربية، 23 يونيو 2017. https://cnn.it/3z20kmW

[40] المحرر، السيسي يعفو عن سجناء…وصفقة وراء الإفراج عن هشام طلعت مصطفى، صحيفة “العربي الجديد” اللندنية، 23 يونيو 2017. https://bit.ly/36EQATi

[41] خالد عبد الحميد، «انت متعرفش أنا مين؟».. دولة 30 يونيو تواجه محاولات سحق القانون، صحيفة “أخبار اليوم” المصرية، 6 مايو 2021. https://bit.ly/3wGwbb5

[42] إبراهيم قراعة، «المصري اليوم» تنشر تفاصيل تحقيقات واقعة «طفل المرور»، صحيفة “المصري اليوم”، 14 ديسمبر 2020. https://bit.ly/2TjcZTi

[43] Robert R. Kaufman, The Political Effects of Inequality in Latin America: Some Inconvenient Facts,

Comparative Politics, April 2009.

أسامة غريب، لماذا يسرق الأغنياء؟، صحيفة “المصري اليوم”، 15 مارس 2019. https://bit.ly/3zgOW6T

[44] 34 نور على، مليار جنيه ثمن أرض مدينتى تكفى لسداد ديون مصر أو توزيعها على الشعب بدلا من بيع الأصول (حوار)، صحيفة “اليوم السابع” المصرية، 28 نوفمبر 2008. https://bit.ly/3knCRs1

د. عصام حجي: عجز ميزانية المياه في مصر

عجز ميزانية المياه في مصر وسياسات مقترحة لتخفيف سيناريوهات ملء سد النهضة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close