ترجمات

الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل النظام العالمي

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

نشرت مجلة (شؤون دولية) ” Foreign Affairs ” الأمريكية دراسة استشرافية حول المنافسة بين الذكاء الاصطناعي الرقمي والديمقراطية الليبرالية في إعادة صياغة النظام العالمي في المستقبل. وجاءت الدراسة بعنوان “كيف سيعمل الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل النظام العالمي”. وبينما تعتبر النظريات السياسية أن الديموقراطية الليبرالية هي السبيل النموذجي لتحقيق النجاحات الاقتصادية في العالم، ترى النظريات التقنية الرقمية أن السيطرة على المجتمعات تكون في يد السلطة التي تمتلك سلاح المعرفة، مما يجعل هيمنتها على المواطنين أشدّ إحكاماً. وتخلص الدراسة في النهاية إلى تقرير أن مستقبل النظام العالمي يتطلب تحقيق نوع من التناغم بين سلاح المعرفة الرقمية من جهة وقوة الديموقراطية الليبرالية من جهة أخرى – وذلك من أجل تحقيق التوازنات المطلوبة لنمو المجتمعات البشرية فكرياً وتكنولوجياً.

وقام المعهد المصري للدراسات بترجمة الدراسة، وذلك على النحو التالي:

تركز الجدل حول تأثيرات الذكاء الاصطناعي لفترات طويلة حول أمرين اثنين: أحدهما هو الخوف من التفرد (أي تفرد الآلة)، وهو الذي يتجاوز فيه الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري ويخرج عن السيطرة البشرية، وما قد يسببه ذلك من عواقب وخيمة. والأمر الآخر هو القلق من أن تؤدي الثورة الصناعية الجديدة إلى تعطيل القوة البشرية واستبدالها بالآلات في كل مجالات المجتمع – تقريبا – بما في ذلك وسائل النقل والجيوش ومؤسسات الرعاية الصحية.
وهناك أمر ثالث يرتبط بما تبشر به تقنيات الذكاء الاصطناعي من أجل إعادة تشكيل العالم، وهو أنها تسمح للحكومات برصد مواطنيها وتتبع تحركاتهم والسيطرة عليهم أكثر من أي وقت مضى. وبذلك تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي للدول الاستبدادية بديلاً مناسباً للديمقراطية الليبرالية، وهو ما يحدث لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة. وسيؤدي ذلك بالتأكيد إلى تجدد المنافسة الدولية بين النظم الاجتماعية.
وعلى مدى عقود، كان معظم منظري السياسة يعتقدون أن الديمقراطية الليبرالية تمثل السبيل الوحيد للنجاح الاقتصادي المستدام. حيث كان يُعتقد أنه إما أن تقوم الحكومات بقمع شعوبها وتظل على فقرها أو أن تحررهم وتجني من وراء ذلك المنافع الاقتصادية. وقد تمكنت بعض الدول القمعية من تنمية اقتصاداتها لفترة من الزمن، ولكن التسلط ظل دائماً مرتبطاً بالركود الاقتصادي على المدى البعيد. وتبشر تقنيات الذكاء الاصطناعي بتغيير هذه الحقيقة من خلال تمكين الدول الكبرى المتقدمة اقتصادياً من جعل مواطنيها أغنياء مع الحفاظ على السيطرة عليهم في نفس الوقت.
وتتحرك بعض الدول بالفعل في هذا الاتجاه، حيث بدأت الصين في بناء دولة استبدادية رقمية باستخدام أدوات المراقبة وتقنيات التعلم الآلي من أجل السيطرة على السكان في أماكن الاضطرابات، وإيجاد ما تطلق عليه “نظام الائتمان الاجتماعي”. وقد بدأت العديد من البلدان تتبنى نفس التوجهات ونفس طريقة التفكير وذلك من خلال السعي إلى شراء الأنظمة الصينية أو محاكاتها. وكما كانت المنافسة بين النظم الاجتماعية الليبرالية والفاشية والشيوعية في معظم القرن العشرين، فإن الصراع بين الديمقراطية الليبرالية والاستبداد الرقمي سيكون من أبرز ملامح القرن الحادي والعشرين.

السلطوية الرقمية

من المتوقع أن تتيح التقنيات الجديدة مستويات عالية من الرقابة الاجتماعية بتكلفة معقولة نسبياً. وسوف تكون الحكومات قادرة على مراقبة البيانات والسلوكيات بشكل انتقائي وذلك للسماح بتدفق المعلومات الخاصة بالأنشطة الإنتاجية الاقتصادية بحرية تامة، مع الحد من المناقشات السياسية التي قد تسبب الضرر للنظام. ويوفر ما يسمى بجدار الحماية الكبير في الصين عرضاً مبكراً لهذا النوع من الرقابة الانتقائية.
بالإضافة إلى الرقابة بأثر رجعي على الأحاديث، فسوف تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة التحكم الاستباقي بالمعارضين المحتملين. ويشبه ذلك سياسة سوق الاستهلاك المستهدف الذي تعتمده شركتا جوجل وأمازون ولكنه سيكون أكثر تأثيراً، حيث ستكون الحكومات الاستبدادية قادرة على الاعتماد في ذلك على بيانات لم تكن مسموحاً بها في ظل الديمقراطيات الليبرالية. وبينما لا تملك شركتا جوجل وأمازون سوى حق الوصول إلى البيانات من بعض الحسابات والأجهزة، فإن الذكاء الاصطناعي المصمم للسيطرة الاجتماعية سوف يستخلص البيانات من العديد من الأجهزة التي يتفاعل معها شخص ما خلال حياته اليومية.
والأهم من ذلك، فلن تتمكن الأنظمة الاستبدادية من تحقيق أي تناغم حول دمج هذه البيانات مع المعلومات التي تستقى من الإقرارات الضريبية، والسجلات الطبية، والسجلات الجنائية، وعيادات الصحة الجنسية، والبيانات المصرفية، ونتائج كشف الجينات، والمعلومات المادية (مثل الموقع، والقياسات الحيوية، ورصد الأشخاص من خلال الدوائر التلفزيونية المغلقة باستخدام برامج التعرف على الوجه)، وكذلك المعلومات التي يتم جمعها من خلال العائلة والأصدقاء. وتتحدد جودة الذكاء الاصطناعي بقدر جودة البيانات التي يمكنه الوصول إليها. ولسوء الحظ، فإن كم ونوع البيانات المتاحة للحكومات عن كل مواطن سيكون مهماً جداً في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
إن مجرد وجود هذا النوع من الرقابة التنبؤية سيكون له دور كبير في مساعدة المستبدين. وعلى الرغم من أن الرقابة الذاتية كانت الآلية التأديبية الأكثر أهمية في ألمانيا الشرقية من قبل، فسوف تجعل تقنيات الذكاء الاصطناعي ستجعل الأمر أكثر فعالية بشكل كبير. وسيكون الناس على دراية تامة بأن المراقبة الشاملة لنشاطاتهم المادية والرقمية سوف تستخدم للتنبؤ بالسلوك غير المرغوب فيه الذي قد يصدر عنهم، وحتى الأفعال التي قد يفكرون فقط بالقيام بها. ومن منظور تقني بحت، فإن هذه التنبؤات لا تختلف كثيراً عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة الرعاية الصحية للتنبؤ بالأمراض لدى الأشخاص الذين يبدو أنهم أصحاء حتى قبل ظهور أعراض المرض عليهم.
من أجل منع النظام التقني من إجراء تنبؤات سلبية، سيبدأ العديد من الناس في محاكاة سلوكيات عضو “مسؤول” في المجتمع. قد تكون درجة الدقة في ذلك بقدر دقة العناصر المختلفة التي تمعن النظر فيها على شاشة هاتفك النقال. وسيؤدي ذلك إلى تحسين مستوى الرقابة الاجتماعية، ليس فقط من خلال إجبار الناس على التصرف بشكل معين، ولكن أيضاً من خلال تغيير طريقة تفكيرهم. وهناك استنتاج هام في علم التأثير المعرفي وهو أن دفع الناس إلى القيام بسلوكيات معينة قد يؤدي إلى تغيير مواقفهم وإلى اكتساب عادات تعزز نفسها من تلقاء نفسها. إن جعل الناس يشرحون موقفًا معيناً يجعلهم أكثر قابلية لدعمه، وهو أسلوب استخدمه الصينيون في أسرى الحرب الأمريكيين أثناء الحرب الكورية. ويعرف مندوبو المبيعات أن دفع عميل محتمل لمنتجاتهم إلى أداء سلوكيات معينة مهما كانت ضئيلة يمكن أن يغير من مواقفهم بخصوص التقدم بطلبات شراء أكبر في وقت لاحق. وقد أظهرت خبرة أكثر من 60 عاماً من العمل المخبري والميداني قدرة البشر الرائعة على ترشيد سلوكهم.
وبالإضافة لدرجة التحكم الفعالة، فإن تقنية الذكاء الاصطناعي تبشر بتخطيط اقتصادي مركزي أفضل. وكما يقول جاك ما، مؤسس شركة “علي بابا” الصينية العملاقة للتكنولوجيا، أنه مع توفر المعلومات الكافية، تستطيع السلطات المركزية توجيه الاقتصاد من خلال التخطيط والتنبؤ بقوى السوق. فبدلاً من الخطط البطيئة غير المرنة التي لا تراعي الفروق الاجتماعية، تبشر تقنية الذكاء الاصطناعي باستجابات سريعة ومفصلة لاحتياجات العملاء جميعاً.
ليس هناك ما يضمن نجاح هذا النوع من الاستبداد الرقمي على المدى البعيد، ولكن ذلك قد لا يكون ضرورياً، طالما أن بعض الدول تعتبره مناسباً وقابلاً للتنفيذ عندها. وبالتأكيد سيكون ذلك كافياً لإيجاد منافسة إيديولوجية جديدة. وإذا اتجهت الحكومات إلى اعتبار الاستبداد الرقمي بديلاً عملياً للديمقراطية الليبرالية، فإنها لن تشعر بأي ضغوط تمارس عليها من أجل التحرر أو من أجل التخلص منها. وحتى إذا فشل مثل هذا النموذج في النهاية، فقد تستمر محاولات تطبيقه لفترة طويلة. والجدير بالذكر أن النماذج الشيوعية والفاشية انهارت فقط بعد أن فشلت محاولات تطبيقها في العالم الحقيقي.

إعادة الدولة الشمولية – الكل تحت المراقبة

وبغض النظر عن مدى الفائدة التي قد يثبتها نظام الرقابة الاجتماعية لحكومة ما، فإن بناء نظام حكم كهذا لن يكون سهلاً على الإطلاق، حيث أنه من المعروف أن المشاريع الضخمة لتكنولوجيا المعلومات صعبة التنفيذ تماماً، كما أنها تتطلب مستويات عالية من التنسيق، والتمويل السخي، والكثير من الخبرة. ومن أجل إدراك ما إذا كان هذا النظام ممكنًا أم غير ذلك، فإنه يجب مراجعة نموذج الصين التي تُعتبر أهم الدول غير الغربية التي قد تبني نظاماً مثل هذا.
لقد أثبتت الصين أنها قادرة على تقديم مشاريع ضخمة لتكنولوجيا المعلومات تشمل المجتمع، مثل جدار الحماية العظيم. كما أن لديها التمويل اللازم لبناء أنظمة جديدة رئيسية. وقد بلغت ميزانية الأمن الداخلي للبلاد 196 مليار دولار على الأقل في العام الماضي، بزيادة 12 في المائة عن عام 2016. وربما كان الدافع وراء تلك القفزة هو الحاجة إلى منصات بيانات ضخمة جديدة. وتمتلك الصين أيضا خبرة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تُعتبر الشركات الصينية رائدة عالمياً في أبحاث الذكاء الاصطناعي، وكثيراً ما كان مهندسو البرمجيات الصينيون يتفوقون على نظرائهم الأمريكيين في المسابقات الدولية. وأخيرًا، يمكن أن تشكل التقنيات، مثل الهواتف الذكية واسعة الانتشار الآن، العمود الفقري لنظام مراقبة للأشخاص، حيث تقترب معدلات ملكية الهواتف الذكية في الصين من تلك الموجودة في الغرب؛ وفي بعض المجالات، مثل تقنية الدفع النقدي المتنقل، تُعتبر الصين هي الرائدة عالميا.
وتعمل الصين حالياً بالفعل على بناء المكونات الأساسية لنظام استبدادي رقمي، وقامت العام الماضي بتطوير وتقوية جدار الحماية العظيم. وتُصنف مؤسسة فريدوم هاوس، وهي مركز أبحاث معروف، الصين على أنها الأسوأ بين دول العالم في انتهاك حرية الإنترنت. وتنفذ الصين كذلك مراقبة مكثفة على مستوى العالم المادي. وفي عام 2014، أعلنت الصين خطة لنظام ائتمان اجتماعي من خلال منظومة متكاملة تعكس جودة سلوك كل مواطن، حسب مفهوم الحكومة للسلوك الجيد. وقد تم تطبيق نظام المراقبة في مقاطعة شينج يانج الصينية، حيث يتم استخدامه في رصد ومراقبة السكان الأويغور المسلمين. وبالنسبة لأولئك الذين يعتبرهم النظام التقني حالة غير آمنة، يتم إقصاؤهم من الحياة اليومية، ويتم إرسال العديد منها إلى مراكز إعادة التأهيل. وإذا أرادت بكين ذلك، فيمكنها تطبيق هذا النظام على جميع مناطق البلاد.
من المؤكد أن القدرة (على تطبيق هذا النظام) لا تعني بالضرورة توفر نية لتنفيذه. ولكن يبدو أن الصين تتجه باندفاع نحو الاستبداد مبتعدة كثيراً عن أي توقعات للتغيير. وتعتقد الحكومة بشكل واضح أن الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة سيكون لها دور كبير في التمكين لهذا الاتجاه. وتوضح خطة الصين لتنمية الذكاء الاصطناعي لعام 2017 كيف أن القدرة على التنبؤ و “الإدراك الجماعي” تعني أن الذكاء الاصطناعي سيوفر فرصاً جديدة للبناء الاجتماعي.
ولا يقتصر الاستبداد الرقمي على الصين وحدها، حيث تقوم بكين بتصدير نموذجها إلى الخارج. لقد انتشر مفهوم جدار الحماية العظيم (للإنترنت) وانتقل إلى تايلاند وفيتنام. ووفقا لتقارير إخبارية، فقد قدم خبراء صينيون الدعم لأجهزة الرقابة الحكومية في سريلانكا، وزودوا كذلك إثيوبيا وإيران وروسيا وزامبيا وزيمبابوي بأجهزة مراقبة عالية التقنية. وفي وقت سابق من هذا العام باعت شركة “ييتو” للذكاء الاصطناعي للشرطة الماليزية كاميرات صغيرة (يمكن ارتداؤها) مزودة بتقنية التعرف على الوجه بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقد عمدت الصين وروسيا إلى معارضة سياسة الولايات المتحدة في توفير شبكة إنترنت عالمية مجانية دون حدود أو قيود. وتستخدم الصين قوتها الدبلوماسية والسوقية للتأثير على المعايير التقنية العالمية وتطبيع فكرة أن الحكومات المحلية يجب أن تتحكم في الإنترنت بطرق تحد بشكل كبير من الحرية الفردية. وبعد تداول تقارير عن وجود تنافس محموم من أجل الهيمنة على منتدى جديد تكون مهمته وضع معايير دولية لتقنيات الذكاء الاصطناعي، قامت الولايات المتحدة بتأمين سيطرتها على الأمانة العامة لهذه اللجنة، مما يمكنها من توجيه قرارات المجموعة. وفي حين استضافت بكين أول اجتماع للجنة في أبريل من العام الحالي، تمكن وائل دياب، وهو مدير بارز في شركة هواوي، من الفوز برئاسة اللجنة. وقد تبدو هذه التدابير – بالنسبة للحكومات التي تستخدمها – دفاعية، ولكنها ضرورية جداً بالنسبة لها لضمان السيطرة الداخلية. ولكن حكومات أخرى قد ترى أنها ترقى إلى مستوى هجمات على أسلوب حياتها.

الرد الديموقراطي

إن ظهور نموذج تقني استبدادي للحكم يمكن، بشكل بدهي، أن يعيد إلى الواجهة الديمقراطيات الليبرالية. فالطريقة التي تستجيب بها الديمقراطيات الليبرالية للتحديات والفرص التي تمثلها تقنيات الذكاء الاصطناعي تعتمد من جانب على كيفية تعاملها معها داخلياً، ومن جانب آخر على كيفية تعاملها مع البديل السلطوي خارجياً. وفي كلتا الحالتين، هناك أسباب للتفاؤل الحذر.
على الصعيد الداخلي، على الرغم من أن الديمقراطيات الراسخة سوف تحتاج إلى بذل جهود كبيرة من أجل إدارة صعود التقنيات الجديدة، فمن الواضح أن التحديات التي ستواجهها هذه الديمقراطيات لن تكون أكبر من تلك التي سبق لها التغلب عليها من قبل. وهناك سبب كبير يدعو إلى التفاؤل وهو ما يعرف بـ “تبعية المسار”. ومن المرجح أن تسير البلدان ذات التقاليد الراسخة في الحرية الفردية في مسار واحد مع التقنيات الجديدة؛ وأما أولئك الذين يفتقدون إلى تلك التقاليد يتخذون مسارات مختلفة. ولطالما عارضت النخب القوية داخل المجتمع الأمريكي كثيراً برامج المراقبة الجماعية الحكومية داخلياً، وإن اختلفت درجة النجاح في هذا المسعى. فعلى سبيل المثال، عندما بدأت وكالة “مشاريع الأبحاث الدفاعية المتطورة” في السنوات الأولى من هذا القرن في بناء أنظمة مراقبة داخلية فيما عُرف بـ “الشفافية المعلوماتية الكاملة” لجمع البيانات الطبية والمالية والفيزيائية وغيرها، عارضت جماعات الإعلام والحريات المدنية المشروع بشدة مما استدعى الكونجرس إلى سحب تمويل البرنامج، على الرغم من أنه احتفظ ببعض التفاصيل سرية وأخفاها عن الجمهور آنذاك.
ويعترف معظم المواطنين في الديمقراطيات الليبرالية بالحاجة إلى القيام بأعمال تجسس في الخارج وكذلك أعمال مراقبة داخلية لمكافحة الإرهاب، لكن ذلك لابد أن يتم – داخلياً – تحت ضوابط وتوازنات قوية لكبح جماح جهاز الأمن في البلاد. وتتعرض هذه الضوابط والتوازنات لهجوم شديد اليوم يستلزم بذل الجهود لدعمها وتقويتها، ولكن هذا الأمر سيكون بالتأكيد تكراراً للجهود التي تم بذلها من قبل أكثر من كونها تحديات جديدة من الأساس.
وليست الحكومات في الغرب هي الوحيدة التي تشكل تهديدا للحريات الفردية. فالشركات التي تحتكر التكنولوجيا تكرس سلطتها من خلال إنهاك منافسيها والضغط على الحكومات لتفعيل لوائح وقوانين في صالحها. ومع ذلك، فقد تغلبت المجتمعات على هذا التحدي من قبل، بعد ثورات تكنولوجية سابقة. وفي ثمانينيات القرن العشرين، قام الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت بتفكيك وحل الشركات الكبرى التي تمثل هذه الاحتكارات مثل شركة “إيه تي آند تي”؛ وفي التسعينيات، فرض المشرعون ضوابط كثيرة على شركة مايكروسوفت في أوج صعود الإنترنت.
كما تمثل الشركات الرقمية العملاقة تهديداً لمبدأ تنوع المحتوى الذي تقدمه وسائل الإعلام المختلفة من أجل المصلحة العامة، بالإضافة إلى الدعايات السياسية الموجهة بعيداً عن رقابة القانون. لكن في السابق، شكلت التكنولوجيات الجديدة آنذاك، مثل الإذاعة والتلفزيون، مشاكل مماثلة، وكانت المجتمعات حينها عند مستوى التحدي. ومن المرجح أن يتم عمل التحديثات اللازمة للقوانين واللوائح لتستوعب التعريفات الجديدة لكل من “وسائل الإعلام” و “الناشر” التي أوجدتها شبكة الإنترنت. وقد ظل الرئيس التنفيذي لشركة “فيسبوك”، مارك زوكربيرج، يقاوم اعتماد نفس التصنيف المفروض على الدعاية السياسية في التليفزيون، حتى اضطرته الضغوط السياسية إلى الرضوخ لها العام الماضي فقط.
ومن غير المرجح أن تنتصر الديمقراطيات الليبرالية على النظام الاستبدادي الرقمي. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن نسباً متناقصة في المجتمعات الغربية تنظر إلى الديمقراطية على أنها “ضرورية”، ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال هشاشة الديمقراطية في الدول الغربية.
وربما سيؤدي التحدي الخارجي خوفاً من وجود منافس سلطوي جديد إلى تعزيز الديمقراطيات الليبرالية. وقد يؤدي النزوع البشري إلى تأطير المنافسة في مبدأ “نحن ضد غيرنا” إلى قيام الدول الغربية بتحديد مواقفها تجاه نظم المراقبة على الأقل جزئياً في مواجهة المنافسة الجديدة. ويشعر معظم الأفراد بأن التفاصيل الدقيقة لسياسة البيانات مملة للغاية، ولا يهتمون بمخاطر المراقبة عليهم. ولكن عندما تكون هذه الأمور هي أساس لنظام بائس في العالم الحقيقي، فإنها لن تبقى تفاصيل مملة أو مجردة حينها. وعندئذ سوف يتعين على الحكومات وشركات التكنولوجيا في الديمقراطيات الليبرالية أن توضح مدى تميزها عن الآخرين في ذلك.

دروس للغرب

لا يستطيع الغرب أن يفعل سوى القليل لتغيير مسار دولة في قدرة ورسوخ الصين. ومن المرجح أن تستمر الدول الاستبدادية الرقمية قائمة لبعض الوقت. لذلك، فمن أجل التنافس معهم، ستحتاج الديمقراطيات الليبرالية إلى تبني استراتيجيات واضحة تشمل:
أولاً: ينبغي على الحكومات والمجتمعات الحدّ من أعمال المراقبة والتلاعب (بخصوصية الأفراد) على المستوى الداخلي. ويجب كذلك تفكيك الشركات العملاقة في مجال التكنولوجيا وإعادة تنظيمها من جديد. وينبغي على الحكومات أيضاً العمل على ضمان وجود بيئة إعلامية متنوعة وصحية، وعلى سبيل المثال من خلال ضمان عدم قيام شركات كبيرة مثل فيسبوك بالتأثير سلباً على التعددية الإعلامية؛ وكذلك المساهمة في تمويل خدمات البث العام؛ وتحديث اللوائح والقوانين التي تنظم الدعاية السياسية لتناسب عالم الإنترنت. ويجب أيضاً على الحكومات سن قوانين تمنع شركات التكنولوجيا من استغلال المصادر الأخرى للبيانات الشخصية، مثل السجلات الطبية، الخاصة بعملائها. ويجب أن تحد الحكومة أيضاً بشكل جذري من جمع البيانات من خلال المنصات المتعددة التي يتصل بها الناس، وأن يُمنع استخدام هذه البيانات حتى على الحكومة نفسها إلا في أضيق الحدود، مثل عمليات مكافحة الإرهاب.
ثانياً: يجب على الدول الغربية أن يكون لها دور مؤثر في كيفية تطبيق الدول التي لا تتوفر بها ديمقراطيات راسخة أو تلك التي لا تُصنف على أنها شديدة الاستبداد أنظمة الذكاء الصناعي والبيانات الكبيرة. ويجب عليها (الدول الغربية) كذلك تقديم المساعدات لتطوير البنية التحتية المادية والقانونية لتلك الدول واستخدام استمرارية تلك المساعدات في منع الحكومات (الاستبدادية) من استخدام البيانات المشتركة للأفراد. ويجب على الدول الغربية أيضاً تعزيز المعايير الدولية التي تحترم الخصوصية الفردية وفي نفس الوقت تحافظ على سيادة الدولة. وينبغي عليها وضع ضوابط لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبيرة في أغراض الأمن القومي المشروعة وليس في قمع حقوق الإنسان.

أخيراً:

يجب على الدول الغربية أن تكون مستعدة للوقوف في وجه النظام الاستبدادي الرقمي. وستثبت الأيام أن كثيراً من الأنظمة التي ستقوم على تقنيات الذكاء الاصطناعي هي أنظمة هشة وعرضة للخلل والانهيار. وعلى الرغم من إقبال الحكومات على تلك التقنيات بشكل متزايد من أجل ضمان أمنها، إلا أنه يجب عليها أن تكون حريصة على ألا تخرج الأمور عن سيطرتها في ذلك. وقد تحقق أنظمة الحكم التي تفرض رقابة انتقائية على الاتصالات تقدماً في الجانب الاقتصادي، ولكنها حتماً سترفع الحجب عن العالم الخارجي أيضاً. ولن يكون الفوز في المواجهة مع الحكومات الاستبدادية الرقمية مستحيلاً – طالما أن لدى الديمقراطيات الليبرالية الإرادة السياسية اللازمة للدخول في المواجهة(* ).


(* ) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *